رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل الثالث3بقلم هاجر سلامة
كانت الغيرة الصعيدية لا تنبت من الحب دائماً؛ بل تنبت أحياناً من الكبرياء وحق التملك.
رأت شذى في عين همّام نظرة ذهول حركت رماد سنوات مضت، بينما رأت فهيمة وأمها صفاء في هذا المشهد الثمين ثغرة ينفذ منها الخراب ليدمر زواج لِيال المستحدث.
انفض مجلس الإفطار وسط حالة من الوجوم التي سادت الجميع، وأمر الحاج عبد الرحيم بإدخال شذى إلى جناح الضيافة في الطابق الأرضي مؤقتاً لحين تدبر أمرها، فالعادات والتقاليد الصعيدية تمنع طرد امرأة مستجيرة حتى وإن كانت قد جرحت كرامة ابن العائلة سابقاً.
بمجرد صعودهما إلى الجناح الخاص بهما، أغلق همّام الباب بعنف التوى له المقبض الحديدي.
كان يدور حول نفسه في الغرفة كفهد حبيس، يمسح على وجهه بكفيه وينفث أنفاساً حارقة. التفت إلى لِيال التي كانت تقف عند النافذة، تتأمل الأراضي الزراعية الممتدة ببرود مصطنع، لكن قلبها كان يدق بفضول وتوتر غريب لم تفهمه.
التفتت إليه لِيال وربعت يديها فوق صدرها، وقالت بنبرة تقطر تهكماً:"واضح إن ليلتك وبداية أيامك الجاية مش هتبقى هادية واصل يا ولد عمي.. الحب القديم رجع وبدموعه كمان، هتعمل إيه عاد مع الست شذى اللي ضفرها برقبتي وبرقبة بنات بحري كلهم؟!"
خطى همّام نحوها بغضب جحيمي، وعصر ذراعها بقبضته الحديدية حتى تراجعت للخلف، وهتف بصوت منخفض مرعب:"إكتمي خالص! إياكِ تفتكري إن اللي حصل ده هيديكِ الحق تنطقي باسمها أو تتدخلي في اللي عيخصني! شذى دخلت الدار دي مستجيرة بجدّي، وأنا همّام ولد عامر مابحاسبش حريم على ماضي فات وانقضى، بس الحساب اللي واصل بيني وبينك لساته قايد نار.. لسانك ده لو طول عاد، هقطعهولك واصل!"
نظرت لِيال في عينيه مباشرة دون أن ترمش، ورغم الألم الذي يعتصر ذراعها، رفعت رأسها بعناد أذهله وقالت:"أنا ما بيهمنيش لا هي ولا إنت! بالعكس، أنا فرحانة.. يمكن وجودها يخليك تحل عن سمايا وتطلقني وترجعني لبلاد الترك، وتعيش إنت وهي في الجحيم اللي يناسبكم!"
دفعها همّام بقوة لتسقط على الفراش، ونظر إليها بنظرة توعد تقشعر لها الأبدان، ثم خرج صافعاً الباب خلفه ليتوجه إلى المندرة.في الطابق السفلي، كانت المؤامرات تطبخ على نار شديدة الخبث.
دخت الست صفاء وابنتها فهيمة إلى جناح الضيافة حيث تجلس شذى تبكي.
رسمت صفاء على وجهها ملامح الحزن المصطنع واحتضنت شذى قائلة:"يا جلب خالتك يا شذى.. كيف تعمل فيكِ الدنيا إكده؟ بس ولا يهمك، دار خالك هي دارك، وهمّام طول عمره راجل أصيل ومستحيل ينسى الأيام اللي كانت بينكم، واصل."
نظرت شذى إليهما بدموع حارقة وقالت بنبرة يملؤها الغل المتخفي:"بس همّام اتجوز يا خالة.. شوفت مراته، البت شكلها عِفش ولبسها غريب، بس عين همّام كانت عليها وهو زعلان.. هو بيحبها؟!"
ضحكت فهيمة بسخرية وقالت:"بيحب مين يا شذى؟! ده جواز غصب بغصب! البت لِيال دي كانت صائعة في بلاد برة وجدي جوزهالوا لجل ما يلم عارها ويستر عليها، وهمّام عيكرهها كره الموت وعيمشيها بالكرباج.. إنتِ اللي في الجلب يا بت خالتي، والفرصة جاتلك لحد عندك لجل ما ترجعي سيد الموقف وتطردي البت دي برة القصر."
أومأت شذى برأسها، والتمع الحقد في عينيها؛ فجمال لِيال الذي رأته لم يكن جمال فتاة يكرهها رجل، بل كان جمالاً يثير غيرة أي رجل صعيدي، وقررت شذى أن تبدأ حربها فوراً لاستعادة همّام.
انقضت ساعات النهار وجاء وقت العشاء. اجتمعت العائلة بأكملها حول المائدة الكبيرة، وجلست شذى بجانب والدة همّام الطيبّة التي كانت تنظر إليها بشفقة وحذر. كانت لِيال تجلس بهدوئها المعتاد، ترتدي جلباباً صعيدياً أسود من الحرير يبرز بياض بشرتها وعينيها الملونتين، مما جعل نظرات شذى تتطاير نحوها كشرارات النار.تحركت شذى بخبث، ومالت نحو همّام وقالت بصوت مسموع وناعم:"تسلّم يدك يا واد خالي.. خابرة إنك بتحب القهوة المظبوطة من يدي، عملتهالك كيف ما كنت بتحبها زمان واصل، جربها وقولي رأيك."
تنحنح الجد الحاج عبد الرحيم ونظر إلى همّام الذي تجمدت يده فوق كوب الماء.
قبل أن ينطق همّام بحرف، وقفت لِيال بكل برود وثقة، ونظرت إلى شذى قائلة والتي صدمت الجميع بجمال مخارج حروفها:"عذراً يا شذى.. زوجي لا يشرب القهوة إلا من يدي أنا منذ أن تزوجنا، وعادات قصر المحروس لا تسمح لامرأة غريبة أن تخدم رجلاً متزوجاً وفي وجود زوجته."
ثم التفتت وبصوت حاد وجهته لهمّام مباشرة:"مش إكده يا ولد عمي؟ ولا عادات الصعيد اتغيرت وإحنا برة بلادنا؟!"صعق الجميع من رد فعل لِيال وقوتها.
شعر همّام بضربة كبرياء عنيفة، لكن شيئاً ما في داخله تراقص فرحاً بعناد هذه الفتاة التي تدافع عن حدود بيتها حتى وإن كانت تكرهه.
نظر همّام إلى شذى بنظرة جافة وقال بصوت رجولي حازم:"شكرًا يا شذى.. لِيال معاها حق، شربت قهوتي خلاص، وخليكي إنتِ لجل راحتك واصل، دارنا دار كرم وإنتِ ضيفة فوق راسنا."
نزلت الكلمات كالصاعقة على شذى التي احمر وجهها خجلاً وغلّاً، بينما التمعت عيون فهيمة وأمها بالشر والغيظ.
أما الجد عبد الرحيم، فقد ابتسم ابتسامة خفيفة لم يلحظها أحد، فرغم غضبه من تمرد لِيال، إلا أن قوتها وصون شرف زوجها أمام الغرباء أعجبته بشدة.
بعد انتهاء العشاء، وبينما كانت لِيال عائدة إلى جناحها عبر الممر المظلم بالطابق الثاني، خرجت لها شذى من بين الظلال، ووقفت أمامها مانعة إياها من المرور.
تخلت شذى عن قناع الانكسار وقالت بنبرة تقطر سماً:"فاكرة نفسك واكلة الجو يا بت صالح؟ همّام ده بتاعي أنا، وعمره ما هيحبك واصل! هو اتجوزك لجل خاطر يستر عليكِ بعد ما صيعتي في بلاد الترك وفضحتي ناسك.. بكرا يرميكِ ويرجع لحضني أنا!"
لم تتردد لِيال ثانية واحدة؛ تقدمت خطوة ونظرت إليها باحتقار وقالت:"أولاً.. أنا مهندسة محترمة، وشرفي وشرف أبويا أطهر من حياتك كلها. ثانياً.. همّام لو عايزك، مكنش رماكِ لما سبتيه واتجوزتِ غيره لجل الفلوس. تالتاً بقى.. وريني شطارتك وخديه، أهو تخلصيني من السجن ده ومن وشه!"
في هذه اللحظة بالذات، كان همّام يصعد الدرج واستمع إلى نهاية الحوار، وبخاصة جملة لِيال الأخيرة: "خديه وأهو تخلصيني من السجن ده ومن وشه"
اشتعلت النيران في صدر همّام مجدداً تقدم بخطوات واسعة مرعبة، ففزعت شذى وتراجعت للخلف، بينما ظلّت لِيال واقفة مكانها بعنادها المعهود.
نظر همّام إلى شذى وقال بصوت يرعد:"غوري على أوضتك يا شذى، وحسابك معايا بعدين على جلة الحيا دي!"
هربت شذى رعباً، فالتفت همّام إلى لِيال، وأمسك بذراعها بقوة غاشمة وجرها خلفه إلى داخل الجناح وأغلق الباب.
دفعه كبرياؤه الجريح وزأر في وجهها وعيونه تتطاير شرراً:"بتقولي لها خديه وتخلصي من وشه؟! إنتِ فاكرة نفسك مين يا بت صالح عشان تتنازلي عني أو تقولي الكلام ده واصل؟! أنا همّام ولد عامر، ومفيش حتة حُرمة في الدنيا تلمح مجرد تلميح إنها مش عايزاني!"
صرخت لِيال في وجهه والدموع تنهمر من عينيها قهراً:"أنا مش حُرمة يا همّام! أنا لِيال.. وبقولها لك في وشك، أنا مش عايزاك وبكرهك، وبكره عيشتي معاك! طلقني وسيبني أمشي!"
اقترب منها همّام حتى كادت أنفاسه تحرق وجهها، وثبّت ذراعيها بقوة خلف ظهرها، وقال بنبرة تفيض بقسوة وغيرة تملّك قاتلة:"الطلاق ده بعيد عن عينك وعين اللي خلفوكِ! هتقعدي هنا، وهتفضلي مراتي، وكل يوم هتشوفي الوش اللي بتكرهيه لحد ما يتدفن العناد ده في طين الأرض.. وعلامك وتركيا والواد المايع تنسيهم واصل، فاهمة ولا لاه؟!"
نظرت لِيال إليه بغل وعجز، وضمت شفتيها بقوة رافضة الإجابة، فدفعها برفق قسري نحو الفراش وتركها وخرج إلى الشرفة ليدخن بغضب عارم، تاركاً إياها غارقة في دموع القهر.
كانت المؤامرات تحيط بالقصر من كل جانب؛ فبين غل شذى، ومكائد فهيمة وأمها، وعناد لِيال الشرس، كانت نيران الصعيد تستعر لتعلن أن الأيام القادمة لن ترحم أحداً.
