رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل الثاني2بقلم هاجر سلامة


رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل الثاني2بقلم هاجر سلامة

أشرقت شمس اليوم التالي كئيبة على قلب لِيال، حاسمة ومبهجة لقلوب الحاقدين في القصر. لم يكن يوماً لزفاف عادي، بل كان أشبه بساحة حرب صامتة تُجهز فيها الأسلحـــة. 
أُقيمت المراجيح والذبائح في ساحة القصر الكبيرة بناءً على أوامر الحاج عبد الرحيم الذي أراد أن يرى البلدة كلها هيبة عائلته، بينما كانت الموسيقى الصعيدية تضرب في الأرجاء كأنها دقات طبول الحرب في أذن العروس.
في غرفتها، كانت لِيال تجلس كصنم من رخام، ترتدي فستاناً أبيض محتشماً فرضته عليها عمتها رسمية وزوجة عمها صفاء، اللتان أشرفتا على كل تفصيلة لضمان طمس أي مظهر من مظاهر "مياعة بلاد الترك" كما وصفتاها. 
دخلت عليها زوجة العم الرابع، الست الجميلة المكسورة التي تعاني قهر زوجها العقيم، نظرت إلى لِيال بشفقة حقيقية، واقتربت منها هامسة:"استهدي بالله يا بتي.. همّام واعر وشديد، بس جواته راجل صوح.
 بلاش عِند معاه واصل الليلة، الصعايدة عقولهم ناشفة في ليلة الدخلة، والكلمة العفشة بتولد دم."نظرت إليها لِيال بعيون حمراء من كثرة البكاء وقالت بصوت متهدج:"الدم أهون عليا من إني أكون لواحد غاصبني يا طنط.. أنا بموت في الدقيقة مية مرة."وفي المندرة، كان همّام يقف بجلبابه الصعيدي الأسود الفاخر المصنوع من الصوف الإنجليزي، يلف شاله الأبيض حول عنقه بهيبة خطفت أنظار الجميع. كان يبدو كالملك المتوج، لكن من يدقق في عينيه يرى نيراناً تحرق الأخضر واليابس. لم يكن يفكر في لِيال؛ بل كان كبرياؤه يغلي من كلماتها عن ذلك الشاب التركي، وفوق كل هذا، وصية جده التي جعلته يشعر بأنه مجرد أداة لتأديب فتاة متمردة.تم عقد القران، وارتفعت الزغاريد المنافقة من رسمية وصفاء، بينما كان "صالح" والد لِيال يجلس صامتاً، يدعو لابنته بقلب يعتصره الألم، فهو يعلم أن ابنته دخلت عرين الأسد.اصطحب همّام لِيال إلى الجناح الخاص بهما في الطابق الثالث، وهو جناح معزول وشديد الخصوصية.
 بمجرد أن أغلق الباب الخشبي الثقيل بالمفتاح، شعرت لِيال ببرودة الخوف تسري في جسدها.

 تراجعت إلى الخلف حتى ارتطمت بطرف الفراش الكبير، بينما تحرك همّام ببطء وثقة، خلع شاله وألقاه على المقعد، ثم التفت إليها وعيناه تلمعان بقسوة بالغة.بدأ الحوار بينهما حامياً، ليعبر عن ذروة الصدام والكره المتبادل:وقف همّام وعينه في عينها وقال بنبرة واطية بس بتخوف:"مبروك يا عروسة.. أهو بقيتي في حوزتي، وقفل الأوضة دي اتقفل علينا، ومفيش عاد لا تركيا ولا جامعة ولا واد مايع يلحقك من تحت إيدي!"
لِيال رفعت راسها بعناد رغم الرعب اللي جواها وزعقت:"ماتفتكرش نفسك انتصرت يا همّام! إنت أخدت حتة ورقة وجسم محبوس، بس قلبي وعقلي هيفضلوا يكرهوك ليوم الدين! الجوازة دي سجن، وإنت السجان المتخلف اللي جدي مسلطه عليا!"
همّام خطى خطوة سريعة وعصر دراعها بقبضته الحديدية لحد ما اتأوهت، وقرب وشه من وشها وهو بيتنفس بسرعة:"إياكِ تنطقي عاد كلمة متخلف دي على لسانك! أنا هنا سيدك وتاج راسك، والواد اللي قولتِ إنك بتحبيه في تركيا، ورب العزة لو شميت خبر إنك لساتك بتفكري فيه، ليكون موتك على إيدي! إنتِ هنا لجل خاطر طوع جدي وبس، وعشان أكسر الخشم الناشف ده وأعلمك الأصول الصوح."
لِيال تفلت في الأرض وبصتله بغل:"أنا مابخافش منك! إنت بتعمل كل ده عشان تداري على جرحك.. فاكرني مش عارفة إن بنت خالتك شذى سابتك واتجوزت غيرك؟ إنت مكسور وعايز تتشطر عليا أنا!"

الكلمة نزلت على همّام زي كرباج نا..ر عينه اسودت تماماً وضغط على دراعها أكتر لدرجة إن عياطها طلع غصب عنها، وزعق بصوت رجولي هز الحيطة:"إخرسي واصل! شذى دي ضفرها برقبتك وبرقبة بنات بحري والترك كلهم! إياكِ تجيبي اسمها على لسانك المسموم ده! إنتِ هنا مجرد غسيل عار لجل مياعتك ولبسك اللي فضحنا، وهتعيشي هنا كيف الجارية مسموعالك كلمة واحدة بس.. حاضر ونعم، فاهمة ولا لاه؟!"
لِيال زقته بكل قوتها وهي بتبكي بقهر:"مش فاهمة ومش هقول حاضر! أنا بكرهك يا همّام.. بكرهك!"
ساد الصمت الثقيل في الغرفة، وأدار همّام ظهره لها بقسوة، متوجهاً نحو الأريكة الكبيرة في زاوية الغرفة.
 ألقى بجسده عليها وقال دون أن ينظر إليها:"اتخمدي غوري من وشي.. قعدتك في الأوضة دي عقاب ليا وليكِ، وبكرا هتشوفي الجحيم الصوح على أصوله."

تحت جدار الجناح، في الطابق الثاني، كانت المؤامرات تُنسج بخبث لا يهدأ. جلست "فهيمة" في غرفتها تبكي بحرقة والغل يأكل قلبها، بينما كانت أمها "صفاء" تمشط شعرها وتقول بنبرة تقطر سماً:"امسحي دموعك يا بتي، البكا ميعملش حاجة. 
الجوازة دي ميتة من أول ليلة، أنا خابرة همّام زين، كرامته صعايدة ومستحيل يلمس بت شايفة نفسه عليه وعايشة برة. 
إحنا بكرا من النجمة هنبدأ نلعب بدماغ الحاج عبد الرحيم، ونطلع عليها إشاعات تخلي همّام يطلقها ويرميها رمية الكلاب، ويرجعلك إنتِ يا ست البنات."وفي نفس الوقت، كانت العمة "رسمية" تجلس مع منصور (العم الحاقد)، يتناولان الشاي ويخططان لكيفية استغلال وجود لِيال لإضعاف موقف والدها "صالح" عند الجد، لتقسيم الميراث والأراضي لصالحهما. 
قال منصور بخبث:"البت دي دماغها ناشفة وهتعمل مشاكل مع همّام، وهمّام مش هيسكت، والكل هينشغل بالخناق، وإحنا نفضل نفضى للحاج ونخليه يكتب الأرض لينا."
مر الأسبوع الأول على الزفاف كأنه دهر من العذاب. كانت المعاملة بين همّام ولِيال جافة كالصحراء؛ لا يتحدثان إلا بالرصا..ص، ولا يلتقيان إلا في وقت الطعام أمام العائلة لإثبات أن الأمور تسير على ما يرام أم جدهما.
لكن المفاجأة الكبرى التي لم يتوقعها أحد، كانت تطبخ على نار هادئة بعيداً عن القصر.

في صباح يوم عاصف، كانت العائلة تجلس حول مائدة الإفطار الكبيرة في الحوش الداخلي. دلف أحد الحراس مسرعاً، ووقف أمام الحاج عبد الرحيم وعامر (والد همام)، وقال بارتباك:"يا حاج.. في ست برة واصلة من البندر، وبتقول إنها قريبة الست أم همّام، وعايزة تدخل ضروري."

نظر عامر إلى ابنه همّام بريبة، بينما أذن الجد بدخولها. خطت عتبة القصر امرأة شابة، فارعة الطول، ترتدي ملابس سوداء أنيقة تبدو عليها ملامح الحزن والانكسار بمجرد أن رفعت النقاب الخفيف عن وجهها، تجمدت الدما.. في عروق همّام، وسقطت الملعقة من يد والدته الطيبّة.إنها "شذى"! بنت خالته وحبه القديم الذي ظن أنه انتهى.
كانت عيناها مليئتين بالدموع، ووجهها شاحباً.
 نظرت إلى همّام بنظرة رجاء وانكسار، وقالت بصوت متهدج سمعه الجميع:"خالتي.. يا حاج عبد الرحيم.. أنا جيتلكم ملية ماليش غيركم بعد ربنا.. جوزي مات في البندر، وأهله طردوني وأخدوا كل شقايا، ومقيتش مكان أروح فيه غير بيتكم."
نزلت الكلمات كالصاعقة على الجالسين. 
التفتت لِيال لتنظر إلى وجه همّام، فرأت ملامحه الشرسة قد تلاشت، وحل محلها ذهول وصدمة وخليط من مشاعر قديمة قادت في عروقه كالبركان. 
لم تكن الصدمة لشذى وحدها؛ بل كانت صدمة لشذى حين التقت عيناها بعيني لِيال.
 نظرت شذى إلى الفستان البسيط الذي ترتديه لِيال، وإلى جمالها الأوروبي الأخاذ الذي لم تخفه الملابس الصعيدية، وشعرت بطعنة الغيرة القاتلة في قلبها. 
كانت تظن أن همّام سيربط نفسه بذكراها للأبد، ولم تتوقع قط أن يتزوج فتاة تفوقها حسناً وجمالاً بمراحل اشتعلت الأجواء في القصر، ونظرت فهيمة وأمها بخبث، فقد وجدت فرصة جديدة لزيادة النيران اشتعالاً.
 بينما وقفت لِيال تراقب الموقف ببرود مصطنع، وهي تعلم أن الحرب الحقيقية قد بدأت الآن، وأن وجود شذى سيكون إما القشة التي تقصم ظهر سجنها، أو الوقود الذي سيحرق الجميع.

                     الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>