رواية براعم الحب الفصل التاسع والعشرون29 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل التاسع والعشرون29 بقلم رشا عبد العزيز

هناك لحظات نتمنى فيها العودة إلى الماضي كي نصحح أخطاءً ارتكبناها، لكن الحقيقة القاسية هي أن الماضي لا يعود، ولا أخطاؤنا تتصحح، بل نحن نتعلم منها دروساً تخبرنا أن أوجاعنا بعدها لم تكن هينة.

​مرت ساعة منذ أن جلس ينتظر عله يلمحها؛ سيتخلى اليوم عن كبريائه ويعتذر منها على قسوته معها، ويتمنى أن تسامح ثورته وتعفو عن جرحه لها. نظر إلى ساعة يده مرة أخرى، يزفر أنفاسه بضجر، حتى اتسعت ابتسامته عندما لمحها من بعيد. وقف ينتظر اقترابها بشوق، عيناه تترقبانها بلهفة، وقلبٌ خافق يتوق لسماع صوتها.

​أما هي فكانت منحنية الرأس؛ وكلما مرت بهذا المكان تذكرت هفوتها، فتجلد ذاتها بقسوة شابهت قسوته عليها. ربما كان جرحها من نفسها أكثر ألماً من جرحه؛ فشعور الندم يتأكلها كل يوم حتى نهش روحها أتعبها، وإن اعترفت بخطئها.

​رفعت رأسها لتتجمد لحظة عندما رأته، فتباطأت خطواتها باضطراب، لكنها استطاعت أن تستجمع قوتها، وعندما وصلت أمامه سمعته يناديها:
_ «مليكه».
​لكنها تجاهلته كأنه هواء لا وجود له أمامها ليعتذر منها:
_ «مليكه»، أنا آسف، أنا قسيت...
​صمت بقلق لحظة يبصر فيها نظرتها المستهزئة بأسف، قبل أن تتجاوزه بعدم اكتراث، تتركه ينظر لأثرها بصدمة من تجاهلها. قبض على راحته بقوة، يعنفه قلبه العاشق على جرحها؛ يبدو أنها لن تسامحه بسهولة.

​أغمض عينيه، ونكس رأسه بندم وخوف من خسارتها.
*****************************
​أسرعت خطاه حتى لم يعلم كيف وصل إلى باب شقته، يلفظ أنفاسه المتسارعة في عجل؛ لم يستطع كتم شوقه لها، وربما لفتهته لعودتها بعد أن ظن أنها لن تعود. دخل يصرخ باسمها وعيناه تبحث عنها بوله:
_ «سندس».. «سندس».. أنتِ فين يا حبيبتي؟
​سمعت صوته فخفق قلبها عاصياً قرار عقلها الذي كان يحدثها أن تحاول تغيير أسلوبها معه ووضع حدود لعلاقتهما، ووجدت نفسها تسابق خطاها نحوه.
​رآها ليقف يتأملها بشوق لحظةً قبل أن يتجه نحوها، يجذبها ويغمرها داخل أحضانه، فقد استفاض شوقه لها. أغلقت عينيها تستمتع بتلك اللحظة غير مهتمة لما سيحدث، فقط منسجمة مع دفء أحضانه وضربات قلبه التي تناغمت مع كلمات حبه الممزوجة بلوعته:
_ «وحشتيني... وحشتيني أوي.... إوعي تبعدي عني تاني، المرة الجاية هأسافر معاكِ».
​ظل متمسكاً بها يروي عطشه لقربها، حتى أبعدها عن أحضانه ليحيط وجهها، وعيناه تجوب تفاصيله كأنه يتفقدها ويخبرها:
_ «وحشتيني».
​كانت عيناها متعلقة به بدهشة كأنها ترى شخصاً آخر، تعجبت لهفته واهتمامه: هل فراقها أثر فيه إلى هذه الدرجة؟ هل لها مكانة كبيرة في قلبه كما يخبرها دوماً، رغم أن قسوة تصرفاته تعكس لها النقيض؟

​لكنها تركت نفسها لمشاعرها ولحبه الظاهر، وعاشت تلك اللحظات الجميلة؛ حتى لو كانت حلماً ستستفيق منه قريباً، فلتتعش الحلم بجميع تفاصيله.
*******************************
​وقف يمشط شعره أمام المرآة وتوقف لحظة يتأمل تلك الشعرات البيضاء التي خالطت شعره الأسود، خلل أصابعه بينها يباعد الخصلات عن بعضها يبصر ازديادها حتى أصبح من يراه يستنكر عمره الحقيقي، عقد حاجبيه يسأل نفسه:
_ «مالك يا «مهاب» أنت عمرك ما دققت في الحاجات دي».
​تلمس وجهه يديره يميناً ويساراً فلم تسلم لحيته أيضاً من تلك الشعرات البيضاء التي ربما منحته عمراً فوق عمره، فخمسة وثلاثون عاماً ليس بالكبير ليشيب شعره، قفزت فكرة سخيفة إلى عقله: لماذا لا يصبغ شعره ولحيته؟ ليبتسم ساخراً ينفضها مباشرة فهذا الشيب ما مميزه ودائماً ما منحه وقاراً وهيبةً.
​نثر عصره متجاهلاً أفكاره الطارئة التي أدهشته فاستهجنها.
​خرج من غرفته ليبتسم بتلقائية عندما رآها تجلس على مائدة الطعام تنتظر كالعادة، اقترب منها يلقي عليها التحية منحنياً يقبل يدها ورأسها:
_ «صباح الخير يا أمي».
_ «صباح الخير يا قلب أمك».
​عينها كانت تتبعه بحنان حتى جلس لتسكب له كوب الشاي الساخن تضعه أمامه وترص له ما يحب من الطعام، تدلله كطفل صغير ليمازحها قائلاً:
_ «حبيبتي أنت هتفضلي تدلعيني لغاية أمتى يا أم «مهاب»؟».
​كان يعلم الإجابة لأنه حفظها من تكرارها له كل صباح:
_ «لغاية ما تتجوز ومراتك تاخد بالها منك».
​هز «مهاب» رأسه بقلة حيله وشرع يتناول طعامه لتوسله بعين دامعة ترجوه بتمني:
_ «أمتى يا حبيبي أفرَح بيك وأشوف ولادك؟».
​واستطردت بحسرة:
_ «إخواتك الي أصغر منك اتجوزوا وأنت لسه قافل دماغك مش عارفة مستني إيه، أنت ماشاء الله مش ناقصك حاجة يبقى إيه المانع؟ كل ما أخواتي يلاقوا لك عروسة تطلع فيها القطط الفاطسة لحد ما بقينا مش عارفين إيه الي بيعجبك».
​تجمدت يده واستراحت على سطح الطاولة وطيفها يمر أمام عينيه فابتسم يصفها لوالدته بلا وعي كفتاة أحلامه:
_ «عاوزها طويلة وبيضا وعينيا لا هي خضرا ولا زرقا لونها فيروزي يسحر الي يشوفهم، طيبة ونقية محتشمة ومؤدبة وأخلاقها عاليا».
​ثم تنهد بإعجاب استعجبت له والدته:
_ «حاجة نادرة في الزمن دا».
​ثم رمش بعينيه يعود إلى الواقع يلتفت نحو والدته يخبرها بإصرار مشاكسا إياها:

_ «هي دي مواصفات فتاة أحلامي، عندك منها يا أم «مهاب»؟».
​لوت شفتها بسخط وقالت متهكمة:
_ «ودي هنلاقيها فين؟».
​ضحك على تعابير وجهها وقال بثقة قبل أن يعاود اندماجه مع طعامه:
_ «موجودة بس أنت دوري يا أمي».
​تأففت بيأس وعاودت رجاءه:

_ «يا حبيبي وحياتي أنا بتكلم بجد نفسي أفرَح بيك وأشوف عوضك دا، أنت البكري دا الي قدك عنده بدل العيل اتنين وتلاته».
​أخفض كوب الشاي عن فمه يطالع عين والدته التي خط الزمن أثره عليها وأتعبتها سنين من العطاء تتوسله بتمنٍ جعله يشفق عليها ليمسك يدها التي تجعد جلدها وانحنى يقبلها يعدها بصدق:

_ «قريب إن شاء الله بس أنت ادعيلي».
​أشرقت ملامحها بسعادة وهتفت بلهفة:
_ «بجد يا حبيبي؟».
​أومأ يؤكد لها ما سمعت لتشهق ويصدح صوتها بدعاء خرج من قلب أم راضية:
_ «ربنا يرضى عليك ويرزقك بنت الحلال الي تسعدك وتفرحك ويحبب فيك خلقه ويوسع رزقك قادر يا كريم».
​رفع سباباته أمامها وقال بامتنان ورجاء:
_ «آه يا أمي حلو أوي يوسع رزقك... كَتِّرِي من الدعوات الحلوة دي يا أم «مهاب»، النهاردة آخر يوم في المعرض يارب يكتب لنا مسك ختام يرضينا ويسعدنا».
​لتتسع عينيه بدهشة عندما رفعت يديها تدعو:
_ «يارب تلاقي عروستك النهاردة وأفرح بيك يا «مهاب» يا ابن بطني».
​مطت شفتها تنظر له بعناد ليقهقه ضاحكاً بعد استبدالها دعاءه برغبتها فعاتبها بمرح وهو ينهض مغادراً:
_ «كده يا أم «مهاب» مصرة أنت على العروسة! ماشي ربنا يحقق دعاكي ياستي».
​نظرت له نظرة جانبية حملت إصرارها ولم تعقب بل ظلت تتمتم بدعائها الذي أمن عليه هو، فيبدو أن تلك التي تشغل فكره جاءت لتنهي عزوفه عن الزواج وتحطم جدران عناده ليفتح قلبه العصي بابه فتستوطنه.
******************************
​نظرت إلى شاشة هاتفها بملل، الساعة هي الحادية عشرة قبل منتصف الليل، كانت رحلت عينها رغماً عنها نحو ذلك الباب المغلق، وقلبها ينبض باضطراب لازمها كلما تذكرت ذلك الذي يقبع خلفه وبدأ يشغل بالها في الآونة الأخيرة. تنهدت بحيرة أصبحت... فقد أصبحت تشتاق وجوده والحديث معه، أصبحت متعلقة بشخصيته التي تعرفت عليها بعد زواجهم وكانت تجهلها من ذي قبل، زفرت أنفاسها بضجر حتى قدحت فكرة في رأسها لتنهض من مكانها متجهة نحو المطبخ؛ ففنجان قهوة حجة رائعة لاقتحام عالمه الخاص.

​وضعت القهوة على النار وبدأت تحركها والأفكار تدور في رأسها كدوامات القهوة التي تصنعها الملعقة. قبضت على مقبض الإناء بضيق وهي تتذكر نظرات «سالي» له وطريقة حديثها الذي استشعرت فيه نوعاً من التمادي أزعجها، عضت على شفتها بغيض بعد أن عادت صورة اندماجها معه في الحديث ومبادلته الابتسامة معها إلى ذاكرتها، كم كانت تود أن تجرها من شعرها وتبعدها عنه! هو زوجها هي ملكها وحدها.

​توقفت يدها عن التحريك وتضائلت حركة القهوة في الإناء عندما وصلت للحظة إدراك جعلتها تسأل نفسها:
_ «هو أنا بغير عليه منها؟».
​ابتلعت ريقها بتوتر وقالت تبرر لنفسها:
_ «طبعاً مش جوزي عادي يعني أغير عليه».
​ليراودها سؤال أربكها:

_ «بس الي بيغير بيكون بيحب؟».
​لتسأل نفسها هذا السؤال لكن هذه المرة نطقه لسانها وإن كان بصوت هامس لم يسمعه سوى قلبها:

_ «هو أنا حبيته؟».
​فوران القهوة أفافها من شرودها وأجفلها لتبعد الإناء عن النار بانزعاج تمتص إصبعها الذي لسعته الحرارة بتوتر.

​حملت القهوة واتجهت إلى غرفته، طرقت الباب بتردد فجاءها صوته يسمح لها بالدخول.
​دخلت لتجده منكباً على جهاز اللابتوب خاصته، عينيه تمعن النظر إلى شاشته. اقتربت تضع القهوة أمامه ليقول لها دون أن تفارق عينيه شاشة جهازه:

_ «متشكر يا قمر».
​لكنه تعجب حينما وجدها تجلس أمامه، اختطف نظرة نحوها ليجد عينيها تدور بإعجاب نحو مجسماته فعاد يركز نظره على حاسوبه. شعرت بندماجه لتستغل الفرصة وتتجه بنظرها نحوه، عينيها بدأت تجول على قسمات وجهه بتمعن، وجهه الذي كانت تنفر منه أصبحت اليوم تطالعه بود تشتاق لرؤيته وابتسامته التي كان يمنحها اليوم لسالي تمنت لو كانت لها.

​تنهدت بندم وعادت تشاهد المجسمات من جديد فساقها الفضول إلى أحدهم كان غير مكتمل، نهضت تتجه نحوه وبدأت ترتب بعض أجزائه بتأنٍ.

​عينيه التي كانت تتبعه خلسة تعجبت من براعتها في التعامل مع الأدوات لكن رغم ذلك هز رأسه بقلة حيلة ود لو يستطيع إخبارها أنه لا يحب أن يعبث أحد بأغراضه الخاصة، لكن ما باليد حيلة! عاد يرغم نفسه بالانشغال عنها بعمله.
​حتى أجفله سمع صراخها وتأوهها، نهض بسرعة يتجه نحوها بخوف ليجدها تغمض عينيها بألم وتمسك إصبعها تتأوه بقوة:
_ «آه... آه».
​أمسك يدها بقلق وسأله بلهفة:
_ «مالك يا قمر وريني كده؟».
​جذب يدها ليجد إصبعها قد جرح، عندما لامست خطأ احد حافات المجسم الحاده لم يكن جرحاً عميقاً كان جرحاً سطحياً لكنه ينزف، أخرج منديلاً من جيبه وبدأ يمسح الدماء عنه قبل أن يحيطه بالمنديل الورقي ويقبض عليه وسحبها يجلسها على الكرسي ثم خرج وتركها تنظر إلى الأثر وقلبها ينتفض ثم نظرت إلى منديله الذي يحيط إصبعها ومشاعرها تمتزج بين السعادة والألم، حتى وجدته يعود ويجثو على ركبته أمامها يجذب يدها من جديد يزيح المنديل ويضع المطهر على الجرح ليلسعها فتأن من الوجع. ما إن سمع تأوهها بدأ ينفخ عليه عله يخفف عنها أنفاسه الباردة ضربت قلبها المتالم  قبل ان تصدم بجرح  جلدها وهي تراه يرفع عينيه نحوها يسألها بقلق:

_ «بيوجعك أوي؟».

​لمعت الدموع في عينيها وهي ترى اهتمامه بها وخوفه عليها، حتى صوته الذي حمل نبرة حنان كان كخناجر طعنت قلبها بعتاب: لماذا لم ترى كل هذا؟ لماذا غفل قلبها عنه؟ قلبها الذي يخفق اليوم بسعادة من مجرد نظرة ويذوب  مع دفء لمساته.

​هزت رأسها نافية وقالت بصوت مخنوق:
_ «لا».
​أحاط إصبعها بشاش طبّي وربطه بأحكام ثم عاد ينظر إليها:
_ «الجرح بسيط ما تخافيش».
​توتر هو يرى الدموع المتجمعة في عينيها ووجنتيها المحمرتان كحمرار أنفها ليبتعد عنها وأحضر قدح الماء الذي أحضرته مع القهوة يعطيها لها:

_ «اتفضلي».

​رفعت عينها لتلتقي بعينيه في لحظة رجاء وعتاب قبل أن يشيح نظره هارباً من نظراتها، لترفع يدها المرتعشة تلتقط منه قدح الماء ترتشف منه القليل وتنهض بارتباك، لكن قبل أن تغادر انحنت تلتقط منديله الذي لوثته دماؤها، وصلت إلى الباب والتفتت نحوه تخبره بخفوت:
_ «متشكرة».
​خرجت من المكان بخطى مسرعة وسط نظراته المحدقة بها.
​وصلت غرفتها وأغلقت الباب بضعف قبل أن تجلس على السرير تنظر لمنديله القابع بين يديها، رفعته تستنشق عطره العالق عليه لتتساب دموعها بقهر تندب قلبا عشقها و أضاعته من يديها.
**********************************

​كان يتأملها وهي تتوسد ذراعه يستعيد حديث جده معه يشعر بانقباض قلبه كلما وصل بخياله إلى نقطة فقدها، زفر أنفاسه بضيق فأيام قليلة لم يستطع فيها تحمل غيابها ماذا كان سيحصل لو لم تعود؟ كيف كان سيحسن وبدونها؟ مد يده يزيح تلك الخصله التي حجبت جزءاً من وجهها وابتسم يراقب غفوتها بحب يعلم أنه نقية وطيبة ربما كانت النور في عتمة حياتها، مد يده يتلمس وجهه كم هي جميلة ورقيقة كنسيم الهواء البارد في صحراء قلبه الذي بات يعشقها بصدق.

_ «حسن».
​نطقت اسمه بهمس فظن أنه أيقظها لكن عينيها مغلقة جعلته يفهم أنها تحلم وأنه يشاركها حلمها.
​أحكم الدثار على جسدها وانحنى يطبع قبلة دافئة على جبهتها كأنها قبلة امتنان لوجودها في حياته، فتحت عينيها نصف فتحة وقالت بصوت ناعس:
_ «حسن أنت لسه صاحي؟».
​ابتسم لها ابتسامة هادئة قبل أن يضمها يحثها على العودة إلى النوم:
_ «نامي يا روحي أنا هنام دلوقت».
​أغمضت عينيها تعود لسباتها بسلام ليغمغم بوعد لها:
_ «هحارب نفسي عشانك يا «سندس»، أنت تستحقي إني أحارب عشانك».
​ثم أغمض عينيه يغفو بأمان بعد أن تأكد من وجودها بجانبه.
*************************
​جفاه النوم فلم يستطع أن يغفو رغم تأخر الوقت ولم تكن هذه عادته، التقط هاتفه يتأكد من الوقت لتأفف بضجر من هذا الأرق الذي لازمه الليلة.
​قلب هاتفه ليسوقه الفضول في البحث عن حسابه الشخصي... لم تنشر سوى إعلانات عن روايتها الورقية وغلافها لكن هنالك صورة واحدة جمعتها بوالدها، نظر إلى تشبثها بذراعه وابتسامتها الجميلة يبدو أن علاقتها به قوية.
​ليتذكر ما حدث اليوم وكيف رافقها والدها يدعمها في آخر أيام المعرض، كانت متشبثة به كما في الصورة فخوره بوجوده معها وهو كان يبادلها نظرات الحب والرضا يطالعها كأنها انتصاره العظيم يهمس لها فتبتسم، اقترب منهم بتوجس وألقى التحية على «طارق» الذي بادله تحيته باحترام ثم انتقل بعينه إليها:
_ «تشرفت بمعرفتك يا آنسة «ورد»».
​لتجيبه برسمية:
_ «متشكرة يا فندم».
​ليفاجئها بأن أخرج كارت دعوة وقال لها:
_ «دا كارت دعوة لندوة داعمة لكتاب المعرض، إن أدرجت اسمك ضمن الكتاب الجدد الندوة دي مهمة عشان القارئ يتعرف عليك».
​نظرت إلى الدعوة والتفتت لوالدها كأنها تستأذنه ليومئ لها بالموافقة، التقطت منه الدعوة وقالت باقتضاب:
_ «متشكرة».
​ابتسم لها لكنها تجاهلت ابتسامته وأخفضت عينها تبعدها عن مرمى عينيه المحدقة بها.
​ليلتفت نحو «طارق»:
_ «يشرفني حضور حضرتك يا دكتور».
​كتم «طارق» غيضه منه فلم تريحه تلك النظرات وأسلوبه الجريء وإن كان لم يتعد حدود الاحترام لكن أزعجته نظراته وابتسامته، لكنه أجابه بامتنان:
_ «الشرف ليا إن شاء الله وشكرا على تشجيعك لبنتي».
_ «آنسة «ورد» موهوبة وتستاهل الدعم، عن إذنكم».
​عاد بذاكرته إلى صورتها التي بدأ يكبرها أكثر يتمعن بملامحها يسأل نفسه بتعجب:
_ «عملتي فيا إي لخبطتني وشقلبتي كياني؟».
​وضحك على نفسه يسخر منها:
_ «شكلك طبيت يا «مهاب»».

​أما هي فكانت تمسك بتلك البطاقة تنظر لها في حيرة هل ستحضر تلك الندوة هي بعد أربعة عشر يوماً؟ ربما ستفكر في حينها إن كانت ستوافق أم لا، لكن هذه الندوة ستمنحها فرصة لتكون بجانب أسماء كبيرة.
​تذكرته لتقطب حاجبيها في حيرة فلم يخف عليها نظراته المحدقة بها بطريقة غريبة استهجنتها.
****************************
​بعد مرور عدة أيام، كانت تجلس في المستشفى تدلك رقبتها المجهدة بعد يوم عمل شاق، خلعت نظارتها الطبية تضغط على ما بين عينيها محاولة التخفيف من شعور الإرهاق حتى تعالى رنين هاتفها، التقطته لتتسع ابتسامتها عندما رأت أسمه يزين شاشة هاتفها لتجيب بسرعة:

_ «حبيبي».
​ليأتيها صوته العاشق بشوق:
_ «روح حبيبك وحشتيني».
_ «أنت كمان وحشتني، أنت فين رجعت البيت؟».
_ «لا.... خلصتي شغلك؟».
​تنهدت بإرهاق تخبره:
_ «أيوه لسه مخلصة».
_ «طب أنا مستنيكي في كراج المستشفى يلا عشان نروح سوى».
​تفاجأت من وجوده وطلبه فسألته مستفسرة:
_ «طب وعربيتي؟».
_ «سيبيها في كراج المستشفى وأنا هوصلك بكره».
​مطت شفتيها بعدم فهم ونهضت متجهة نحو كراج المستشفى حيث أخبرها أنه ينتظرها، ركبت السيارة بجانبه:
_ «أزيك ياحبيبي»».
امسك يدها يقبلها بحب
_ «كويس  يا قلبي ».
​ابتسمت تسأله بسخرية:
_ «ممكن أعرف «فارس» باشا حن علينا النهاردة بمناسبة إي؟».
​رمقها بنظرة جانبية مستنكرة قبل أن يقول مستهجناً حديثها:
_ «دا على أساس «فارس» باشا بقاله سنين ما عملهاش؟ مش من كم يوم كنا ساهرين سوا!».
​لوحت له بيدها متهكمة:
_ «يوووو دول كانو من كم يوم فاتتتو».
​ثم ابتسمت تغمز له:
_ «وبعدين ما تتقمصش كده بسرعة بنهزر معاك يا ابن الجوهري».
​أحاطت ذراعه بيديها وسألته مستفسرة:
_ «هنروح فين؟».
​ضحك قبل أن يدير سيارته وينطلق يخبرها:
_ «هخطفك».
​اقتربت منه تسند رأسها على كتفه أغمضت عينيها بحب وتتنهد بسعادة تعيشها معه كل يوم:
_ «اخطفني يا «فارس» أنا مستعدة أروح معاك لآخر الدنيا وأنا مغمضة».
​أراح رأسه على رأسها لحظات وقال بهيام:
_ «أنا الي نفسي أفضل جنبك طول العمر».
​عاد يطالع الطريق لكنها ظلت تريح رأسها على كتفه حتى التفتت بتعجب واتسعت عينيها لتأكد من المكان وهو ياخذها لمنزلهم القديم:
_ ««فارس» إحنا جينا هنا ليه؟».
​ابتسم على قلقها وحيرتها فرغم أنها كانت تجتمع مع شقيقاتها في هذا المكان يسترجعون ذكرياتهم لكن كانت مرات نادرة منذ أن غادروا شقة والدها لم يعودوا سوى مرات معدودة:

_ «عامل لك مفاجأة».
​انتابها الفضول وسألته:

_ «مفاجأة... إي... وبمناسبة إي؟».
_ «دلوقتي تعرفي».
​أوقف سيارته وترجل منها ثم أمسك يدها يقودها نحو تلك البناية التي ظهر عليها القدم رغم تجديدها.
​وقفت أمام باب شقة والدها تجتاحها سيل من الذكريات أجج شوقها للماضي بما يحمله من ألم وسعادة.
​فتح الباب ليدخل تتبعه هي وعيناها تدور في المكان بشغف كل ركن حمل ذكرى كل زاوية لها موقف.
​توقفت مندهشة عندما وجدت عشاء أعد مسبقاً وباقة زهور جميلة نظرت إليها تسأله بتعجب:
_ «أنت عملت كل دا أمتى؟».
​اقترب منها يحيط جسدها بذراعيه:

_ «من الصبح وأنا بجهز للمفاجأة جبت ناس نظفت المكان وصيت على أكل وجبت الورد وجيت لك».
​رفعت يدها تحيط رقبته وسألته بدلال:
_ «طيب وإيه المناسبة؟».
_ «المناسبة ياستي فرح ابنك الي فضل كم يوم قلت نحتفل بأخر فرد من عيلتنا هيدخل القفص الدهبي».

​أشرقت ابتسامتها بسعادة وهي تراه يهتم بأدق تفاصيلهم تشعر ببهجة وهي تجده يفعل كل ما في وسعه لأسعادها:

_ «الف مبروك يا حبيبي ربنا يحفظك ليه».
​انحنى نحوها يخبرها بخفوت:
_ «ويحفظك لينا يا نور عينه».
​انفلتت ضحكتها التي استعجب لها:
_ «بتضحكي ليه؟».
_ «فاكر يا «فارس» المقالب الي كنا نعملها في بعض زمان؟».
​غمز لها مشاكساً وقال بعبث:
_ «المقالب الي كانت بتنتهي بحاجات حلوة».
​خجلت تفهم مقصده ثم أراحت رأسها على صدره:
_ «كل ركن هنا بيفكرني بحبنا».
​قبل رأسها وقال بحب:
_ «حبيبتي إحنا حبنا شلناه في قلوبنا وهيفضل يكبر معانا لحد مايدفن معانا».
​شهقت رافضة لتخرج من أحضانه تعاتبه بامتناع:
_ «ما تقولش كده بلاش سيرة الموت».
​ولكي يخفف من حنقها خوفاً عليه انحنى يداعب أنفها بأنفه قائلاً:

_ «بحبك يا قلب «فارس»».

​ابتسمت بعشق لمع في عينيها:

_ «وأنا كمان بموت فيك يا روح «شمس»».

*********************

​جلست بجانب «قمر» ووالدتها تستمع لنقاشات الكتاب والأعمال الأدبية حتى جاء دوره ليقف بشموخه المعتاد صوته الأجش يصدح بلباقتي يبادلهم النقاش والجميع ينصت له باحترام.
​لكن عينيه كانت تبحث عنها هي وكأنها أصبحت عالمه وشغله الشاغل، حتى وجد عينيه ضالتها فابتسم يثبت نظره عليها فالتقت عيونهم.
​أصابها التوتر وهي تشعر بعينه المسلطة عليها فلم تحيد يميناً أو شمالاً بل كأنه كان يتحدث إليها، أشاحت بصرها عنه لتلتفت إلى والدتها التي كانت تمعن التركيز بحديثه ورغم جمود وجهها كانت عينيها تتحدث بما يجول داخلها من استفسارات ودهشة.
​انحنت «قمر» نحوها تهمس لها:
_ «باين أوي إنه معجب بيك».
​حدجتها بنظرات ممتعضة وقالت بتهكم:
_ «وعرفتي إزاي؟ لا وكمان بتتكلمي بثقة!».
​رفع «قمر» إحدى حاجبيها ساخرة قبل أن تقول:
_ «دا العيل لو شاف نظراته ليك هيفهم إنه معجب بيك».
​ربعت يدها على صدرها وقالت مكابرة فهي تعلم أنها محقة:
_ «بيتهيألك».
​لوت شفتها ساخطة وكررت حديثها بستهزاء:
_ «بيتهيألي! ماشي يا «ورد» هانم بكره نشوف».
​عادت أنظارها إليه بضيق بعد حديث «قمر» لتجده لازال يحدق بها وابتسامته تعلو وجهه، وقبل أن تهرب بعينها من جديد شيء ما دفعها أن تنظر إليه.
​كانت عينيه الحادة تلمع لون شعره المميز طريقة حديثه أشياء كثيرة تمنحه كاريزما وحضور مميز.
​أصابتها الدهشة عندما ذكر اسمها أمام الحضور وارتبكت عندما طلب منها الحضور والوقوف على المسرح كي تعرف الناس بروايتها، نظرت لها والدتها مشجعة وربتت «قمر» على كتفها تحثها على النهوض لتنهض تتجه بخوف وقلق تملكها نحو المسرح وقفت وكان هو يقف على بعد خطوات منها يتأملها بحب، نظرت إليه ثم إلى الحضور وبدأت تتحدث في البداية بتلعثم لكنها ما لبثت تستجمع قواها وتلقي حديثها بثبات، كان يستمع إليها بإعجاب وقلبه يحدثه أنها حلمه المنتظر.
**************************
​زحام وحقائب مغلقة صخب بمذاق سعيد فرباط جديد سيجمع العائلة الشقيقات وبناتهن وبعض الأقرباء والصديقات حفل حناء مختصر كانت تلك رغبتها فيكفي حفلة الغد التي ستقام في قاعة ضخمة.
​ابتسمت وهي ترى نقش الحنة الذي زين ظهر يدها، تعالى رنين هاتفها اتجهت نحوه وكادت أن تتعثر بفستانها حتى تصل إليه التقطته وكما توقعت كان هو لتجيب عليه بسعادة:
_ «الو».
_ «مراتي حبيبتي».
​قهقهت ضاحكة وقالت تشاكسه:
_ «تقصد خطيبتك لسه مبقتش مراتك يا «شريف»».
_ «بكره هتبقي مراتي ومحدش هيقدر يتكلم معايا حتى عمو «طارق»».
​ثم تنهد بشوق:
_ «أمتى يجي بكره وأشوفك بفستانك الأبيض يا عروستي؟».
​صمتت خجلاً ولم تعقب لكنه عاود مشاكسها يسألها مدعياً عدم معرفته:
_ «أحلامي هو النهاردة مش يوم الحنة والمفروض العروس بتنقش اسم جوزها؟».
​قطبت حاجبيها مستنكرة وتصنعت الإنكار رغم أنها نقشت اسمه:
_ «ومين قال كده؟ دا بس في الأفلام والمسلسلات مفيش حاجة هي نقشة بسيطة على إيدي وخلاص».
​أحبط ليخبرها بخيبة أمل:
_ «وأنا الي كنت فاكر حاجة تانية».
​كتمت ضحكاتها وقالت محاولة الفرار منه:
_ «حبيبي أنا لازم أقفل دلوقت».
​ليأتيها صوته العاشق:
_ ««أحلام» بحبك».
_ «وأنا كمان بموت فيك... يلا مع السلامة».
​أغلقت الهاتف وتنهدت بعشق:
_ «بحبك يا «شريف»».
*******************************
​كانت تنادي على «مليكة» التي تأخرت في تجهيز نفسها:
_ «يلا يا «لوكا» اتأخرنا  ورد هتهزقني».
​عينيها المغتاضة اتجهت نحو «سندس» التي كانت تجلس بهدوء بعد أن تجهزت بفستانها الرقيق ومكياجها البسيط لتشكو لها:
_ «شايفة «لوكا» أخرتنا إزاي! الحمد الله أن خالتو سبقتنا».
​ثم عادت تنادي عليها:
_ «يا بنتي أنا أخت العريس المفروض أكون أول وحدة هناك».
​لتلومها «سندس» مؤكدة حديثها:
_ «ليه مروحتيش الصبح فعلاً كان لازم تكوني هناك من بدري».
​لوحت بيدها بقلة حيلة وقالت بندم:

_ «أنا عارفة انشغلت الصبح مع ماما ورجعت قلت أغير هدومي بس «لوكا» كان عندها امتحان واضطرت تروح الجامعة النهاردة وأنا اضطرت استناها».
​ضحكت «سندس» تخبرها:
_ «رب ضارة نافعة أهو أنتوه هتضطروا تاخدوني معاكو «حسن» تأخر في الشغل».
​ابتسمت لها «قمر» وقالت بود:
_ «دا أنت تؤمري وتنوري يا «سو»».
​بادلتها «سندس» الابتسامة وقالت شاكرة بامتنان:

_ «تسلمي يا حبيبتي».

_ ««لوكا».... لو...».
​كان صوته القادم ينادي شقيقته خفق قلبها وهي تراه يوقف أمامها محدقاً بها وما كان بحاله أفضل منها فقد تسمر مكانه وهو يراها تقف أماه بأبهى صورة فستانها الرائع ومكياجها المتناسق مع لون بشرتها أكسبها فتنة كم يتمنى لو يستطيع إخبارها أنها تبدو رائعة، لكنه جلى حنجرته يخبرها بتوتر موضحاً سبب وجوده:

_ «كنت فاكر أنك في بيت خالتو جيت أوصل «لوكا»».
​بلعت ريقها بارتباك وأشارت باتجاه غرفة شقيقته:
_ «أنا جيت أغير هدومي وبستناها عشان نروح سوى أنا وهي و«سندس»».

​ختمت حديثها تشير بنظراتها نحو «سندس» التي يبدو أنه لم يلاحظ وجودها.

​ليتلعثم يلقي التحية عليها:
_ «إزيك يا «سندس»؟».

_ «أهلاً يا «حسين»».

_ «خلاص أنا جهزت أهو».
​كان هذا صوت «مليكة» التي خرجت من غرفتها تتجه نحوهم بخطوات مسرعة لتتفاجئ بوجود شقيقها:

_ «إي دا «سونه» أنت هنا؟».
​مط شفتيه بانزعاج وقال:
_ «أيوه يا لمضة جيت أوصلك.. مكنتش أعرف أن «قمر» هنا».

​كتمت ضحكاتها وهي ترى «قمر» الحانقة من تأخيرها لتقترب منه تمازحها وهي تقرص وجنتها:

_ «دي قمورة أخت العريس الجدعة فضلت مستنياني.... مرات أخويا القمر يا بختو بيك».

​ارتجف قلبها مع كلمات «مليكة» وتشابكت عينيها مع عينيه تبصر الحسرة التي ملأتها لتطرق رأسها بخزي؛ فلو تعلم «مليكة» أنها من دمرت حياة شقيقها وأحزنت قلبه!

                   الفصل الثلاثون من هنا
تعليقات



<>