
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم عاشقة القلم
لم يمر وقت طويل حتى انتشر خبر حادث مراد بين أفراد العائلة، وكأن الخبر كان صدمة ألقت بظلالها على كل بيت عرفه.
كان عزت قد أبلغ زوجته عائشة بما حدث، لكنها كانت في الطريق للمستشفى هي وديلان.
إتصل عزت بعد ذلك بأخيه إبراهيم واخبره، الذي بدوره مان قد خرج من عمله وموجود ببيته، وما إن علمت عائلة إبراهيم حتى لم يتردد إبراهيم لحظة في مغادرة منزله برفقة زوجته وابنه روني، متوجهين إلى المستشفى.
أما دنيز، فعندما وصلها الخبر، جلست في غرفتها شاحبة الوجه.
كانت تعرف أن مراد اكتشف الحقيقة، أو على الأقل أصبح قريبًا جدًا من اكتشاف تفاصيلها، وأن ذهابها إلى المستشفى يعني مواجهة الجميع، وربما مواجهة مراد إن استعاد وعيه.
لذلك ادعت المرض كما قالت لوالدتها صباحا، عندما عادت من الخارج مدعية انها في أيام دورتها.
قالت لوالدها إنها تشعر بصداع شديد، وإنها لا تستطيع الخروج، متظاهرة بأنها منهارة من الصدمة.
لكن صفية لم تكن تعلم أن مرض ابنتها لم يكن سوى حيلة للهروب من المواجهة.
وهكذا بقيت دنيز في المنزل، بينما انطلقت بقية العائلة إلى المستشفى.
كان الممر المؤدي إلى غرفة الإنعاش ممتلئًا بأفراد العائلة.
عائشة تجلس إلى جانب ديلان، تمسك يدها بين يديها، بينما كان عزت واقفًا قرب الباب، يتحرك بين الحين والآخر وكأنه عاجز عن الاستقرار في مكان واحد.
أما إبراهيم، فكان يجلس إلى جانب زوجته وابنه روني، وقد بدت علامات القلق واضحة على وجهه.
حتى باران، الذي كان أول من وصل إلى المستشفى، لم يبتعد عن غرفة الإنعاش، حيث كان يقف على الجانب الأخر من باب غرفة الإنعاش.
كان الجميع ينتظرون،
ينتظرون أي خبر،
أي حركة،
أي كلمة من الطبيب،
مرت الساعات ثقيلة، بطيئة، حتى بدا النهار وكأنه لا يريد أن ينتهي.
كانت ديلان أكثرهم صمتًا،
جلست تحدق في باب غرفة الإنعاش، وفي كل مرة يتحرك فيها أحد الأطباء أو الممرضين، ينتفض قلبها ظنًا منها أن الخبر قد جاء.
اقتربت عائشة منها وربتت على كتفها، وهي تخاول طمئنتها وطمئنة نفسها هي أيضا .
عائشة: لا تقلقي يا ابنتي، الأطباء لم يتوقفوا عن العمل منذ الصباح، وبالتأكيد مراد سيستيقظ ليعود لنا.
أومأت ديلان، لكنها لم تستطع منع دموعها.
ديلان: أشعر وكأنني أحلم يا أمي.
عائشة: أعلم يا إبنتي، فوقت الإنتظار من اصعب الاوقات.
ديلان: بالأمس كنت غاضبة منه... واليوم أجلس هنا أخاف أن أفقده.
تنهدت عائشة ومسحت دمعتها.
عائشة: هذه هي الحياة يا ابنتي، أحيانًا لا ندرك قيمة الأشياء إلا عندما نشعر أننا على وشك فقدانها.
رفعت ديلان عينيها إلى باب الغرفة من جديد.
ديلان: لم أكن أريد أن يحدث له شيء.
عائشة: وأنا أعلم.
ثم احتضنتها عائشة، بينما بقي عزت واقفًا غير بعيد عنهما، يرفع عينيه بين الحين والآخر إلى السماء ويتمتم بالدعاء.
أما باران، فكان يحمل في صدره ثقلًا لا يستطيع وصفه.
كلما تذكر مكالمة المستشفى، عاد إليه ذلك الصوت:
"حالة حرجة... غرفة الإنعاش..."
ولم يكن يستطيع إخراج الكلمات من رأسه.
حلّ المساء، وبدأ ضوء النهار يتلاشى خلف نوافذ المستشفى.
كان الجميع منهك من التعب، لقد أمضوا ساعات طويلة في الانتظار.
وفجأة، خرج الطبيب من غرفة الإنعاش.
نهض الجميع دفعة واحدة.
تقدم عزت بسرعة.
عزت: دكتور؟ كيف هي خالة إبني؟..
نظر الطبيب إليهم وقال:
الطبيب: حالته بدأت تستقر قليلًا، وتمكن من تجاوز المرحلة الأصعب حتى الآن.
أغمضت عائشة عينيها، ورفعت يديها إلى وجهها وهي تهمس:
عائشة: الحمد لله...الحمد لله.....
تنفس الجميع الصعداء.
لكن الطبيب تابع:
الطبيب: ما زال وضعه يحتاج إلى مراقبة دقيقة، لكنه استعاد وعيه منذ قليل.
رفعت ديلان رأسها بسرعة.
ديلان: هل استعاد وعيه؟.
أومأ الطبيب.
ثم قال:
الطبيب: لقد سأل عن زوجته.
توقفت ديلان عن التنفس.
التفتت إلى عائشة، التي نظرت إليها بعينين دامعتين.
ديلان: انا زوجته.
عائشة: اذهبي إليه يا ابنتي.
ترددت ديلان.
ديلان: هل تسمحون لي بالدخول؟.
الطبيب: لدقائق فقط، وبهدوء. حالته لا تحتمل الانفعال.
أومأت ديلان.
ثم تقدمت بخطوات مترددة نحو الباب.
وقبل أن تدخل، أمسكت عائشة يدها.
عائشة: لا تحملي في قلبك الآن سوى الدعاء له.
أومأت ديلان، ثم دخلت بعد ان إرتدت الملابس الخاصة بغرفة الإنعاش.
كان مراد مستلقيًا فوق السرير.
وجهه شاحب، وعيناه نصف مفتوحتين، تحيط به الأجهزة والأسلاك.
كان يبدو مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي خرج من المنزل في ذلك الصباح.
لم يعد هناك غضب في وجهه،
ولا عناد،
فقط تعب شديد، وكأن الحادث انتزع منه كل شيء وأبقى له شيئًا واحدًا:
الحقيقة.
وحين سمع صوت الباب، حاول فتح عينيه أكثر.
كانت ديلان تقف عند المدخل.
نظر إليها طويلًا.
ثم تحركت شفتاه بصعوبة.
مراد: ديلان...
ارتجف قلبها.
اقتربت منه وجلست قرب السرير.
ديلان: أنا هنا بجانبك.
ظل ينظر إليها، وكأن وجودها أمامه كان شيئًا لم يصدق أنه سيحصل عليه.
ثم قال بصوت ضعيف:
مراد: لقد جئتِ إذن؟.
اغرورقت عيناها بالدموع.
ديلان: لأنك زوجي... ولأنني خفت عليك.
أغمض مراد عينيه للحظة.
نزلت دمعة على جانب وجهه.
مراد: بعد كل ما فعلته بكِ... جئتِ؟.
ديلان: لا تتحدث الآن، أنت متعب ولايجب ان ترهق نفسك بالكلام.
هز رأسه ببطء.
مراد: دعيني أتحدث... ربما لا أملك وقتًا آخر.
ارتجفت ديلان.
ديلان: لا تقل هذا، ستخرج إن شاء الله وسنعود لبيتنا.
فتح عينيه ونظر إليها.
مراد: إسمعيني......اولا يا ديلان...
سكت قليلا وكانه يستجمع قواه ليقول شيئا يثقل قلبه ثم فتح شفتيه قائلا...
مراد: سامحيني......يا ديلان .... لقد ظلمتك كثيرا.
تجمدت ديلان.
مراد: سامحيني يا ديلان....... على كل شيء.
أخذ نفسًا بصعوبة.
مراد: ظلمتك... شككت فيكِ... اتهمتك بما لم تفعليه... عاملتك بقسوة، وكسرت قلبك مرات كثيرة.
بدأ صوته يختنق.
مراد: وكنتِ بريئة....... طوال الوقت.
وضعت ديلان يدها على فمها، وانهمرت دموعها.
مراد: عرفت الحقيقة لكن....... تأخر الوقت.
سكت لحظة، ثم تابع:
مراد: عرفت من نسجا كل شيء.... وجعلني أصدق...... أكاذيبهم......... وأنا صدقت كالأحمق.....كنت مغفلا
أغمض عينيه بألم.
مراد: لو كان في العمر بقية... سأعوضك عن كل ما فعلته بكِ...... سأعيد لكِ الأمان الذي سلبتكِ إياه......... وسأجعلكِ تنسين كل لحظة جعلتكِ تبكين فيها بسببي.
اقتربت ديلان منه أكثر، والدموع تملأ وجهها.
ديلان: كفى يا مراد... لا تتعب نفسك بالكلام أكثر.
لكنه حاول أن يرفع يده نحوها.
أمسكتها ديلان بسرعة بين يديها.
ديلان: لاترهق نفسك أكثر، سنتكلم عن ذلك حين تتحسن.
مراد: لا ياديلان.... ارجوكي سامحيني الان...... إذا استطعت طبعا.
ديلان: لا تنفعل فانت مريض .
مراد: فقط.... سامحيني....اريد سماعها الان......ربما قد .....يتأخر الوقت.
ديلان: سامحتك من قلبي من اول يوم، فانا لا احب ان اعيش وفي قلبي ضغينة لأحد، بل اترك امره لله، لكنك انت سامحتك لانني اعلم طيبة قلبك ولم اكن اعلم سبب تغيرك معي.
مراد: أعدك... اعدك يا ديلا.....
لكن قبل أن يكمل جملته، تغيرت ملامحه فجأة.
تسارعت أنفاسه.
بدأ جهاز المراقبة بإصدار صوت متتابع.
رفعت ديلان رأسها مذعورة.
ديلان: مراد؟.
لم يجب.
ديلان: مراد!.
اندفع الفريق الطبي إلى الغرفة.
الطبيب: سيدتي، ابتعدي من فضلك!.
نهضت ديلان مذعورة.
ديلان: ماذا حدث له؟!.
الطبيب: يجب أن تخرجي الآن.
حاولت أن تبقى قربه، لكن إحدى الممرضات أمسكت بيدها وأخرجتها من الغرفة.
الممرضة: من فضلك يا سيدة اخرجي حتى نعتني بالمريض.
ديلان: مراد!، مابه؟ ماذا حدث له يا حضرة الممرضة.
الممرضة: لقد اجهد نفسه بالكلام وانفعل وهذا ممنوع عليه، لذلك تأثر ويجب إنعاشه فورا.
ديلان: مراد!!.
خرج صوتها مختنقًا وهي تلتفت إليه للمرة الأخيرة.
كان الأطباء قد أحاطوا بالسرير، وبدأوا بالتعامل مع تدهور حالته بسرعة.
أُغلق الباب خلف ديلان فور خروجها من غرفة الانعاش.
وقفت ديلان خارجها وهي تبكي، عاجزة عن فعل شيء.
اقتربت منها عائشة واحتضنتها.
عائشة: اهدئي يا ابنتي... اهدئي.
لكنها لم تستطع، كانت عائشة تتظاهر بالتماسك، لكنها كانت تنهار من الداخل، كانت تلوم نفسها بسبب فسوتها عليه في الآونة الأخيرة، لكن فعلته بديلان افقدتها صوابها لذلك قست عليه .
عائشة: ماذا حدث في الداخل يا إبنتي، وكيف هو فأنا لم يطاوعني قلبي لرؤيته في تلك الصورة.
ديلان: كان يتحدث معي... كان بخير... ثم فجأة...
لم تستطع إكمال جملتها.
أما عزت فكان يقف أمام الزجاج، يراقب ما يحدث داخل الغرفة، منذ خروج ديلان منها.
وبجانبه وقف باران، عاجزًا عن الكلام.
كانا يريان الأطباء يتحركون بسرعة حول مراد، بينما كانت الأجهزة تصدر أصواتًا متلاحقة.
وضع عزت كفه على الزجاج.
عزت: يا رب... إحفظ لي إبني.
كان صوته متهدجًا.
عزت: لا تأخذ ابني مني.
أما باران فأطرق رأسه، وقد امتلأت عيناه بالدموع.
وخلفهما كانت عائشة تضم ديلان إلى صدرها، وهي تدعي بصمت ودموعها تنهر على خديها، بينما ظلت الأخيرة تحدق من بين دموعها إلى زوجها الراقد خلف الزجاج، ومازالت الكلمات التي قالها لها تدور بعقلها، من اراد تشويه سمعتها ونسف زواجها قبل ان يبدأ حتى، من زرع تلك الاكاذيب برأسها وجعل مراد يعاملها بتلك الطريقة، من تسبب بمعاناها طيلة الاشهر الماضية، رفعت يديها للسماء تدعوا في سرها انها ظهرت برائتها لزوجها قبل ان يموت، بقيت تحمد الله انه انصفها وبرئها انام زوجها بدون أي مجهود منها، كانت سعيدة لان مراد أقتنع ببرائتها وكلب منها السماح، لكنها حزينة عليه وعلى حالته من جهة، وظهور برائتها في هذه الأحوال، ثم إيتغفرت ربها فالاهم برائتها، وبدات تدعوا الله ان يشفي مراد ليقف على رجليه، ليس لتبرئتها، بل من اجل عائلته التي وقفت بحانبها ولم تتخلى عنها بوم واحد، حتى انها وقفت في وجه أبنها من أجلها هي.
والأهم الآن أنه قد طلب منها السماح.
وكان قد وعدها بأنه سيعوضها.
ولأول مرة، شعرت ديلان أن مراد لم يكن يخاف الموت على نفسه...
بل كان يخاف أن يرحل قبل أن يصلح ما كسره في قلبها.
رفعت يديها إلى صدرها، وهمست وسط بكائها:
ديلان: يا رب... إن كان في بقائه خير، فأبقِه لي، أعطه فرصة أخرى... لا أريد أن تكون كلماته الأخيرة لي اعتذارًا لم يستطع أن يكمله.
وخلف الزجاج، استمر الفريق الطبي في محاولاته لإنقاذه، بينما بقيت عائلته كلها تنتظر، معلقة بين الخوف والرجاء.
حل المساء.....
وكان الليل، قد بدأ يهبط على المدينة...
إستأذنت صفية للعودة لبيتها فقد تركت إبنتعا دنيز مريضة وحدها بالبيت، هكذا قالت لتخرج رفقة إبنتا روني عائدين لبيتهم، بعد ان قضوا طول النهار جالسين انام غرفة الإنعاش ينتظرون أي خبر عن مراد، اما إبراهيم ففضل البقاء بجوار أخيه، لإطمئنان على مراد ومؤازرة اخيه في ما حل به.
ولم يكن أحد منهم يعلم ماذا سيحمل لهم معه.
كان الليل طويلًا وثقيلًا على الجميع.
لم يغادر أحد المستشفى.
كانت عائشة تجلس إلى جوار ديلان، وقد أسندت الأخيرة رأسها إلى كتفها من شدة الإنهاك، بينما بقي عزت صامتًا، يحدق في باب غرفة الإنعاش وكأن عينيه تستطيعان اختراقه لتطمئنا على ابنه.
أما باران، فلم يغمض له جفن.
كان يتنقل بين الممر وباب الغرفة، ثم يعود إلى مقعده، وكلما سمع حركة من الداخل رفع رأسه بسرعة.
كانت الساعات تمر ببطء قاتل، حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من النوافذ، معلنة نهاية ليلة بدت لهم وكأنها لن تنتهي أبدًا.
كان باران وعزت عائدان من المسجد الذي يوجد بالقرب من المستشفى، اما عائشة وديلان فكانتا هما أيضا تعودان من المصلى الموجود بالمستشفى، بعد ان غادرت عائلة أبراهيم ، بعد ان وعدت صفية ان تأتي باكرا للإطمئنان على مراد.
وفجأة، انفتح باب غرفة الإنعاش.
خرج أحد الأطباء، فنهض باران مسرعًا.
باران: دكتور!، كيف حاله الان، هل يمكنني الدخول لرؤيته.
التفت إليه الطبيب.
الطبيب: هل أنت شقيق مراد؟.
باران: نعم، انا شقيقه.
تردد الطبيب لحظة، ثم قال:
الطبيب: يمكنك الدخول إليه لدقائق.
شعر باران بارتجافة تسري في جسده.
باران: هل حالته تحسنت؟.
الطبيب: استعاد وعيه لفترة قصيرة، لكنه لا يزال في وضع حرج، لذلك لا ترهقه بالكلام.
أومأ باران بسرعة.
باران: بالطبع.
وقبل أن يدخل، أوقفه الطبيب.
الطبيب: وإذا لاحظت أي تغير في حالته، استدعِي الممرض فورًا.
باران: حاضر.
دخل باران بعد أن ارتدى ما طلبه منه الفريق الطبي، ثم اقترب من سرير أخيه.
توقف للحظات أمامه.
كان مراد يبدو ضعيفًا إلى درجة أوجعت قلبه.
الأجهزة تحيط به من كل جانب، وملامحه شاحبة، وأنفاسه متقطعة، لكن وجوده حيًا أمامه كان كافيًا ليشعر باران ببعض الراحة.
اقترب وجلس على الكرسي بجانب السرير، ثم أمسك يد أخيه.
كانت باردة وضعيفة.
ضغط عليها بحنان.
باران: أنا هنا يا أخي.
لم يجبه مراد.
ظل مغمض العينين، فابتسم باران ابتسامة حزينة.
باران: أتعرف؟، الجميع في الخارج ينتظرونك، أبي لم يغادر مكانه، وأمي لم تتوقف عن الدعاء لك، وديلان...
توقف لحظة.
باران: ديلان لم تبتعد عن الباب منذ وصلت.
تحركت أصابع مراد قليلًا داخل يده.
انتبه باران لذلك، فاقترب منه أكثر.
باران: اسمعني يا مراد، عليك أن تقاوم، لقد نجوت من الليل، وستخرج من هنا بإذن الله. وبعدها سيكون أمامك وقت طويل لتصلح كل ما...
توقفت كلماته عندما رأى جفني مراد يتحركان.
فتح مراد عينيه ببطء.
نظر إلى باران، وكأنه يحاول جمع أفكاره.
مراد: باران...
ابتسم باران رغم الدموع التي لمعت في عينيه.
باران: نعم، أنا هنا يا أخي.
حاول مراد تحريك رأسه، لكن الألم منعه.
مراد: ديلان...
فهم باران ما يريد.
باران: إنها هنا، يا مراد، لم تذهب، وهي تنتظرك.
أغمض مراد عينيه لحظة، وانسابت دمعة على جانب وجهه.
مراد: تحدث معها...
اقترب باران أكثر.
باران: ماذا تريدني أن أقول لها؟.
تنفس مراد بصعوبة.
مراد: قل لها... أن تسامحني.
تجمد باران.
مراد: قل لها إنني أخطأت في حقها كثيرًا... أكثر مما تتصور.
حاول أن يأخذ نفسًا أعمق، لكن الألم بدا واضحًا على وجهه.
باران: لا تتحدث كثيرًا يا أخي. الطبيب طلب مني ألا أرهقك.
هز مراد رأسه ببطء.
مراد: دعني أتحدث...
ثم ضغط على يد باران.
مراد: اسمعني إلى النهاية..... لا تقاطعني ارجوك.
باران: ستخبرها بنفسك عندما تخرج من هنا.
ابتسم مراد ابتسامة ضعيفة.
مراد: إن خرجت...
تغيرت ملامح باران.
باران: لا تقل ذلك يا أخي ستخرج من هنا.
لكن مراد تابع:
مراد: إذا كان في العمر بقية... فسأعوضها عن كل شيء..... عن كل دمعة.....وكل خوف......وكل لحظة شعرت...... فيها أنها وحيدة ........ بسببي.
توقف ليلتقط أنفاسه.
مراد: لقد ظلمتها يا باران....... ظلمتها كثيرا.....
ثم رفع عينيه إليه.
مراد: وأنت...
باران: أنا ماذا؟.
مراد: إذا حدث لي شيء... ابقَ إلى جانبها...... ارجوك يا باران.
اتسعت عينا باران.
باران: مراد!.
مراد: أرجوك يا أخي..... هذه آخر امنية لي....... فديلان ليس لها أحد في هذه الدنيا...... احمها ارجوك.....
شد باران على يده.
باران: لا تتحدث عن الموت، أنت ستعيش، وستخرج من هنا، وستقول لها كل هذا بنفسك.
لكن مراد لم يستمع.
مراد: ديلان ليس لها أحد يهتم بها كما ينبغي....... وأنت تعرف ما عانته........ لقد أخطأت بحقها كثيرًا..........ولا أريد أن أرحل ....... وأتركها وحدها.
اغرورقت عينا باران بالدموع.
باران: سأقف معها، لكن ليس لأنك سترحل، ستقف أنت معها بنفسك، وستعوضها عن كل شيء.
هز مراد رأسه بضعف.
مراد: فقط اسمعني...
ثم سكت لحظة، وكأنه يحاول استجماع ما تبقى من قوته.
مراد: هناك شيء آخر...... يجب أن تعرفه.
اقترب باران منه.
باران: ما هو؟.
تحركت شفتا مراد.
مراد: دنيز... يا باران..... دن....يز.....
وما إن نطق باسمها حتى تغيرت ملامحه فجأة..... وإنقطع الصوت وجحظت عيناه، وسقطت رأسه على الوسادة.
ارتفعت أصوات الأجهزة معلنة عن توقف القلب.
بدأ جهاز المراقبة بإطلاق صفير متتابع.
تجمد باران.
باران: مراد؟.
كان مراد قد ضغط على يده بقوة مفاجئة، ثم أرخاها.
باران: مراد!.
اندفع الممرضون إلى الغرفة، ثم دخل الطبيب مسرعًا.
الطبيب: ابتعد من فضلك!.
باران: كان يتحدث معي، ثم فجأة...
الطبيب: أخرج الآن! من فضلك.
تراجع باران، وخرج من الغرفة وهو يحدق في أخيه برعب.
أُغلق الباب أمامه.
وبدأت المحاولات لإنقاذ مراد من جديد.
خارج الغرفة، وقفت ديلان عندما سمعت أصوات الأجهزة.
التفتت عائشة مذعورة وإقتربت من الزجاج، كأن قلبها اخبرها.
ديلان: ماذا يحدث؟.
لم تستطع عائشة الإجابة.
كان عزت قد اقترب من الزجاج أيضا، وباران يقف بجواره بعد ان اخرجه الممرضين، كانوا يحدقون في الأطباء وهم يحيطون بمراد.
كانت اللحظات تمر.
دقيقة...
ثم أخرى...
ثم طال الصمت.
حتى خرج الطبيب أخيرًا.
كانت ملامحه هذه المرة مختلفة.
إقترب الجميع منه.
اقترب عزت منه، وصوته يرتجف:
عزت: ابني؟ ماذا حدث يا حضرة الطبيب.
وصاحت عائشة من خلفه ودموعها تنهمر..
عائشة: اخبرنا يا دكتور، هل إبني بخير؟.
خفض الطبيب عينيه للحظة.
ثم قال بهدوء ثقيل:
الطبيب: حاولنا إنعاشه بكل ما استطعنا.
توقفت عائشة عن التنفس، بعد شهقة قوية اصدرتها، ثم وضعت ديها على قلبها، وكأنها سعرت ان قلب إبنها توقف.
الطبيب: لكن قلبه توقف... ولم نستطع إعادته، حاولنا إنعاشه لكن.....
انهارت عائشة في مكانها.
عائشة: لا... إبني.....لا......
أمسك بها عزت، لكن جسده هو الآخر كان يرتجف من هول ما تبادر لذهنه قبل ان ينطق الطبيب.
أما ديلان، فقد بقيت واقفة دون حركة، كأنها شلت من الصدمة التي زلت عليهم فجأة.
حدقت في الطبيب وكأنها لم تفهم ما قاله.
ديلان: ماذا قلت؟.
لم يجبها الطبيب.
اقتربت خطوة.
ديلان: لا... مراد كان يتحدث معي اول أمس... وكان حيًا منذ قليل...
ثم بدأت دموعها تنهمر.
ديلان: لا يمكن... لا تقل ذلك....
اقتربت من عائشة وهي تبكي، لكن عائشة إنهارت قبل ان يكمل الطبيب كلامه.
الطبيب: البقاء لله، مراد فارق الحياة، إنا لله وإنا إليه راجعون.
اسرع الممرضون لحمل عائشة لغرفة مجاورة بعد ان سقطت ارضا قبل ان يكمل الطبيب كلامه، تتبعها ديلان التي كانت هي الاخرى مازالت تحت الصدمة، وكأنها مغيبة تماما.
أما باران فبقي أمام باب الغرفة، عاجزًا عن استيعاب ما حدث.
كان قبل دقائق يمسك يد أخيه.
وكان مراد يتحدث إليه.
طلب منه أن يسامحه.
طلب منه أن يبقى إلى جانب ديلان.
ثم قال اسمًا واحدًا فقط...
دنيز.
ثم رحل.
رحل قبل أن يكشف ما كان يريد قوله، رخل قبل ان يكشف المؤامرة التي حكيت لديلان، وكان مغيب العقل حين صدقها بدون ان يتحقق.
لم يعمل بقوله تعالى:
بسموالله الرحمن الرحيم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6]
وفي الوقت نفسه، كانت دنيز في منزلها جالسة على طرف سريرها.
لم تستطع النوم.
كانت ترتجف منذ أن علمت أن مراد استعاد وعيه، عندما عادت اسرتها في ساعة متأخرة من الليل، حين دخلت والدتها غرفتها لتطمئن عليها وأخبرتها.
كل دقيقة كانت تمر كانت تزيد خوفها.
ماذا لو أخبرهم؟،
ماذا لو كشف كل شيء؟،
ثم اليوم جاءها اتصال من والدتها، فعرفت من نبرة صوتها أن شيئًا خطيرًا حدث.
وبعد دقائق، عرفت أن حالة مراد تدهورت.
حينما سمعت جلبة في الشقة، خرجت فرأت والدتها ممسكة بالهاتف بيد مرتجفة، وظلت تحدق أمامها.
ثم جاءها الخبر الذي لم تكن تتوقعه...
مراد مات.
تجمدت في مكانها،
ظل الصمت يحيط بها،
ثم وضعت يدها على صدرها،
كان أول شعور اجتاحها هو الخوف.
لكن بعد لحظات، بدأت تستوعب الحقيقة.
مراد مات،
ومعه مات السر،
لم يكشف شيئًا،
لم يخبر أحدا بما فعلته،
لم يسمع أحد اسمها في كلماته الأخيرة سوى باران، لكنه لم يعرف لماذا ذكرها مراد، ولم تعلم هي انه ذكر إسمها.
أغمضت دنيز عينيها، وانسابت على وجهها دمعة، لا حزنًا على مراد...
بل ارتياحًا لأن الحقيقة لم تصل إلى العائلة، وحلمها الذي تبخر قبل ان يتحقق.
أما في المستشفى، فكان باران لا يزال واقفًا أمام غرفة الإنعاش، وعقلُه عالق عند الكلمة الأخيرة التي قالها أخوه.
دنيز...
لم يفهم لماذا أراد مراد أن يخبره عنها.
ولم يكن يعلم أن تلك الكلمة الصغيرة كانت آخر خيط يمكن أن يقوده إلى الحقيقة التي ظلت دنيز تحاول دفنها.
رحل مراد...
وأخذ معه سرًا كان على وشك أن يغيّر كل شيء،
أما ديلان، فجلست تبكي بالقرب من سرير عائشة، التي غابت عن الوعي بسبب الصدمة، وهي لا تعلم أن الرجل الذي ظلمها طويلًا رحل وهو يحمل في قلبه ندمًا لم يستطع أن يكمله، وأن آخر ما أراد فعله في حياته كان أن يبرئها ويكشف لها الحقيقة،
ويكشف مل من تآمر عليها،
لكن القدر لم يمهله،
وانتهت كلماته عند اسم واحد...
دنيز......