
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثالث والاربعون43 بقلم عاشقة القلم
ما إن أشار باران لباب الشقة أمام كاظم، حتى بقي للحظات واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بالباب الذي يشير له ليخرج منه قبل قليل، كان قد رأى الحزم في عينيه، وقرأ في ملامحه ذلك العناد الذي جاء به محاولًا فرض إرادته على الجميع، لكنه أدرك الآن أن ألاعيبه وأساليبه الملتوية لم يعد لها موطئ قدم بينهم.
زفر ببطء، كأنه يخرج من صدره آخر ذرة توتر، ثم استدار نحو زوجته، ينتظر أن يسمع منها ما ستقرره بعد كل ما جرى.
لكن عائشة لم تمنحه فرصة للتردد، او قلب اللنور لصالحه مجددا، فقد بادرت بالكلام، وكأنها تريد أن تحسم الأمر قبل أن يجد أحدهم سبيلًا للعودة عنه.
قالت بثبات:
عائشة: إذن، وبعد أن سمعنا موافقة ديلان، فخير البر عاجله، لا أريد أن نترك مجالًا بعد اليوم لكل من تسوّل له نفسه أن يتحدث عنها أو يفتري عليها بالباطل، لذلك، بعد العيد مباشرة سنعقد قرانهما، ولا أرى أي سبب لتأجيل الأمر، الشقة موجودة، وغدًا ننزل إلى السوق ونشتري كل ما يلزمنا، ما رأيك يا أمينة؟.
التفتت عائشة نحو أمينة، فوجدت على وجهها ملامح فرح ممزوجة براحة عميقة، كانت أمينة تنظر إلى ديلان وكأنها تراها للمرة الأولى بهذه الصورة؛ لم تعد تلك الفتاة التي تخشى عليها من غدر الأيام، بل صارت في كنف عائلة أحاطتها بالمحبة والستر، وتمسكت بها إلى الحد الذي جعلهم يقررون تزويجها من ابنهم الثاني، حمايةً لها وصونًا لكرامتها.
ابتسمت أمينة ابتسامة امتنان، وقالت بصوت خافت يحمل من الصدق ما يكفي:
أمينة: وهل بعد كلامك ما يُقال؟، ديلان أصبحت ابنتك، وكل ما ترينه في مصلحتها لا يحق لي أن أجادلك فيه.
ارتجف قلب ديلان عند سماع كلماتها، وانخفضت عيناها وقد غمرتها مشاعر لم تعرف كيف تخفيها، كانت تسمع للمرة الأولى من أمها ما يشبه الطمأنينة الحقيقية؛ طمأنينة أن هناك من يقف إلى جانبها، وأن مستقبلها لم يعد معلقًا بأهواء كاظم.
لكن في الطرف الآخر من الغرفة، كان كاظم يغلي من الغضب، جاء وفي رأسه أمر، وظن أنه سيخرج منتصرًا بما اعتاد استخدامه من ضغط وتهديد، فإذا به يجد نفسه عاجزًا أمام جدار من الحزم والمحبة، لا يستطيع اختراقه.
زفر بقوة، ثم قال بحدة وهو يتجه نحو الباب:
كاظم: هيا بنا، فقد تأخر الوقت، ونحن تركنا الأطفال وحدهم.
لم يلتفت إلى أحد، وكأن بقاءه دقيقة أخرى سيزيد من شعوره بالعجز والإهانة، خرج من الشقة بخطوات ثقيلة، وتبعته أمينة بعد أن اقتربت من باران، وهنأته على زواجه المرتقب، ثم اتجهت إلى ابنتها.
احتضنت ديلان بقوة، وضمتها إلى صدرها طويلًا، وكأنها تريد أن تعوضها في تلك اللحظة عن كل خوف مرّ بها، ثم همست:
أمينة: مبارك يا ابنتي... وسامحيني، لم أكن أعلم سبب مجيئه، ظننته سيأتي لزيارة عادية، ولم أتوقع أن أفاجأ بكل هذا.
رفعت ديلان عينيها إليها، ولم تستطع أن تجيب، كانت تعلم طبيعة كاظم وسلبية امها، اكتفت بأن شدّت ذراعيها حول أمها، بينما كانت الدموع تلمع في عينيها.
ابتعدت أمينة عنها، ثم التفتت إلى عزت وعائشة، وقالت بصدق:
أمينة: وأنا لم آتِ وأسأل عن ديلان طوال هذه الفترة لأنني كنت أعلم أنها بين أهلها، وما فعلتموه اليوم أكبر دليل على ذلك، ولن أجد لابنتي رجلًا أفضل من ابنكم، ولا نسبًا أكرم من نسبكم، لكن أرجوكم، لا تأخذوني بما بدر من كاظم... هو عصبي، ولا أدري من الذي زرع في رأسه تلك الأفكار.
كانت عائشة على وشك أن تجيبها، لكن صوتًا جهوريًا جاء من عند باب الشقة، فاهتزت له الجدران:
كاظم: أميييينة!.
انتفضت أمينة في مكانها، وتبدلت ملامحها للحظة، كان كاظم قد وصل إلى الباب، ولم يجدها خلفه، فاستدعاها بنبرة لم تخفِ ضيقه ونفاد صبره.
تنفست أمينة بعمق، ثم التفتت إليهم محاولة استعادة هدوئها، وقالت:
أمينة: يجب أن أذهب الآن... وأنا لن أخالفكم فيما قررتم القيام به، ديلان ابنتكم قبل أن تكون ابنتي، وأنا لا أريد لها إلا الخير.
ابتسمت عائشة لها بحنان، ثم اقتربت منها وودعتها، ورافقتها حتى باب الشقة.
وقبل أن تخرج، التفتت أمينة مرة أخيرة نحو ديلان، فالتقت عينا الأم والابنة، لم تحتج أي منهما إلى الكلام؛ كانت النظرات وحدها تحمل دعاءً، واعتذارًا، ورضًا، وخوفًا من الغد، وفرحة بما ينتظرها.
أغلقت عائشة الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت لحظة واضعة يدها على المقبض، وكأنها تتأكد أن كل ما حدث لم يكن حلمًا.
وحين عادت إلى غرفة الجلوس، كانت ديلان لا تزال في مكانها، شاردة، وقلبها يخفق بقوة.
أما باران، فكان ينظر إليها بصمت...
وللمرة الأولى، لم يكن ما بينهما مجرد وعدٍ مؤجل، بل كان طريقًا بدأ يُفتح أمامهما بوضوح، بعد أن طال انتظارهما أكثر مما ينبغي.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
عادت عائشة إلى غرفة الجلوس، وما إن خطت بضع خطوات حتى التقطت عيناها ذلك التبادل الصامت للنظرات بين باران وديلان.
كانت نظرات قصيرة، مرتبكة، تحمل من التوتر أكثر مما تحمل من الكلام، وكأن كليهما يفكر في الأمر نفسه، لكن لا أحد منهما يملك الجرأة على النطق به. ابتسمت عائشة في سرها؛ فقد فهمت أن ترددهما قد يفتح بابًا للرجوع، وهي لم تكن مستعدة لأن تسمح لأي خوف أو حرج بأن يعيدهما إلى نقطة البداية.
جلست في مكانها، ثم قالت بحزم هادئ، قاطعةً الطريق على أي تراجع:
عائشة: بما أن الجميع موافق، فأظن أن علينا أن نحدد موعد عقد القران، أليس كذلك يا عزت؟، فما رأيكم أن نعقد قرانهما في ثاني أيام العيد؟.
رفع باران رأسه إليها سريعًا، وبدا عليه شيء من المفاجأة.
باران: كيف ذلك؟، لم يبقَ على العيد سوى أسبوع واحد، فهل سنلحق بتجهيز كل شيء؟.
ابتسم عزت، وكأن الأمر في نظره أبسط بكثير مما يتخيله ابنه، وقال بثقة:
عزت: ولماذا لا نلحق يا بني؟، الشقة جاهزة، أما الأثاث فسيكون هدية مني لكما، ومن الغد سأبحث عن عمال، وننقل الأثاث القديم إلى الطابق الرابع، ثم أشتري لكما أثاثًا جديدًا، وإن كانت لديكما اي إعتراض او رأي فلكم ذلك ونغيره حسب ذوقكما، ثم تنزل والدتك مع ديلان إلى السوق لتشتريا ما تحتاجان إليه، وكذلك الذهب، ما الذي بقي إذن؟.
كانت كلمات عزت تنزل على قلب ديلان واحدة تلو الأخرى، فتزيده ارتباكًا ودفئًا في آنٍ واحد، لم تكن تتخيل أن الأمور ستمضي بهذه السرعة، ولا أنها ستجد نفسها فجأة أمام حديث عن بيتها، وأثاثها، وذهبها، وموعد زواجها.
وما إن فرغ عزت من حديثه حتى سارعت عائشة إلى إكمال كلامه، وكأنها رتبت الأمر في ذهنها منذ اللحظة الأولى:
عائشة: كما أن الظروف التي نمر بها لا تسمح لنا بإقامة حفل كبير يحتاج إلى تجهيزات كثيرة، ولا أريد أن نحول الأمر إلى مناسبة صاخبة، سنقيم مأدبة بسيطة تجمع عائلة ديلان، وعائلة عمك، وأختك مع زوجها، ونفرح بكما بين أهلنا فقط، إحتفال صغير ضيق بما تيمح به الضروف، فما رأيك يا ديلان؟.
رفعت ديلان عينيها إليها، ثم لمحت باران يرفع نظره نحوها منتظرًا جوابها.
ارتبكت للحظة، وشعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها، فخفضت عينيها قبل أن تقول بصوت خافت، لكنه واضح:
ديلان: ليس لي كلام فوق كلامك يا أمي... كل ما ترينه مناسبًا أنا موافقة عليه، فأنا أعلم أنكم تعرفون مصلحتي، وتعرفون ما يناسبني أكثر مني.
ابتسمت عائشة بحنان، بينما شعر باران بشيء من الراحة يستقر في صدره، وفي نفس الوقت كان شعورا غريبا يجربه لاول مرة، كانت ديلان تمنحهم ثقتها كاملة، وتترك بين أيديهم أمرًا يمس مستقبلها، وكأنها وجدت في هذه العائلة ما كانت تحتاج إليه طوال حياتها؛ أمانًا لا تخشى معه أن تختار وحدها.
قال عزت بعد أن نظر إلى الوجوه من حوله، فرأى أن الجميع متفقون:
عزت: إذن، لا أرى مانعًا، الجميع موافق، وعلى بركة الله... في ثاني أيام العيد يكون عقد قرانهما.
ساد الغرفة صمت قصير، لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا هذه المرة، بل كان أشبه باللحظة التي يستوعب فيها الجميع أن القرار أصبح حقيقة.
أما باران، فظل للحظات ينظر إلى والده، ثم التفت إلى والدته، وكأن سؤالًا واحدًا ظل عالقًا في ذهنه.
باران: ولكن لماذا تحديدًا ثاني أيام العيد؟.
نظرت إليه عائشة، وسكنت ابتسامتها قليلًا، ثم قالت بصوت حمل شيئًا من الحزن الذي لم يغب عن قلبها منذ الأيام الماضية:
عائشة: لأنني لا أريد حزنًا في أيام العيد يا بني.
سكتت لحظة، ثم أضافت وهي تنظر إلى ديلان:
عائشة: أريد أن أشعر أن شيئًا لم يتغير... أريد أن يأتي العيد ونحن نستعد لفرح ونودع حزنا، فنضحك كما كنا نفعل، ونفتح أبواب بيوتنا للفرح، ولا نجعل الحزن يسرق منا ما تبقى من أيامنا، أريد أن نطوي صفحة الحزن، لا أن نبقى أسرى لها.
تأثرت ملامح باران، بينما أطرقت ديلان برأسها، وقد شعرت بغصة دافئة في حلقها.
كانت تعرف جيدًا أن خلف كلمات عائشة حزنًا كبيرًا، وأنها لا تتحدث عن الفرح لأنها نسيت ألمها، بل لأنها تريد أن تمنح قلوبهم جميعًا فرصة لتتنفس من جديد.
ابتسم عزت ابتسامة هادئة، ومد يده إلى يد زوجته وضغط عليها برفق، وكأنه يقول لها دون كلمات: سيأتي الفرح... وسيكون هذه المرة من أجل الجميع.
أما باران، فرفع عينيه نحو ديلان من جديد.
لم تتلاقَ نظراتهما طويلًا هذه المرة، فقد أسرعت ديلان إلى خفض عينيها بخجل، بينما ارتسمت على شفتي باران ابتسامة صغيرة لم يستطع إخفاءها.
وبذلك، لم يعد ثاني أيام العيد مجرد يوم في التقويم...
بل أصبح موعدًا لبدء حياة جديدة، وصفحة أراد الجميع أن يكتبوها هذه المرة بالحلال، والطمأنينة، والفرح.
_____________________
في
كانت ديلان أول من استأذن للخروج من غرفة الجلوس، وما إن صعدت الدرج المؤدي إلى شقتها وأغلقت الباب خلفها، حتى أسندت ظهرها إليه للحظات، وأغمضت عينيها.
تنفست ببطء...
لكنها لم تستطع أن تمنع الماضي من اقتحام حاضرها.
في اللحظة التي خلت فيها بنفسها، عادت إليها ذكريات تلك الأيام التي عاشت فيها هنا مع مراد؛ تذكرت ليلتها الأولى في هذه الشقة، حين دخلتها بقلب يرتجف، تحمل من الخوف أكثر مما تحمل من الأمل، تذكرت الليالي التي نامت فيها ودموعها تبلل وسادتها، واللحظات التي شعرت فيها أن الجدران الأربعة تضيق عليها حتى تكاد تخنق أنفاسها.
كان كل شيء لا يزال هنا...
الجدران ذاتها، الأبواب ذاتها، والممرات التي شهدت الكثير من دموعها وصمتها وانكساراتها.
لكنها هذه المرة لم تكن المرأة نفسها التي دخلت هذا البيت ذات يوم.
وضعت يدها على صدرها، وشعرت بقلبها يخفق بطريقة أربكتها.
كان هناك شعور آخر يزاحم ذكريات الألم...
فرح.
فرح خجول، مرتجف، كأنه يخشى أن يصدقه قلبها فيرحل كما رحلت أشياء كثيرة من قبل.
ابتسمت دون أن تشعر، ثم وضعت يدها على فمها محاولة أن تخفي ابتسامتها عن نفسها قبل الآخرين.
باران...
اسم واحد كان كفيلًا بأن يوقظ في داخلها عالمًا كاملًا،
لقد بات وصاله قريبًا،
قريبًا إلى حد جعل عقلها يعجز عن استيعابه.
قبل أيام فقط كانت قد أقنعت نفسها أن لقاءهما من سابع المستحيلات، وأنها ستقضي بقية حياتها تحمل حبه في قلبها بصمت، ثم تمضي وحيدة في طريق لا تعرف إلى أين يقودها.
كانت قد بدأت بالفعل ترسم مستقبلها بعد وفاة مراد؛ تسأل نفسها أين ستذهب؟، وكيف ستعيش؟، ومن سيقبل بها؟، وكيف ستبدأ حياتها من جديد بعدما أرهقها الماضي وأثقل روحها؟.
كانت تظن أن عليها أن تتعلم كيف تعيش بلا باران...
أن تدفن ذلك الحب في أعمق زاوية من قلبها، وتتعامل معه كذكرى جميلة انتهى زمنها قبل أن تبدأ.
ثم جاء القدر ليقلب كل حساباتها في لحظة واحدة.
ها هي الآن تقف في المكان ذاته الذي شهد انكساراتها، وتفكر في مستقبل لم تكن تجرؤ حتى على الحلم به.
هل يمكن حقًا أن تصبح هذه الشقة يومًا بيتًا لهما؟،
هل ستغلق بابها ذات ليلة، فتجده خلفها؟،
هل ستستيقظ صباحًا وتسمع صوته في أرجاء المكان؟،
هل ستعيش معه الحياة التي طالما خبأتها في دعواتها؟.
ارتجف قلبها عند الفكرة، فابتسمت بخجل، ثم هزت رأسها وكأنها تحاول أن توقف خيالها عن الركض بعيدًا.
لكن فرحتها لم تدم طويلًا...
فما إن هدأ صخب الأحلام قليلًا، حتى عاد السؤال الذي طالما حاولت دفنه في أعماقها يطرق باب عقلها بإلحاح.
ذلك السؤال الذي لا يرحم.
"ماذا ستفعل أن علم بهويتها؟"
جلست على طرف السرير، وأسندت كفيها إلى حجرها، وظلت تحدق أمامها بشرود.
كانت على وشك أن تحسم الأمر الليلة...
لو طلب باران رؤية وجههت، كانت ستقف أمامه، وتكشف له الحقيقة، وتراقب عينيه لحظة معرفته بأنها هي.
هي نفسها الفتاة التي أحبها،
هي نفسها التي ظلت تسكن ذاكرته وقلبه طوال تلك السنوات،
لكن ماذا الآن؟،
باران تنازل عن حقه في رؤية وجه المرأة التي سيتزوجها، وظن أنها امرأة أخرى.
بل ربما بدأ يحب ديلان التي أمامه دون أن يعرف أنها هي نفسها، ديلان التي يبحث عنها أصلًا.
وضعت يدها على قلبها، وقد بدأ القلق يتسلل إلى فرحتها.
هل تستمر في إخفاء الحقيقة عنه؟،
هل يكون صمتها خيانة لثقته؟،
أم أن اعترافها الآن قد يهدم كل شيء قبل أن يبدأ؟.
أغمضت عينيها، ثم همست لنفسها:
ديلان: وماذا لو عرف؟.
ارتجف صوتها وهي تكمل في سرها:
"ماذا لو اكتشف أنني أنا؟"
"أنا تلك الفتاة التي سكنت قلبه منذ سنوات..."
"أنا التي ظل يبحث عنها..."
"أنا التي ظن أنه فقدها إلى الأبد."
ماذا ستكون ردة فعله؟,
هل سيغضب لأنها أخفت عنه الحقيقة؟،
هل سيشعر أنها خدعته؟،
هل سيفهم خوفها والظروف التي دفعتها إلى الصمت؟،
أم أنه سيطردها من قلبه قبل أن يمنحها فرصة لتشرح؟.
توالت الاحتمالات في رأسها حتى شعرت أن صدرها ضاق.
هزت رأسها بقوة، وكأنها تريد أن تطرد تلك الأفكار من عقلها بعيدا عنها.
ديلان: كفى يا ديلان...
لم تكن تريد أن تسرق المخاوف فرحتها.
لقد أرهقها التفكير،
أرهقها الخوف،
وأرهقها أن تكون حياتها دائمًا معلقة بين ما تتمناه وما تخشاه،
نهضت من مكانها، واتجهت إلى الحمام، فتوضأت بماء بارد، وكأنها تريد أن تغسل عن قلبها ضجيج الساعات الماضية.
ثم ارتدت خمارها، وفرشت سجادة الصلاة.
وقفت بين يدي الله...
وهناك فقط، شعرت أن قلبها وجد المكان الذي يستطيع أن يضع فيه كل ما عجز عن حمله وحده.
كبرت، فانحنت الدنيا كلها في داخلها.
وسجدت لربها، فانكسرت أمامها كل الحواجز التي أقامتها حول مشاعرها.
لم تكن تملك جوابًا،
ولا تعرف أي طريق تسلك،
ولا تدري إن كان كشف الحقيقة هو الصواب، أم أن صمتها هو ما يحفظ ما بقي لها من أمل.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...
أن الله وحده يعلم ما تخفيه القلوب، ويعلم كم تعبت، وكم صبرت، وكم مرة اضطرت إلى اختيار الصمت وهي تتمنى أن تصرخ بالحقيقة.
أطالَت سجودها، وامتلأت عيناها بالدموع.
لم تطلب شيئًا لنفسها في تلك اللحظة بقدر ما طلبت الهداية.
أن يدلها الله على الطريق الذي ينبغي أن تسلكه.
أن يضع في قلبها القرار الصحيح.
أن ينير لها ما أظلم عليها.
وأن يكتب لها، إن كان باران خيرًا لها، أن يجمع بينهما جمعًا لا يخالطه خوف ولا سر ولا وجع.
كانت تريد فقط نهاية لكل هذا الشقاء.
تريد حياة هادئة طالما تمنتها...
حياة لا تضطر فيها إلى الاختباء خلف الصمت.
حياة تستطيع فيها أن تحب دون خوف، وأن تطمئن دون أن تنتظر صفعة جديدة من القدر.
حياة مع الرجل الذي أحبته منذ سنوات، وحفظته في قلبها رغم كل ما مر بها، الرجل الذي لم تستطع الظروف أن تنتزعه من أعماقها مهما حاولت.
لكنها لم تكن تعلم أن القدر، الذي فرّقهما ذات يوم رغمًا عنهما، هو نفسه الذي أعادهما الآن إلى الطريق ذاته...
وأن الأيام القادمة ستضع أمامها أصعب اختبار في حياتها:
هل تخبر باران أنها ديلان التي أحبها يومًا وبحث عنها طويلًا، أم تترك الحقيقة حبيسة قلبها، وتبدأ معه حياة جديدة وهو يجهل أن المرأة التي اختارها هي نفسها المرأة التي لم يتوقف قلبه عن عن النبض لها؟،
وبينما كانت دموعها تنساب بصمت فوق وجنتيها، لم تكن تعلم أن جواب هذا السؤال سيحدد شكل حياتها القادمة كلها.
------***---**---***-------
بعد أن غادرت ديلان غرفة الجلوس، بقي باران في مكانه للحظات، يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب، ثم استأذن هو الآخر، واتجه إلى غرفته ليستريح قليلًا قبل أن يحين وقت السحور، إذ كان عليه أن يستيقظ مبكرًا ليذهب إلى عمله.
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه، وما إن استقر به المقام حتى وجد نفسه عاجزًا عن إيقاف سيل الأفكار الذي بدأ يقتحم رأسه.
عاد كل ما حدث قبل قليل أمام عينيه...
صوت كاظم، حدته، طريقته في الحديث، وغضبه الذي لم يكن طبيعيًا بالنسبة إلى رجل جاء إلى بيت إبنة زوجته.
لم يستطع باران أن يفهم سبب ذلك الهجوم.
لماذا كان يتصرف وكأنهم انتزعوا منه شيئًا يملكه؟،
وكأن ديلان ليست فتاة لها إرادتها وحقها في اختيار حياتها، بل شيء من ممتلكاته جاء ليستعيده بالقوة.
قطّب باران حاجبيه وهو يستعيد المشهد، ثم عاد إلى اللحظة التي وقفت فيها ديلان أمام كاظم.
لم يستطع أن ينسى عينيها.
تلك العينان اللتان ظهرتا من خلف نقابها، وحملتا خوفًا لم يكن بحاجة إلى تفسير.
لقد كان الرعب واضحًا فيهما إلى درجة جعلته يشعر للحظة بأن ديلان تستغيث به دون أن تنطق.
والأغرب من ذلك كله أنها، قبل دقائق فقط، كانت تخبره بأنها ستفكر في الأمر، بل كانت تلمح إلى أنها ربما تغادر هذا البيت وتعيش حياتها بعيدًا عنهم.
ثم تغير كل شيء فجأة،
وافقت على الزواج منه،
وبهذه السرعة،
لماذا؟،
هل كانت تحاول فقط أن تهرب من كاظم؟،
هل كان خوفها منه هو السبب الذي دفعها إلى قبول الزواج قبل أن تمنح نفسها فرصة للتفكير؟،
أغمض باران عينيه، وأسند رأسه إلى ظهر المقعد.
كلما أعاد المشهد في ذهنه، ازداد اقتناعه بأن هناك شيئًا لا يعرفه،
شيئًا أكبر من مجرد خلاف عائلي،
عاد إليه مشهد عينيها مرة أخرى...
كانتا تستغيثان،
كأنهما تقولان له دون صوت:
خذني من هنا،
لا تتركني معه،
ولهذا لم يستطع باران أن يبقى متفرجًا،
لم يفكر حينها،
لم يزن كلماته،
ولم يهتم إن بدا غاضبًا أو متدخلًا فيما لا يعنيه،
كل ما شعر به في تلك اللحظة هو رغبة عارمة في الوقوف بينها وبين ذلك الرجل،
أن يحول دون وصوله إليها،
أن يبعد عنها الخطر الذي رأى أثره واضحًا في عينيها،
تنفس بعمق، ثم فتح عينيه من جديد.
لكن الأسئلة لم تتوقف،
ما الذي جعل كاظم يتصرف بتلك الطريقة وإلى هذا الحد؟،
ولماذا تريد ديلان أن تهرب منه؟،
ولماذا بدت خائفة منه وكأنها تعرف منه جانبًا مظلما لا يعرفه أحد؟،
ظل يفكر طويلًا، يحاول جمع التفاصيل الصغيرة التي مرت أمامه منذ إلتقائه بكاظم.
وبعد تفكير مضنٍ، لم يجد أمامه سوى تفسير واحد...
ربما كان كاظم يريد اخذها معه لغرض في نفسه، وربما لم يكن غضبه بسبب زواجها بقدر ما كان بسبب فقدانه القدرة على بسط سيطرته عليها.
لكن حتى هذا التفسير لم يبدد ذلك الشعور الثقيل في صدره،
كان هناك شيء لا يستقيم.
شيء في تصرفات الرجل، وفي خوف ديلان منه، وفي تلك النظرات التي لم تفارق ذاكرته،
ولوهلة، نظر باران أمامه بشرود، وشعر أن عيني ديلان الرماديتين لم تكونا مجرد عينين خائفتين...
بل كانتا أشبه بسماء ساكنة قبل عاصفة عاتية.
عاصفة شعر، دون أن يعرف لماذا، أنها قادمة.
عاصفة ستقلب كل شيء، عاصفة ستفتك بها ولن يبقى لها وجود بعدها، ولن تترك شيئًا في مكانه إن هبت.
كانت فكرة مظلمة تلوح له وسط تلك الدوامة من الأفكاى.
هز رأسه سريعًا، وكأنه يريد أن ينفض عن نفسه تلك الفكرة.
لا...
ماذا يفكر؟،
ديلان بالنسبة إليه ابنة.
هكذا كانت دائمًا في نظره.
فهو يعلم أنها كانت طفلة حين تزوج كاظم أمها، وقد أخبرته والدته أنها لم تكن قد تجاوزت العاشرة آنذاك.
لهذا لم يكن من اللائق أن يسمح لعقله بأن يذهب إلى أبعد من ذلك.
أطلق زفرة طويلة، ثم مرر يده على وجهه.
كان يحتاج إلى أن يستوعب كل ما تغير في حياته خلال ساعات قليلة.
بعد أسبوع واحد فقط...
سيكون متزوجًا،
سيصبح زوجًا لأرملة أخيه،
وسيكون أمام مسؤولية جديدة لم يحملها من قبل؛ بيت، وزوجة، وحياة مشتركة، وحقوق وواجبات لا مجال فيها للتهاون.
وسيكون عليه أن يعاشرها بما أحل الله، وأن يصونها، ويحفظ كرامتها، ويكون لها سندًا وأمانًا.
توقف لحظة عند هذه الفكرة.
ثم عاد إلى عينيها،
الخوف الذي رآه فيهما اليوم لم يعد مجرد صورة عابرة،
لقد شعر بالخطر في وجود كاظم حولها،
وللمرة الأولى، أدرك أن مسؤوليته تجاه ديلان لن تكون مجرد عقد زواج يجمع اسميهما،
إنها امرأة ستصبح أمانة في عنقه،
وإذا كانت تخاف من رجل إلى هذا الحد، فعليه ألا يكتفي بأن يقول لها إنه سيحميها...
بل عليه أن يكون فعلًا الرجل الذي تستطيع أن تلجأ إليه حين تخاف.
نهض من مكانه، واتجه نحو النافذة.
كان الليل ساكنًا، والمدينة غارقة في هدوء ما قبل السحور.
رفع بصره إلى السماء، ثم تنفس ببطء.
كان مقبلًا على حياة جديدة لا يعرف ما تخبئه له، لكنه يعرف شيئًا واحدًا:
لن يدخلها مستندًا إلى نفسه وحدها.
بل سيحتاج إلى الله في كل خطوة.
ترك النافذة، وتوضأ، ثم فرش سجادته ووقف بين يدي ربه.
رفع يديه، وشعر لأول مرة منذ وقت طويل بثقل المسؤولية التي يحملها قلبه.
لم يطلب أن تكون حياته سهلة،
بل طلب أن يكون أهلًا لها،
أن يعينه الله على حقوق زوجته القادمة، وأن يمنحه الحكمة حين يحتار، والصبر حين يضيق، والقوة حين يحتاج إلى أن يقف في وجه من يريد بها سوءًا،
وأن يجعل بيته القادم بيت سكينة ورحمة، لا بيت خوف وألم.
طال وقوفه بين يدي الله، وكلما أطال الدعاء شعر أن صدره يهدأ شيئًا فشيئًا.
كان يعلم أن بعد أسبوع ستبدأ حياة جديدة.
حياة ستضع بين يديه قلب امرأة عاشت الكثير من الألم.
وكان باران، في تلك اللحظة، قد اتخذ قرارًا داخليًا صامتًا:
إن كانت ديلان ستصبح زوجته، فلن يسمح بعد اليوم أن تواجه خوفها وحدها.
وسيكون الأمان الذي افتقدته طويلًا...
ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
_________∆__∆_________
مرّ الأسبوع سريعًا، كأن الأيام تعمدت أن تركض دون أن تمنح أحدًا فرصة لالتقاط أنفاسه.
كانت ديلان طوال تلك الأيام تحاول قدر استطاعتها أن تتجنب باران، فتغادر المكان كلما شعرت باقترابه، وتختار الأوقات التي تضمن فيها ألا تلتقي به إلا للضرورة، لم تكن تهرب منه لأنها لا تريده، بل لأنها كانت تخشى نفسها حين يكون قريبًا منها.
أما باران، فكان على العكس تمامًا.
كلما شعر بثقل الموقف الذي يقترب منه، حاول أن يخفف عن نفسه رهبة القادم بالتقرب منها شيئًا فشيئًا، صار يتعمد دخول المطبخ كلما عاد من عمله، متظاهرًا بأنه جاء ليسألها عن شيء، ثم يقول ببساطة:
باران: هل تريدين مني أن أحضر لك شيئًا وأنا خارج غدًا؟.
وأحيانًا كان يكرر السؤال عند ذهابه إلى صلاة التراويح:
باران: هل ينقصك شيء؟، هل تريدين أن أحضر لك شيئًا حين أن أعود قبلان اخلد إلى النوم؟.
كان يعرف في قرارة نفسه أن الأمر لم يعد كما كان.
بعد أيام قليلة ستكون ديلان زوجته.
ولذلك كان يحاول أن يعتاد وجودها في حياته قبل أن تصبح رسميًا جزءًا منها، وأن يكسر ذلك الحاجز الذي صنعه الخجل والرهبة بينهما.
وكان عزت وعائشة يراقبان تلك التصرفات من بعيد، فتتسلل الابتسامة إلى وجهيهما كلما رأيا باران يبحث عن أي ذريعة ليقترب منها.
حتى جاء يوم خرجت فيه عائشة برفقة ديلان إلى السوق لشراء الذهب.
اختارت لها عائشة خواتم جميلة، وطقمًا يليق بعروس، وأصرت أن يكون ذلك من إختيار باران، ثم أخذتها لشراء بعض الملابس الجديدة.
لكن ديلان رفضت بإصرار:
ديلان: أمي، لا حاجة لذلك، لدي ملابس كثيرة، وما زال لدي بعض ما لم أرتده أصلًا، حتى إن بعض ملابسي من جهازي السابق لا تزال جديدة ومغلّفة.
لكن عائشة لم تستمع إليها.
عائشة: وماذا يعني ذلك؟، أنت الآن عروس ومقبلة على حياة جديدة، يجب أن يكون لك شيء جديد، حتى لو كان قليلًا، لا أريدك أن تدخلي بيتك وأنت تشعرين أنك لم تبدئي صفحة جديدة.
لم تجد ديلان أمام إصرارها إلا أن تبتسم وتستسلم.
كانت عائشة تفعل كل شيء بحب أم حقيقي، لا بحب حماة لزوجة ابنها.
ومع حلول ليلة العيد، كان كل شيء قد اكتمل.
كانت الشقة التي عاش فيها مراد وديلان يومًا قد تبدلت ملامحها بالكامل.
الأثاث القديم خرج منها، وحل مكانه أثاث جديد تكفل عزت بشرائه، وكأن الرجل أراد أن يزيل من الجدران كل ما يمكن أن يعيد إلى ديلان ذكريات حياتها السابقة.
لم يعد في الشقة شيء تقريبًا يشبه الماضي.
كل شيء أصبح جاهزًا.
الأثاث، الملابس، الذهب، وحتى التفاصيل الصغيرة التي جعلت المكان يبدو كأنه بيت عروسين ينتظران دخولهما.
وبعد غد...
سيكون عقد القران.
أما عائلة إبراهيم، فقد ظلت تراقب حركة العمال طوال الأيام الماضية بدهشة.
كانوا يرون الأثاث الجديد يصعد إلى الشقة، قطعة تلو الأخرى، ويتساءلون في صمت عن سبب كل ذلك.
لكن أحدًا لم يعرف الحقيقة.
فسّر بعضهم الأمر بأن العائلة قررت التخلص من أثاث الشقة القديم، وكأنها تريد أن تغلق صفحة الحزن التي خيمت عليها منذ وفاة مراد.
وكان الجميع يظن أن ديلان ستعود إلى بيت والدتها مع نهاية الشهر، وأن الشقة ستبقى فارغة بعد رحيلها.
حتى جاء المساء...
وفي طريق العودة من المسجد في ليلة العيد، دعا عزت أخاه إبراهيم إلى الجلوس معه في أحد المقاهي.
جلس الرجلان، وتبادلا الحديث قليلًا، ثم قال عزت بهدوء:
عزت: لدي خبر أردت أن أخبرك به بنفسي.
رفع إبراهيم حاجبيه متسائلًا.
فقال عزت:
عزت: باران سيتزوج ديلان بعد غد.
تجمد إبراهيم للحظة.
ثم اتسعت ابتسامته، وقال بسعادة صادقة:
إبراهيم: باران وديلان؟.
أومأ عزت.
عزت: نعم، عقد قرانهما بعد غد، واتفقنا أن يكون الأمر بسيطًا بين العائلتين.
لم يكن إبراهيم بحاجة إلى وقت طويل ليستوعب الخبر؛ سرعان ما ظهرت الفرحة على وجهه.
إبراهيم: والله إنها أسعد الأخبار، ديلان فتاة تتمناها أعتى العائلات، وباران يستحق امرأة مثلها، أسأل الله أن يسعدهما ويكتب لهما الخير.
ابتسم عزت براحة.
لم يكن يعلم أن هذا الخبر نفسه، الذي ملأ قلب أخيه فرحًا، سيهبط على قلب آخر كالصاعقة.
فما إن وصل الخبر إلى دنيز حتى شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
باران سيتزوج ديلان!.
ذلك الاسم وحده كان كفيلًا بإشعال النار في صدرها.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب بعنف، ثم أخذت هاتفها واتصلت بمدحت.
مرة.
ثم مرة أخرى.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
عضّت شفتيها بغضب، وأعادت الاتصال، وكأنها تتوقع أن يتغير شيء هذه المرة.
لا شيء.
منذ اليوم الذي اتصلت به فيه آخر مرة، اختفى الرجل تمامًا، وأصبح هاتفه مغلقًا.
وضعت الهاتف فوق السرير، ثم بدأت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا.
كانت عيناها تشتعلان، وعقلها يركض في كل اتجاه.
لقد ظنت أن وفاة مراد ستكون نهاية ديلان.
كانت تتخيل اليوم الذي تنتهي فيه عدتها، ثم تخرج من هذا البيت، وتعود هي لتأخذ مكانها من جديد.
كانت تمني نفسها يوما أن تصبح زوجة مراد، لكنها خطفت حلمها منها قبل ان يولد، وعلى الأقل أن تجد طريقًا يبعد ديلان عن العائلة التي أخذت منها حلمها.
لكن القدر فعل العكس تمامًا،
بعد أن حرمتها ديلان من حلمها، وبعد أن عاشت سنوات تتخيل نفسها إلى جوار مراد، جاء اليوم الذي ظنت فيه أن الطريق أصبح خاليًا أمامها...
فإذا بديلان تعود لتقف في طريقها من جديد.
بل والأسوأ من ذلك كله...
أنها لم تعد مجرد امرأة تقف أمامها.
لقد أصبحت عروس باران.
زوجته القادمة.
وستبقى في عائلة عمها، لا كضيفة مؤقتة ولا كأرملة ستغادر بعد انتهاء عدتها...
بل كزوجة ابنهم الجديدة.
توقفت دنيز أمام المرآة، وحدقت في انعكاس وجهها.
كانت ملامحها مشدودة، والغضب يزداد في عينيها.
ثم همست بأسنان مطبقة:
دنيز: لا... لن أسمح بهذا.
قبضت يديها بقوة،
كان عليها أن تجد حلًا،
أي حل،
لقد خسرت مراد، وخسرت حلمها، ولن تسمح لديلان بأن تتزوج باران أيضًا.
أما مدحت...
فكان عليه أن يجيب.
كان عليها أن تعرف أين اختفى، ان تخبره ان عروسه الذي يمتي نفسه بها، بعد يوم ستكون ملك لرجل غيره، ولماذا قطع اتصاله بها ولا يجيب على إتصالاتها، وماذا فعل بكل ما طلبته منه.
عادت إلى هاتفها، ونظرت إلى شاشته المظلمة.
ثم رفعت عينيها نحو المرآة من جديد.
هذه المرة لم يكن في نظرتها مجرد غيرة...
كان فيها شيء أكثر ظلمة.
تصميم امرأة تشعر أن كل الأبواب أُغلقت في وجهها، ولم يبقَ أمامها سوى أن تصنع لنفسها بابًا بالقوة.
وفي مكان آخر من البيت، كانت عائلة إبراهيم تستعد لاستقبال عيد جديد بقلوب مثقلة بما مضى، بينما كانت عائلة عزت تستعد لفرحة صغيرة بعد يومين.
أما دنيز...
فكانت تستعد لشيء آخر تمامًا.
كانت تستعد لمعركة جديدة.
وكانت ديلان، دون أن تعلم، قد أصبحت مرة أخرى الهدف الأول لغضبها وحقدها.