رواية براعم الحب الفصل الثلاثون30 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الثلاثون30 بقلم رشا عبد العزيز

هنالك أحلام يطول انتظارها حتى يغزونا اليأس، ظناً منا أننا خسرناها وسط ظلام الحياة وأشواك خيبات الأمل.

تحجب دموع الخذلان أعيننا حتى ننسى أن هناك رباً يسمع رجاءنا، ويدخر لنا دعواتنا ليمنحها لنا في وقتها، فتبصر أحلامنا النور وتسقى قلوبنا غيث عطائها.

​لمعت عيناها بسعادة تتأمل صغيرتها بثوبها الأحمر، تزين الحناء يدها، يحيطونها أحباؤها ويقاسمونها فرحتها، لكن عينها لم تر من بينهم سوى ابنتها الكبرى فنغزها قلبها؛ كم تمنت أن تفرح بها هي الأخرى قبل أن تسبقها شقيقتها الصغرى، رغم أنها تعلم أن "ورد" فتاة عاقلة ولن يسوقها تفكيرها للغيرة من شقيقتها، لكن هناك مشاعر تطرق قلوبنا رغماً عنا. نفضت من رأسها هذه الأفكار فبنتها أنقى من أن تلوث روحها تلك المشاعر السلبية، وابتسمت تدعو سراً أن يتحقق حدسها وتصدق ظنونها، فمنذ أن ظهر في حياتهم ذلك المحامي وهي تشعر أن ظهوره غير طبيعي. اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر وجه "طارق" الممتعض عندما أخبرته أنها قد تقصت عنه عن طريق إحدى زوجات صديقاتها الذي يعمل كمحامي وقد أشاد به وبأخلاقه.
حدق بها بدهشة وقال محتجاً:

_​وأنت تسألي عليه ليه ياهانم؟
ابتسمت تقبض على يده تحاول تهدئته:
_​اسمعني بس ياحبيبي... بصراحة كده عشان اللي شفته في المستشفى وفي الندوة.
ربع يده على صدره بانزعاج يسألها بضيق:
_​وشفتي إيه حضرتك عاوز أفهم؟
اتسعت ابتسامتها التي أغاضته وقالت تمسح على ذراعه:
_​طب إهدى واسمعني.. شفت إن الولد معجب ببنتك.
اتسعت عينه بصدمة وصرخ بها بانفعال يستنكر حديثها:

_​بتقولي إيه ياندى؟! معجب بمين وكمان أنت فرحانة، أنت اتجننتِ؟!

قبضت على ساعده وانحنت نحوه:
_​ومالو ياطارق لما يعجب ببنتك، بنتك مش ناقصها حاجة!
تسارعت أنفاسه يلوح بسبابته أمامها محذراً وقال بغضب:
_​"ندى" متستفزنيش، أنت واعية بتقولي إيه؟!

زفرت أنفاسها وجمعت أصابعها تشير له أن يهدأ:
_​اصبر عليه شوية واهدى خليني أفهمك.

ظل يحدق بها بستهجان لتسترسل هي تحاول إقناعه:
_​بص ياحبيبي، الولد كويس عنده شهادة حلوة ووظيفة كويسة ومعجب بيها، يبقى إيه اللي مزعلك في الموضوع؟ مش يمكن نيته خير وعاوز يجوزها؟

أظلمت عينه بغضب متصاعد أخافها قبل أن يضغط على أسنانه قائلاً:
_​بنتي مش بايرة ياندى عشان ندور لها على عريس!
_​ياطارق أنا ماقلتش بايرة، بس برضو مش صغيرة، أدام نصيب كويس ليه لأ؟!
قبض على عضدها بغضب وقال مستنكراً:

_​عاوزاني أروح أخطب لبنتي؟!

كانت تتفهم غضبه لأنها تعلم مكانة "ورد" عنده وحساسية مشاعره، لكن أزعجتها حركته لتنظر ليده التي تقبض على عضدها بعين رافضة قبل أن ترفعها ببطء لتواجه عينيه بعتاب فهمه هو ليفلت يدها بعد أن استوعب خطأه، لكنها قالت له ببرود:

_​أنا ماقولتش تخطب، أنا بطلب منك تعزمه على فرح "أحلام" بس.

ثم نهضت تنوي ترك المكان، وقبل أن تتخطاه أمسك يدها وقال معتذراً:
_​"ندى" أنا أسف انفعلت وعليت صوتي عليكِ.
ثم برر لها يلومها:

_​بس أنت كمان كلامك مش منطقي.
_​لا منطقي ياطارق، أنت حبك لورد خلاك مش شايف أنها بتكبر، كل صحابها أتجوزوا وبنات خالاتها، دي حتى اختها الصغيرة هتتجوز، تقدر تقولي مشاعرها هتكون عاملة إزاي وهي بتشوف اللي أصغر منهاها بيتجوزوا وهي لأ؟!

أجابها بعناد:

_​بنتي عاقلة ومش هتفكر كده.
بادلته نظرات التحدي وقالت:
_​دلوقت مش هتفكر عشان هي طيبة، لكن كمان سنتين تلاتة هتفكر غصب عنها، ولو هي مفكرتش المجتمع هيجبرها تفكر!

سكت يدير حديثها في ذهنه لتقترب منه تضع يدها على كتفه تخبره بلين وتعقل:

_​ياحبيبي الحكاية مش مستاهلة كل الانفعال دا، إحنا هنعزمه بس وهو لو نيته سليمة وزي ما أنا فاكرة هيتقدم، ولو الحكاية مش في باله وأنا بتوهم خلاص مش هيتقدم.

ثم ربتت على كتفه متهكمة:
_​وساعتها بنتك حبيبتك هتفضل في حضنك!
عادت من ذكرياتها تراقب سعادتها بشقيقتها، لاتلومه على تعلقه بها، لكنها في ذات الوقت تمنت لو صدق حدسها.
***************************"" *
​توترت "قمر" عندما وجدت خالتها تدعوها لتنقش الحناء هي أيضاً على يدها بعد أن أعجبها النقش الذي وضعته خبيرة التجميل على يد "سندس":

_​تعالي ياقمر أنت كمان، البنت شغلها يجنن ما شاء الله.
تلعثمت ولم تعلم بماذا تخبرها حتى أخبرتها بارتباك تفرك يديها ببعضهما:

_​معلش ياخالتو ما بحبش الحنة.
لتلومها "شمس" الجالسة بجانبها:
_​ليه ياهبلة دي حلوة، وياسلام لو نقشتي اسم "حسين" هيفرح قوي، الرجالة ياعبيطة بيحبوا الحاجات دي، و"حسين" بيحبك وأكيد هيحب دلعك واهتمامك بيه.

التفتت نحو والدتها تنظر لها بنظرات ضائعة، فما عساها أن تخبرها أنهما ليسا زوجين حقيقيين كما تظن؟!

نظراتها التائهة أقلقت "شمس" لتسألها بريبة:

_​هو فيه حاجة بينك وبين "حسين"؟ أنتوا زعلانين مع بعض؟!

هزت رأسها نافية بسرعة تجيبها بثقة مصطنعة:

_​لا ياماما مفيش حاجة بينا، بالعكس "حسين" بيحبني وأنا كمان بحبه.

بلعت ريقها باضطراب وكلماتها الأخيرة ترن في مسامعها، لا تعلم هل نطقها لسانها كاذباً أم همس بها قلبها بصدق.

ربتت "شمس" على فخذها وقالت بحنان:

_​لو فيه حاجة بينكم أنا ممكن أسمعك يابنتي، ولو أني بفضل إن مشاكل الزوجين يحلوها مع بعض أحسن من وجود طرف تالت، برضه لو فيه حاجة بينكم ممكن أساعدك في حلها.

ابتسمت "قمر" ابتسامة باهتة وهي تخبرها مطمئنة:
_​صدقيني ياماما مافيش حاجة بينا، إحنا سمن على عسل.

_
​ربنا يسعدكم يابنتي.

​نهضت من جانب والدتها قبل أن تفضحها دموعها، واتجهت نحو المطبخ مدعية مساعدة "ورد". كانت "ورد" تساعد عاملتهم في تجهيز أطباق الحلوى ترصها بجانب بعضها استعداداً لتقديمها، عندما وجدتها تقف أمامها تسألها بصوت مختنق:

_​محتاجة مساعدة ياورد؟
رفعت عينيها تبصر دموعها المتلألئة في عينيها، اقتربت منها تمسك ذراعها وتسألها بقلق:
_​مالك ياقمر؟
سؤال "ورد" حرر دموعها الحبيسة لتهرب منسابة على وجنتيها مما زاد قلق "ورد". رفعت يدها تمسحها بسرعة.
ابتسمت ابتسامة مزيفة وقالت كاذبة:
_​مافيش حاجة بس جيت أشوفك لو محتاجة مساعدة.
تجاهلت جوابها غير المقنع وجذبت يدها تسحبها بسرعة خلفها نحو غرفتها،  تجلسها على السرير وتغلق الباب خلفها.

حاولت "قمر" كتم شهقاتها وحبس تلك الدموع المتمردة كي لا يفضحها احمرار عينيها.

ضمتها "ورد" بحنان وسألتها من جديد:

_​مالك ياقمر، اتكلمي.
حركت يدها تلوح لها بعدم معرفة وتجيبها بشفاه مرتعشة:

_​هتصدقيني لو قلتلك مش عارفة؟!
قطبت "ورد" حاجبيها مستنكرة:
_​يعني إيه مش عارفة؟ أمّال بتعيطي ليه؟.. أنت متخانقة مع "حسين"؟!
رفعت يدها المرتعشة تزيح تلك الدمعة التي انزلقت على أنفها قبل أن تنظر لها بضياع:

_​مش عارفة ياورد حاسة إني تايهة مش عارفة أحدد مشاعري، ساعات بحس إني بحبه وبغير عليه، وساعات بحس إن نفسي أقوله سامحني، وساعات بحس إنه شعور بالذنب عشان بشوف الحسرة والعتاب في نظراته، وساعات بحس إنه كرهني وفيه مسافة بعيدة بينا وشرخ كبير عمره ما يتصلح.

مسحت "ورد" على ذراعها بلطف تواسيها وتهدئها:
_​اهدي ياقمر.
ثم ابتسمت تخبرها:

_​شكلك بدأت تحبيه... "حسين" بيحبك ياقمر ويستاهل تفتحي له قلبك وتحبيه.

لتسألها بلهفة غلفها التمني:

_​وتفتكري ممكن يسامحني وينسى؟!
ربتت على يدها مطمئنة:

_​"حسين" بيحبك واللي بيحب بيسامح.

لتستطرد بفكاهة محاولة إخراجها من حالتها:
_​يابنت قومي امسحي دموعك قبل ما نتفضح ويقولوا أخت العروسة والعريس فلسعوا وسابونا!

وعادت تربت على يدها:

_​يلا ياقمورة إن شاء الله كل حاجة هتكون بخير.

بادلتها الابتسامة تمسح دموعها بأمل.
************"" "" *************
​دخل إلى شقته الهادئة تغرق في ظلام، خطى بخطواته نحو الداخل وأنار الضوء الذي كشف له الحقيقة؛ فالمكان بدونه موحش، وإن كانت لا تجمعهم سوى جمل بسيطة لكن يكفي وجودها معه تحت سقف واحد، يكفي أنه يشاركها أنفاسها. ضحك ساخرا من نفسه بحزن: ليلة واحدة أشعرته بالوحدة، فماذا سيفعل بعد فراقها وكيف سيصبر على بعدها؟! اقترب من باب غرفتها وفتح الباب ليدخل وعينيه تدور في المكان حتى حطت على طاولة الزينة، اقترب يلتقط عطرها الذي يعشقه لينثره في الهواء يأخذ نفساً يستنشق رذاذه المتطاير يشبع شوقه لها، وضعه جانباً واتجه نحو سريرها جلس يتلمس مكانها بحب قبل أن يحمل وسادتها ويحتضنها يعاتبها بحزن:

_​لسة بحبك ياقمر وقلبي مش قادر يكرهك بعد كل اللي عملتيه وجرحك ليه، لسه قلبي بيعشقك.

تمدد ولا زال يحتضن وسادتها يروي قلبها الملتاع برائحتها، ليلوم نفسه يؤنبها:

_​وبعدين ياحسين هتفضل عايش في العذاب دا؟! وجودك معاها بقى زي السم اللي بيقتلك كل يوم شوية وأنت عارف إن نهايتكم الفراق.

ضم وسادتها بقوة وأغمض عينيه بوخز ذلك العاصي الذي لا زال يخفق لها:

_​أنساها خلاص كفاية، أفهم قلبها مش ليك!

ثم استفاقت كرامته تصفعه:

_​بلاش ترخص نفسك!
إنهكه ذلك الصراع حتى غفى في سريرها مستغلا مبيتها في بيت والدها.
***************************
​وفي اليوم التالي وقف العريس أمام مرآة غرفته القديمة يطالع نفسه بارتباك قبل أن يتأفف بضجر عندما أخفق في عقد ربطة عنقه للمرة الثالثة:
_​مش راضية تتربط زهقتني!
قهقه "سيف" ضاحكاً ينظر لـ"حسين" الذي شاركه الضحك هو الآخر يراقبون حنقه وتوترة، ليشاكسه "سيف" يغمز لـ"حسين":
_​هو مالو العريس متوتر كدة ليه ياحسين؟ شكله خايف!
ليكمل "حسين" ضاحكاً:
_​شكله هيكسفنا وإلا إيه؟!
التفت إليهم "شريف" يرمقهم بغيظ قبل أن يهتف حانقا:
_​بدال هزاركم البايخ واحد منكم يجي يساعدني!
اقترب منه "سيف" ومد يده يحاول ربطها لكنه لم يفلح ليقول بتهكم:
_​يا ابني أنت مش صاحب محل ملابس؟ مفروض أنت بتعرف تربطهم!
ليقول بيأس:
_​بابا هو اللي بيعملهم وياما حاول يعلمني، كانت ساعات بتضبط وساعات بتفشل، بس مش عارف مش ضابطة!
انفلتت ضحكاتهما من جديد وأحدهما ينظر لآخر:
_​عشان متوتر ياعريس، وريني كده.
قالها "حسين" الذي أبعد "سيف" وشرع يضبطها له حتى استطاع ترتيبها، لينظر "شريف" لما فعله باستحسان فتشرق ابتسامته بسعادة:
_​برافوو ياحسين حلوة قوي.
بادله "حسين" الابتسامة قبل أن يضع يديه على كتفيه:
_​ألف مبروك يا ابن خالتي.
_​الله يباركلك يا أبو نسب.
​وفي غرفة قريبة منهم:
​كانت تضع آخر دبوس في حجابها تهندمه ملتفتة يمنة ويساراً أمام مرآتها لتلمح ربطة العنق الموضوعة على طاولة الزينة التي طابق لونها لون فستانها لتتنهد بحسرة تتذكر كلام البائعة أنها هدية كي يرتديها زوجها.

وعلى ذكر الأخير نبض قلبها شوقاً له، لم تره منذ البارحة وتشعر كأن شيئاً ينقصها، فجأة سمعت صوت ضحكاتهم القريب وميزت صوته ظنت للوهلة الأولى أنه يخيل لها، اتجهت نحو باب الغرفة وفتحت لتتأكد أنه هو إذن لقد حضر! خفق قلبها لسماع صوته وساقتها قداها نحوه لتقترب من غرفة شقيقها وتتسع ابتسامتها عندما رأت مزاحهم ومشاكستهم، اقتربت أكثر:

_​مساء الخير.
صوتها قطع ضحكاتهم ليلتفت الجميع نحوها تعلقت عينيه بها وقلبه يرتعش بجنون تأسرة كل يوم بإطلالتها الرائعة، تخطف قلبه . كان يراقب عناقها لشقيقها تبارك له، كم تمنى لو حظي هو بعناق مثله!

ليتفاجأ بها تقترب منه تعانقه بخفة وتقبل وجنته:
_​إزيك يا حسين وحشتني.
تجمد جسده من فعلتها وتوتر يستشعر ملمس شفتيها على وجنته، لتربكها نظراته المستنكرة وظنت أن فعلتها قد ضايقته لتقول بتلعثم:
_​ممكن لحظة؟
فعلتها التي شتتته جعلته يومئ لها ويتبعها، وما إن خرجوا من الغرفة حتى همست معتذرة بعد أن اعتقد أن فعلتها أزعجته:

_​آسفة بس أنا بايتة هنا من امبارح كان لازم أعمل كدة قصاد أخواتي.

لم تعلم أن كلماتها جرحته من دون قصد ليسخر هو من قلبه الغبي الذي توهم شوقها وقال يوبخ سرّاً:
_​طلعت تمثيلية يامغفل!
دخل خلفها غرفتها لتمد له يدها بربطة العنق وتقول راجية:
-​ممكن تلبس الكرافطة دي؟
نظر إلى ربطة العنق ثم إلى ثوبها ليقول بتهكم:

_​إيه دا لبس التمثيل عشان نبان زوجين مطقمين؟!
ابتلعت تهكمه بغصة مرّة وتحمحمت بحرج:
_​لو مش حابب خلاص.
وقبل أن تستدير تعيدها مكانها التقطها منها وربطها ثم ارتداها. أسعده تصرفه لتبتسم تباغته أن رفعت نفسها تقف على أطراف أصابعها تعدلها له وترتّب ياقة قميصه تمسح على كتفه وصدْره وتقول مبتسمة:

_​كدة تمام حلو اوي.
ليقول باقتضاب:
_​متشكّر.
شعرت بضيقه لتحاول التخفيف من هذا الجو المشحون:
_​وأنا إيه رأيك حلو؟
دارت حول نفسها تستعرض له فستانها، تطلع إليه ليقول بتوتر:
_​جميل.
نبرة صوته الباردة والمقتضبة جعلتهاتعتقدت أنه يجاملها لتقول:
_​شكراً.
***********************
​وقف يراقبها تتم زينتها يتأمل فستانها المحتشم برضى، فقد اختاره بنفسه وترك اختيار اللون لها هذه المرة.
ارتدى سترته ووقف يزاحمها أمام المرآة ينثر يهندم نفسه وينثر عطره على ملابسه، التفتت تبتسم له عندما سألها:
_​إيه رأيك ياروحي؟
استدارت نحوه وقالت بإعجاب:
_​قمر ياحبيبي تجنن.
تجهم وجهه فجأة عندما رأى أحمر الشفاه الغامق الذي طلت به شفتيها، حاول أن يتمالك أعصابه ويغتاض عنه متجاهلاً رفضه لكنه لم يستطع ليقول بهدوء:
_​الروج لونه غامق ياقلبي مش متناسق مع لون الفستان ممكن تغيريه؟
عادت بنظرتها نحو المرآة وقالت مستنكرة قوله:
_​مش قوي ياحسن، مناسب لفرح.
لم يعجبه رفضه ليقول بإصرار وهو يمد يده يمرر إبهامه على شفتيها يمسحه يحاول إقناعه مبتسماً:
_​صدقيني مش حلو، شوفي دلوقت.
امتعض وجهها من تصرفه وخنقتها غصة ظهرت في صوتها المهزوز وهي تخبره عندما أدارها لتشاهد نفسها في المرآة:

_​ليه عملت كده بوظت مكياجي ياحسن؟!

توترت ابتسامته التي بدأت تتناقص عندما لمحت الدموع تلمع في عينها لينحني يقبل رأسها محاولاً إرضاءها:

_​هتقدري تضبطيه تاني ياحبيبتي، صدقيني الفاتح أحلى.
ثم انحنى أكثر يقبل وجنتها:

_​وهستناكي يجميلة حتى لو خدتي ساعة كمان في تظبيطه.
مدت يدها تمسح دمعة هاربة خالطت لون كحلها وأخذت منديلاً تمسح شفاهها بعنف بعد أن أغاضتها فعلته.
كانت تظنه تغير منذ عودتها، لكن يبدو أن "حسن" هو "حسن".
لاحظ هو حركتها يعلم أنه أزعجها، لكن هذا أفضل من أن تأكله الغيرة لو خرجت بأحمر شفاهها الغامق.

كان يشعر بحبسها لدموعها ليقترب منها من جديد قبل كتفها وقال يحاول استرضاءها:

_​حبيبي متزعليش هيتضبط أنت أصلاً قمر ومش محتاجة مكياج، طب ياريتك تمسحيه كله!
حدجته بنظرة مستهجنة وتعمدت التأخير انتقاماً منه، لكنه تحمل ذلك كي لا يغضبها أكثر.
*****************************
​أخذت نفساً عميقاً وزفرته بسعادة لا تصدق أنها ستكتب اليوم على اسمه، اليوم سيجمعهم بيت واحد.
ربما هي لم تر سواه في حياتها، هو كان نصفها الآخر منذ الصغر شريك البداية والنهاية كما تدعو دائماً.
أخفضت عينيها تتأمل فستانها الأبيض بسرور وتبتسم تتذكر مكالمته لها يترجاها أن ترسل له صورتها حالماً ترتديه لكنها رفضت وتمنعت تخبره أنه نذير شؤوم كما سمعت وعليه أن ينتظر رؤيتها في الوقت المناسب.
تلمست ثوبها ويدها تتخطى حبات اللؤلؤ التي زينته وكأن كل واحدة تحكي حكاية من حكاياتهم معاً.
​خفق قلبها بجنون عندما علمت بوصوله وقبضت على فستانها بتوتر.
​أما أمام باب الغرفة وقف ينتظر بلهفة رؤيتها حتى يؤذن له بالدخول، كانت "شمس" تقف بجانبه و"قمر" أيضاً.
حتى فتح الباب ودخل يسبقه قلبه نحوها بشوق، علت الزغاريد والتبريكات وأصدر الفتيات الهتافات وحملن هواتفهن يوثقن هذه اللحظة المنتظرة. أصبح خلفها مد يده يتلمس كتفها كي تستدير لكنها تمنعت بدلال، ليناديه بصوت عاشق:
:​"أحلامي" ألف مبروك ياحبيبي.
استدارت نحوه ببطء لتتسع ابتسامته يقول بإعجاب:
_​بسم الله ما شاء الله تبارك الرحمن... قمر ياروحي!
بادلته الابتسامة تلتقط منه باقة الورد بخجل:
_​ألف مبروك ياحبيبتي.
ازداد وجهها احمراراً تجيبه باستحياء:
_​الله يبارك فيك ياحبيبي.
_​يا قلب حبيبك.
جذب يدها يسير بجانبها لتقترب منه "ندى" و"شمس" يقدمان لهما التهاني والتبريكات.
*****************"" "" 
​على طاولة عقد القران جلس يضع يده بيد "طارق" يردد ما يمليه عليه المأذون كي تصبح حبيبته زوجته شرعاً، عينيه كانت مثبتة عليها بابتسامة عريضة. وبعد أن انتهى كل شيء طلب من المأذون أن يقول شيئاً، التقط مكبر الصوت منه وقال وهو يوزع نظره بين "طارق" و"أحلام":
_​أنا عاوز أقول كلمة لعمي ومراتي وعايز الناس كلها تشهد عليها.
تتبع كلماته بنظرات دارت حول الحضور ثم نهض مستقيماً وقال بصدق:
_​أنا بعاهد ربنا ثم حضرتك ياعمي وقدام الناس كلها أن أصون "أحلام" وأحترمها وأسعدها وأعزها وأكرمها، وأني أكون سندها وأمنها وأمانها، ومن دلوقت ولحد آخر عمري هشيلها تاج فوق راسي وهتكون مراتي وصاحبتي وحبيبتي، وهعمل جهدي عشان سعادتها وراحتها.
انسابت دموعها رغماً عنها وهي تسمع كلماته، قلبها يرفرف بفخر لقد تزوجت برجل حقيقي رغم صغر سنه.
كان الجميع يطالعه بإعجاب والنصيب الأكبر كان لـ"طارق" الذي فاجأه حديثه وأسعده وهو يثبت نظره عليه ويقول:
_​أنت سلمتني جوهرة ياعمي وتأكد أنها هتكون في الحفظ والصون.
أنهى حديثه لتتعالى الزغاريد والهتافات المشجعة له. التفت "فارس" نحو "شمس" فرح وفخور بولده وربت على كتف "شريف" قبل أن يحتضنه مباركاً له فتنهال عليه المباركات حتى وصل إليها ليجذبها نحو أحضانه يحتضنها بقوة:

_​ألف مبروك يا أحلام أخيراً بقيتِ مراتي.
بادلته العناق بعشق وعين باكية:
_​الله يبارك فيك ياحبيبي.
ظل أحدهما متمسك باﻵخر يترجمون مشاعرهم بدموع انهمرت من عيونهم تحكي قصة انتصار الحب:

_​بحبك.. يا أحلام بحبك اوي.
_​وأنا كمان بحبك ياروح أحلام.
لكن "أحلام" فاجأته عندما قالت:
_​"شريف" حضنك طلع يجنن.
ضحك من بين دموعه يلومها:
_​اتلمي يا أحلام هو دا وقته عاوزاني أتهور وأسيب الفرح؟!
انفلتت ضحكاتهما وهي تخرج من أحضانه تمسح دموعه وتقول ساخرة:
_​مجنون وتعملها!
مسح هو الآخر دموعها بأنامله يؤنبها:
_​أنا اللي مجنون وإلا أنت اللي عاوزة تجننيني؟!

وقبل أن تعقب على حديثه سمعوا منظمة الحفل تدعوهم لساحة الرقص كي يفتتحوا الحفل. تأبطت ذراعه وسارت معه إلى ساحة الرقص، وقفت أمامه وقبل أن تبدأ رقصتهم أشار لمنظمة الحفل لتأتي تحمل سلة صغيرة سلمتها له. نظرت له "أحلام" بفضول عن محتوى السلة لكنها تفاجأت به ينثر عليها الورود وأوراقها الحمراء فوق رأسها وسط تصفيق الجميع، لتغمرها السعادة وهي ترى ما يفعله لإسعادها. وعندما انتهى اقترب منها وانحنى يقبل يدها ثم جبهتها قبلة طويلة حملت معها مشاعره المتأججة لتجد نفسها تقول بعفوية:
_​بحبك ياشريف.
_​وأنا بموت فيكي ياحب عمري.
انخفضت الأضواء وبدأت رقصتهم التي أسرت قلوب الجميع بتناغمهم وانسجامهم.
​كانت "ندى" تراقب ابنتها بسعادة شاركها بها "طارق" الذي كان يقف بجانبها يدعو لابنته بتمام الخير.
​أما "ورد" فكانت مندمجة تتمايل مع الموسيقى حتى اتسعت ابتسامتها عندما وجدت "شريف" يحمل "أحلام" ويدور بها، لكن تبخرت ابتسامتها بصدمة عندما سمعت صوته خلفها يقول:
-​ألف مبروك عقبالك.
التفتت بسرعة لتتأكد من ما سمعت لتجده يقف أمامها بابتسامته المعهودة لتردد اسمه بدهشة:
_​أستاذ "مهاب"؟!
_​إزيك يا آنسة "ورد"؟
تلعثمت تجيبه بارتباك:
_​الحمد لله.
_​ألف مبروك.
أجابته بتوتر:
_​الله يبارك فيك.
ثم سألته متحيرة:
_​آسفة بس حضرتك عرفت إزاي؟
ابتسم على حيرتها:
_​والد حضرتك عزمني.
بهتت ملامحها وظلت صامتة بعد أن ألجمتها الصدمة، لكن صدمتها تضاعفت بعد أن سمعت طلبه:
_​تسمحيلي أعرفك على الوالدة؟
هزت رأسها وقالت بتهتهة من شدة ارتباكها:
_​آه.. آه.. طبعا.
ليشير لها نحو مكان تواجدها:
_​اتفضلي.
وصلت إلى الطاولة التي تجلس عليها والدته التي تفاجأت من رؤيتها ليُشير لوالدته:
_​الآنسة "ورد" ياماما كاتبة زملتي وأخت العروسة.
حدقت بها تشملها بنظرة متفحصة لتقول بإعجاب مبتسمة:
_​بسم الله ما شاء الله... أهلاً يابنتي.
اقتربت منها "ورد" بخجل واحتضنتها مرحبة:
_​أهلاً يافندم اتشرفت بمعرفة حضرتك.
_​ربنا يحفظك.
خرجت من أحضانها بحرج وقالت:
_​أهلاً وسهلاً بيكم... شرفتونا.. عن إذنكم.
_​مع السلامة.
ظلت عينيه تتبعها بحب وهي تبتعد لتجذب والدته يده وتقول هامسة تشير بعينها نحو "ورد":
_​هي دي اللي عينك منها؟!
كانت عينيه مثبتة على "ورد" يجيب والدته بهيام:
_​أيوه... إيه رأيك؟
لتجيبه وعينها لا تزال تتبع "ورد":
_​قمر اللهم بارك.
ثم وكزته تمازحه:
_​والله وطلعت شاطر يامهاب وعرفت تختار، باين عليها طيبة.
تنهد بحب يخبرها:
_​مش بقولك حاجة نادرة.
ابتسمت له والدته لتدعو له بصدق:
_​ربنا يسعدك ياابني.
********************************
​خرج يبحث عنه ليجده يجلس خارج القاعة يضم جسده بيديه ويزفر أنفاسه الساخنة في الهواء البارد، على تلك النسمات الباردة تريح قلبه الملتاع؛ كم يفتقدها اليوم في زفاف شقيقته وكم كانت لتكون سعيدة بوجودها معهم!
نغزه قلبه بعتاب لقد حرمها وحرم نفسه من هذه السعادة جرياً وراء وهم.
اقترب منه ليجلس بجانبه وضحك ساخراً يمازحه:
_​الظاهر الأدوار اتبدلت يا ابن خالتي، زمان كنت أنت اللي بدور عليا دلوقت أنا اللي بدور عليك!
ضحك "زياد" ضحكة بسيطة والتفت له يشاركه المزاح:
_​أيوه كنت بدور عليك وأقفشك بتشرب سجاير.
ابتسم يخرج علبة سجائره يحركها أمامه ساخراً:
_​ما أنا فعلاً هشرب سجاير.
هز "زياد" رأسه بيأس، ليشعر بيد "حسين" تربت على فخذه بعد أن أشعل سجارته ويسأله:
_​مالك ياصاحبي؟
تنهد "زياد" بشوق وقال بحسرة:
_​وحشتني أوي.... نفسي تديني فرصة تانية أصلح فيها غلطتي.. وأعوضها.
ثم التفت نحو "حسين" يردد بصدق:
_​أنا والله عرفت قيمتها وفهمت إني بحبها.
_​بس متأخر يازياد...
جملة قالها جعلت "زياد" يحدق به ليسترسل:

​فهمت متأخر بعد ما فقدت هي ثقتها فيك، وبعدين مش مهم أنت تفهم، المهم هي تصدقك وتصدق حبك ليها.

أطرق رأسه بندم يعلم أنها الحقيقة، ليأتيه صوته يمنحه الأمل من جديد عندما أخبره:

​حاول يازياد، حاول تاني وتالت ورابع لحد ما تصدقك، ومادام هي بتحبُك هتسامحك.
نظر له يسأله بأمل:
_​تفتكري هتسامحني؟
ربت "حسين" على يده يطمئنه:
_​إن شاء الله هتسامحك.
_​"حسين".
فاجأته صوتها تناديه ليلتفت يجدها تقف تفرك يدها ببعضها حرجاً، نهض يلقي بعقب سجارته ويدهسها يتجه نحوها ببطء يسألها بشيء من القلق:
_​"قمر" فيه حاجة؟!
أخفضت عينيها تخبره بخجل:
_​بابا بيسأل عليك.
قطب حاجبيه مستفسر منها:
_​عمي "فارس" عاوزني؟
رفعت نظرها نحوه ببطء وقالت بتلعثم:
_​بابا عاوز ناخد صور جماعية مع "شريف"، يعني صور لعيلتنا كلها مع بعض.
تنهد بحسرة وأشار لها أن تتقدمه وسيتبعها، اختطف نظراً نحو "زياد" قبل أن يتبعها.
تاركاً "زياد" يسخر من نفسه بحزن فحتى ظهور "قمر" اليوم لم يعني له شيئاً ولم يتحرك قلبه لوجودها، فقلبه الآن أسير تلك العنيدة التي يحترق شوقاً لها.

​وما إن أبتعدوا قليلاً حتى همس لها بما ألم قلبها:
_​كان ممكن تعتذري مالوش داعي أكون معاكي، أنا فرد مؤقت في العيلة كلها، كم شهر وننفصل وأخرج منها!
لتتجمد قدمها وتوقفت حتى أصبح بجانبها تنظر إليه بوجوم ليتهكم مستطرداً بكسرة:
_​مافيش داعي تضطروا بعد كده تبوظوا الصور عشان أنا موجود فيها!
تجاوزها يتركها تنظر لظهرها بغصة بعد أن مزق قلبها حديثه، ومابين ندم وحزن وقفت هي تائهة أغمضت عينيها متنهدة بحرقة فقد ألمها حديثه عن الفراق.

​رسم ابتسامته المزيفة ووقف خلفها حيث أشار له المصور وسط أفراد عائلتها، ارتجف قلبها وهي تشعر بجسده قريب منها تكاد تشعر بأنفاسه تلامسها تأكلها القهر تتذكر كلماته ووصفه وجوده معها بالمؤقت.

تسأل نفسها هل توقف عن حبها ولم تعد تعني له شيئاً؟! وفي خضم صراع تلك الأفكار شعرت بأصابعه تتحرك على كتفها يسحب حجابها قليلاً يغطي جزء بسيط من جسدها ظهر بعد أن انزلق حجابها.
تراقص قلبها تحت وطأة لمساته وأسعدتها غيرته عليها إذن هو لا زال يحبها لا زالت تعني له شيئاً!
***********************
​وفي مكان ليس ببعيد كانت "مليكة" تتأفف بضجر من ملاحقة صديق "شريف" لها الذي صدته عندما حاول الحديث معها مظهراً إعجابه بها، وصديق آخر حاول التعرف عليها معللاً ذلك نيته خطبتها لتتمتم بانزعاج:
_​إيه الرجالة الرخمة دي؟!
ذلك المشهد كان تحت نظرات "أصيل".
​عينيه كانت تتبعها بغضب بعد أن أشعل اقتراب أصدقاء "شريف" منها غيرته حتى التقطتها وهي تخرج خارج القاعة ليتبعها كالمجنون متناسياً المكان ومن حولها. لم تشعر هي بتتبعه لها.
عند ذهابها إلى الحمام حتى وجدت من يجذبها فجأة نحو زاوية خالية لتجفل وتشهق متفاجئة وكادت أن تصرخ، لكنه وضع أصبعه على شفته وأشار لها أن تصمت لتستشيط غضباً عندما رأته وقالت بانفعال:
_ أنت اتجننت، أنت بتعمل إيه؟!
جز على أسنانها وقال حانقاً:
_ أيوه اتجننت... ممكن تقولي إيه اللي بتعمليه دا؟ كل شوية واقفه مع راجل وتتكلمي معاه!
اتسعت حدقتاها بغضب وقالت منزعجة من تدخله:
_ وأنت مالك؟!
استفزته إجابتها وصفعت قلبه العاشق:
_ أنا مالي إزاي؟! مش خايفة على سمعتك ومنظرك قدام الناس؟!
_ لا دا أنت زودتها قوي.. الزم حدودك يادكتور، مش معنى إني سكت لإهانتك المرة اللي فاتت يديك الحق انك تتمادى وتتهمني في سمعتي، أنا مسمحلكش!
مسح على وجهه بضيق وزفر نفساً طويلاً يحاول إطفاء تلك النيران التي نشبت في جسده، يلعن لسانه الغبي الذي يطلق الكلمات متهورة بلا حسبان.
حاول أن يهدئ من نبرة حديثه ليقول معتذراً:
_ أنا آسف، أنا ما قصدتش أسيء ليكِ، أنا بس مستحملتش أشوفك واقفة مع راجل.
ربعت يدها على صدرها بضيق وقالت بانزعاج:
_ وأنت إيه داخلك بيا؟! أقف مع راجل، أنخطب، أتجوز.. أنا حرة!
كلماتها كانت كالبنزين الذي صب فوق نيران غيرته وهو يتخيلها مع شخص آخر ليثور عليها ويصرخ بها بصوت جاهد خفوته:
_ تتخطبي لمين؟!
بترت جملتها بسرعة تحاول إغاضته أكثر:
_ أيوه كلهم كانوا بيعرضوا عليا الجواز.. وأنا...
_ أنت مستحيل توافقي!
جملة قذفها بثقة استفزتها لتعقد حاجبها وتقول مستهزئة:
_ وليه يعني مستحيل أوافق؟!
نظر لعمق عينيها وقال بحزم:
_ لأني بحبك، وأنا اللي هخطبك!
اتسعت عينيها بذهول ورقص قلبها بسعادة، لكنها تمالكت نفسها وقررت أن تنتقم منه وتستعيد كرامتها لتقول بعناد:
_ وأنا مش موافقة.. أنا لسه صغيرة مش لازم أفكر في الحاجات دي!
ضغطت على كلماتها الأخيرة متقصدة تذكيره بكلامه الجارح لها.
لتبهت ملامحه عندما فهم مقصدها، فتبعثرت الكلمات على لسانه لكنه توسلها بنظراته يخبرها برجاء:
_ "مليكة" أرجوكِ اسمعيني.. أنا والله بحبك وكنت خايف إنك ترفضي تعيشي في الصعيد أو حتى تجوزي راجل صعيدي وخفت من فرق العمر بينا!
ثم بلع ريقه الذي جف من شدة توتره وأكمل يوضح لها:
_ لما قلتلي بحبك اتجننت إنك خرجتِ عن تربيتك وبعدتِ عن الصورة اللي رسماهالك. أنت يامليكة غالية عندي اوي زي الجوهرة اللي بخاف عليها من ذرة تراب تلوثها.
ابتهجت روحها وكلماته تداوي كرامتها التي تكسرت وتزيد ثقتها بنفسها التي فقدتها منذ أنزلقت قدمها بهذا الخطأ، لكنها مثلت الجمود وقالت تشيح وجهها إلى الناحية الأخرى:

_ وأنا غلطت.. وعارفة غلطي، انسى اللي سمعته وأنا نسيت خلاص..
ازداد شحوب وجهه عندما سمع كلماتها ووجدها تحاول الفرار من أمامه ليقف أمامها يستحلفها أن تسمعه:
_ أقسّم بالله ما كان قصدي أجرحك، كنت عاوز أنبهك على الغلط وأوقفك، كل اللي كان في بالي لو أنتِ عملتِ كده مع حد تاني كان الموقف عامل إزاي أو الولد دا كان فكر إزاي؟
ثم توسلتها عيناه:

_ أنا نيتي شريفة والله ولو قلتِ موافقة من بكرة هخطبك.. هاا يامليكة موافقة أتقدملك؟!
​عم الصمت لحظات رغم صخب المكان في الخارج، عيناه معلقة عليها بأمل وهي تنظر إليه لا تصدق ما يقوله، تشعر كأنها تحلق في سماء من الفرح باعترافه وطلبه. صمتها الطويل أقلقه ليعاود طلبه:
_ موافقة أتقدملك يا "مليكة"؟!
رغماً عن موافقتها لكنها قالت مكابرة ترد بها اعتبارها أمامه:
_ مش وقته ولا مكانه السؤال دا!
ثم دفعته تغادر المكان ليتبعها محاولاً التفسير لها:
_ يامليكة أنا عاوزك تقولي آه أو لأ بس!
تجاهلت حديثه واستمرت بالسير، ظل يتبعها ليناديها:
_ "مليكة" اسمعيني!
ليستفزه عدم مبالاتها واستمرارها بالسير:
_ "مليكة"!
توقفت تلتفت إليه وتقول بغضب:
_ نعم؟!
_ أنا بس كنت..
فجأة تجمد الاثنان عندما سمعا صوتاً ينادي عليها:
_ "مليكة"...
ليلتفتا بفزع يرددان اسمه بدهشة وتوتر:
_ "حسن"!

تعليقات



<>