
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الاربعون40 بقلم عاشقة القلم
✍️في تلك الفترة من العزاء، كانت هازان تقضي معظم نهارها في شقة والديها.
كانت تلازم أمها عائشة، وتساعدها على استقبال المعزين، وتحاول أن تخفف عنها ثقل فقد ابنها.
لكن بعد انتهاء أيام العزاء، أصبحت تقسم وقتها بين والدتها وديلان، حيث كانت تبقى نهارا مع والدتها، اما بالليل فكانت تصعد لشقة مراد لتمضي الليل مع ديلان، وهذا لم يعجب دنيز التي كانت دائما تحاول ان توغر صدر هزان ضدها، لكن هذه الاخيرة وبسبب ما لامسته من طيبة قلب ديلان وحسن عشرتها لوالدتها، ورعاية إبنتها ملك في غيابها لعدة شهور مضت، وما كانت تقصه عليها والدتها من اخلاق ديلان، كانت لاتعبئ بكلام دنيز ولا تعطيه اهمية، وهذا ما زاد من حنقة دنيز وشدة كرهها لديلان، كانت تظن بتلك الطريقة ستأثر على هازان التي بدورها، كانت ستطلب من والديها بطرد ديلان من البيت.
كانت ديلان تقيم في شقة مراد، تقضي عدتها هناك، حيث كانت خلال أيام العزاء كانت تنزل صباحًا إلى شقة عائلة زوجها بعد ان تأدي فرضها وواجبها الدني من ذكر وقراءة للقرآن، وتبقى إلى جوار عائشة طوال النهار، ثم تعود قبل المغرب إلى شقتها، وبعد انتهاء العزاء، تغيرت الأمور قليلًا.
أصبحت ديلان تستيقظ باكرًا وبعد صلاتنا لفرضها وذكرها لله وقراءة وردها اليومي، كانت اولا ترتب الشقة، ثم تبدأ بإعداد الطعام للعائلة في شقتها.
كانت تعد طعام الفطور اولا ثم تطهو الغداء والعشاء للعائلة، وعندما ينضج تحمله إلى الأسفل حتى يتناولوه ثم تعود لشقتها.
وفي كل مرة كانت تدخل شقة عائلة مراد، كانت عائشة تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالحزن.
عائشة: يا ابنتي، لا تتعبي نفسك.
فتبتسم ديلان ابتسامة خافتة.
ديلان: لا أتعب يا أمي، على الأقل دعيني أفعل شيئًا من أجلكم، فأنت متعبة وهازان اتعبها الحمل كثيرا، خصوصا بعد ان بدات تقف على تجهيزات بيتها.
ثم تعود إلى شقة مراد لتبقى هناك طوال اليوم.
كانت لا تزال تشعر أنها مازالت تنتمي لهذه العائلة رغم أن الموت فرّق بينهما، كما انها تعلم جيدا، حتى ولو كانت علاقتها بمراد لم تكن جيدة، لكن عليها عدة يجب ان تقضيها كما ينص الشرع.
بدأت تتعامل مع المكان على أنه مجرد شقة أرملة وتقضي بها عدتها، و أكثر ما كان يأرقها هو اين ستذهب بعد إنتهاء عدتها، فأكيد لا يجوز بقائها ببيت زوجها الراحل بعد إنتهاء عدتها، فهي ليس لها اولاد منه حتى تتمكن من بقائها مع العائلة التي أحبتها واحبتهم.
وفي نفس الوقت كلما عادت للشقة، كان كل شيء داخل الشقة كان يذكرها بمراد.
مقعده،
ملابسه،
أغراضه،
حتى غضبه وصراخه عليها.
حتى الصمت كان يحمل شيئًا من حضوره، ولهذا كانت هازان تحرص على البقاء معها، وهذا ما لم تتحمله دنيز لكن هازان كانت دائما تخبرها انها مازالت ببيتها تقضيي عدتها على زوجها الراحل.
كانت هازان تصعد إليها بعد أن تطمئن على أمها، وتجلس معها ساعات طويلة، أحيانًا تتحدثان عن أشياء بسيطة، وأحيانًا أخرى تجلسان دون كلام، فقد كان هناك حزن لا يحتاج إلى كلمات.
كانت تنامان في الشقة، فقد نقلت ديلان اغراضها لغرفة مراد بعد ان افرغت الغرفة من جميع اغراضه، إلا هاتفه ومتعلقاته الشخصية، التي سلمت لها في المستشفى، والتي مازالت تحتفظ بهم، وتركت غرفتها لهازان وملك.
ومع مرور الأسابيع، بدأ العمل يقترب من نهايته في فيلا هازان.
كانت قد اختارت كل شيء تقريبًا،
الأثاث،
ألوان الجدران،
الستائر،
غرفة طفلتها،
وغرفة المولود الجديد،
وغرفتها هي وزوجها،
وكان باران يتولى الإشراف على العمال، ويتابع كل التفاصيل بنفسه.
وكانت هازان تزوره أحيانًا لتتفقد ما تم إنجازه.
لكنها، رغم انشغالها بالبيت الجديد، لم تكن تستطيع الابتعاد طويلًا عن والدتها أو ديلان.
كانت تقول لباران:
هازان: أريد أن أنتهي من كل شيء قبل أن يعود زوجي وقبل موعد ولادتي، حتى لا أكون مشغولة عنه عندما يأتي، وحتى لا انشغل أيضا عن أمي.
باران: بقي القليل فقط يا أختى، فقد وفرت كل اليد العاملة للإسراع والانتهاء منه في الوقت المحدد.
فتضع يدها على بطنها وتبتسم.
هازان: والأهم أن يأتي هذا الصغير إلى الدنيا ونحن مستقرون في بيتنا.
لكن الأيام حملت لها مفاجأة لم تكن في الحسبان.
مرّ شهر.
ثم آخر.
ومع كل يوم كان الحزن يثقل البيت أكثر.
كانت عائشة لا تزال تعيش على ذكريات ابنها.
عزت أصبح أكثر صمتًا.
باران كان يحاول أن يبدو قويًا أمام الجميع، كان يحاول قضاء معظم النهار خارجا، لكنه كان ينهار حين يختلي بنفسه عندما يعود مساءا.
وديلان كانت تعيش في عالم خاص بها، بين الحزن والذكريات والدعاء والقلق مما هو قادم، فأكثر ما كان يخيفها هو عودتها لبيت والدتها وكابوسها كاظم.
حتى هازان، التي كانت تحاول أن تكون قوية لأجل الجميع، بدأ جسدها يتأثر بما يدور حولها.
كانت في نهاية شهرها السابع.
وفي إحدى الأيام، شعرت بألم مفاجئ.
وضعت يدها على بطنها، ثم نادت باران عبر الهاتف وهي ترتجف.
هازان: أشعربألم غير عادي، وأن الحمل ليس على ما يرام.
وبعد وقت قصير، كانت في المستشفى.
لم تكن قد أتمت شهور حملها بعد.
لكن الطفل قرر أن يأتي إلى الدنيا قبل موعده، فقد اخبرهم الطبيبة ان هازان يتخضع لولادة مبكرة.
كانت الساعات التالية مليئة بالخوف.
عائشة تبكي وتدعو.
عزت يمشي في الممر بصمت.
باران لا يفارق باب غرفة الولادة.
أما ديلان، فكانت تمسك يد عائشةتارة، وتربت على شعر ملك تارة أخرى، والتي كانت تجلس بحجرها،وتدعو لهازان وطفلها أيضا.
ثم...
صدر صوت بكاء صغير.
توقف الجميع عن الحركة.
خرج الطبيب بابتسامة.
الطبيب: مبارك لكم... لقد وُلد الطفل بصحة جيدة.
رفعت عائشة يديها إلى السماء.
عائشة: الحمد لله.
أما باران، فتنفس بعمق وكأنه كان هو الآخر يحبس أنفاسه منذ ساعات.
ثم سأل:
باران: هل أختي ومولودها بخير؟.
الطبيب: وُلد قبل أوانه، لكنه بخير، وسيحتاج إلى رعاية ومراقبة خاصة، اما أمه فالحمد لله هي بخير وليست هناك اي مضاعفات.
كانت الكلمات كافية لتعيد شيئًا من الحياة إلى وجوههم.
وبعد أن سمح لهم الطبيب برؤيتها، أخبرتهم هازان باسم طفلها.
لقد اختارت له اسمًا لم يكن عاديًا.
اسمًا حمل معه ذكرى أخيها الراحل.
هازان: سأسميه... مراد.
ساد الصمت للحظات.
ثم اغرورقت عينا عائشة بالدموع.
اقتربت من هازان وقبّلت جبينها.
عائشة: رحم الله أخاك... وجعل هذا الطفل بركة في حياتنا.
ابتسمت هازان رغم تعبها.
هازان: أردت أن يبقى اسمه بيننا.
وحين توجهوا للغرفة الخاصة التي كان يوجد بها الرضيع وحملوه، كان ضئيلًا جدًا، ضعيف الجسد، لكنه استطاع أن يفعل ما عجز عنه الجميع طوال الأسابيع الماضية.
لقد سرق من الحزن لحظة.
لحظة واحدة فقط...
لكنها كانت كافية.
ابتسم عزت وهو ينظر إلى حفيده.
عزت: انظروا إليه...
اقترب باران منه.
باران: يبدو صغيرًا جدًا.
ضحكت هازان بخفة.
هازان: لكنه جاء في الوقت الذي احتجنا فيه إليه.
كانت ديلان تقف خلفهم، تنظر إلى الطفل والدموع في عينيها.
اقتربت منه، ولمست يده الصغيرة بأصبعها.
قبض الطفل على إصبعها بضعف.
تجمدت للحظة.
ثم ابتسمت من بين دموعها.
ديلان: مرحبًا بك يا مراد الصغير...
شعرت بشيء دافئ يتحرك في قلبها.
لأول مرة منذ وفاة زوجها، لم يكن اسم مراد مرتبطًا بالموت او بما عاشته معه من ظلم وحزن وحده.
كان هناك مراد آخر...
صغير، ضعيف، جاء إلى الدنيا في أصعب أيام العائلة، وكأنه يذكرهم بأن الحياة، مهما أثقلها الفقد، لا تتوقف.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت الأجواء تتغير قليلًا.
لم يختفِ الحزن.
ولم تنسَ العائلة فقيدها.
لكن البيت الذي كان يختنق بالصمت، بدأ يسمع بكاء طفل، ثم ضحكاته الصغيرة بعد أيام، وبدأت عائشة تجد سببًا جديدًا للنهوض من فراشها.
وأصبح عزت يبتسم حين يحمله.
وباران صار يمازح أخته بشأن الطفل، ويحاول ان يعود باكرا ليلاعبه قليلا.
أما هازان، فكانت تنظر إلى ابنها وتقول في سرها:
"جئت قبل موعدك... لكن ربما جئت في الموعد الذي كنا نحتاجك فيه أكثر."
وكانت ديلان، كلما سمعت اسم مراد الصغير، تشعر بوخزة في قلبها...
ثم تبتسم.
فالحياة ربما اخذت مراد من اهله الذي رحل، ولكنها منحتهم صغيرًا يحمل اسمه...
ليظل اسمه حاضرًا بينهم، لا كذكرى موت فقط، بل كنبضة حياة جديدة.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مرّ شهرٌ آخر، وبدأت الأيام تمضي ببطء نحو موعدٍ طال انتظاره، فقد اقتربت عودة كاران، زوج هازان، بعدما استكمل جميع الإجراءات اللازمة لنقل مقرّ شركته إلى موقعها الجديد في أرض الوطن. وبعد أن انتهت التجهيزات كافة، لم يعد يفصل العائلة عن عودته سوى أيام قليلة، وكان كاران قد اتخذ قراره بأن يكون مطلع الشهر الفضيل موعدًا لبداية حياتهم الجديدة، تحت سماء وطنهم وبين أهلهم.
وفي البيت، بدأت الاستعدادات على قدمٍ وساق لاستقبال هازان في منزلها الجديد برفقة زوجها. انشغل الجميع بترتيب الغرف، وتجهيز الأثاث، ولمسات المنزل الأخيرة، بينما كانت رائحة الاستعداد للشهر الفضيل تفوح من أرجاء المكان. ستائر تُغسل، وأغطية تُبدّل، وأغراض تُرتّب، وكأن البيت نفسه كان يستعد لولادة مرحلة جديدة من حياة ساكنيه.
ومع اقتراب الشهر المبارك، كانت الأسرة تستعد لاستقباله بقلوبٍ أكثر هدوءًا، رغم أن الغياب ترك في البيت فراغًا لا يمكن أن يملأه شيء.
كان مراد قد رحل، وترك خلفه مقعدًا فارغًا، وذكرياتٍ لا تزال تسكن زوايا المنزل، ووجوهًا اعتادت أن تبحث عنه دون أن تجده. لم يكن الحزن قد اختفى، ولم تكن الجراح قد التأمت تمامًا، لكنها لم تعد تنزف كما في الأيام الأولى. ومع مرور الوقت، بدأ الجميع يدرك أن الحياة، مهما أثقلها الفقد، لا تتوقف.
حتى الصغير مراد، الذي جاء إلى الدنيا في أكثر الأيام قسوةً على عائلته، كان يحمل في ملامحه البريئة شيئًا من الأمل. كان بكاؤه يملأ البيت بالحياة، وضحكاته الصغيرة تنتزع من القلوب ابتسامةً رغمًا عنها، وكأن وجوده يذكّرهم بأن الله قد يزرع في قلب أشدّ الأحزان بذرةً من الرحمة.
وكانت العائلة قد اتفقت، دون أن تحتاج إلى كثير من الكلام، على ألا تجعل الحزن يسرق منهم ما تبقى من أيامهم. لم يكن ذلك نسيانًا لمراد، ولا خيانةً لذكراه، وإنما كان محاولةً للنجاة.
قرروا أن يستقبلوا الشهر الفضيل بقلوبٍ معلّقة بالله، وأن يجعلوا أيامه فرصةً للسكينة والعبادة والدعاء، وأن يفتحوا لأنفسهم صفحةً جديدة دون أن يمزقوا صفحات الماضي.
وفي إحدى الأمسيات، كانت عائشة ترتب بعض الأغراض بينما ديلان تساعدها، وكانت أصوات النساء تتعالى من المطبخ استعدادًا لما سيُجهّز للأيام الأولى من الشهر. مرّ عزت من أمامهم، فتوقف لحظةً يتأمل المشهد بصمت.
كان البيت مختلفًا.
نعم، كان ينقصه أحدهم...
لكن الحياة بدأت تعود إليه شيئًا فشيئًا.
ابتسم ابتسامةً خافتة، ثم رفع بصره إلى السماء، وكأن في قلبه دعاءً لم يجد الكلمات ليقوله.
كان يعلم أن الفقد لا يُنسى، وأن بعض الغائبين يبقون حاضرِين في تفاصيلنا مهما مرّت السنوات، لكنه كان يعلم أيضًا أن الله لم يخلقهم ليبقوا أسرى للحزن.
لذلك، حين أطلّ الشهر الفضيل، قرر الجميع أن يتركوا أبواب قلوبهم مفتوحةً للرحمة.
سيصلّي من اشتاق إلى من فقده، ويدعو له.
وسيبكي من غلبه الحنين، ثم يمسح دموعه ويكمل طريقه.
وسيحملون ذكرى مراد معهم، لا كجرحٍ يمنعهم من الحياة، بل كجزءٍ من تاريخهم الذي سيظل حاضرًا في دعائهم.
وكانت هازان، وهي تستعد للانتقال إلى بيتها الجديد، تشعر بمزيجٍ غريب من الفرح والحنين. كانت تشتاق إلى زوجها الذي سيعود بعد أيام، وإلى الحياة التي سيبدآنها من جديد، لكنها كانت في الوقت ذاته تشعر بوخزةٍ كلما تذكرت أن البيت الذي ستغادره لم يعد كما كان.
ومع ذلك، كانت تؤمن أن لكل مرحلةٍ نهاية، ولكل بدايةٍ ثمنًا من الذكريات.
وفي تلك الأيام، لم يكن أحد يعلم ما تخبئه الأيام القادمة لهم، ولا ما الذي ينتظرهم خلف أبواب الشهر الجديد.
لكنهم جميعًا كانوا بحاجة إلى أن يصدقوا أن القادم يمكن أن يكون أجمل.
وأن الله، بعد كل هذا الألم، قد يكتب لهم سكينةً طال انتظارها.
وهكذا، وبينما كانت البيوت تستعد لاستقبال الشهر الفضيل، كانت هذه العائلة تستعد لشيءٍ أكبر من مجرد تغيير ديكور المنزل أو ترتيب موائد الإفطار...
كانت تستعد لأن تبدأ من جديد.
_______________
____________________
لم يتبقَّ على حلول الشهر الفضيل سوى أسبوع واحد، وكانت هازان قد انتقلت إلى بيتها الجديد بعد عودة زوجها، لتبدأ معه فصلًا جديدًا من حياتهما، طال انتظاره.
ورغم فرحتها بالانتقال، لم تكن قادرة على القيام بكل ما يتطلبه تجهيز المنزل، فقد كانت لا تزال في فترة ما بعد النفاس، وكان جسدها بحاجة إلى الراحة بعد الولادة. لذلك، وجدت ديلان نفسها إلى جانبها منذ اللحظة الأولى، تساعدها في ترتيب المنزل غرفةً تلو الأخرى، وتضع كل غرض في مكانه، وتتابع العمال أثناء نقل الأثاث وترتيبه، حتى بدأت ملامح البيت الجديد تكتمل شيئًا فشيئًا.
كانت هازان تراقبها أحيانًا من مكانها، وقلبها يمتلئ بالامتنان لها.
وفي إحدى المرات، بينما كانت ديلان تنحني لترتب بعض الأغراض في إحدى الخزائن، قالت هازان بابتسامة امتزج فيها الفرح بالتأثر:
هازان: لو كانت لديَّ أخت، لما ساعدتني كما فعلتِ أنتِ.
رفعت ديلان رأسها إليها، فتابعت هازان وهي تنظر حولها بدهشة:
هازان: انظري إلى البيت... كل شيء تقريبًا رتبتِه أنتِ، وكل غرض وضعتِه في مكانه. صحيح أن العمال تولّوا نقل الأثاث وتركيبه، لكن لولاكِ، لما استطعتُ أن أجهز كل هذا خلال هذا الوقت القصير.
ابتسمت ديلان بخجل، ومسحت بيدها على طرف ثوبها قبل أن تجيبها بنبرة مازحة تخفي خلفها الكثير من المشاعر:
ديلان: وهل أصبحتُ غريبة عنكِ الآن؟.
حدقت هازان فيها باستغراب، فأكملت ديلان بابتسامة أوسع:
ديلان: ألسنا أخوات؟ أم أنكِ بمجرد وفاة مراد، قررتِ أن تنهي علاقتنا أيضًا؟.
ما إن سمعت هازان كلماتها حتى تبدلت ملامحها، ونهضت بصعوبة من مكانها واقتربت منها، ثم أمسكت بيدها قائلةً بعتابٍ حنون:
هازان: لا تقولي ذلك مرة أخرى يا ديلان.
سكتت لحظة، وضغطت على يدها بحنان، ثم قالت:
هازان: مراد رحل، وهذا قدر الله الذي لا نستطيع تغييره... لكنكِ أنتِ لم ترحلي من حياتنا، وهل تظنين أنني سأسمح لكِ بأن تخرجي منها لمجرد أن أخي لم يعد بيننا؟.
ارتجف شيءٌ في قلب ديلان عند سماع كلماتها.
كانت تعرف أن هازان لم تقلها مجاملة، وأن محبتها لها لم تكن مرتبطة بمراد وحده، لقد أصبحت جزءًا من العائلة قبل أن يصبح الفقد حقيقة، وها هي اليوم تؤكد لها أن مكانها لم يتغير، لكنها كانت تعلم أيضا ان عدتها على مراد قرابت على النهاية، و بالطبع ستتغير أشياء كثيرة ومن بينها ان تجد مكان آخر يأويها.
ابتسمت ديلان، لكن عينيها لم تستطيعا إخفاء ذلك اللمعان الذي سبّبته الكلمات في قلبها.
قالت بهدوء:
ديلان: كنت أمزح معكِ.
أجابتها هازان وهي تعانقها:
هازان: وأنا لا أمزح حين أقول إنكِ أصبحتِ أختي.
أغمضت ديلان عينيها للحظة، واستسلمت لذلك العناق، الذي ربما ستستاق له بعد نهاية عدتها.
وفي ذلك البيت الجديد، الذي كان يستعد لاستقبال حياة مختلفة، شعرت ديلان بشيء من الدفء الذي افتقدته طويلًا.
لم تكن كل العائلات تُولد من رحم الدم...
فبعض الروابط كانت أقوى من صلة الدم، لأنها تُبنى على المواقف، وعلى الرحمة، وعلى الوقوف إلى جانب الآخر حين تضيق به الحياة.
وربما لهذا السبب، شعرت ديلان في تلك اللحظة أن رحيل مراد لم يأخذ منها عائلته كلها.
فقد ترك لها بينهم قلبًا آخر... قلب هازان، التي لم تنظر إليها يومًا على أنها مجرد زوجة أخيها، بل احتضنتها كأختٍ اختارتها لها الحياة.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مرّ الأسبوع سريعًا، وكأن الأيام كانت تسرق نفسها من بين أيديهم دون أن تمنحهم فرصة للتوقف.
استقرت هازان في بيتها الجديد برفقة زوجها وأطفالها، وانشغلت ببداية حياتها الجديدة، حتى جاء المساء الذي أُعلن فيه عبر شاشات التلفاز ومكبرات مآذن المساجد أن غدًا هو أول أيام الشهر الفضيل.
"رمضان..."
ذلك الشهر الذي طالما اعتادت العائلة أن تستقبله مجتمعة، لكن هذا العام كان مختلفًا.
كان مقعدٌ سيبقى شاغرًا مهما امتلأت المائدة.
وبعد أن سمعت عائشة الإعلان، بقيت للحظات صامتة، ثم نهضت وكأنها اتخذت قرارًا في تلك اللحظة، وصعدت إلى شقة ديلان.
منذ انتقال هازان إلى بيتها الجديد، أصبحت ديلان وحدها في تلك الشقة، ورغم أن عائشة كانت تطمئن عليها باستمرار، وكانت هي تقضي معظم الصباح معها بالأسفل في شقتها، إلا أنها كانت تشعر في داخلها بأن الوحدة قد تكون أثقل عليها من أي شيء آخر، خصوصًا في أول رمضان لها بعد رحيل زوجها، وبإقتراب نهاية عدتها .
طرقت عائشة باب شقة الراحل مراد، وما إن فتحت ديلان حتى ابتسمت لها عائشة بحنان، دخلت واغلقت ديلان خلفها الباب، وما إن جلست على الاريكة بغرفة الجلوس حتى هتفت بتلك الكلمات...
عائشة: ديلان، غدًا أول أيام رمضان.
أومأت ديلان برأسها، ثم قالت عائشة:
عائشة: اتفقت مع عزت أن نجتمع جميعًا على مائدة إفطار واحدة، لذلك، من الغد ستنزلين معنا، سنجهز الإفطار معًا في شقتنا، ونتناوله جميعًا حول مائدة واحدة كما كنا نفعل من قبل.
سكتت قليلًا، ثم أمسكت بيد ديلان وأكملت بصوت أكثر دفئًا:
عائشة: وبعد الإفطار، إن أردتِ الصعود إلى شقتك، فأنت حرة، ولن أضغط عليكِ، لكن دعينا نجتمع على مائدة واحدة... كما كنا نفعل دائمًا قبل وفاة مراد.
ارتجف قلب ديلان عند سماع الجملة الأخيرة.
ثم قالت عائشة، وهي تحاول أن تخفي ألمها خلف ابتسامة:
عائشة: أعلم أن هذا أول رمضان لكِ معنا، وكنت اتمنى ان نمضي اول رمضان لك بيننا في ظروف أخرى، لكن لا تعطينا الحياة كل ما نريده، كما أنه أول رمضان لنا من دون مراد... فلا تجعلينا نفتقدكِ أنتِ أيضًا بيننا، كما فقدناه هو.
خفضت ديلان عينيها، وشعرت بغصة تخنق كلماتها، كانت تظن قد اتت تحدثها عن نهاية عدتها التي لم يتبقى منها إلا عشرة ايام وتنتهي، لكنها تفاجأت بحديث عائشة عن اجواء رمضان، ولمة العائلة على طاولة إفطار وسحور واحدة .
كانت تعرف ما تقصده عائشة.
لم تكن تطلب منها مجرد تناول الإفطار معهم، بل كانت تحاول أن تجمع ما تبقى من العائلة حول مائدة واحدة، حتى لا يتحول الغياب إلى فراغٍ يبتلع الجميع.
وبعد لحظات من الصمت، ابتسمت ديلان وقالت:
ديلان: لا تقلقي يا أمي سأفعل مل ما تريدينه.
احتضنتها عائشة، وضمتها إلى صدرها للحظات، وكأنها كانت تشكرها على موافقتها أكثر مما كانت تعبر عن فرحها بها.
ومنذ اليوم التالي، بدأت أيام رمضان تسير على ذلك النحو.
بعد أن تؤدي ديلان صلاة الضحى، كانت تنزل إلى شقة والدي زوجها الراحل، فتساعد عائشة في أعمال المنزل وترتيبه، ثم تنتقلان معًا إلى المطبخ لإعداد مائدة الإفطار ثم تجهيز السحور.
كانت عائشة تدرك أن الأمر ليس سهلًا على ديلان.
فوجود باران في المنزل كان يعني أنها مضطرة إلى البقاء بحجابها ونقابها طوال الوقت، حتى أثناء عملها في المطبخ، وهو أمر كان يجعل حركتها أكثر صعوبة، خصوصًا مع حرارة المطبخ وكثرة ما تقوم به من أعمال، خصوصا عن عودة باران مساءا.
لكن باران كان أكثر تفهمًا للأمر مما توقعت.
فما إن يعود من عمله، حتى يدخل غرفته مباشرة، ويبدل ثيابه، ثم يتوضأ ليؤدي الصلاة التي فاتته، ويستعد للصلاة القادمة.
وبعد ذلك، كان يبقى داخل غرفته ولا يخرج منها إلا قبيل أذان المغرب، حين يتوجه برفقة والده إلى مسجد الحي لأداء صلاة المغرب.
لم يكن يفعل ذلك مصادفة.
كان يعلم أن وجوده في المنزل قد يقيّد ديلان، ومكوثه بالغرفة سيجعلها تكون أكثر راحة في المطبخ إذا لم يكن موجودًا في المكان.
لذلك، منحها تلك المساحة دون أن يلفت انتباهها إلى أنه يفعل ذلك من أجلها.
وكان هذا التصرف يريح ديلان كثيرًا.
في الصباح، كانت تساعد عائشة في تنظيف المنزل وترتيبه، وكان البيت يكون هادئًا وخاليًا إلا منهما، وحين يحين وقت الظهر، تنتقلان إلى المطبخ بعد الصلاة، فتبدأان بإعداد الطعام، بينما تتولى ديلان جزءًا كبيرًا من أعمال الطهي، وقد بدأت شيئًا فشيئًا تستعيد قدرتها على الابتسام وسط تلك التفاصيل الصغيرة.
وحين يعود باران من عمله، كان يلتزم بغرفته كما اعتاد.
حتى إذا اقترب موعد المغرب، خرج منها، وقد أصبح كل شيء جاهزًا تقريبًا.
مائدة الإفطار مرتبة...
الأطباق موضوعة في أماكنها...
رائحة الطعام تعبق في أرجاء المنزل...
وديلان تكون قد أنهت عملها امام الفرن، وعادت إلى حجابها ونقابها قبل أن يخرج من غرفته.
ثم يخرج باران برفقة والده إلى المسجد، بينما تبقى عائشة وديلان للحظات تراجعان ما تبقى من الاستعدادات.
وهكذا مضت الأيام الأولى من رمضان.
لم تكن الحياة قد عادت كما كانت.
ولم يكن الحزن قد اختفى.
فمقعد مراد ظل حاضرًا في ذاكرتهم، حتى وإن غاب جسده عن المائدة.
لكنهم كانوا يحاولون...
يحاولون أن يتعلموا كيف يأكلون دون أن يبحثوا عن صوته، وكيف يبتسمون دون أن يشعروا بالذنب، وكيف يستقبلون الشهر الذي جاءهم بعد الفقد بقلوبٍ مثقلة، لكنّها لا تزال تعرف طريقها إلى الله.
وكانت ديلان، للمرة الأولى منذ رحيل مراد، تشعر أن وحدتها لم تعد كاملة.
فقد أصبح لها مكان على تلك المائدة...
ومع كل أذان مغرب، كانت تشعر أن عائشة لا تدعوها إلى الطعام فحسب، بل كانت تدعوها إلى الحياة من جديد.
__________
_________________
مرّت الأسابيع الأولى من الشهر الفضيل على العائلة بهدوءٍ لم يكن يخلو منها الحنين، شيئًا فشيئًا، بدأت الأيام تكتسب إيقاعها المعتاد؛ ساعات الصيام الطويلة، وصوت القرآن الذي يتردد في أرجاء البيت، ورائحة الطعام التي كانت تملأ المطبخ قبيل المغرب، ثم اجتماعهم حول مائدة الإفطار، يتبعها أداء صلاة التراويح في المسجد.
ورغم أن مقعدًا ظل شاغرًا، وأن اسم مراد كان يمر بينهم أحيانًا كنسمةٍ مؤلمة، إلا أنهم بدأوا يتعلمون كيف يعيشون مع غيابه.
حتى جاءت ليلة النصف من رمضان.
في وقت السحور، وبينما كان الجميع مجتمعون خول مائظة السحور، وكانت هازان في منزلها تستعد لصيام يوم آخر، اتصلت بهاتف البيت.
ما إن أجابت ديلان حتى جاءها صوت هازان مثقلًا بالقلق:
هازان: ديلان، أريد أن أطلب منكِ شيئًا... ملك مريضة منذ الليلة الماضية، وأريد أن آخذها إلى الطبيب صباحًا، هل تستطيعين أن تأتي وتبقي مع الصغير مراد إلى أن أعود؟.
لم تتردد ديلان لحظة.
ديلان: بالطبع، سأكون عندكِ.
شكرتها هازان، ثم أغلقت الهاتف بعد أن اتفقتا على أن تأتي في الصباح.
وبعد أن طلع النهار وأشرقت الشمس، خرجت ديلان من البيت برفقة عزت، الذي كان في طريقه إلى عمله، فأوصلها إلى منزل هازان.
استقبلتها هازان بوجهٍ متعب، وكانت ملك تبدو على غير عادتها، خاملةً بين ذراعي أمها.
اقتربت منها ديلان ومسحت على شعرها بحنان.
ديلان: لا تقلقي، اذهبي أنتِ بها إلى الطبيب، وسأبقى مع الصغير مراد حتى تعودي.
أومأت هازان بامتنان، ثم حملت ملك وغادرت مع زوحها.
بقيت ديلان في المنزل مع الصغير مراد، وحاولت أن تشغله وتعتني به حتى عودة أمه، حتى انها لم تنسى تجهيز كعام الإفطار لهم، وبعض المأكولات التي تحبها ملك، كانت تظن أن الأمر لن يستغرق طويلًا، لكن زيارة الطبيب امتدت أكثر مما توقعت هازان، واضطرت إلى الانتظار حتى انتهاء الفحوصات والتحاليل للاطمئنان على ابنتها.
ومع مرور الوقت، بدأت ديلان تنظر إلى الساعة بقلق.
كان عليها أن تعود قبل المساء لتساعد عائشة في تجهيز الإفطار، لكنها لم تستطع ترك الطفل وحده، كما أنها لم تكن تريد أن تضغط على هازان أو تزيد قلقها.
وعندما عادت هازان أخيرًا، كانت الشمس بدأت تميل نحو الغروب، حيث كان وقت العصر قد مضى بقليل.
شكرتها ديلان، ورفضت أن يعيدها زوج هازان إلى البيت بسيارته، مؤكدة أنها ستعود بالمواصلات.
لكن المواصلات أخّرتها أكثر بسبب تأخر الوقت، وصعوبتها في الك الاوقات قبل آذان المغرب.
وحين وصلت إلى بيت عائشة، كانت الشمس قد اقتربت من المغيب، فوجدت عائشة قد جهزت طاولة الإفطار وحدها.
لم تُظهر عائشة ضيقًا، رغم أن التعب كان واضحًا على ملامحها.
عائشة: لا بأس يا ابنتي، المهم أن تكون ملك بخير.
أسرعت ديلان إلى المطبخ، وخلعت عباءتها، ثم بدأت تساعدها بما استطاعت، حتى تلحقان على ما تبقى قبل الاذان، كانت تشعر بالذنب لأنها تأخرت، فحاولت أن تعوض ما فاتها، تنتقل من طبق إلى آخر، وتساعد في ترتيب المائدة، حتى أُذّن المغرب.
تناولوا إفطارهم سريعًا كما جرت العادة منذ دخول رمضان، ثم ذهب عزت وباران إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، بينما بقيت النساء في المنزل لان عائشة شعرت ببعض التعب.
وبعد الإفطار، صعدت صفية برفقة ابنتها دنيز كعادتهما في ليلة النصف من رمضان.
كانت عائشة قد أنهكتها أعمال المنزل التي اضطرت إلى القيام بمعظمها وحدها، بينما كانت ديلان تحاول أن تنهي بعض الأعمال من غسل مواعين الافطار وتنضيف المكان، حين دخلت صفية وخلفها إبنتعا دنيز.
جلست عائشة في مقعدها تستريح قليلًا، بينما دخلت ديلان المطبخ لتحضير الشاي وبعض الحلويات للضيوف.
كانت تتحرك بسرعة، تحاول أن تنتهي من كل شيء قبل أن تجلس معهن.
وبينما كانت تضع الحلويات في الصينية، شعرت عائشة بحاجة إلى تناول دوائها.
أرادت النهوض لتتحه نحو غرفتها، لكنها شعرت فجأة بدوارٍ شديد.
وضعت يدها على جبينها، وأغمضت عينيها للحظات، ثم عادت وجلست في مقعدها.
عائشة: ديلان !!...
سمعت ديلان صوتها، فأسرعت إليها وهي تحمل صينية الضيافة.
عائشة: نعم يا أمي؟.
قالت عائشة بصوتٍ متعب:
ديلان: أحضري لي دوائي من الغرفة، أشعر بدوار.
عائشة: حاضر.
وضعت ديلان الصينية فوق الطاولة، واستدارت لتتجه إلى غرفة عائشة.
لكنها لم تخطُ سوى خطوات قليلة حتى نهضت دنيز فجأة، ولحقت بها تقترب منها ودَفعتها جانبًا.
دنيز: ابتعدي أنتِ، أنا من سأحضر لزوجة عمي دواءها.
توقفت ديلان ونظرت إليها باستغراب، وكأنها لم تستوعب ما فعلته.
ثم قالت بهدوء:
ديلان: وأنا كنت ذاهبة لإحضار الدواء لأمي، فأنا أعلم ما هو الدواء وأين تضعه، وأعرف مقدار الجرعة التي تتناولها.
لكن دنيز لم تتراجع.
بل رفعت صوتها قائلة:
دنيز: أما زلتِ تنادينها بأمي؟.
ساد الصمت للحظة.
نظرت إليها ديلان، وقد بدأ شيء بارد يتسلل إلى قلبها.
تابعت دنيز بحدة:
دنيز: أنتِ لم يعد لكِ أي صفة في هذا البيت. هذه زوجة عمي، وليست أمك.
كان وقع الكلمات أقسى مما توقعت ديلان.
خفضت عينيها للحظة، ثم رفعت رأسها وقالت بثبات:
ديلان: إن كانت زوجة عمك، فهي أم زوجي.
انطلقت من دنيز ضحكة ساخرة، لم تحمل ذرةً من المرح.
دنيز: أم زوجك؟!.
اقتربت منها أكثر، ثم قالت:
دنيز: وأين هو زوجك يا ديلان؟، زوجك مات! وانتهت عدتك منذ أسبوع، فلماذا ما زلتِ هنا؟، لماذا تتمسكين بهذا البيت وكأنه بيتك؟.
تجمدت ديلان في مكانها.
تابعت دنيز، وقد وجدت في صمتها فرصة لتصب كل ما أخفته طوال الأشهر الماضية:
دنيز: هيا، عودي إلى بيت أهلك. لم تعد لكِ أي صفة تجعلكِ تبقين هنا، انتهت العدة، وانتهت علاقتك بهذا البيت.
شعرت ديلان بأن الكلمات تخترقها واحدةً تلو الأخرى.
لم يكن الأمر متعلقًا بمراد فقط.
كان الأمر أشبه بأن أحدهم يحاول اقتلاعها من المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان بعد موته.
تقدمت ديلان نحو غرفة عائشة، لم ترد على دنيز وأحضرت الدواء، ثم عادت به.
لكن دنيز اعترضت طريقها مرة أخرى، وخطفت الدواء من يدها مجرد ان وكئت قدمي ديلان غرفت الجلوس، وصاحت بها قائلة:
دنيز: أعطني هذا الدواء قلت لكِ، أنا من سيعطي زوجة عمي دواءها، أنتِ لا صفة لكِ في هذا البيت.
ثم أشارت نحو الباب:
دنيز: هيا، ارحلي من هنا، وعودي إلى بيتك.
وقبل أن تتمكن من الرد، قالت صفية، وهي تنظر إلى ابنتها ثم إلى ديلان:
صفية: دنيز معها حق يا ابنتي، ثم إلتفتت لعائشة واكملت..
صفية: عدتها قد انتهت، ولا يليق أن تبقى في بيتكم يا عائشة، خصوصًا وأن...
توقفت لحظة، ثم أكملت:
صفية: لا يوجد ما يبرر بقاءها هنا.
كانت ديلان تستمع إليها بصمت.
لم تجب،
لم تدافع عن نفسها،
فقد كانت الكلمات أثقل من أن تجد لها ردًا.
وفي تلك اللحظة، كانت عائشة تنظر إليها بألم.
لم تكن تريد أن ترى ديلان تُهان أمامها، لكنها كانت متعبة، والحديث أخذ منحى لم تكن تتوقعه.
وقبل أن تنتهي من صفية من كلماتها كلماتها، انفتح باب المنزل.
كان عزت وباران قد عادا من صلاة التراويح.
توقفا عند الباب للحظة.
وقد وصلا في الوقت الذي رأيا فيه دنيز تدفع ديلان وتنتزع الدواء من يدها.
تغير وجه باران في لحظة.
باران: دنيز !!!...
صاح بها بأعلى صوته،التفت الجميع إليه وهو يخطوا مسرعا نحو دنيز ينتزع الدواء من يدها.
كان الغضب واضحًا في عينيه.
باران: إلزمي حدكِ! ليس من حقك أن تتحدثي مع زوجة أخي بهذه اللهجة.
أجابت صفية بسرعة، وكأنها وجدت في دخولهما فرصة لتأكيد موقف ابنتها:
صفية: دنيز لم تقل شيئًا غير صحيح، ألا تعلمون ان ديلان انتهت عدتها، وبأي صفة ستبقى في بيتكم؟، فهي لم تعد زوجة أخيك ولا يوجد أي شيء يبقيها هنا.
نظر إليها عزت طويلًا، ثم قال بهدوء حازم:
عزت: وهل يجوز أن نطردها من البيت لمجرد أن عدتها انتهت؟.
قالت صفية:
صفية: هي لم تعد زوجة مراد، فمراد مات وإنتهت عدتها.
عزت: هذا صحيح، قال عزت، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت غريبة عن هذا البيت.
كانت ديلان تقف في مكانها، عاجزة عن الكلام.
كانت تشعر أنها تقف في منتصف عاصفة، وأن كل كلمة تُقال عنها تنتزع منها شيئًا.
لكن عائشة، التي كانت صامتة حتى تلك اللحظة، نهضت من مقعدهاأخيرا، لم تعد تحتمل اي كلمة ستقال.
كان التعب ظاهرًا على وجهها، لكن صوتها حين تكلمت كان ثابتًا.
عائشة: يكفي.
ساد الصمت.
نظرت إلى دنيز أولًا، ثم إلى صفية، وقالت:
عائشة: ديلان، حتى لو لم تعد زوجة ابني، فهي ابنتي.
ارتعشت شفتا ديلان عند سماعها.
تابعت عائشة:
عائشة: ولا يحق لأي أحد أن يكلمها بهذه الطريقة أو يهينها أمامي، إن أرادت أن تبقى، فبيتي مفتوح لها، ولن يستطيع أحد أن يمس منها شعرة أو يؤذيها أو يهينها.
ثم التفتت إلى ديلان، وأضافت:
عائشة: وإن أرادت الرحيل والعودة إلى بيت أهلها، فهذا حقها أيضًا، لها كامل الحرية في اختيار ما تريد، ولا يحق لأحد أن يتدخل في قرارها.
لم تجد ديلان ما تقوله.
كانت الكلمات التي سمعتها من عائشة في تلك اللحظة بمثابة يد امتدت إليها وسط بحرٍ من الألم.
أما دنيز، فبدت غير راضية، لكنها لم تجد ما تقوله بعد أن حسمت عائشة الأمر.
لم يمضِ وقت طويل حتى غادرت صفية وابنتها المنزل.
وبعد أن انفضّ الجمع، اتجه كل واحد إلى غرفته.
صعدت ديلان إلى شقتها بصمت، تحمل معها ثقل الكلمات التي قيلت في الأسفل، وقد فتح باب كانت تحاول تجاهله لعدة ايام، وهو أين ستذهب، فمن المستحيل ان تعود لبيت والدتها.
أما عائشة وعزت، فدخلا غرفتهما.
أغلقت عائشة الباب خلفهما، ثم جلست على طرف السرير.
بقيت للحظات صامتة.
كان وجهها يحمل شيئًا من الحزن والارتباك.
نظر إليها عزت، وكأنه ينتظر أن تتحدث.
وأخيرًا قالت:
عائشة: في الحقيقة... كلام دنيز صحيح.
رفع عزت عينيه إليها.
أكملت:
عائشة: أنا نهرتها بسبب وقاحتها وطريقتها في الحديث مع ديلان، وما فعلته بها لم يكن مقبولًا بأي شكل. لكن...
سكتت، ثم تنهدت بعمق.
عائشة: عدتها انتهت يا عزت.
لم يجبها.
تابعت:
عائشة: لم يعد هناك رابط شرعي يجعل بقاءها في هذا البيت أمرًا طبيعيًا، ليس لديها أبناء من مراد حتى نقول إن وجودها من أجلهم، ثم إن لدينا ابنًا أعزبًا يعيش معنا.
كان عزت يعرف إلى أين تتجه كلماتها.
قالت بصوت خافت:
عائشة: نحن نعلم نيتنا، ونعلم أنها كابنتنا، لكن الناس لا يرون ما في القلوب، وما لا يراه الناس اليوم قد يبدأون في الحديث عنه غدًا.
خفضت عينيها، وقالت بألم:
عائشة: وأنا أكثر من أخشى عليها هي ديلان نفسها.
تنهد عزت:
عزت: ماذا تقصدين؟.
عائشة: أقصد أن الناس لن يرحموها، سيبدأ أحدهم بكلمة، ثم تتحول الكلمة إلى حديث، ثم يصبح الحديث شائعة، وفي النهاية ستكون ديلان هي من يدفع الثمن.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
عائشة: نحن نستطيع أن نوقف كلام الناس، وهل تستطيع هي تحمل ذلك الكلام؟، وهل سنكون قد أحسنا إليها إن أبقيناها هنا حتى تصبح عرضة لألسنتهم؟
ظل عزت صامتًا.
كان يعرف أن ما تقوله زوجته ليس نابعًا من قسوة، بل من خوف حقيقي على فتاة أصبحت بالنسبة إليهما ابنة.
قال بعد لحظات:
عزت: وماذا سنفعل إذن يا عائشة؟.
رفعت عائشة رأسها إليه.
عائشة: أظن انه قد آن الأوان لنقوم بنا فكرنا به من مدة.