
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والاربعون42 بقلم عاشقة القلم
✍️ما إن أبلغ باران الجميع بقراره الزواج من ديلان، حتى خرج متوجهاً إلى عمله كعادته، إلا أن خطواته هذه المرة لم تكن تشبه كل يوم؛ فقد كان يسير مثقلاً بأفكاره، وكأن القرار الذي اتخذه قد أصبح حملاً ثقيلاً يستقر فوق صدره.
كان السؤال يتردد في داخله بإلحاح لا يهدأ:
هل أخطأت؟، هل تسرعت؟، أم أنني فعلت ما كان ينبغي لي فعله منذ البداية؟.
ظل صامتاً للحظات، ثم هز رأسه كأنه يريد أن يطرد تلك الأفكار التي بدأت تنهش يقينه، وتمتم لنفسه بصوت خافت:
باران: الخيرة فيما اختاره الله... هو يعلم ونحن لا نعلم، وله في كل أمر حكمة.
قالها محاولاً أن يطمئن قلبه قبل أن يقنع عقله.
لم يكن تردده بسبب ديلان نفسها، فلطالما عرف أنها فتاة نادرة، من أولئك النساء اللواتي يتمناهن ألف رجل؛ أخلاقاً وخلقاً، أدباً وحياءً، وقلباً لم تفسده قسوة الأيام رغم كل ما مرّت به.
ولم يكن زواجها السابق عائقاً بالنسبة إليه أيضاً.
كان هو أكثر من يعرف ظروفها، وأكثر من رأى بعينيه شيئاً من المعاناة التي عاشتها مع مراد، وإن كان يجهل تفاصيل حياتها الخاصة معه، لكنه لم يكن من أولئك الذين يحاسبون امرأة على ماضٍ لم يكن لها فيه ذنب، ولم يرَ في كونها أرملة عيباً ينتقص منها أو يقلل من شأنها.
فديلان لم تكن المشكلة...
المشكلة كانت فيه هو،
في قلبه الذي لم يكن خالياً،
ذلك القلب الذي ظل، رغم مرور السنين، أسيراً لامرأة أخرى... لفتاة سكنت أعماقه منذ سنوات، وترك غيابها فراغاً لم تستطع الأيام أن تملأه.
زفر باران ببطء، وأطرق رأسه،
كان يعلم أنه مقبل على زواج قد يكون فيه الكثير من المسؤوليات، وأن ديلان لا تستحق أن تدخل حياته وهي تجهل الحقيقة، لا يريد أن يخدعها، ولا أن يمنحها أملاً كاذباً، ثم يتركها تكتشف بعد فوات الأوان أن قلبه كان في مكان آخر.
لذلك حسم أمره،
سيتحدث إليها الليلة،
بعد الإفطار، سيجلس معها ويخبرها بكل شيء، بلا مواربة ولا تجميل، سيخبرها أن في قلبه امرأة أخرى، وأنه لا يستطيع أن يعدها بحب لا يملكه، ولا أن يتظاهر أمامها بمشاعر لم تولد في قلبه.
لكنه، في المقابل، سيعدها بشيء يستطيع الوفاء به...
أن يعاملها بما يرضي الله،
أن يصونها ويحفظ كرامتها، وأن يمنحها حقها كاملاً كزوجة، وألا يظلمها أو يجعلها تدفع ثمن مشاعر لم تخترها هي ولم يخترها هو.
أما الحب...
فالحب ليس قراراً يتخذه الإنسان متى شاء، ولا أمراً يستطيع القلب أن يخضعه للأوامر.
وقد كان باران صادقاً مع نفسه إلى حد الألم؛ فهو لا يستطيع أن يجبر قلبه على حب امرأة بينما قلبه ما زال معلقاً بأخرى، في حين لايستطع ان يخدع اخرى ويهيمها بشيء ليس له سلطة عليه وليس بيديه.
رفع عينيه إلى باب شقة اخيه في الاعلى للحظة، ثم أطلق زفيراً عميقاً خرج من أعماق صدره، وكأنه يفرغ معه شيئاً من ثقل أفكاره.
باران: سامحيني يا ديلان... لكنني لن أخدعك.
ثم أغلق الباب خلفه، وبقي واقفاً للحظة في الممر، ينظر إلى الأعلى بشرود، قبل أن يستدير ويبدأ بالنزول عبر الدرج.
كان صوت خطواته يتردد في المكان، بينما كان عقله قد سبق جسده إلى تلك المواجهة التي تنتظره مساءً.
كان يعرف أن حديثه مع ديلان لن يكون سهلاً...
وربما كان سيكسر شيئاً في قلبها،
لكنه كان يؤمن أن الحقيقة، مهما كانت قاسية، أرحم من حياة تُبنى على وهم.
ومع كل درجة كان يهبطها، كان يشعر أن المسافة بينه وبين تلك المواجهة تقترب...
حتى اختفى في نهاية الدرج، متوجهاً إلى عمله، وقلبه يحمل قراراً ثقيلاً لا يعلم بعدُ إلى أين سيقوده.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في غرفة عائشة، وما إن خرج باران وأغلق الباب خلفه، حتى اهتز هاتفها الموضوع إلى جوار سريرها فوق الطاولة الصغيرة.
مدّت يدها إليه والتقطته، ثم وضعته على أذنها بعدما فتحت الخط من دون أن تنظر حتى إلى اسم المتصل؛ فقد كانت تعرفه جيداً، منذ أن انتقلت هازان إلى بيت زوجها، اعتادت أن تتصل بوالدتها في الصباح، فور خروج زوجها إلى عمله، مستغلة الساعات الهادئة التي يخلد فيها أطفالها إلى النوم، فتطمئن عليها وتحادثها قليلاً.
عائشة: ألو... صباح الخير.
هازان: ألو، صباح الخير يا أمي، كيف حالك اليوم؟.
ابتسمت عائشة ابتسامة هادئة، وقالت:
عائشة: أنا بخير والحمد لله على نعمه علينا.
لكن هازان، التي اعتادت أن تلتقط أدق التفاصيل في نبرة والدتها، شعرت بشيء مختلف هذه المرة.
هازان: له الحمد والشكر... لكن ماذا هناك يا أمي؟، أشعر أن نبرة صوتك مختلفة اليوم.
اتسعت ابتسامة عائشة، وكأنها لم تستطع إخفاء السعادة التي ملأت قلبها.
عائشة: لا يا ابنتي، ليس هناك شيء... فقط إنني سعيدة قليلاً.
هازان: وأنا شعرت بذلك يا أمي، وهل يمكنني معرفة ما الذي يسعدك إلى هذه الدرجة؟.
صمتت عائشة لحظة، ثم قالت بنبرة تحمل شيئاً من التشويق:
عائشة: الموضوع الذي أخبرتك عنه منذ أيام.
ساد الصمت للحظات في الطرف الآخر، قبل أن يأتي صوت هازان متردداً:
هازان: أما زلتِ مصرة عليه يا أمي؟.
عائشة: نعم... ولقد تحدثت مع أخيك، وقد وافق.
شهقت هازان بدهشة، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو.
هازان: ماذا؟!، وافق باران على الزواج من ديلان؟! ، هل أنتِ متأكدة من ذلك؟.
ضحكت عائشة بخفة.
عائشة: طبعاً متأكدة، هو بنفسه أخبرني بذلك قبل قليل، وقبل أن يذهب إلى عمله.
ازدادت دهشة هازان، ثم قالت باستنكار:
هازان: أيُعقل أنه وافق بإرادته ومن دون ضغط؟، أكيد أنك ضغطتِ عليه يا أمي!.
هزت عائشة رأسها رغم أن ابنتها لا تراها، وأجابت بهدوء:
عائشة: لم أضغط عليه، بل على العكس تماماً، تحدثت معه قبل ثلاثة أيام، ثم تركته ولم أفتح الموضوع معه مرة أخرى، واليوم، تفاجأت به يطرق باب غرفتي. دخل وجلس إلى جواري على السرير، ثم أخبرني بنفسه أنه موافق على الزواج منها.
ساد الصمت من جديد، قبل أن تتمتم هازان بعدم تصديق:
هازان: لا أصدق ذلك يا أمي... إذن فعلتها!.
ثم تغيرت نبرتها وهي تقول:
هازان: لكن يا أمي، باران شاب أعزب، ومن حقه أن يتزوج بفتاة لم يسبق لها الزواج، فتاة تشبهه في ظروفها، وليست أرملة.
تنهدت عائشة، ولم تكن مستعدة لأن تسمح لهذه الفكرة أن تنتقص من ديلان ولو بكلمة.
عائشة: وماذا في كونها أرملة؟، إنها أرملة أخيه، وليست امرأة غريبة عنا، وهل تظنين أنه حين يتزوج فتاة لا نعرفها ولا نعرف أصلها وطباعها، ويترك ديلان تكون افضل منها؟، بصراحة، لن يجد زوجة أفضل منها، هي ما زالت صغيرة، لم تتجاوز الثانية والعشرين، جميلة، خلوقة، ولم أرَ فيها يوماً ما يعيبها.
هازان: لكنها أرملة يا أمي... وقد سبق لها الزواج.
توقفت عائشة قليلاً، ثم سألتها بنبرة أكثر جدية:
عائشة: وهل أنتِ معترضة على ديلان؟.
أسرعت هازان بالنفي:
هازان: لا يا أمي، أبداً، أنا أحب ديلان، وأتمنى لها أن تتزوج رجلاً صالحاً يناسبها، وهي كما وصفتِها تماماً، لكن... لا أدري، عقلي لم يتقبل بعد فكرة أن تصبح زوجة باران بعدما كانت زوجة مراد.
تنفست عائشة بعمق، وقالت بنبرة تحمل قدراً من التفهم:
عائشة: وهل تظنين أن الأمر سهل علينا نحن أيضاً؟، أو عليها؟، بالطبع ليس كذلك، لكن هذه هي الحياة يا ابنتي، بعض الظروف تضعنا أمام أمور لم نكن نتخيل يوماً أننا سنعيشها، وفي البداية تبدو غريبة وثقيلة على القلب... ثم يعتادها الإنسان مع الوقت.
صمتت هازان قليلاً، وكأنها كانت تحاول أن تتخيل الأمر بعيني باران وديلان معاً.
هازان: بصراحة يا أمي، مهما كان الأمر صعباً علينا نحن، فلن يكون صعباً كما سيكون عليهما، كيف سينظر إليها باران على أنها زوجته بعدما كان يراها زوجة أخيه؟، وكيف ستنظر ديلان إليه كزوج بعدما كانت تراه أخاً لزوجها؟.
ثم زفرت بحيرة وأضافت:
هازان: الوضع أصعب عليهما بكثير... ولا أدري كيف سيتمكنان من التأقلم معه.
ابتسمت عائشة بحنان، وقالت:
عائشة: لهذا قلت لك إن الأمر يحتاج إلى وقت، في البداية سيكون كل شيء غريباً، وربما ثقيلاً على نفسيهما، لكن المعاشرة الطيبة، والاحترام، وحسن العشرة... كل ذلك قادر على أن يغيّر الكثير، سيعتادان على حياتهما الجديدة يوماً بعد يوم، وربما يأتي يوم لا يعودان فيه يتذكران كم كان الأمر غريباً في بدايته.
تنهدت هازان، ثم قالت:
هازان: أدعو الله أن يكون الأمر كما تقولين يا أمي.
وفجأة جاء صوت خافت من الطرف الآخر، فالتفتت هازان نحو مصدره، ثم قالت:
هازان: سأتركك الآن يا أمي، لقد استيقظ مراد.
ثم تذكرت أمراً مهماً، فسألتها قبل أن تنهي المكالمة:
هازان: لكنك لم تخبريني... ماذا عن ديلان؟، هل تحدثتِ معها؟.
أجابت عائشة بهدوء:
عائشة: لا، لم أفعل، كنت أريد أن أعرف رأي باران أولاً، فهو في ظني الطرف الأصعب في هذه المسألة، أما ديلان، فسأتحدث معها اليوم.
هازان: حسناً يا أمي، سأتركك الآن، لكن لا تنسي أن تخبريني بما ستقوله لكِ.
ضحكت عائشة بخفة:
عائشة: لن أنسى، اطمئني.
هازان: مع السلامة يا أمي.
عائشة: في أمان الله يا ابنتي.
انتهت المكالمة، وأنزلت عائشة الهاتف ببطء، ثم بقيت تحدق في شاشته للحظات.
اختفت ابتسامتها شيئاً فشيئاً، وحل محلها شرود عميق.
كان عليها الآن أن تتحدث مع ديلان...
والأمر معها لن يكون سهلاً.
فهي لا تريد أن تدفعها إلى زواج جديد، ولا أن تجعلها تشعر بأنها مجبرة على قبول رجل لم تتخيله يوماً زوجاً لها، كانت تريد فقط أن تعرف ما يختبئ خلف صمتها، وما إذا كان قلبها قادراً على تقبل حياة جديدة إلى جانب باران.
وضعت عائشة الهاتف فوق الطاولة، ثم رفعت عينيها نحو الباب الذي خرج منه باران قبل قليل.
تنهدت وهي تتمتم:
عائشة: يا رب... إن كان في هذا الزواج خير لهما، فقرّب بين قلبيهما، وإن كان غير ذلك، فاصرفه عنهما برحمتك.
ثم بقيت للحظات غارقة في أفكارها، وهي تعلم أن الحديث القادم مع ديلان قد يكون أصعب حديث ستجريه معها منذ أن دخلت هذه الفتاة حياتهم.
________
________________
بعد أن استيقظت ديلان كعادتها كل صباح، أدّت صلاة الضحى، ثم ارتدت ملابسها وتجهزت للنزول إلى شقة عائشة، كانت خطواتها هادئة، تحمل معها ذلك الروتين اليومي الذي اعتادت عليه منذ أن أصبحت تقضي معظم نهارها بين أفراد هذه العائلة.
وما إن طرقت الباب حتى فُتح لها، لتستقبلها عائشة بابتسامة عريضة أشرقت على وجهها، وهي تهتف:
عائشة: صباح الخير يا ابنتي، ادخلي، وانزعي حجابك ونقابك، فلا يوجد أحد، باران ووالدك عزت ذهبا إلى أعمالهما ككل يوم.
ردت ديلان التحية، ثم ولجت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها. نزعت حجابها ونقابها، وعلّقتهما على المشجب القريب من المدخل، استعداداً لبدء يومها كما اعتادت.
لكنها لم تخطُ سوى خطوات قليلة حتى شعرت بيد عائشة تمسك بيدها.
عائشة: تعالي يا ديلان... أريد أن أحدثك في أمر مهم قبل أن تبدئي أعمال المنزل.
توقفت ديلان في مكانها،
لم تكن الجملة عادية بالنسبة إليها.
شعرت بوخزة مفاجئة في قلبها، وكأن شيئاً في داخلها استشعر الخطر قبل أن تعرفه.
هل ستحدثها أخيراً عن العدة؟،
منذ أن فتحت دنيز ذلك الموضوع أمامها، وهي تنتظر أن تتحدث معها عائشة بشأن بقائها في المنزل بعد انتهاء عدتها. وحين طال صمتها، بدأت ديلان تظن أنها ربما نسيت الأمر، أو أنها قررت أن تؤجل الحديث عنه.
لكن الآن...
يبدو أنها لم تنسه.
جلست ديلان إلى جوارها، بينما ظلت عائشة ممسكة بيدها، ثم راحت تربت عليها بحنان، كانت ديلان شاردة، تحدق في وجهها، وقلبها يزداد خفقاناً مع كل ثانية تمر.
وكأن عائشة شعرت بما يدور في رأسها، فقالت:
عائشة: أردت أن أتحدث معك في موضوع مهم كنت قد أجلته، لكنني رأيت أن الوقت قد حان لأحدثك عنه.
اتسعت حدقتا ديلان، وتيبست أطرافها قليلاً.
لم تعد تسمع سوى دقات قلبها.
هل حان الوقت؟،
هل انتهى أمانها هنا؟،
هل ستطلب منها عائشة أن تترك البيت؟،
مجرد الفكرة كانت كفيلة بأن تخنق أنفاسها.
إن خرجت من هنا، فأين ستذهب؟.
العودة إلى بيت أمها تعني العودة إلى ذلك الكابوس الذي حاولت جاهدة أن تدفن ذكرياته، والعيش وحدها كان ضرباً من المستحيل، فكيف ستواجه الناس وحدها، وكيف ستتحمل نظراتهم وألسنتهم؟.
كانت عائشة تراقب التوتر المرتسم على وجهها، فاستأنفت حديثها بهدوء:
عائشة: لقد تحدثت مطولاً مع والدك عزت بشأن وضعك، وخصوصاً أن عدتك من مراد انتهت منذ أكثر من أسبوع، ولم يعد لك من الناحية الشرعية والاجتماعية ما يبرر بقاءك في البيت، حتى وإن كنا نحن نريدك أن تبقي معنا، ونتمنى ذلك من أعماق قلوبنا.
شعرت ديلان وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
خفضت عينيها، وأطبقت أصابعها بعضها على بعض، بينما تابعت عائشة:
عائشة: لا الشرع ولا أعراف الناس سترحمنا، وربما لأننا في رمضان لم ينتبه أحد إلى الأمر، لكن ما إن ينتهي الشهر حتى ستبدأ الأعين في السؤال، والألسنة في الحديث، ونحن لا نرضى أبداً أن تصبح سيرتك على كل لسان، أو أن يتحدث الناس عنك بما لا يليق بك.
رفعت ديلان عينيها إليها، وفيهما خوف صامت.
كانت كل كلمة تسمعها تؤكد مخاوفها.
لكن عائشة لم تكن قد انتهت،
اقتربت منها أكثر، وقالت بنبرة مطمئنة:
عائشة: لذلك فكرنا في أمر يخرس كل تلك الألسنة، ويحفظ لك كرامتك، ويضمن لك أن تبقي بيننا مرفوعة الرأس... دون أن يكون لأحد حجة عليك أو علينا.
نظرت ديلان إليها باستغراب.
ديلان: وما هو؟.
ارتسمت على وجه عائشة ابتسامة هادئة، ثم قالت:
عائشة: زواجك من باران.
شهقت ديلان، واتسعت عيناها حتى بدتا كأنهما لا تصدقان ما سمعته أذناها.
ديلان: ماذا؟! أيعقل ذلك؟.
ضحكت عائشة بخفة، ومدت يدها تمسح على يدها.
عائشة: ولم لا يا ابنتي؟، أنت ما زلت شابة وجميلة، وألف رجل يتمنى الزواج منك، وأنا لن أجد لابني باران زوجة أفضل منك.
تسارعت أنفاس ديلان.
للحظة واحدة فقط...
نسيت كل شيء.
نسيت خوفها، وعدتها، ونظرات الناس، وحتى الماضي الذي كان يطاردها.
باران...
هل قالت عائشة حقاً... باران؟،
هل يمكن أن يصبح الرجل الذي أحبته لسنوات زوجاً لها؟،
هل يمكن أن يتحول ذلك الحلم المستحيل إلى حقيقة؟،
تراقص قلبها في صدرها، وكأن أحداً أشعل فيه نوراً بعد سنوات طويلة من العتمة.
خلال الشهور الماضية، كانت قد لمست عن قرب طيبة باران وحنانه، ورأت نبل أخلاقه في معاملته لها، وكم كان حريصاً على احترامها وحفظ كرامتها، رغم أنها كانت زوجة أخيه.
فكيف سيكون معها إن أصبحت زوجته؟،
كيف سينظر إليها؟،
كيف سيعاملها؟،
وكيف سيكون شعورها وهي تستيقظ كل صباح وهي تعلم أن الرجل الذي أحبته طوال تلك السنوات أصبح زوجها؟.
لكن الفرح لم يدم طويلاً...
سرعان ما ارتطم عقلها بالحقيقة التي كانت تحاول الهرب منها.
هو لا يعرفني.
لا يعرف أنني أنا...
هي الفتاة التي سكنت قلبه سنوات.
هي التي قضى وقتاً طويلاً يبحث عنها.
هي التي ما زال قلبه متعلقاً بها حتى الآن.
والآن...
ها هي أمامه، وقد أصبحت أرملة أخيه.
تجمدت ابتسامتها قبل أن تولد، وانطفأ بريق عينيها، وكأنها تذكرت فجأة أن بين الحلم والحقيقة جبلاً من الأسرار.
خفضت عينيها، ثم قالت بصوت خافت:
ديلان: لا... لا يمكن ذلك.
نظرت إليها عائشة بدهشة.
ديلان: لن أثقل عليكم، ولا على باران، أمهلوني حتى ينتهي هذا الشهر، وسأبحث عن مكان أبقى فيه، وسأبحث عن عمل أيضاً. سأعود إلى المدرسة وأسأل إن كانوا يسمحون لي بالعودة إلى التدريس، وعندها يمكنني أن أبقى في سكن الطالبات إن كان هناك مكان شاغر.
هزت عائشة رأسها، وقالت بحزم ممزوج بالحنان:
عائشة: ولماذا تبحثين عن الحل الأصعب وهناك حل سهل أمامك؟، حل يحفظك ويحفظ كرامتك، ويجعلك تبقين بيننا... أم أنك لا تريدين البقاء معنا؟.
رفعت ديلان عينيها بسرعة.
ديلان: بل أتمنى أن أبقى بينكم!.
ارتجف صوتها، وأمسكت بكفيها بيد عائشة.
ديلان: أنتم أهلي... ولم أشعر بدفء العائلة ولا بالأمان إلا بينكم، لكنني لا أستطيع أن أفرض نفسي على باران، لو كان الوضع مختلفاً، لعدت إلى بيت أمي، لكنك تعلمين ما هناك... ومستحيل أن أعود إليه، أفضل الموت على ذلك، وأنت تعلمين هذا جيداً.
ابتلعت غصتها، ثم تابعت والدموع تلمع في عينيها:
ديلان: وحتى لو وجدت مكاناً مناسباً لي، لا يمكنني استئجار بيت والعيش وحدي، لن ترحمني ألسنة الناس، ولا النفوس المريضة التي ستجد في امرأة أرملة تعيش وحدها فريسة سهلة للكلام.
قاطعتها عائشة بحنان:
عائشة: ولهذا عرضت عليك الزواج من ابني، لتبقي أمام عيني، وبيننا، نحميك ونرعاك. وباران لن يظلمك، فأنت تعرفين أنه ليس رجلاً عصبياً أو قاسياً مثل مراد، وقد شهدتِ بنفسك كيف كان يعاملك ويحترمك.
صمتت ديلان.
ثم خرج السؤال الذي كان يخيفها أكثر من أي شيء آخر:
ديلان: ولكن... هل سيقبل باران أن يتزوج أرملة أخيه؟.
عندها ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه عائشة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال تحديداً.
عائشة: لقد سألته.
تجمدت ديلان.
عائشة: وهو موافق.
انفرج فم ديلان من شدة الصدمة.
ديلان: ماذا؟!.
عائشة: وافق يا ابنتي، أخبرني بموافقته هذا الصباح، قبل أن يذهب إلى عمله.
ثم أمسكت عائشة بيدها وضغطت عليها بحنان، وقالت:
عائشة: والآن... ما رأيك أنت؟، هل توافقين؟.
لم تجب ديلان.
كانت كلمات عائشة قد ألجمتها تماماً.
باران وافق.
كانت الجملة وحدها كفيلة بأن تجعل قلبها يرقص فرحاً، لكنها في الوقت نفسه أيقظت كل مخاوفها دفعة واحدة.
فماذا سيحدث عندما يراها باران ويكتشف من هي؟.
سيطلب منها، بالتأكيد، أن تكشف عن وجهها ليراها، وهذا حقه.
وعندها...
عندها سيكتشف الحقيقة.
سيعرف أن المرأة التي أحبها سنوات، والتي ظل يبحث عنها، كانت أمام عينيه طوال هذا الوقت،
سيعرف أنها هي،
ديلان،
زوجة أخيه الراحل.
فماذا سيفعل؟،
هل سيتراجع عن قراره؟،
هل سيشعر بالخداع؟،
هل سيغضب منها لأنها أخفت عنه حقيقتها؟،
أم أن مشاعره القديمة ستنتصر على صدمته؟،
لم تكن تعرف.
ولأول مرة، شعرت أن الحلم الذي طالما تمنت تحقيقه قد يصبح هو نفسه سبب سقوطها.
رفعت رأسها أخيراً، ونظرت إلى عائشة بعينين غارقتين في الحيرة.
ديلان: الأمر صعب... وأحتاج إلى أن أفكر.
هزت عائشة رأسها بتفهم.
عائشة: بالطبع، ومن حقك أن تفكري، لن أجبرك على شيء.
ثم صمتت لحظة، قبل أن تضيف بصوت اختلط فيه الرجاء بالخوف:
عائشة: لكنني أتمنى ألا تخذليني وتوافقي... فقد أصبحت لا أستطيع، ولا أحتمل، فكرة فراقك.
كانت تلك الكلمات آخر ما استطاعت ديلان احتماله.
انكسرت مقاومتها، وارتمت في أحضان عائشة، مطلقة العنان لدموع ظلت تحبسها طويلاً.
احتضنتها عائشة بقوة، وراحت تمسح على ظهرها بحنان، بينما كانت ديلان تبكي بصمت.
لم تكن دموعها حزناً وحده...
كانت دموع فرح خائف،
وأمل لا تجرؤ على تصديقه،
وحب قديم يقف على عتبة الحقيقة،
كانت بين خيارين، كلاهما يؤلمها...
أن تفرح وتقبل، فتقترب من الرجل الذي تمنته طوال حياتها، ثم تواجه اللحظة التي سيكتشف فيها حقيقتها...
أو أن تصغي إلى عقلها، ترفض هذا الزواج، وتبتعد عنه قبل أن تتورط في مواجهة قد لا تعرف كيف تنجو منها.
وبين ذراعي عائشة، أغمضت ديلان عينيها، بينما كان سؤال واحد يمزق قلبها:
ماذا سيفعل باران عندما يعرف أنني أنا المرأة التي ظل يبحث عنها... وأنني في الوقت نفسه المرأة التي أصبحت أرملة أخيه؟.
~~~~~~~~~~~~~~~~~
في شقة إبراهيم، وتحديداً داخل غرفة دنيز، كانت تجلس على طرف سريرها والهاتف بين يديها، تحدق في شاشته بضيق وهي تعيد الاتصال بالرقم ذاته للمرة التي فقدت معها صبرها.
منذ ذلك اليوم وهي تحاول الوصول إلى مدحت، لكنه كان يتعمد، أو هكذا بدا لها، ألا يجيب على اتصالاتها، وكلما رن الهاتف طويلاً دون رد، كانت تشعر بالقلق يتسلل إلى صدرها؛ ليس خوفاً عليه، وإنما خشية أن تتعطل خطتها التي نسجتها بعناية.
عاودت الاتصال من جديد.
هذه المرة، وبعد عدة رنات، انفتح الخط أخيراً.
رفعت دنيز الهاتف سريعاً إلى أذنها، وما إن سمعت صوته حتى بادرت بالسؤال:
مدحت: ألو... نعم يا دنيز.
جاءها صوتها محملاً بالضيق:
دنيز: أين كنت؟، اتصلت بك مراراً ولم ترد.
تنهد مدحت من الطرف الآخر، ثم أجاب بفتور:
مدحت: اختصري يا دنيز، فأنا صائم ورأسي يؤلمني.
لم تهتم دنيز بنبرته، فالمهم بالنسبة إليها لم يكن حاله، وإنما ما إذا كان قد نفذ ما طلبته منه.
دنيز: ماذا فعلت فيما طلبته منك؟.
ساد صمت قصير، ثم أجاب مدحت:
مدحت: كنت مشغولاً، كان لدي عمل مهم خارج المدينة، ولم أتمكن من لقائه، كما أنني لم ألتقِ بكاظم بعد، لكنني سأراه اليوم بعد المغرب، سأنتظره أمام بيته وأخبره بكل شيء.
تغيرت ملامح دنيز، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، فقد بدا أن الأمور بدأت تتحرك أخيراً كما تريد.
دنيز: إذن يجب أن تنهي الأمر اليوم، ولا تؤجله أكثر، وبعد أن تتحدث إليه، أخبرني بما حدث.
مدحت: حسناً، سأغلق الخط الآن.
وقبل أن تضيف شيئاً، انقطع الاتصال.
أنزلت دنيز الهاتف عن أذنها ببطء، ثم أخذت تعبث به بين أصابعها، تارة تقلبه في يدها، وتارة تنظر إلى شاشته بشرود.
وبدلاً من القلق الذي كان يعتريها قبل دقائق، بدأت ابتسامة ماكرة تتسلل إلى وجهها.
كانت تظن أن خطتها تسير في الاتجاه الذي رسمته لها تماماً.
رفعت عينيها نحو المرآة المقابلة، وتأملت انعكاس وجهها للحظات، ثم اتسعت ابتسامتها أكثر.
لم تكن تفكر في العواقب...
كل ما كان يشغلها أنها اقتربت خطوة أخرى من تحقيق ما أرادته.
وقالت في سرها بثقة:
هذه المرة لن تنجو ديلان...
ثم أطلقت ضحكة خافتة، وعادت تعبث بهاتفها، غير مدركة أن بعض الخطط، مهما بدت محكمة، قد تنقلب على أصحابها في اللحظة التي يظنون فيها أنهم أحكموا السيطرة على كل شيء.
----**-----***-----**----
في المساء، حين عاد باران من عمله، كان التعب يثقل خطواته، إلا أن شيئًا ما دفعه إلى التوجه نحو المطبخ قبل أن يذهب إلى غرفته، وما إن اقترب من الباب حتى لمح ديلان واقفة أمام الموقد، منشغلة بإعداد الطعام، وقد أولته ظهرها دون أن تشعر بوجوده.
توقف عند عتبة الباب.
لم تكن ديلان ترتدي نقابها في تلك اللحظة سوى خمارا خفيفا تلفه حول وجهها، وربما كانت تلك أكثر لحظاتها اطمئنانًا، إذ لم يخطر ببالها أن يدخل باران إلى المطبخ، لم يكن من عادته أن يفعل ذلك، ولذلك استمرت في عملها غير عابئة بما يحدث خلفها.
أما باران، فبقي واقفًا مكانه، عاجزًا عن أن يخطو خطوة أخرى.
كانت عيناه معلقتين بها، وفي داخله صراع لم يجد له اسمًا. أراد أن يناديها، أراد أن يخبرها بما جاء من أجله، لكنه في اللحظة ذاتها أدرك أنه لم يكن ينبغي له أن يبقى هناك، وأن وجوده المفاجئ قد يضعها في موقف حرج لم تستعد له.
كانت ديلان قد شعرت ان شخصا يقف امام الباب، لم تلتفت ديلان وبقيت متسمرة أمام الموقد، شعرت بضيق و إحساس غريب يجتاحها، كانت تنتظر في اي لحظة يطلب منها ان تلتفت إليه، لكنها لم تكن مستعدة لتلك المواجهة.
وكأنها لو فعلت، لتوقف قلبها من شدة الذعر.
انتبهت عائشة إلى وجود ابنها، فخرجت إليه على الفور، وما إن رأته واقفًا عند باب المطبخ حتى أسرعت نحوه وقالت بصوت خافت:
عائشة: أتريد شيئًا يا بني؟، تعالَ لنتحدث في مكان آخر.
ظل باران للحظات ينتظر أن تلتفت ديلان، لكنه ما لبث أن خفض عينيه وأدار وجهه بعيدًا، ثم سمح لأمه بأن تسحبه معها خارج المطبخ.
وما إن ابتعدا حتى توقف باران وقال:
باران: لن أعطلك يا أمي، أردت فقط أن أعرف رأي ديلان... هل تحدثتِ إليها؟.
نظرت إليه عائشة بتأنٍّ، ثم أجابته:
عائشة: نعم، تحدثت إليها، لكنها لم تعطِني قرارها بعد.
تنحنح باران، وكأن الكلمات التي سيقولها أثقل مما أراد أن يُظهر، ثم قال:
باران: كنت أريد أن أتحدث معها بنفسي... حتى نتفق، وأبلغها بشروطي بوضوح، قبل أن تتخذ قرارها.
هزت عائشة رأسها بتفهم وقالت:
عائشة: حسنًا يا بني، سأخبرها بطلبك.
صمت باران لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر حسمًا:
باران: بعد عودتنا من صلاة التراويح، أريد أن أتحدث إليها.
ثم أردف، وقد بدا واضحًا أنه لا يريد أن يشعرها بأنها محاصرة أو أن يضعها تحت ضغط أحد:
باران: لكنني أريد أن نتحدث وحدنا، لذلك أريد أن نلتقي في غرفة الطابق الرابع، بعيدًا عن الجميع... حتى تستطيع أن تتحدث معي براحة، وتتخذ قرارها من دون أن تشعر أن أحدًا يراقبها أو يضغط عليها.
تأملت عائشة وجه ابنها، وشعرت أن خلف طلبه كلامًا كثيرًا لم يقله بعد، فأومأت بهدوء:
عائشة: سأخبرها يا باران، وليكن حديثكما بينكما، القرار في النهاية قرارها.
اكتفى باران بإيماءة قصيرة، ثم ابتعد عن المطبخ.
لكن قبل أن يغادر، ألقى نظرة عابرة نحو الباب الذي ترك خلفه ديلان تقف أمام الموقد، دون أن تعرف كم كان قريبًا من أن يكشف لها وجوده لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تربك قلبها وتبدل هدوء المساء كله.
-----***---***-----***---
بعد أذان المغرب، اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار، وكانت أجواء البيت تحمل شيئ من الهدوء الذي يسبق عاصفة لا يعلم أحد متى تهب، تناول الجميع طعامهم، ثم أدوا صلاة المغرب، وانشغل كل واحد منهم بما تبقى من استعدادات المساء.
وحين همَّ باران بالخروج مع والده لأداء صلاة التراويح، تذكر حديثه السابق مع والدته، فتوجه إليها قبل أن يغادر.
باران: أمي، هل أخبرتِ ديلان بما طلبته منك؟.
رفعت عائشة عينيها إليه، ثم وضعت ما في يدها جانبًا وقالت:
عائشة: لقد انشغلت يا بني ولم أجد فرصة لأخبرها، لكنني سأفعل الآن.
أومأ باران برأسه، ثم غادر مع والده متجهين إلى المسجد.
وما إن ابتعدا، حتى بحثت عائشة عن ديلان، فوجدتها في المطبخ ترتيب بعض الأواني. اقتربت منها، وجلست إلى جوارها، ثم قالت بهدوء:
عائشة: ديلان يا ابنتي، لقد طلب مني باران أن أخبرك أنه يريد أن يتحدث معك بعد صلاة التراويح في غرفته بالطابق الرابع.
توقفت يد ديلان عن الحركة للحظة.
كانت تعرف أن هذا الحديث قادم، ومع ذلك، حين سمعت كلام عائشة شعرت بقلبها يخفق بقوة داخل صدرها، رفعت عينيها نحوها، ثم أومأت برأسها وقالت:
ديلان: حسنًا يا أمي.
لم تضف شيئًا، لكن عائشة لمحت في عينيها شيئًا من القلق، فربتت على كتفها بحنان، ثم تركتها.
بعد وقت، عاد باران من صلاة التراويح برفقة والده عزت.
وبمجرد أن دخل عزت الشقة، اتجهت عائشة لاستقباله، بينما صعد باران مباشرة إلى الطابق الرابع.
أما عائشة، فما إن رأت زوجها يدخل حتى التفتت إلى ديلان التي كانت تجلس في هدوء، وقالت لها:
عائشة: ديلان، خذي بعض الحلوى التي أعددتها، فباران يحبها مع الشاي، واصعدي إليه.
ثم ابتسمت لها وأضافت:
عائشة: وأتمنى أن تتفقا يا ابنتي.
أومأت ديلان دون أن تجيب.
دخلت المطبخ، أعدت صينية صغيرة وضعت عليها إبريق الشاي وبعض الحلوى وكأسين، ثم حملتها بكلتا يديها واتجهت نحو الدرج.
كانت خطواتها بطيئة.
كل درجة تصعدها كانت تزيد اضطراب قلبها.
كانت تعرف أن عليها مواجهة باران، وأن هذا اللقاء قد يغير مستقبلها بالكامل.
وحين وصلت إلى الطابق الرابع، وجدت باب الغرفة مفتوحًا.
توقفت أمامه لحظات، وأخذت نفسًا عميقًا، محاولة أن تجمع شتات نفسها.
ماذا سيقول؟، وما الذي سيطلبه مني؟، وهل سأستطيع أن أجيبه؟.
طرقت الباب طرقًا خفيفًا.
فجاءها صوته من الداخل:
باران: ادخلي يا ديلان.
دفعت الباب ودخلت وتركته مفتوحا.
كانت الغرفة قد تحولت إلى ورشة صغيرة يعمل فيها باران، وكانت بعض أدواته وأغراضه مرتبة بعناية في جوانبها.
تلقف السينية من يدها ووضعها فوق الطاولة، وترك الباب مفتوحا، ثم سحبت الكرسي المقابل له وجلست.
رفع باران عينيه إليها، ثم نظر إلى الصينية وقال:
باران: شكرًا لك يا ديلان.
ثم صمت لحظة قبل أن يتابع:
باران: أظن أن أمي أخبرتك بما اتفقت عليه هي وأبي، ولذلك أردت أن أتحدث معك بنفسي. هناك بعض الأمور التي أريد أن أوضحها لك، حتى نتفق عليها من البداية، وأعتقد أن أمي أخبرتك أيضًا بقراري.
أنزلت ديلان عينيها للحظة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه مثقل بالخوف:
ديلان: إذا كنت تشعر أنك مجبر على الزواج بي، فأنا أعفيك من ذلك، سأدبر أمري بنفسي، كل ما أحتاجه بعض الوقت لأجد مكانًا مناسبًا أعيش فيه، وعم...
قاطعها باران بهدوء:
باران: أنا لست مجبرًا يا ديلان،
رفعت عينيها إليه.
تابع وهو ينظر إليها بثبات:
باران: ولن أكون مرتاحًا إذا أصابك مكروه، مهما حدث، أنت كنتِ في يوم من الأيام زوجة لأخي، وكنتِ فردًا من عائلتي، وهذا وحده يجعلني أشعر بالمسؤولية تجاهك، وما لا أرضاه لأختي، لا قدر الله، لا أرضاه لك.
ثم أضاف بحزم:
باران: لذلك لا أريدك أن تفكري بهذه الطريقة، إذا اتخذت قرارًا، فلن أتخذه إلا وأنا مقتنع به تمامًا.
ظلت ديلان تنظر إليه بصمت، قبل أن تسأله:
ديلان: إذن لماذا ناديتني؟.
أخذ باران نفسًا عميقًا، وقال:
باران: لأنني أردت أن أخبرك بشيء مهم، ولا أريد أن أخفي عنك شيئًا.
ترددت ديلان قليلًا، كانت متوترة من كشف هويتها، لذلك رفعت عينيها إليه ثم قالت:
ديلان: لقد تفاجأت بموافقتك... ألم تقل من قبل لمراد، رحمه الله، إنك تحب فتاة أخرى وكنت تبحث عنها؟.
سكت باران لحظات.
ثم قال بصراحة لم يحاول أن يخفي شيئًا:
باران: وهذا تحديدًا هو الموضوع الذي أردت أن أخبرك به.
أنصتت ديلان إليه باهتمام.
باران: وافقت على الزواج بك لأحميك وأحافظ عليك، لكنني سأستمر في البحث عن تلك الفتاة، وإذا وجدتها، فسأتزوجها.
تجمدت ملامح ديلان للحظات.
أكمل باران سريعًا:
باران: لكن لا تخافي، لن أطلقك.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
ديلان: هذا إن وافقت أنا أصلًا، فأنا حتى الآن لم أعطِ قراري الأخير.
ظهرت على وجه باران ابتسامة خفيفة، وقال:
باران: وأنا أحترم رأيك مهما كان، فكري جيدًا، ولا تتخذي قرارك لأن أحدًا ضغط عليك.
سادت الغرفة لحظات من الصمت.
لكن ذلك الصمت لم يدم طويلًا...
في الوقت نفسه، كان جرس شقة عزت يرن.
فتحت عائشة الباب، وما إن رأت أمينة تقف أمامها حتى رحبت بها، لكنها فوجئت حين لمحت الرجل الواقف إلى جوارها.
كاظم.
تغيرت ملامحها على الفور.
كان وجوده في البيت ثقيلًا على قلبها، خصوصًا بعد كل ما أخبرتها به ديلان عنه.
جلس كاظم إلى جوار زوجته، بينما جلس عزت وعائشة أمامهما، وكل منهما ينتظر أن يعرف سبب هذه الزيارة المفاجئة.
لم يطل كاظم الصمت.
مال إلى الأمام وقال:
كاظم: أظن أنكما تستغربان سبب مجيئنا، لذلك سندخل في الموضوع مباشرة، لقد جئنا لنأخذ ديلان معنا، انتهت عدتها، ولم يعد هناك سبب لبقائها هنا، ولذلك سنأخذها إلى البيت.
نظر عزت إليه بهدوء، ثم قال:
عزت: لكن ديلان لا تريد العودة إلى بيتكم، وأنا أريدها أن تبقى هنا.
ما إن سمع كاظم ذلك حتى تغير وجهه وصاح:
كاظم: بل أنتم تريدون إبقاءها هنا لتخدمكم!، تظنون أن ديلان ليس لها أهل يسألون عنها، فوجدتم خادمة تخدمكم من دون أن تكلفكم شيئًا!.
اشتعل الغضب في عيني عائشة، وقالت بحزم:
عائشة: سيد كاظم، احترم نفسك!، لسنا نحن من يستغل فتاة يتيمة، وأظنك تعرف ذلك جيدًا، أليس كذلك يا سيدة أمينة؟.
التفتت إلى أمينة وأضافت:
عائشة: لقد أخبرتك السيدة كريمة بذلك بنفسها حين طلبتها للزواج من مراد سابقا، ولهذا وافقتِ على زواجها منه، والآن أنا أريد ديلان زوجة لابني الآخر.
أمينة: طبعا سيدة عائشة فأنا وافقت بعدما اخبرتني كريمة فأنتم سمعتكم لاغبار عليها.
ما إن أنهت أمينة كلامها حتى ثارت ثائرة كاظم.
نهض من مكانه، وقال لزوجته بغضب:
كاظم: ماهذا الكلام الذي تقولينه، يستغلون إبنتك ويريدون تزويجها بدون علمك، تكلمي يا أمينة!، ما هذه المهزلة؟، أليست ابنتك؟!.
حاولت أمينة تهدئة الموقف، فقالت:
أمينة: كاظم، اجلس لنتفاهم، إذا كانت عائشة تقول إنها ستأخذها زوجة لابنها الثاني، فلا أرى أن هناك مشكلة...
لكن كاظم قاطعها بعنف:
كاظم: ما الذي تقولينه يا امرأة؟!، كيف يكون ذلك؟، يجب أن تعود إلى البيت أولًا، وبعدها نرى إن كنا سنزوجها من ابنهم هذا أم لا!.
ثم التفت حوله وسأل:
كاظم: وأين هي ديلان الآن؟، أم أنها في المطبخ؟، لقد وجدتم خادمة تخدمكم، أليس كذلك؟.
ضرب عزت بيده على مسند المقعد وقال بغضب:
عزت: احترم نفسك يا كاظم!، لقد قلنا لك إننا نريد تزويجها من ابننا، وديلان لن تخرج من هذا البيت.
كاظم: لكنها ستخرج!.
عزت: لن تخرج.
كاظم: أين هي؟!.
ارتفعت الأصوات في الغرفة، بينما كانت عائشة تراقب كاظم بقلق.
وأدركت أن الأمر قد يخرج عن السيطرة، فأخرجت هاتفها وأرسلت رسالة سريعة إلى باران:
📨:"باران، أحضر ديلان وانزلا بسرعة، فوالدتها هنا."
في الطابق الرابع، كان باران لا يزال يتحدث مع ديلان.
لكن شيئًا ما كان يدور في ذهنها.
كانت تنظر إليه، وتتذكر كلامه عن الفتاة التي يبحث عنها.
لو رآني... لو عرف أنني أنا تلك الفتاة...
ارتجف قلبها.
وللمرة الأولى، شعرت أنها قادرة على وضع الحقيقة أمامه، ولو للحظات لنتهي ذلك الصراع الذي يكاد يفتك بقلبها، وتنهي ذلك الجدال الذي يدور برأسها.
رفعت عينيها إليه وقالت:
ديلان: بما أنك تريد الزواج مني... ألا تريد أن ترى وجهي؟.
توقف باران عن الكلام.
تابعت، وقد بدأت أنفاسها تتسارع:
ديلان: ألا تريد أن تعرف وجه المرأة التي تريد الزواج بها؟ ربما إذا رأيتني تغير رأيك.
كان قلب ديلان يكاد أن يقفز من بين أضلاعها.
كانت تلك اللحظة التي ظلت تهرب منها طويلًا.
اللحظة التي ستكشف فيها وجهها أمام الرجل الذي أحبته ذات يوم دون أن يعرف أنه هي نفسها الشخص الذي تبحث عنه ذاكرته.
فتح باران فمه ليجيبها...
لكن هاتفه اهتز في جيبه.
أخرجه، وقرأ رسالة والدته.
تغيرت ملامحه فورًا.
ثم رفع عينيه إليها وقال:
باران: أنا رأيت جمال أخلاقك وروحك، وأظن أن هذا أهم بكثير من جمال المظهر.
ثم وضع هاتفه جانبًا وأضاف:
باران: وأنا متنازل عن هذا الحق الآن، وسيأتي يوما وارى وجهك، هيا بنا ننزل، أمي أرسلت إليّ تخبرني أن والدتك هنا.
اتسعت عينا ديلان.
ديلان: أمي؟!.
شعرت بانقباض مفاجئ في صدرها.
لم يكن مجيء أمينة في هذا الوقت طبيعيًا.
نهضت من مكانها، وحملت أنفاسها المرتجفة معها، ثم تبعت باران إلى الأسفل.
وما إن دخلا غرفة الجلوس حتى صاح كاظم:
كاظم: ها هي ديلان قد أتت! تعالي معنا، سنعود إلى البيت.
توقفت ديلان مكانها.
ثم قالت بثبات:
ديلان: ومن قال لك إنني أريد العودة إلى البيت؟.
اقترب كاظم منها وقال:
كاظم: ماذا أرى؟!، يبدو أن أخلاقك قد فسدت، وأنك بحاجة إلى من يعيد تربيتك من جديد.
صاح عزت:
عزت: لقد قلنا لك إننا نريد تزويجها من ابننا، فما قولك يا سيدة أمينة؟.
لكن قبل أن تجيب أمينة، اندفع كاظم نحو ديلان وأمسك بذراعها بقوة.
كاظم: أنتِ! لقد فسدت أخلاقك، وهذا واضح، ماذا كنت تفعلين مع رجل غريب عنك؟، وأين كنتما؟، ثم إلتفت لعزت و عائشة ليصيح بوحههما...
كاظم: هل تستغلونها وتجعلون ابنكم يختلي بامرأة أصبحت غريبة عنه؟!، لأجل ذلك تبقونها في بيتكم.
شهقت ديلان، وحاولت سحب يدها، بينما صاحت عائشة:
عائشة: اتركها!، ولن اسمح لك ان تلمح بشيء لا يليق، لقد كانت مع خطيبها يتفقان على تفاصيل زواجهما.
ضحك كاظم بسخرية:
كاظم: ومتى خطبتموها حتى أصبحت خطيبة له؟!.
أجابه عزت:
عزت: اتركها يا رجل، فهي لن تأتي معك لانها ستصبح زوجة إبني.
لكن كاظم لم يعبأ بكلامه، بل شد يد ديلان محاولًا جرها خلفه.
باران: بل ستأتي معنا الآن! هيا يا أمينة، لا مكان لنا في بيت هؤلاء، أرأيتِ الاحترام الذي تتحدثين عنه؟، جعلوا من ابنتك خادمة، ثم يتركونها تختلي برجل غريب عنها! بحجة انهم خطبوها، لن تبقى هنا دقيقة واحدة بعد الآن وستأتي مهنا حالا.
عندها تقدم باران خطوة، وصوته خرج حازمًا كالسيف:
باران: احترم نفسك يا هذا! ، فنخن محترمون رغم انفك؛ لا أريد أن أتعامل معك بطريقة غير لائقة لأنك في بيتنا، فدعها واجلس لنتفاهم.
لكن كاظم لم يتراجع.
صاحت ديلان وهي تحاول تخليص يدها من قبضته:
ديلان: اتركني! أنا لا أريد العودة معك!؛ وكما قالت أمي عائشة، كنت معه نتحدث لأنه طلبني للزواج، وكنا نتحدث حتى يعرف كل منا شروط الآخر لنتفق.
لكن كاظم لم يهتم بما تقول، اخذ يسحبها وهو يصيح بوجهها كأنه يحسب دابة خلفه ..
كاظم: بل ستأتي معنا لابقاء لك الآن، فقد فلت عيارك ولابد من تقويمك.
وما إن سمع باران ذلك حتى اندفع نحو كاظم.
أمسك بيده وأبعدها عن ديلان، ثم جذبها خلفه، ووضع جسده بينها وبين الرجل.
وقال بصرامة:
باران: لقد قالت لك إنها لا تريد العودة معك، فمن أنت حتى تفرض عليها إرادتك؟.
صرخ كاظم:
كاظم: أنا زوج أمها! وأنا مقام والدها! أنا من ربيتها، ولذلك ستسمع كلامي وتنفذ أمري وتأتي معي إلى البيت!.
ثم إلتفت لزوجته يرمقها بنظرات يطلع منها شرار كانها نار لو تركت لاحرقت اليابس والاخضر، حتى تتحدث وتوافقه، لكن أمينة كانت تجول بنظراتها بينهم.
حاول كاظم الاقتراب منها مجددًا، لكن باران وقف أمامه كجدار لا يمكن تجاوزه.
ومن خلفه، خرج صوت ديلان مرتجفًا لكنه حاسم:
ديلان: أنت لست والدي!، ولا تسمِّ نفسك والدي حتى، الموت أهون عليّ من العودة إلى ذلك البيت معك!.
ساد الصمت لثوانٍ.
حتى أمينة بدا عليها الاضطراب.
التفت كاظم إليها وصاح:
كاظم: تكلمي يا امرأة!، أليست ابنتك؟!، أليس لك كلام وحكم عليها؟!.
لكن قبل أن تجيب، تحدث باران:
باران لقد أخبرك والدي أننا خطبناها وسأتزوج بها، فلا حكم لك عليها.
رد كاظم بعناد:
كاظم: ونحن لم نقبل بهذه الخطبة، ونرفض هذا الزواج!، ابتعد عنها ودعنا نأخذها معنا.
لم يتزحزح باران من مكانه.
قال بهدوء شديد، لكنه كان أكثر حزمًا من الصراخ:
باران: ديلان فتاة بالغة، وليست مراهقة، وهي المسؤولة عن نفسها وقرارها، فلنسألها عن رأيها بدلًا من أن يتحدث الجميع نيابة عنها.
ثم التفت إلى ديلان.
كانت عيناها ممتلئتين بالخوف، لكن شيئًا آخر كان قد وُلد فيهما،
شيء يشبه الأمان.
قال لها:
باران: ديلان... ما قرارك؟.
نظرت إلى كاظم،
ثم إلى أمها،
ثم رفعت عينيها نحو باران،
وفي تلك اللحظة، تذكرت كل ليلة بكت فيها وحدها، وكل مرة شعرت فيها أنها بلا سند، وكل باب أُغلق في وجهها.
ثم قالت، بصوت واضح سمعه الجميع:
ديلان: وأنا قبلت بعرضك... وقبلت الزواج بك.
تجمد الجميع.
حتى باران بدا وكأنه لم يتوقع أن يسمع جوابها بهذه السرعة.د،
أما كاظم فاشتعل وجهه غضبًا،
لكن باران لم يمنحه فرصة،
أشار بيده نحو الباب، وقال:
باران: لقد سمعت رأيها إذن.
ثم أمسك بذراع ديلان وأبقاها خلفه، وأضاف بصوت لا يقبل النقاش:
باران: ومن اليوم، هي تحت مسؤوليتي، ولن تذهب معك إلى أي مكان، ديلان ستصبح زوجتي.
حدق كاظم فيه غير مصدق.
اضافت عائشة بنبرة ساخرة قائلة..
عائشة: وبعد العيد سنعقد قرانهما، ونحن ندعوكما لحظور ذلك.
تابع باران:
باران: والآن، اخرج من هنا.
قال كاظم بغضب:
كاظم: لن أخرج من دونها!.
اقترب باران خطوة واحدة منه، وقال:
باران: إذن سأطلب لك الشرطة، أنت تتعدى عليها أمامنا، وتحاول إجبارها على الذهاب معك رغم رفضها، وهذا يحدث داخل بيتنا، انت تريد ان تأخذ فتاة ستصبح زوجتي بعد عدة ايام.
ثم أشار مجددًا إلى الباب:
باران: اخرج قبل أن أضطر إلى إخراجك بنفسي.
ساد صمت ثقيل.
كانت ديلان تقف خلف باران، تحدق في ظهره، وقلبها يرتجف من كل ما حدث.
للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم تكن تقف وحدها أمام كاظم.
وللمرة الأولى، كان هناك من وقف بينها وبينه دون أن يطلب منها أن تصمت أو تتحمل.
أما باران، فبقي واقفًا أمامها، ثابتًا لا يتزحزح، وكأنه أراد أن يقول للجميع دون حاجة إلى مزيد من الكلام:
لقد اختارت... وأنا لن أسمح لأحد أن يجبرها على شيء بعد اليوم.