رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والاربعون41 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والاربعون41 بقلم عاشقة القلم

✍️تغيرت ملامح عزت بعد كلام عائشة الأخيرة.

عزت: هل قررتِ ذلك؟.

أومأت.

عائشة: منذ مدة وأنا أفكر في الأمر.

ثم ابتلعت غصتها وقالت:

عائشة  كنت أؤجل الحديث فيه، كل مرة أجد عذرًا جديدًا يجعلني أقول: ليس الآن... ديلان حزينة، ديلان ربما لن تتقبل الامر، خصوصا بعد حلول رمضان، وموت مراد... لكن الحقيقة أن الوقت حان.

قال عزت:

عزت: سيكون الأمر صعبًا عليها.

أغمضت عائشة عينيها لحظة.

عائشة: أعلم.

ثم قالت بصوت مكسور:

عائشة: وسيكون أصعب عليّ أنا.

صمتت، وانحدرت دمعة على خدها.

عائشة: لم تتوقع بعد والأمر سيكون غريبا عليها يا عزت، دخلت هذا البيت زوجةً لابننا، ثم أصبحت ابنةً لنا. كيف سأقول لها الآن: اريد تزويجك من باران؟

مدّ عزت يده وأمسك يدها.

عزت: لا أحد يقول إن الأمر سهل.

قالت عائشة:

عائشة: لكنه أمر واجب علينا، لا أريد أن أكون سببًا في أن يطعن أحد في شرفها أو أخلاقها، ولا أريد أن نفتح بابًا لا نستطيع إغلاقه.

ثم مسحت دمعتها وقالت بحزمٍ ممزوج بالألم:

عائشة: ديلان تستحق أن تحيا بكرامتها، وأن تبقى بعيدة عن أي موضع شبهة، وإذا كان زواجها من باران سيحميها من ألسنة الناس، فعلينا أن نفعل ذلك، مهما كان قاسيًا.

نظر إليها عزت طويلًا، ثم قال:

عزت: إذن أنا معكِ.

تنهد، وأردف:

عزت  لا يمكنني أن أضع ديلان في موضع شبهة، وقد أصبحت بالنسبة إلينا فردًا من هذه العائلة، وحمايتها مسؤوليتنا، ولايمكنني ان اعيدها لبيت والدتها، لتصبح تخت رحمة ذلك الحقير، إذا كان بقاءها هنا لن يكون ألا بزواجها، وإذاكان هذا ما سيغلق الافواه عن الخوض في عرضها وفتح لباب لانستطيع غلقه، فعلينا أن نغلقه قبل أن يُفتح.

هزت عائشة رأسها ببطء.

عائشة: إذن... غدًا سأتحدث مع باران اولا ثم سأتحدث معها.

ساد الصمت في الغرفة.

وفي الخارج، كان الليل قد استقر على البيوت، بينما كانت أصوات المآذن تتردد في أرجاء الحي بعد انقضاء صلاة التراويح، ببعض الدعاء والإبتهالات.

وفي الشقة العلوية، كانت ديلان جالسة وحدها، لا تعلم أن قرارًا قد اتُّخذ بشأن مستقبلها.

كانت لا تزال تسمع في رأسها كلمات دنيز:

"انتهت عدتك... عودي إلى بيتك."

لكنها لم تكن تعلم أن تلك الكلمات، التي ظنت أنها مجرد محاولة لإهانتها، ستصبح في صباح اليوم التالي امرا آخر وتحدي آخر ستواجهه، من أكثر شخصٍ كانت تود ان سيحميها من الرحيل.

عائشة.

المرأة التي احتضنتها بعد موت مراد، والتي كانت تقول لها دائمًا إنها ابنتها...

ستكون هي من يطلب من إبنها غدًا أن يتزوج باران لحمليتها.

ولم تكن ديلان تعلم أن بعض الأبواب لا تُغلق لأن من خلفها لم يعد يحبنا...

بل لأنهم يحبوننا أكثر مما ينبغي، ويخشون أن يتحول بقاؤنا إلى سببٍ للأذى.

وفي تلك الليلة، نامت العائلة على قرارٍ ثقيل، بينما ظلّت ديلان وحدها في شقتها، تنتظر صباح الغد الذي سيحمل إليها واحدةً من أصعب الكلمات التي  كانت تظن أنها تسمعها بعد كل ما فقدته:

"عليكِ أن تعودي إلى بيت أهلك."

واصعبها كان اين ستذهب فمستحيل ان تعود لهناك .

لكنها لم تتخيل ان حب عائشة وعزت سيجعلهما يتخذان اصعب قرار عليهما، وهو تزويج ارملة إبنهما لإبنهم الأخر حفاظا عليها.


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


ما إن غادرت دنيز ووالدتها شقة عمّها وأغلقتا الباب خلفهما، حتى ظلت صفية صامتة طوال الطريق إلى شقتهما، والغضب يتصاعد في صدرها شيئًا فشيئًا. وما إن دخلتا حتى التفتت إلى ابنتها، ولم تستطع كبح انفعالها، فانفجرت فيها مؤنبةً إياها على ما بدر منها أمام زوجة عمها وعزّت وابنه مراد.

قالت صفية بحدة، وهي ترمقها بنظرة عتاب، بعد ان دخلت خلفها لغرفتها واغلقت خلفها الباب:

صفية: ماذا دهاكِ يا دنيز؟، كيف تجرأتِ على قول ذلك أمام عائشة وعزت؟، ألم تفكري للحظة في عواقب كلماتك؟، لو وصل ما قلته إلى والدك، لربما عاد إلى عدم السماح لكِ بالخروج من المنزل، وقد كنتِ تعرفين جيدًا كم عانيتِ حين فرض عليكِ ذلك سابقًا.

لكن دنيز لم تبدِ اكتراثًا بحديث أمها، بل ألقت عليها نظرة مليئة بالتحدي، وقالت ببرود:

دنيز: ولماذا وافقتِني إذن؟، أليس لي الحق فيما قلته؟.

تنهدت صفية بعمق، وكأنها تحاول أن تستجمع صبرها قبل أن تجيبها:

صفية: لا، ليس لكِ الحق، أنا أعلم أن عدة ديلان قد انتهت، وأعلم أيضًا أن عائشة وعزت لن يتخلّيا عنها، لقد أحباها، وهي أثبتت لهما بحسن عشرتها وطيب صنيعها أنها تستحق مكانتها بينهما.

ما إن سمعت دنيز كلمات أمها حتى اشتعل الغضب في عينيها، وصاحت بها:

دنيز: وهل أحببتِ ديلان أنتِ أيضًا؟!، هل سحرتكِ كما سحرت عمي وزوجته؟، بل وحتى باران ذاك المتعجرف الذي أصبح مثلهم تمامًا؟!.

توقفت لحظة، ثم تابعت بانفعال، وقد خرجت الكلمات من فمها محمّلة بكل ما يعتمل في صدرها من غيرة وحقد:

دنيز: أنتِ تعلمين جيدًا لماذا تتمسك بها زوجة عمي! ،إنها فرحة لأنها وجدت خادمة تخدمها وتخدم عائلتها دون أن تتعب في البحث عنها، ودون أن تدفع لها راتبًا واحدًا، هذا كل ما في الأمر!.

حدقت صفية في ابنتها طويلًا، وكأنها لم تعد تتعرف إلى الفتاة التي تقف أمامها، ثم قالت بهدوء، لكنه كان هدوءًا حازمًا لا يقبل الجدال:

صفية: أنتِ مخطئة يا دنيز، ومخطئة كثيرًا، ديلان لم تستحوذ على قلوبهم بالسحر كما تزعمين، بل استحوذت عليها بحسن عشرتها، وبصبرها، وبما قدمته لهم من خير، لقد عاشت بينهم وأحسنت معاملتهم، فبادلوها المحبة التي منحتهم إياها.

ثم اقتربت منها خطوة، وخفّضت صوتها وهي تقول:

صفية: وحسب ما فهمت من والدك، فإن مراد كان يسيء معاملتها، وما حدث قبل وفاته خير دليل على ذلك، ولو كانت امرأة أخرى مكانها، لما سكتت عن كل ما تعرضت له، ولا تحملت ما فعله مراد بحقها كل ذلك الوقت.

ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تتابع صفية بنبرة أكثر حزمًا:

صفية: وأخيرًا، أغلقي هذا الموضوع يا دنيز، الميت لا تجوز عليه إلا الرحمة، وديلان فتاة ما زالت في مقتبل عمرها، ولا يجوز لكِ أن تفتري عليها أو تطعني في شرفها دون دليل، لقد كنت مخطئة بحقها، وأنا أعترف بذلك، وقد ندمت على ما فعلته وأتمنى أن يغفر الله لي ما مضى.

ثم نظرت إليها نظرة حاسمة، وقالت:

صفية: لكن هذه المرة، إن وصل ما قلته إلى أبيكِ، فلن أتدخل لإنقاذكِ، لأنني أرى أنكِ تجاوزتِ حدودكِ معها، ولم يعد ما تفعلينه مجرد غيرة أو غضب... بل أصبح ظلمًا لا أستطيع أن أكون شريكة فيه.

لم تنتظر صفية ردًا من ابنتها. استدارت وغادرت الغرفة بخطوات ثقيلة، تاركة دنيز خلفها وحدها.

أُغلق الباب، فعاد الصمت ليملأ المكان.

ظلت دنيز جالسة في مكانها، تحدق أمامها بعينين جامدتين، وكلمات أمها تتردد في رأسها كأنها صدى لا يريد أن يخفت.

لكنها لم تشعر بالندم.

على العكس...

كلما فكرت في ديلان، ازداد اختناقها، وكلما تذكرت وقوف عائلة عمها إلى جانبها، واحتفاظهم بها بينهم رغم وفاة مراد، اشتعلت في داخلها رغبة أكثر إصرارًا في التخلص منها.

قالت في سرها وهي تضيق عينيها:

«لا بد أن أجد طريقة... لا بد أن تخرج ديلان من هذا البيت.»

ثم غرقت في صمتها، تقلب الاحتمالات في رأسها واحدًا تلو الآخر، وكأنها تبحث وسط ظلام أفكارها عن مخرج يعيد إليها ما تظنه حقًا ضائعًا... حتى لو اضطرت هذه المرة إلى ارتكاب حماقة أكبر من كل ما سبق.


ظلت دنيز جالسة في غرفتها وقتًا طويلًا، غارقة في دوامة من الأفكار، كانت تارةً تعقد حاجبيها، وتارةً تنظر إلى الفراغ أمامها، وكأنها تبحث بين عشرات الاحتمالات عن ثغرة واحدة تنفذ منها إلى غايتها.

وفجأة، تبدّل شيء في ملامحها.

اتسعت عيناها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة، ونهضت من مكانها دفعة واحدة، وكأن فكرة خاطفة أضاءت في رأسها الطريق الذي كانت تبحث عنه.

اقتربت من الطاولة الصغيرة المحاذية لسريرها، ومدّت يدها إلى هاتفها، ثم أخذته وأخذت تقلّب جهات الاتصال حتى استقرت أصابعها على رقم واحد.

"مدحت".

شريكها في معظم مخططاتها، والرجل الذي لطالما وجدت فيه اليد التي تنفذ ما تعجز هي عن فعله.

ضغطت زر الاتصال، ولم تمضِ سوى لحظات حتى جاءها صوته من الطرف الآخر.

مدحت: ألو ..

دنيز: ألو... مدحت، كيف حالك؟.

جاءها صوته بشيء من السخرية:

مدحت: أهلًا دنيز هانم... وأخيرًا تذكرتِني! ، كنت أنتظر اتصالك منذ أيام، هل ستعود ديلان إلى بيت والدتها أخيرًا؟.

ابتسمت دنيز ابتسامة صغيرة، ثم قالت:

دنيز: لهذا السبب اتصلت بك، عائلة عمي ما زالت متمسكة بها، ويبدو أنهم لا يفكرون في التخلي عنها.

ما إن أنهت جملتها حتى قاطعها مدحت بانفعال:

مدحت: ألم تقولي لي إنك ستجدين طريقة لطردها من بيت عمك؟!.

رفعت دنيز عينيها إلى السقف، ثم قالت بنفاد صبر:

دنيز: لا تنفعل عليّ، واسمعني أولًا.

سكت مدحت لحظة، ثم قال بلهجة حذرة:

مدحت: أنا أسمعك، لكن هذه المرة أريد خطة ناجعة، وليست واحدة من مخططاتك السابقة التي تنتهي بالفشل.

لم تغضب دنيز من كلماته، بل بدت وكأنها كانت تنتظر منه ذلك السؤال تحديدًا. جلست على طرف السرير، وقالت بثقة:

دنيز: لا تقلق، هذه المرة ستعود ديلان بالتأكيد إلى بيت والدتها.

صمت مدحت، فتابعت:

دنيز: فكر قليلًا... ماذا لو علمت والدتها أن عائلة زوج ابنتها الراحل متمسكة بديلان فقط لأنها تستغلها كخادمة؟، فتاة تخدمهم وتخدم منزلهم وعائلتهم دون أن تحصل على أي مقابل؟، هل تظن أن والدتها ستقبل بذلك؟ بالطبع لا، لن تسمح لها بالبقاء هناك يومًا واحدًا.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تنفجر من الطرف الآخر ضحكة عالية، ضحكة حملت في طياتها شيئًا من الشماتة والانتصار.

قال مدحت وهو يضحك:

مدحت: أتركِ هذا الأمر لي.

ارتسمت على وجه دنيز ابتسامة رضا، بينما تابع مدحت بثقة:

مدحت: سأوصل الأمر إلى والدتها بطريقتي الخاصة، ولن تنتظر طويلًا قبل أن تأتي وتأخذ ابنتها معها.

قالت دنيز، وقد شعرت للمرة الأولى منذ ساعات أن الطريق الذي بدا مسدودًا بدأ ينفتح أمامها:

دنيز: ولهذا السبب اتصلت بك. هيا، سأنتظر منك اتصالًا.

مدحت: تمام... وسأنهي مهمتي بسرعة، حتى أستطيع أخيرًا أن أتزوجها.

تغيرت ملامح دنيز للحظة، ثم ضحكت بخفة وقالت بنبرة مازحة:

دنيز: إذًا، إن كنت تريد الزواج بها حقًا، فتصرّف بسرعة... وباحترافية، مع السلامة يا عريس!.

أنهت المكالمة، وأنزلت الهاتف ببطء.

ظلت تحدق في شاشته لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، تلك الابتسامة التي لا تظهر إلا حين تظن أنها وضعت أول حجر في طريق سقوط خصمها.

أما في الطرف الآخر، فكان مدحت ينظر إلى هاتفه، وقد بدا على وجهه هو الآخر شيء من الرضا.

لقد بدأت اللعبة من جديد...

وكان كل واحد منهما يظن أن هذه المرة لن يفشل مخططه.


------///*****///-----


في اليوم التالي، كانت شقة عزت قد عادت إلى هدوئها المعتاد، إلا أن شيئًا من التوتر ظل عالقًا في أجوائها منذ حديث دنيز في اليوم السابق.

عاد باران من عمله في وقت متأخر من النهار، يحمل على ملامحه آثار يوم طويل من التعب والإرهاق، ثم اتجه إلى غرفته بخطوات هادئة، راغبًا في أن يغلق عليه باب غرفته قليلًا ليستريح بعيدًا عن ضجيج الأفكار التي لم تفارقه منذ وفاة مراد.

وما إن بلغ الباب ومد يده إلى المقبض، حتى سمع صوت والدته خلفه:

عائشة: أهلًا بك يا بني.

التفت إليها، فرأى عائشة تقف خلفه، وعلى وجهها شيء من التردد لم يعتده منها.

قالت وهي تقترب منه:

عائشة: أريد أن أتحدث معك يا بني.

نظر إليها باران باستغراب، ثم قال:

باران: وما الذي تريدين أن تتحدثي معي بشأنه يا أمي؟.

ابتسمت عائشة ابتسامة خافتة، وكأنها تؤجل الحديث قليلًا حتى تجد الكلمات المناسبة، ثم قالت:

عائشة: غيّر ملابسك واسترح أولًا، وبعد أن أنهي ما في يدي، سأأتي إليك ونتحدث.

أومأ باران دون أن يلح عليها، ودخل غرفته.

أما عائشة فعادت إلى عملها، لكن ذهنها لم يكن مع ما تقوم به يداها، كانت الكلمات التي قررت أن تقولها لابنها تثقل صدرها، وكلما حاولت أن ترتبها في ذهنها، شعرت بأن الأمر أصعب مما ظنت.

كانت تعرف أن ما ستقوله لن يكون سهلًا على باران...

وربما لن يكون سهلًا عليها هي أيضًا.

وبعد وقت قصير، انتهت من أعمالها، ثم تركت ديلان تراقب الطعام فوق الموقد حتى ينضج، واتجهت بخطوات مترددة نحو غرفة باران.

وقفت أمام الباب لحظات، أخذت خلالها نفسًا عميقًا، ثم طرقت طرقًا خفيفًا.

جاءها صوت باران من الداخل:

باران: تفضلي يا أمي.

فتحت الباب ودخلت.

كان باران مستلقيًا على سريره، وقد بدّل ملابسه واستلقى قليلًا ليستريح، وما إن رأى والدته تدخل حتى اعتدل في جلسته، وأسند ظهره إلى مسند السرير، بينما اقتربت عائشة منه وجلست على طرف السرير.

نظر إليها باران مليًا، ولاحظ القلق المرتسم في عينيها، فقال:

باران: أمي، ما الموضوع الذي كنت تريدين أن تتحدثي معي بشأنه؟.

لم تجبه عائشة مباشرة.

نظرت إليه لثوانٍ، ثم قالت دون مقدمات:

عائشة: ديلان.

تجمدت ملامح باران للحظة، ثم عقد حاجبيه مستفهمًا:

باران: ديلان؟ وما بها ديلان؟ هل هي مريضة؟.

هزت عائشة رأسها سريعًا:

عائشة: لا، الحمد لله، هي بخير.

تنفس باران براحة، لكن نظرات والدته أعادته إلى القلق.

قالت:

عائشة: لكنك سمعت ما قالته دنيز بالأمس.

تغيرت ملامح باران، وقال بنبرة حازمة:

باران: لقد أسكتناها بالأمس يا أمي، ثم إن ليس من حقها أن تتحدث في مثل هذه الأمور بهذه الطريقة، ولا أن تتدخل في حياة ديلان.

تنهدت عائشة، وقالت:

عائشة: نعم، لقد أسكتناها بالأمس... لكن ماذا عن اليوم؟، وماذا عن الغد؟.

صمت باران.

تابعت عائشة، وقد بدا الخوف واضحًا في نبرتها:

عائشة: نحن استطعنا أن نسكت دنيز لأن الأمر لم يتجاوز حدودنا، لكن ماذا سنفعل إذا بدأت الناس عي من تتحدث؟، إذا انتقلت تلك الكلمات من بيت إلى بيت، ومن امرأة إلى أخرى؟، عدة ديلان انتهت يا بني، ولم يعد من المقبول أن تبقى هنا من دون صفة واضحة.

خفض باران عينيه قليلًا، ثم قال بعد لحظة تفكير:

باران: إذن لتعد إلى بيت والدها إن كانت تريد ذلك.

نظرت إليه عائشة بحزن، وقالت:

عائشة: لكن ديلان لا تستطيع العودة إلى بيت والدها، وانا لن أستطيع ان أبعثها ألى هناك

رفع باران رأسه إليها.

باران: ولماذا؟.

أجابته بهدوء:

عائشة: لايمكن يا بني لاسباب نعرفها انا وأباك، وايضا لأنها شابة وما زالت صغيرة، ولن يكون من السهل عليها أن تعيش وحدها في شقة، ثم إنك تعرف كيف هي ألسنة الناس، لن يرحموها. سيبدأون بالسؤال: لماذا لم تعد لبيت أمها؟، ولماذا تعيش وحدها؟، ولن يتوقفوا حتى يجعلوا حياتها جحيمًا.

ظل باران صامتًا.

ثم مرر يده على وجهه بضيق، وقال:

باران: وما العمل إذن يا أمي؟، لقد حيّرتني، لا يمكنها العودة إلى بيت أبيها، ولا يمكنها البقاء هنا، ولا يمكننا أن نستأجر لها بيتًا لتعيش فيه وحدها... هذه أحجية يا أمي.

ارتسمت على وجه عائشة ابتسامة حزينة، وقالت:

عائشة: ليست أحجية يا بني.

نظر إليها.

تابعت:

عائشة: لقد فكرت أنا ووالدك في الأمر طويلًا... ووجدنا الحل.

رفع باران حاجبيه وقال:

باران: إذا كنتما قد وجدتما الحل، فما دخلي أنا في الموضوع إذن؟.

ساد صمت قصير.

ثم قالت عائشة:

عائشة: لأنك طرف في هذا الموضوع.

تغيرت ملامح باران.

باران: أنا؟.

أومأت برأسها.

عائشة: نعم، أنت.

ابتلع باران ريقه، وقال بقلق:

باران: كيف أكون طرفًا في هذا الموضوع يا أمي؟.

وضعت عائشة يديها في حجرها، وكأنها تستمد منهما القوة قبل أن تنطق بما جاء من أجله.

ثم قالت:

عائشة: لأنني أحببت ديلان يا بني.

نظر إليها باران في صمت.

تابعت:

عائشة: أحببت وجودها في هذا البيت، وأحببت طريقتها في التعامل معنا، واهتمامها بكل صغيرة وكبيرة، أصبحت أراها ابنة لي، لا زوجة لابني فقط، وجودها بيننا لم يعد أمرًا عابرًا بالنسبة لي، ولا أستطيع أن أتخيل هذا البيت من دونها.

تنهدت، ثم قالت:

عائشة: ولا أستطيع في الوقت نفسه أن أبقيها هنا بلا صفة، لذلك فكرت أنا ووالدك، ولم نجد حلًا يحفظ لها مكانتها ويغلق أبواب كلام الناس سوى...

توقفت.

شعر باران بانقباض مفاجئ في صدره.

قال:

باران: سوى ماذا يا أمي؟.

رفعت عائشة عينيها إليه وقالت بهدوء:

عائشة: أن تتزوج ديلان.

ساد صمت ثقيل.

لم يستوعب باران الكلمات في اللحظة الأولى، وكأن عقله رفض أن يترجمها إلى معناها الحقيقي.

ثم اتسعت عيناه فجأة، ونهض من مكانه دفعة واحدة، حتى كاد يصطدم بطرف السرير.

باران: ماذا؟!.

وقفت عائشة بدورها، وقالت:

عائشة: باران...

قاطعها بصوت مرتجف من الصدمة:

باران: كيف يمكنك أن تطلبي مني ذلك يا أمي؟!، كيف تطلبين مني أن أتزوج زوجة أخي؟!.

كان الغضب والارتباك يتصارعان في صوته، لكن خلفهما كان هناك شيء آخر... شيء أقرب إلى الخوف.

خوف من الفكرة نفسها.

وخوف أكبر من أن تكون والدته قد قالتها بالفعل.

اقتربت منه عائشة خطوة، وقالت:

عائشة: أعلم أن الأمر صعب يا بني، وأعلم أنه ليس طلبًا يسهل عليك سماعه، وهو  صعب علينا نحن أيضًا، لم نصل إلى هذه الفكرة إلا بعد تفكير طويل.

هز باران رأسه بعنف:

باران: لا يمكن يا أمي... لا يمكنني فعل ذلك.

عائشة: اسمعني أولًا.

باران: لا يا أمي! أرى أن تعود ديلان إلى بيت والدتها، وإذا كانت هناك مشكلة نحلها بطريقة او بأخرى.

قالت عائشة بحزن:

عائشة  المشكلة أننا لا نستطيع حلها بهذه السهولة.

باران: بل نستطيع! سنجد لها حلًا.

عائشة: لا يمكنها ان تعيش هناك مستحيل؟، كما لايمكنني أبقائها هنا بدون صفة، ومن سيحميها من كلام الناس؟، ولابمكن ان تعيش بشقة وحدها، ومن يضمن ألا يستغل أحد وحدتها؟.

صمت باران.

اقتربت عائشة منه أكثر، وقالت:

باران: أنا لا أريد أن أظلمها يا بني، ولا أريد أن أجبرك على شيء، لكنني لا أستطيع أن أرسلها إلى مكان أعرف أنها قد تتعرض فيه للأذى أو تصبح حديثًا لألسنة لا ترحم.

قال باران بصوت خافت لكنه حاسم:

باران: إنه بيت والدتها يا أمي، وأنا لا أستطيع أن أتزوج زوجة أخي.

تألمت عائشة لسماع الجملة، لكنها لم تتراجع.

عائشة: لماذا؟.

رفع باران عينيه إليها، وقال:

بارن: لأنها زوجة أخي يا أمي، زوجة مراد أخي، مهما كان ما حدث بينه وبين ديلان، ومهما كان ما فعله بها، يبقى مراد أخي، كيف يمكنني أن أتزوج امرأة كانت زوجته؟.

سكت لحظة، ثم تابع:

باران:  ثم لا يوجد سبب يجعلني أفعل ذلك، مراد لم يترك أطفالًا حتى نقول إنهم بحاجة إلى أن يتربوا في كنفنا، ولا توجد مسؤولية من هذا النوع تدفعني إلى الزواج بها، ولا أرى سببًا مقنعا يجعلني أتزوجها.

كانت عائشة تستمع إليه، ثم قالت بهدوء:

عائشة: وهل لا بد أن يكون هناك أطفال حتى نحافظ على ديلان؟

رفع باران عينيه إليها.

تابعت:

عائشة: أنا أطلب منك ذلك أيضًا لأنني أريد أن أراك متزوجًا يا بني، أريد أن أطمئن عليك قبل أن يطول بي العمر، وأريد في الوقت نفسه ألا تبتعد ديلان عني، أنا أحببتها واريد حمايتها والحفاظ عليها، ولا أرى فيها ما يعيبها، إنها فتاة طيبة، عفيفة، صابرة، وقد تحملت من مراد ما لا أظن أن كثيرًا من النساء كنّ ليحتملنه.

أطرق باران رأسه.

قالت عائشة:

عائشة: وأنا أعرف أن ألف رجل سيتمنى امرأة مثلها.

رفع باران عينيه وقال بصوت موجوع:

باران: وأنا أعلم ذلك يا أمي... أعلم أن ديلان فتاة لا يعيبها شيء، وأعلم أن كثيرين سيتمنونها، وربما بعد ايام سيكثر خطابها لكنني... لا أستطيع ان افعلهت أنا.

اقتربت عائشة منه، ومدت يدها إلى ذراعه، وقالت:

عائشة: لم أقل لك إن الأمر سهل.

ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف:

عائشة: لكن فكر فيه بعقلك وقلبك، لا بصدمة اللحظة.

ظل باران واقفًا في مكانه، وقد بدت الحيرة واضحة على وجهه.

تابعت عائشة:

عائشة: ديلان أمانة تركها مراد بين أيدينا، يا بني، وأنا أشعر أن علينا مسؤولية تجاهها، لقد أصبحت واحدة منا، ولن أستطيع أن أعيش مرتاحة إذا خرجت من هذا البيت ثم أصابها مكروه.

ارتجف صوتها قليلًا وهي تقول:

عائشة: إن حدث لها شيء بعد أن نتركها وحيدة، فلن أسامح نفسي ما حييت.

نظر إليها باران، فرأى في عينيها خوفًا حقيقيًا، لا مجرد رغبة في تزويج ابنها.

قالت:

عائشة: ثم إن زواجك منها ليس أمرًا محرّمًا لمجرد أنها كانت زوجة أخيك، مراد توفي وانتهت عدتها، والزواج منها في هذه الحال جائز، كما أن لا الدين ولا الأعراف تمنع ذلك إذا كان الطرفان راضيين.

صمتت قليلًا، ثم قالت:

عائشة: وأنا لا أطلب منك أن تفعل شيئًا دون رضاك، ديلان أيضًا لها رأي، وسأسألها عن رأيها هي أيضا، كل ما أطلبه منك أن تفكر.

كان باران لا يزال مذهولًا.

قالت عائشة وهي تتجه نحو الباب:

عائشة: لا تتعجل يا بني، لا تعطِني جوابًا الآن، اجلس وحدك وفكر بهدوء، اسأل نفسك: هل تستطيع أن تترك ديلان تواجه مصيرًا مجهولًا وحدها؟، وهل تستطيع أن تتخلى عنها بعد كل ما مرت به؟.

وضعت يدها على مقبض الباب، ثم التفتت إليه للمرة الأخيرة:

عائشة: و أخيرا صلِّ صلاة الاستخارة وإسأل الله ربما هناك خيرا فيما نظنه شرا.

توقفت لحظة، وكأنها تريد أن تترك كلماتها تستقر في قلبه، ثم قالت:

عائشة: إن كان في هذا الزواج خير لك ولها، فسيفتح الله لكما الطريق، وإن لم يكن فيه خير، فسيصرفه عنكما مهما حاولنا. لذلك لا تتخذ قرارك الآن وأنت غاضب أو مرتبك.

ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

بقي باران واقفًا في منتصف الغرفة، لا يتحرك.

كان يسمع صوت خطوات أمه تبتعد في الممر، بينما ظلت كلماتها تتردد في رأسه بلا رحمة:

«أن تتزوج ديلان...»

أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، لكن صدره لم يهدأ.

كان يعلم أن أمه لم تقل ذلك عبثًا.

وكان يعلم أيضًا أن ديلان تستحق أن تُحمى من قسوة الناس، وانها نعم الزوجة لمن يتزوجه.

لكن المشكلة لم تكن في ديلان...

المشكلة كانت في قلبه هو ومن تعيش فيه.

فكيف يمكن له أن ينظر إلى زوجة أخيه بهذه الطريقة وقلبه ليس ملكا له؟،

وكيف يمكن له، بعد كل ما حدث، أن يسمح لنفسه حتى بالتفكير في أن تصبح ديلان زوجته؟.

جلس على حافة السرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم دفن وجهه بين كفيه.

وللمرة الأولى منذ وفاة مراد، شعر باران أن رحيل أخيه لم يترك وراءه حزنًا فقط...

بل ترك إمتحانا ثقيلًا، ربما سيغيّر حياة الجميع إلى الأبد.

______________

_________


بعد أذان المغرب، وبعد أن أدت العائلة صلاتها، اجتمعوا حول مائدة الإفطار.

كانت الأجواء هادئة في ظاهرها، لكنها لم تكن كذلك في داخل باران، فقد كان يجلس إلى المائدة، يلتقط لقيماته بصمت، بينما كانت عيناه تخونانه بين الحين والآخر، فتتسللان نحو والدته الجالسة قبالته، ثم إلى ديلان التي كانت تجلس إلى جوارها.

كانت ديلان تتحرك حول المائدة بخفة ونشاط، كأنها نحلة لا تهدأ. تضع هذا الطبق هنا، وتناول ذاك لعائشة، وتتفقد الطعام، وتسأل عزت إن كان يحتاج شيئًا، حتى بدا إفطارهم وقد أعدته بكل حبها، لا مجرد طعام على مائدة.

وكانت قد أعدت أصنافًا شهية مما اعتادوا أن يحبوه ويطلبوه منها، بل إنها لم تنسَ حتى ما كان باران يفضله من أطعمة وحلويات.

كلما لمحها باران، شعر بشيء غريب يضطرب في صدره.

كانت تجلس بعد أن تفرغ من خدمتهم جميعا، تأكل في خجل وأدب، ملتزمة بحجابها ونقابها، لا ترفع صوتها ولا تتدخل في حديث لا يعنيها، بينما تتبادل مع والديه الاحترام والمودة اللذين اعتادتهما منذ أن دخلت هذا البيت.

كانت تخدمهما بمحبة صادقة، وكأنها ابنة لهما لا امرأة دخلت البيت زوجة لابنهما.

ورغم أن باران حاول أن يشغل نفسه بطعامه، فإن كلمات أمه في الغرفة لم تفارق رأسه.

«أن تتزوج ديلان...»

تردد صداها في ذهنه مرة أخرى.

خفض عينيه إلى طبقه، محاولًا طرد الفكرة، لكنه حين رفعهما وجد ديلان تضع أمامه طبق الأطعمة التي يحبها.

قالت بصوت خافت:

ديلان: أعددتها كما تحب.

ثم عادت إلى مكانها دون أن تنتظر منه جوابًا.

توقف باران للحظة، ونظر إلى الطبق أمامه، ثم إليها.

لماذا كانت تجعل الأمر أكثر صعوبة؟،

لماذا كانت بكل تلك بساطة... ديلان نعم هي بمنتهى البساطة؟

بعد الإفطار، خرج باران مع والده لأداء صلاة التراويح.

كان الليل قد أرخى ستاره على الطرقات، والهواء يحمل شيئًا من السكون الذي يسبق ساعات الليل الطويلة، وبعد الصلاة، وبينما كانا في طريق العودة، أشار عزت إلى أحد المقاهي وقال:

عزت: تعال يا بني، اجلس معي قليلًا.

نظر باران إلى والده، وفهم فورًا سبب طلبه.

جلس الاثنان في مكان هادئ، وبعد أن طلب عزت شيئًا يشربانه، بقي صامتًا للحظات، وكأنه يبحث عن المدخل المناسب للحديث.

لكن باران سبقه، وقال بهدوء:

باران: أعلم ما الذي تود أن تحدثني بشأنه يا أبي... أمي أخبرتني.

رفع عزت عينيه إليه وسأله مباشرة:

عزت: وما رأيك؟.

تنهد باران، ثم قال:

باران: لست موافقًا يا أبي، لا يمكنني الزواج بأرملة أخي، ولا أرى سببًا يجبرني على ذلك، مراد لم يترك أولادًا حتى نقول إنهم بحاجة إلى من يتكفل بتربيتهم، ولا أرى أن هناك ما يدفعني إلى الزواج بها، أرى أن تعود ديلان إلى بيت والدتها، وإذا ظهرت مشكلة، يمكننا أن نجد لها حلًا آخر.

ظل عزت ينظر إليه طويلًا، ثم قال:

عزت: ديلان لا يمكنها العودة إلى بيت والدتها.

رفع باران حاجبيه.

باران: ولماذا؟.

أجابه عزت بنبرة حازمة:

عزت: لا يمكنها العودة ألى هناك ، ولأنني لا أستطيع أن أتركها عرضة لأي مكروه، ديلان أمانة تركها مراد بين أيدينا، وأنا أحبها كما أحب ابنتي، ومن واجبي أن أحميها وأحافظ عليها.

قال باران، وفي صوته شيء من الاعتراض:

باران: وهل حمايتها والمحافظة عليها لا تكونان إلا بزواجي منها؟.

أجاب عزت دون تردد:

عزت: نعم.

ثم مال قليلًا نحوه وقال:

عزت: لا يمكنني أن أطمئن عليها إلا إذا كانت أمام عيني، أريد أن أعرف أنها بخير، وأن أحدًا لا يستطيع أن يؤذيها أو يستغل ضعفها.

صمت لحظة، ثم ضيّق عينيه وهو يراقب ابنه:

عزت: لكنني أشعر أن هناك سببًا آخر وراء إصرارك على الرفض... سبب لا تريد الإفصاح عنه.

ظل باران صامتًا.

وكأن كلمات أبيه أصابت المكان الذي كان يخفيه في أعماقه.

ثم قال أخيرًا:

باران: نعم... هناك سبب آخر.

عزت: وما هو؟.

خفض باران عينيه، ثم قال:

باران: أنا أحب فتاة أخرى، وأريد الزواج منها.

تغيرت ملامح عزت قليلًا.

عزت: ومن هذه الفتاة؟ هل نعرفها؟.

هز باران رأسه:

باران: لا.

عزت: ومن أين تعرفت عليها؟.

باران: منذ كنت في الجامعة.

تطلع إليه عزت باستغراب أكبر.

عزت: الجامعة قبل ان تسافر ام الجامعة حيث سافرت؟، وأين تسكن؟، وما اسمها؟ لنتعرف إليها أولًا وعلى عائلتها.

تردد باران للحظة، ثم قال:

باران: قبل ان أسافرثم أنا لا أعرف اسمها.

حدق عزت فيه غير مصدق.

عزت: ماذا؟.

باران: ولا أعرف أين تسكن.

ساد صمت ثقيل.

ثم قال عزت بذهول:

عزت: هل تقول لغزا !!؟، فتاة لا تعرف اسمها ولا أين تسكن، وتريد الزواج منها؟!، وكيف يعقل هذا يا بني؟، كيف ستعثر عليها في هذه المدينة؟، وهل تعرف أصلًا إن كانت ما تزال هنا؟، ربما تزوجت منذ سنوات، وربما أصبحت أمًا الآن، وأنت لا تعلم عنها شيئًا!.

انتفض باران وكأن احتمالًا كهذا آلمه بشدة:

باران: لا يمكن أن تكون قد تزوجت!.

قالها بثقة لم تكن تستند إلى شيء سوى الأمل.

لكن عزت لم يترك له مجالًا للهروب من الحقيقة:

عزت: وكيف تعرف ذلك؟، هل تحدثت معها؟، هل أخبرتها يومًا أنك تحبها؟، هل قالت لك إنها تنتظرك؟.

صمت باران.

عزت: فتاة رأيتنا منذ سنوات، وأنت لا تعرف حتى اسمها يا بني!.

ظل باران عاجزًا عن الرد.

تابع عزت:

عزت: وربما أعجبك مظهرها يوم رأيتها، وربما رسمت لها صورة في خيالك طوال هذه السنوات، لكن ماذا تعرف عن أخلاقها؟، ماذا تعرف عن شخصيتها؟، ماذا تعرف عن حياتها؟، قد تكون مختلفة تمامًا عما تتخيل.

ثم قال بنبرة هادئة:

عزت: أما ديلان، فنحن نعرفها، عشنا معها، ورأينا أخلاقها، وصبرها، وطيب قلبها حتى انها جميلة جدا، وجمال أخلاقها ينعكس أيضا على خلقتها، رأينا ما فعله مراد بها، ورأينا كيف تحملت وصبرت ولم تفضح زوجها ولم تهدم بيتها.

تنهد عزت، وأضاف:

عزت: وبصراحة يا بني، لا أظن أنك ستجد امرأة أفضل منها بسهولة، لا أقول هذا لأنني أريد تزويجك بها فقط، بل لأنني رأيت ديلان بعيني وعشرناها قرابة سنة، هي زوجة صالحة، وامرأة عفيفة، وصاحبة خلق.

ثم أمسك كوبه وقال:

عزت: فكر جيدًا، ولا تجعل كونها كانت زوجة أخيك يحجب عنك حقيقتها، انظر إليها كما هي، لا كأنها كانت يوما زوجة لمراد، ثم إستخر الله بين تلك الفتاة وبين ديلان، وأكيد ان الله تعالى سيدلك على الانسب لك منهن.

ظل باران صامتًا طويلًا.

كان حديث أبيه يفتح أمامه أبوابًا حاول طوال الوقت أن يغلقها.

وأخيرًا زفر الهواء من رئتيه، وقال:

باران: حسنًا يا أبي... سأخذ بنصيحتك.

رفع عزت عينيه إليه.

تابع باران:

باران: سأفكر فيها على أساس أنها ليست زوجة أخي، وسأصلي صلاة إستخارة.

عاد باران إلى المنزل، وما إن دخل شقته حتى اتجه مباشرة إلى غرفته.

أغلق الباب خلفه، وأسند ظهره إليه لحظات.

كان رأسه يعج بالأفكار.

جلس على حافة السرير، وأخذ يفكر في تلك الفتاة التي احتلت جانبًا من قلبه طوال تلك السنوات.

أين هي الآن؟،

هل ما زالت تتذكره؟،

هل كانت تعرف أصلًا أنه أحبها؟،

هو لم يخبرها شيئًا،

لم يعرف اسمها، ولم يعرف عنوانها، ولم يتحدث معها حتى ليعرف إن كانت تحمل له الشعور نفسه،

فكيف ظل متعلقًا بها كل هذه المدة؟.

وللمرة الأولى سمح لفكرة والده أن تتسلل إلى عقله:

ماذا لو كانت قد تزوجت؟.

أغمض عينيه بألم.

ربما كان يعيش على ذكرى فتاة لم تعد موجودة في المكان الذي تركها فيه،

وربما كان ينتظر امرأة أصبحت زوجة لرجل آخر، بينما هو لا يعرف عنها حتى اسمًا.

فتح عينيه، ثم تذكر ديلان،

امرأة يعرفها جيدًا،

امرأة عاش معها في البيت نفسه، ورأى أخلاقها، وراى كيف تتعامل نع والديه، ورأى صبرها على أخيه في أصعب الظروف.

قال والده الحقيقة التي كان يهرب منها:

ديلان زوجة صالحة، لا يعيبها شيء.

لكنها...

أرملة أخيه.

كانت تلك الكلمة تقفز دائما ألى عقله، ظل يصارع هذه الفكرة طويلًا.

حتى نهض أخيرًا، وتوضأ، وفرش سجادته.

وقف بين يدي الله، وفي قلبه حيرة لم يجد لها مخرجًا.

لم يكن يريد أن يختار بناءً على ضغط والدته أو رغبة والده، ولا أن يتخذ قرارًا يندم عليه لاحقًا.

لذلك رفع يديه بعد صلاته، وسأل الله أن يدله على الخير.

ومنذ تلك الليلة، جعل الاستخارة ملجأه.

كل ليلة، كان يتوضأ، ويفرش سجادته، ويقف بين يدي ربه، ثم ينام دون أن ينتظر حلمًا أو علامة واضحة.

مرت ليلة...

ثم ثانية...

ثم ثالثة...

ولم يرَ منامًا، ولم يحدث شيء خارق كما كان يتخيل.

لكن شيئًا آخر بدأ يحدث داخله.

كلما فكر في ديلان، شعر براحة غريبة تسري في صدره.

وكلما استعاد حديث والديه، لم يعد يشعر بالنفور نفسه الذي شعر به في البداية.

أما صورة الفتاة التي أحبها قديمًا، فبدأت تتراجع شيئًا فشيئًا أمام الواقع.

ثلاث ليالٍ مرت، وفي كل ليلة كان يسأل الله التوفيق.

وفي صباح اليوم الرابع، كان باران يستعد للذهاب إلى عمله.

وقبل أن تنزل ديلان لتبدأ يومها مع عائشة، وقف أمام باب غرفة والدته لحظات، ثم طرق الباب.

باران: أمي هل انت مستيقظة.

جاءه صوتها:

عائشة: تفضل يا بني.

دخل باران، فرفعت عائشة رأسها نحوه.

وما إن رأت ملامحه حتى شعرت أن شيئًا ما قد تغير.

قالت:

عائشة: هل هناك أمر يا بني؟.

جلس باران أمامها، وبقي صامتًا لثوانٍ.

ثم قال بهدوء:

باران: أمي...

اقتربت منه عائشة بقلق:

عائشة: نعم؟.

رفع عينيه إليها، وقال:

عائشة: إنني موافق.

تجمدت عائشة في مكانها.

عائشة: موافق على ماذا؟.

تنفس باران بعمق، ثم قال الكلمات التي غيّرت مسار حياته:

باران: موافق على الزواج من ديلان.

اتسعت عينا عائشة، ولم تستطع للحظات أن تخفي تأثرها.

ثم اقتربت منه، وأمسكت يده بحنان، وقالت بصوت خافت امتزجت فيه الفرحة بالدعاء:

عائشة: أسأل الله أن يكتب لكما الخير يا بني.

أما باران، فظل صامتًا.

لم يكن يعرف ماذا تخبئ له الأيام القادمة.

لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا...

أنه اتخذ قراره بعد أن ألقى أمره إلى الله، وأن ديلان لم تعد في نظره مجرد زوجة أخيه.

لقد بدأ ينظر إليها للمرة الأولى...

كامرأة قد تصبح يومًا زوجته.

تعليقات



<>