رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والاربعون44 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الرابع والاربعون44 بقلم عاشقة القلم

كان صباح العيد قد أضفى على المدينة بهجة خاصة، فبعد أن أدوا صلاة العيد، بدأ المصلون بالخروج من المسجد، يتبادلون التهاني والتبريكات، بينما تعالت ضحكات الأطفال وهم يتباهون بثيابهم الجديدة.

كانت عائشة تسير إلى جانب ديلان، وقبل أن تبتعدا كثيرًا عن باب المسجد، اعترضت طريقهما صفية برفقة ابنتها دنيز.

تبادلت النساء التهاني، وتعانقت عائشة مع صفية، بينما اكتفت ديلان بالسلام على دنيز وتبادل التهنئة معها.

لكن ما إن وقعت عينا دنيز على ديلان حتى تبدلت ملامحها قليلًا، وقالت بسرعة:

دنيز: بالمناسبة، أنا سأبقى قليلًا هنا... أنتظر صديقتي، لقد قالت إنها ستأتي لتعايدني.

نظرت إليها ديلان بصمت.

لم يكن في كلام دنيز ما يدعو للريبة، لكن نبرتها، وطريقة تأكيدها أنها ستبقى، وبعض التلميحات التي ألقتها أثناء حديثها مع عائشة، جعلت ديلان تفهم أنها لا تريد العودة معهم، وأن وجودها هي تحديدًا ربما كان سببًا آخر لرغبتها في البقاء.

لم تُحرجها ديلان، ولم تسألها عن السبب، بل اكتفت بأن قالت لعائشة بهدوء:

ديلان: أمي، اسمحي لي أن أعود إلى البيت قبلكم.

التفتت إليها عائشة باستغراب.

عائشة: لماذا يا ابنتي؟ سنعود جميعًا بعد قليل.

أجابت ديلان وهي تحاول أن تبدو طبيعية:

ديلان: لقد جهزنا الفطائر باكرًا، وأخشى أن أتأخرنا عليها تفسد، لذلك سأعود سريعًا وأضعها وأتابعها حتى تنضج، حتى تلحقي بي.

ابتسمت عائشة.

عائشة: حسنًا، اذهبي يا ابنتي، خذي المفتاح لكن انتبهي لنفسك.

ديلان: حاضر.

استأذنت منهما، ثم اتجهت نحو البيت بخطوات سريعة.

وفي الجهة الأخرى، كان باران يقف مع والده عزت وعمه إبراهيم وروني، يتبادلون السلام والتهاني مع بعض رجال الحي ومعارفهم الذين صادفوهم بعد الصلاة.

وبينما كان يصافح أحدهم، وقعت عيناه صدفة على المكان الذي كانت تقف به ديلان.

توقف للحظة، ثم ظل يتابعها بنظره فلم يراها.

أنهى سلامه سريعًا على أحد الرجال، ثم اتجه نحو والدته.

باران: أمي... أين ديلان؟.

أجابته عائشة ببساطة:

عائشة: عادت إلى البيت.

عقد حاجبيه.

باران: وحدها؟، ولماذا غادرت وحدها ولم تنتظر لتعود معكم؟.

عائشة: نعم؛ جهزنا بعض الفطائر باكرًا، وخافت أن تفسد، فاستأذنتني لتعود وتقوم بطهيها.

أومأ برأسه، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا.

باران: سأذهب إليها.

قالت عائشة:

عائشة: لا داعي يا بني، سنعود بعد قليل.

لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة.

باران: لابأس؛ سأسبقكم فقط.

ثم استأذن والده وعمه، واتجه خلفها.

كانت ديلان قد وصلت إلى شقة عزت وعائشة قبل أن يلحق بها باران.

دخلت بسرعة إلى المطبخ، ثم فتحت الفرن لتضع الفطائر به بعد ان اشعلته، وبقيت تتابع الفطائر إلى ان تنضج كما ينبغي.

ابتسمت حين وجدت لونها بدأ يتحول إلى الذهبي.

ديلان: الحمد لله...

أغلقت باب الفرن، ثم عادت لترتب بعض الأطباق التي كانت  قد جهزتها مع عائشة قبل خروجهم.

وبينما كانت منشغلة بذلك، وضعت إبريق الشاي فوق النار، ثم سمعت صوت باب الشقة يُفتح.

توقفت يدها.

ثم سمعت صوتا ينادي عليها بعد ان اغلق الباب،كان الصوت الذي  جاءها صوت باران من خارج المطبخ:

باران: ديلان؟.

تجمدت في مكانها.

لم تتوقع أن يلحق بها بهذه السرعة.

شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهها، وأخذ قلبها يخفق بعنف دون سبب تستطيع تفسيره.

عرفت الصوت فانزلت نقابها على وجهها.

ناداها مرة أخرى:

باران: ديلان، أين أنتِ؟.

كانت تريد أن تجيبه، لكن الكلمات اختنقت في حلقها.

ثم سمعت خطواته تقترب من المطبخ.

ازداد ارتباكها.

أرادت أن تلتفت إليه، لكنها لم تعرف كيف تواجهه، خصوصًا وهي وحدها معه في الشقة.

وفي محاولة منها للانشغال بأي شيء حتى لا تضطر إلى الالتفات، مدت يدها إلى إبريق الشاي لتبعده عن النار.

لكنها نسيت أنها قد أشعلت عليه الموقد منذ دقائق.

وما إن لامست أصابعها مقبضه حتى لسعتها حرارة شديدة.

ديلان: آه!....

أفلتت يدها فورًا، وكادت أن تسقط الإبريق لولا أنها أمسكته باليد الأخرى، التي كان بها قفاز المطبخ، بعدما نزعته من يدها وهي تراقب نضج الفطائر.

وصل باران إلى المطبخ في اللحظة نفسها.

باران: ديلان!....

رفع نظره إليها، ثم وقع بصره على يدها.

اقترب منها بسرعة عندما رآها تحرك يدها في الهواء.

باران: ماذا حدث؟.

أخفت يدها خلف ظهرها.

ديلان: لا شيء... مجرد شيء بسيط.

لكنه لم يقتنع فقال...

باران: أرني يدك.

ديلان: لا داعي إنها بخير.

باران: ديلان، قلت لك أريني يدك.

ترددت للحظات، ثم أخرجتها ببطء.

وما إن رأى الاحمرار الواضح على كفها حتى تغيرت ملامحه.

باران: لقد أحرقتِ يدك.

ثم أمسك بمعصمها بحذر، وقادها إلى حوض المطبخ.

باران: ضعيها تحت الماء البارد.

فعلت ما طلب منها، بينما فتح هو الصنبور، وظل واقفًا إلى جوارها يراقب يدها بقلق.

ديلان: أنا آسفة... لقد اقلقتك عبثا.

نظر إليها باستغراب.

باران: على ماذا؟.

ديلان: لأنني جعلتك تعود من أجلي، ثم حرقت يدي في لحظة شرود.

هز رأسه واجابها بشبه إبتسامة رسمت على ثغره.

باران: لماذا تقولين ذلك، لم تفعلي شيء، عندما لم ارك اردت اللحاق بك مخافة ان يعترض طريقك شخص ما.

ثم أضاف بهدوء:

باران: لكن في المرة القادمة، لاتعودي وحدك فالطريق شبه خالية، ولا تلمسي شيئًا ساخنًا وأنتِ شاردة هكذا.

خفضت ديلان عينيها.

فقال بعد لحظة:

باران: هل ما زالت تؤلمك؟.

ديلان: قليلًا.

أغلق الصنبور بعد أن مرت دقائق كافية لتبريد الحرق، ثم ذهب لغرفته وأحظر كريم الحروق الذي كان يحتفظ به في غرفته.

وضع منه قليلًا على قطعة شاش، ثم توقف قبل أن يلمس يدها.

باران: هل تسمحين لي؟.

رفعت ديلان عينيها إليه للحظة، ثم أومأت بخجل.

وضع الكريم على موضع الحرق بحذر، دون أن يضغط على جلدها.

كانت عينا ديلان منخفضتين طوال الوقت، بينما كان باران منشغلًا بيدها، غير مدرك أن هذا الموقف البسيط قد ترك في قلبها أثرًا أكبر من الحرق نفسه، فبينما كانت يدها تمسح المرهم على اصابعها المصابة شعرت بشيء يسري داخلها، وحرارة إرتفعت إلى وجنتيها ومستهما حمرة تحت النقاب.

وفجأة، سُمع صوت المفتاح في باب الشقة، كان باران قد إنتهى ولف يدها بقطعة من الشاش الابيض النضيف والصقها بلاصق طبي، ثم جمع الاغراض ووضعهما في علبة الاسعافات ووضعها بمكانها داخل خزانة المطبخ ومد يده بالمرهم وقال...

باران: إدهني به موضع الحرق مساءا وستصبح بخير صباحا ولن يبقى أثارا للحروق على اصابعك غدا.

وصلت عائشة وعزت للشقة، ثم إتجهت عائشة نحو المطبخ بعد ان سمعت جلبة تأتي منه.

سحب باران يده فورًا عند رؤيتها، بينما أخفت ديلان يدها داخل كم عباءتها.

دخلت عائشة وهي تقول:

عائشة: ديلان؟ هل انتهيت من طهي الفطائر؟.

ثم لمحت يدها فإقتربت منها وهي تقول...

عائشة: يا إلهي! ماذا حدث ليدك؟.

أجابت ديلان بخجل:

ديلان: احترقت قليلًا وأنا أعد الشاي.

تنهدت عائشة واقتربت منها.

عائشة: ألم أقل لك ألا تتعبي نفسك؟ إنتبهي يا عروس فغدا يوم عقد قرانك، هل ستكونين عروسا بيد محروقة.

ثم نظرت إلى باران، وكأنها فهمت من وجوده أنه هو من اعتنى بها.

ابتسمت دون تعليق.

وبعد قليل، اجتمعت العائلة كلها حول مائدة العيد.

جلست ديلان إلى جانب عائشة، وهي لا تزال بحجابها ونقابها، بينما جلس باران في الجهة المقابلة لها.

كانت الأحاديث والتهاني والضحكات تملأ المكان، لكن بين حين وآخر، كانت عينا باران تتجهان تلقائيًا نحو يدها الملفوفة.

أما ديلان، فكلما رفعت عينيها وصادفت نظرته، أسرعت بخفضهما.

ولم يكن أحد يعرف أن صباح العيد هذا، الذي بدأ بصلاة وتهانٍ عابرة، قد ترك بين قلبين خطوة صغيرة لم تكن في الحسبان.


ما إن هدأت حركة الصباح قليلًا، حتى وصلت هازان برفقة زوجها وأطفالها لتقديم التهاني بالعيد.

استقبلتهم عائشة بفرح، وتعالت عبارات التهنئة والمباركة، وتداخلت ضحكات الأطفال مع أصوات الكبار، فتحولت الجلسة إلى واحدة من تلك الجلسات العائلية الدافئة التي ينسى فيها المرء همومه لبعض الوقت، ويشعر وكأن الحياة، رغم كل ما حملته من قسوة، لا تزال قادرة على أن تمنحه لحظات من السكينة.

جلس الجميع يتبادلون التهاني وأطراف الحديث، بينما كانت ديلان تجلس إلى جوار عائشة، هادئة كعادتها، لا تتدخل إلا حين تُسأل، وتشاركهم ابتساماتها الخجولة التي اعتادها أفراد العائلة وأحبوها من أجلها.

لكن هازان، التي كانت تجلس بالقرب منها، انتبهت إلى يدها الملفوفة، فعقدت حاجبيها وسألتها بقلق:

هازان: ماذا حدث ليدك يا ديلان؟.

نظرت ديلان إلى يدها وكأنها لم تنتبه إليها إلا حين سألتها هازان، ثم أجابتها بهدوء:

ديلان: بينما كنت أعد الفطائر التي حضرناها أنا وأمي في الصباح الباكر، أردت أن آخذ إبريق الشاي لأجهزه، وكنت قد نسيت انه جاهز وأنني وضعته على النار بعد عودتي من صلاة العيد، حين أشعلت الفرن ليسخن لأضع فيه الفطائر، ثم توجهت إلى إبريق الشاي دون أن أتذكر أنه كان فوق النار مسبقا... وما إن لامست يدي مقبضه حتى لسعتني الحرارة.

استمعت هازان إلى روايتها، ثم هزت رأسها وهي تبتسم بمكر لطيف:

هازان: لا بد أنك كنت شاردة يا عروس، ولذلك لم تنتبهي للأمر، لكن أخبريني، يدك قد احترقت... كيف ستمضين غدًا على قسيمة الزواج؟.

انفجرت ضحكات من حولها، وارتفعت ابتسامات أفراد العائلة، بينما شعرت ديلان بحرارة الخجل تشتعل في وجنتيها تحت نقابها، حتى كادت تتمنى لو انشقت الأرض وابتلعتها.

خفضت رأسها، ولم تجد ما تقوله.

كانت كلمة عروس وحدها كفيلة بإرباكها، فكيف إذا أضيف إليها الحديث عن عقد زواجها غدًا؟،

ضحكت عائشة بدورها، ثم مالت قليلًا نحو هازان، وقالت بصوت خافت حتى لا يسمعها الرجال الجالسون في الجهة المقابلة:

عائشة: لا تقلقي يا هازان... فقد اعتنى بها باران، وغدًا ستكون يدها بخير بإذن الله.

ما إن خرجت الكلمات من فم عائشة حتى اتسعت عينا ديلان خلف نقابها.

شعرت بأن قلبها هبط إلى مكان ما في جوفها.

باران...

مجرد ذكر اسمه أمام الجميع جعل الخجل يضاعف وطأته عليها، لا سيما أن الرجال كانوا يجلسون في الجهة المقابلة، ولم تكن تدري إن كانت كلمات عائشة قد وصلت إلى مسامعهم أم لا.

نهضت على الفور، محاولة أن تخفي ارتباكها.

ديلان: سأملأ إبريق الشاي من جديد...

قالتها بسرعة، ثم اتجهت نحو المطبخ، كأنها وجدت في إبريق الشاي طوق نجاة تنقذ به نفسها من هذا الموقف.

لكن قبل أن تخطو بعيدًا، جاءها صوت عزت من مكانه:

عزت: احترسي يا ديلان، حتى لا تحرقي يدك الأخرى هذه المرة.

توقفت في مكانها،

ساد صمت قصير، ثم علت ضحكات مكتومة من حولها،

فهمت ديلان التلميح فورًا،

لقد سمعوا،

أو على الأقل... فهموا.

استدارت قليلًا، وقالت وهي تحاول أن تتمالك نفسها:

ديلان: لا تقلق يا أبي... ففي الصباح كنت منشغلة بالفطائر ونسيت أنني أشعلت النار أسفل الإبريق.

ثم لم تنتظر تعليقًا آخر، بل أسرعت نحو المطبخ، حتى كادت خطواتها تصبح مهرولة من شدة الخجل.

ما إن اختفت عن أنظارهم حتى تبادل أفراد العائلة النظرات والابتسامات.

كانوا يعرفون ديلان جيدًا الآن.

يعرفون حياءها الذي يسبق كلماتها، وخجلها الذي يظهر في كل حركة منها، وكيف تحاول الهروب من أي موقف يضعها في دائرة الانتباه.

وكان ذلك من أكثر الأشياء التي جعلتهم يتعلقون بها.

فلم يروا فيها مجرد فتاة ستدخل بيتهم زوجة لابنهم الثاني، بل رأوا فيها شيئًا نادرًا؛ قلبًا هادئًا، وروحًا نقية، وحياءً لم يعد مألوفًا في زمن أصبحت فيه الجرأة أسهل من الخجل.

ولهذا أحبّوها.

ولهذا أصروا أن تكون هي زوجة باران بعدما كانت زوجة لمراد إبنهم البكر.

إقتربت هازان من والدتها وقالت...

هازان: اظنك على حق يا أمي، عكس نا كنت اعتقد ان باران لن يقترب منها، وسيبقى ينظر لها كزوجة لأخيه فقط وان هذا ظلم له، لكنه على ما يبدوا فقد تعود على الفكرة قبل حتى ان يصبحا زوجين شرعيين، وهاهو يتصرف طبعيا كأي رجل مع زوجته.

إبتسمت عائشة وقالت...

عائشة: ألم اقل لك انه لن يجد افضل منعا زوجة له وان الأيام كفيلة بان تعيد كل شيء لمساره وهذه طببعة البشر تجعله يألف سريعا شريكه في الحياة.

ولم يكن أحد منهم يعلم حجم المفارقة التي يخبئها القدر خلف هذا الزواج.

فديلان لم تكن غريبة عن باران كما يظنون.

وباران لم يكن يلتقي بفتاة لا يعرفها للمرة الأولى.

لقد عرفها من قبل...

عرفها في زمن بعيد، حين كان قلبه قد تعلّق بفتاة لم يستطع نسيانها، ثم افترقا دون أن يعرف أين ذهبت بها الأيام، وظل بعدها يبحث عنها، يتتبع خيطًا بعد آخر، حتى بدأ اليأس يتسلل إلى قلبه شيئًا فشيئًا.

كان قد حدث عائلته عن فتاة أحبها، وعن امرأة بقي أثرها في قلبه رغم مرور السنوات، وعن بحث طويل لم يوصله إليها.

لكنهم لم يعرفوا أن تلك الفتاة التي كان يحدثهم عنها...

هي نفسها ديلان.

أما باران، فلم يكن يعلم أن القدر الذي ظن أنه انتزع منه تلك الفتاة إلى الأبد، كان في الحقيقة يسوقها إليه ببطء، ويخفيها عنه خلف أبواب لم تخطر له يومًا على بال،

لقد ظن أن الطريق بينهما قد انتهى،

وأن كل واحد منهما مضى في اتجاه مختلف،

وأن ما جمعهما ذات يوم لم يبق منه سوى ذكرى يحتفظ بها قلبه رغمًا عنه.

لكنه لم يكن يعلم أن الله كان يحفظ له شيئًا لم يكن يتخيله...

كان يحفظ له ديلان.

يحفظها له حتى تأتيه في الوقت الذي لا يتوقع فيه مجيئها، وفي المكان الذي لم يبحث عنها فيه، وبالطريقة التي لن تخطر له حتى في أحلامه.

وبينما كان باران يجلس مع عائلته، يشاركهم ضحكاتهم، ويرمق أحيانًا باب المطبخ الذي اختفت خلفه ديلان، لم يكن يدري أن الفتاة التي ظل قلبه يناديها لسنوات تجلس أمامه كل يوم...

وأنها أصبحت أقرب إليه مما كانت عليه في أي وقت مضى.

لم يكن يعلم أن القدر لم يفصل طريقه عن طريقها...

بل كان يرسم لهما طريقًا جديدًا، أطول وأشد ألمًا، لكنه ينتهي بهما إلى المكان نفسه،

إلى بعضهما،

وكأن كل ذلك الفراق لم يكن إلا طريقًا طويلًا...

ليعيد الله كلًّا منهما إلى الآخر، في اللحظة التي يكون فيها كلاهما قد فقد الأمل تمامًا في اللقاء.


انقضى اليوم الأول من العيد ببطء، وكأن الساعات كانت تتعمد أن تثقل خطواتها، حتى حلّ المساء، وبدأت العائلة تستعد لليوم الذي طال انتظاره...

يوم عقد قران باران وديلان.

كانت شقة مراد، التي عاشت فيها ديلان زوجةً له ذات يوم، قد بدأت تتغير ملامحها شيئًا فشيئًا. فقد انشغل عزت خلال الأيام الأخيرة بإعادة ترتيبها وتجهيزها، يريد أن يمحو عنها آثار الماضي، وأن يجعلها تليق ببداية جديدة لابنه باران وزوجته.

كان الأمر يحمل شيئًا من الغرابة...

فالمكان نفسه الذي شهد نهاية حياة ديلان الأولى، وأثقل جدرانه بالكثير من الذكريات المؤلمة، كان يستعد الآن ليكون شاهدًا على بداية حياة أخرى، حياة لم تكن ديلان تتخيل يومًا أنها ستعيشها.

وقد بقيت ديلان خلال الأيام الأخيرة في شقة عزت وعائشة بالغرفة السابقة للراحل مراد، إلى أن تجهز الشقة الجديدة.

أما هازان، فقد قررت أن تبقى تلك الليلة معهم لتساعدهم في الاستعدادات الأخيرة، فعادت إلى غرفتها القديمة، الغرفة التي كانت تسكنها قبل زواجها، ونام أطفالها إلى جوارها، بينما انشغل زوجها كاران مع الرجال في بعض الترتيبات الأخيرة.

وبدا البيت في ظاهره هادئًا...

لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت هناك قلوب لا تعرف شيئًا عن الهدوء.

في تلك الليلة، لم تستطع ديلان أن تنام.

كانت مستلقية على فراشها، تحدق في الظلام، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسها بلا رحمة.

غدًا...

غدًا سيصبح كل شيء رسميًا،

غدًا ستُكتب في عقد زواجها امرأةً لرجل آخر،

باران....

مجرد التفكير في اسمه جعل قلبها يرتجف.

لم تكن تخاف الزواج منه بقدر ما كانت تخاف الحقيقة التي تحملها في صدرها،

الحقيقة التي لو خرجت إلى النور، فقد تهدم كل شيء في لحظة واحدة.

كانت تخشى أن يعرف باران أنها ليست كما يظن،

أنها ليست مجرد أرملة أخيه التي قررت العائلة أن تربط مصيرها به.

بل هي الفتاة نفسها التي عرفها ذات يوم، والتي كانت يومًا جزءًا من حياته، ثم اختفت منه دون أن يعرف أين ذهبت.

وضعت ديلان يدها على صدرها، وشعرت بتسارع نبضاتها.

لم تكن مستعدة،

لا لانكشاف سرها...

ولا لما قد يفعله باران إن عرف الحقيقة،

أغلقت عينيها، ثم نهضت بهدوء.

فرشت سجادة الصلاة، ووقفت بين يدي الله، ومع أول تكبيرة، بدأت دموعها تنساب دون أن تستأذنها.

كانت تصلي، ثم تجلس للدعاء، ثم تعود إلى الصلاة كلما شعرت أن الكلمات لم تعد تكفيها.

وفي إحدى سجَداتها، بقيت طويلًا، وكأنها لم تجد مكانًا أكثر أمانًا من الأرض التي تضع عليها جبينها.

همست بصوت متهدج:

ديلان: يا رب... أنت وحدك تعلم ما أخفيه في صدري، أنت وحدك تعلم خوفي، وتعلم أنني لم أرد أن أصل إلى هنا بهذه الطريقة...

توقفت، وابتلعت غصتها.

ديلان: يا رب، مرّر غدًا على خير... لا تجعل سري ينكشف، لا تجعلني أقف أمامه عاجزة عن تفسير كل شيء، لا تجعلني أُفضح بعد أن حفظتني طوال هذه السنوات...

ارتجفت شفتاها.

ديلان: إن كان في هذا الزواج خير لي، فسهّله لي، وإن كان فيه شر فاصرفه عني برحمتك... لكن يا رب، لا تجعلني أؤذي إنسانًا لا ذنب له.

وبعد ان انتهت من الصلاة وضعت كفيها على وجهها، وانفجرت بالبكاء.

كانت تسأل الله النجاة من أمر لم تكن تعرف كيف سيكون مآله، بينما كان القدر قد كتب بالفعل أن الرجل الذي تخشى أن يكتشف سرها...

والرجل الذي كان يبحث عنها منذ سنوات،

هو من سيصبح غدا زوجها على سنة الله ورسوله.

وفي الجهة الأخرى من البيت، كان باران مستيقظًا هو الآخر.

لم يستطع النوم،

كان مستلقيًا على فراشه، وعيناه معلقتان بالسقف، بينما يدور في رأسه سؤال واحد:

كيف ستكون حياتي غدًا؟،

غدًا سيصبح متزوجًا،

من ديلان.

المرأة التي لا يعرف عنها إلا القليل.

لقد كانت زوجة أخيه الراحل.

أرملة عاشت في بيتهم، عرفها عن قرب في الأيام الأخيرة، ورأى فيها من الهدوء والحياء والنقاء ما جعله يحترمها كثيرًا، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الشعور بأنها لا تزال غريبة عن قلبه،

أو هكذا كان يظن.

فالقلب الذي يسكنه اسم امرأة أخرى لم يكن قد استطاع أن يفتح أبوابه لغيرها.

تنهد، وأدار وجهه نحو النافذة،

تذكر تلك الفتاة التي أحبها منذ سنوات...

تذكر عينيها، صوتها، تفاصيل صغيرة ظلت عالقة في ذاكرته رغم كل محاولاته لنسيانها مؤخرا، لانه سيبدا حياة جديدة مع إمرأة غيرها،

وتساءل للمرة التي لا يعرف عددها:

"أين أنتِ الآن؟".

ثم أغمض عينيه،

ربما انتهى كل شيء،

ربما لم يكن مقدرًا له أن يلتقي بها مرة أخرى،

وربما كان عليه أن يدفن ذلك الحب في قلبه، وأن يبدأ حياة جديدة مع امرأة أخرى،

فتح عينيه بعد لحظات، ثم نهض.

ذهب إلى الوضوء، وغسل وجهه بالماء البارد، وكأنه أراد أن يغسل معه ثقل الأفكار التي أنهكته،

ثم عاد إلى غرفته، وفرش سجادته.

وقف بين يدي الله،

لم يطلب أن تعود إليه المرأة التي أحبها،

ولم يطلب أن يكشف له سرًا.

بل طلب شيئًا آخر...

أن يكون عادلًا.

بعد الصلاة، جلس طويلًا رافعًا كفيه.

باران: يا رب... أنت تعلم أنني لا أريد أن أظلمها.

سكت قليلًا، ثم تابع:

باران: هي لم تختر ما حدث لها، ولم تختر أن تكون زوجة أخي ثم تصبح أرملته، ولم تختر أن يقودها قدرها إليّ.

تنهد.

باران: غدًا سأرتبط بها، وسيصبح مصيرها من مصيري... فلا تجعلني أؤذيها بسبب قلب ما زال عالقًا في الماضي.

خفض رأسه ثم واصل كلامه.

باران: إن كان هذا الزواج خيرًا لنا، فاجعلني لها زوجًا صالحًا، واجعلها لي سكنًا وراحة... وإن لم يكن، فألهمني العدل ولا تجعلني أظلمها.

ظل صامتًا للحظات.

ثم أضاف بصوت خافت:

باران: هي لا ذنب لها إلا أن الظروف وضعتها في طريقي.

لم يكن يعلم أن دعاءه الأخير كان أقرب إلى الحقيقة مما يتخيل.

فديلان لم تكن امرأة غريبة عنه كما يعتقد.

والظروف لم تضعها في طريقه مصادفة.

بل كانت هي نفسها المرأة التي شغلت قلبه سنوات، والتي ظن أنه فقدها إلى الأبد.

كان يدعو ألّا يظلم امرأة لا ذنب لها...

بينما كان الله يهيئ له أن يكتشف أن المرأة التي يخشى ظلمها هي نفسها المرأة التي أحبها، وأن الزواج الذي يظنه بداية مع غريبة، سيكون في الحقيقة عودة متأخرة إلى حب ظن ذات يوم أنه دُفن إلى الأبد.

وفي تلك الليلة...

كان قلبان مستيقظين تحت سقف واحد.

قلبٌ يرتجف خوفًا من انكشاف الحقيقة،

وقلبٌ يتهيأ لبدء حياة مع امرأة يظن أنه لا يعرفها.

وكلاهما كان يرفع يديه إلى السماء...

دون أن يعلم أن الله وحده يعرف الحقيقة كاملة، وأن صباح الغد لن يكون مجرد صباح عقد قران...

بل صباحًا ستبدأ فيه خيوط السر القديم بالاقتراب من بعضها، حتى يصبح انكشاف الحقيقة مسألة وقت.


بدأ نهار الجميع منذ صلاة الفجر.

كان البيت لا يزال غارقًا في سكونه حين نهض باران، وارتدى ملابسه، ثم خرج برفقة والده عزت متجهين إلى المسجد كعادتهما لأداء صلاة الفجر، بينما بقيت النساء في المنزل يؤدين صلاتهن.

وفي الغرفة التي كانت يومًا غرفة مراد، كانت ديلان تقف بين يدي ربها.

لم تكن صلاتها في ذلك الصباح ككل صلاة...

فهذا اليوم لم يكن يومًا عاديًا في حياتها،

كان اليوم الذي ستُكتب فيه صفحة جديدة من عمرها، وسترتبط فيه رسميًا بالرجل الذي أخفت عنه أعظم سر في حياتها، وحين فرغت من صلاتها، بقيت جالسة فوق سجادة الصلاة، ترفع كفيها إلى السماء، وتناجي ربها بقلب يرتجف.

ديلان: يا رب... استودعتك أمري كله، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، احفظني بسترك الذي سترتني به طوال هذه السنوات، ولا تجعل سري ينكشف اليوم...

انسابت دمعة على وجنتها.

ديلان: يا رب، إن كان في هذا الأمر خير، فأتممه لي على خير، وإن كان شرًا فاصرفه عني بلطفك... لكن لا تجعل هذا اليوم يحمل لنا أذى أو فضيحة أو ألمًا.

ظلت تدعو طويلًا، تارة تسبّح، وتارة تستغفر، وتارة تعود إلى الدعاء.

ثم مدت يدها إلى المصحف الموضوع بجوارها.

فتحته على وردها المعتاد، وبدأت تتلو آياته بصوت خافت، محاولة أن تجد في كلمات الله السكينة التي عجز قلبها عن العثور عليها في أي مكان آخر.

كانت تقرأ، وكلما مرت عيناها على آية تحمل معنى الطمأنينة، شعرت بأن شيئًا من الخوف ينحسر داخلها.

حتى سمعت حركة في الخارج.

أغلقت المصحف برفق، ووضعته في مكانه، ثم نهضت واتجهت نحو الباب.

وما إن خرجت من الغرفة حتى لمحتها عائشة.

تقدمت منها بسرعة، وكأنها كانت تنتظر ظهورها.

عائشة: اليوم لا عمل لك معنا يا ابنتي.

نظرت إليها ديلان باستغراب.

ابتسمت عائشة، ثم أمسكت بيدها برفق.

عائشة: أنت عروس اليوم، وواجبنا أن نخدمك لا أن نتركك تخدميننا. هيا يا ابنتي، عودي إلى غرفتك وتجهزي، فاليوم يومك.

ابتسمت ديلان بخجل، وقالت:

ديلان: لكنني أستطيع أن أساعدكم قليلًا...

قاطعتها عائشة بحزم لطيف:

عائشة: لا أريد أن أسمع كلمة أخرى، هيا اذهبي.

وفي تلك اللحظة، خرجت هازان من إحدى الغرف وهي تحمل طفلًا بين ذراعيها، بينما كانت ملك تتشبث بثوبها.

هازان: سأُنهي أمر هذين الصغيرين وألحق بك، فلا تقلقي، لقد أحضر أبي طباخة اليوم لتعد لنا طعام العيد، لذلك ليس عليك أن تنشغلي بشيء.

ثم نظرت إليها مبتسمة وأضافت:

هازان: هيا اذهبي وخذي حمامًا منعشًا، وابدئي في الاستعداد.

رفعت ديلان عينيها إليها.

لكن ملك إنسابت من بين يديها  وقالت...

ملك : سابقى مع خالتي ديلان وهي من ستلبسني ثيابي .

إبتسمت لها ديلان وقالت لها تعالي، ثم رفعت نظرها وقالت....

ديلان: متى سيأتي المأذون؟.

هازان: قال أبي إنه سيأتي بعد صلاة الظهر، وستتم مراسم عقد القرآن مباشرة بعدها، ونظرت لإبنتها وقالت..

هازان: اليوم انا من سيغير لك ملابسك فخالتك ديلان هي عروسا اليوم، ولايجب ان نزعجها اوونثقل عليها، فهي يجب ان تتجهز ومستلزماته كثيرة.

اومأت ملك رأسها بالإيجاب وتبعت والدتها لداخل الغرفة.

تسارعت نبضات ديلان عند سماعها لموعد المأذون،

بعد صلاة الظهر...

لم يبقَ سوى ساعات.

أومأت برأسها، ثم عادت إلى غرفتها بخطوات هادئة، بينما بقيت عائشة تراقبها بابتسامة أمّ راضية، دون أن تعرف أن تلك الفتاة تحمل في صدرها خوفًا أكبر من أن تحتمله الكلمات.

دخلت ديلان الحمام وأغلقت الباب خلفها.

وقفت للحظات تحت الماء، وتركت دفئه ينساب فوق جسدها، وكأنها تحاول أن تغسل عن روحها رهبة هذا اليوم.

اليوم...

ستصبح زوجة باران،

كررت العبارة في داخلها، فارتجف قلبها.

لم تكن تعرف هل تخاف مما سيحدث، أم تخاف من أن تتمنى أن يحدث.

أغلقت عينيها، واستغفرت ربها، ثم أكملت استعدادها.

وفي الوقت نفسه، كان البيت قد امتلأ بحركة مختلفة.

أما باران، فبعد أن عاد من المسجد برفقة والده، لم يمكث طويلًا، إذ أخذ عزت ابنه وتوجها إلى حلاق الحي، كما جرت العادة في مثل هذا اليوم.

كان يوم العريس...

وكان على باران أن يبدأه كما يبدأه الرجال في عائلتههم.

وحين عاد باران، كان قد تغيرت ملامحه قليلًا.

جلس أولًا لبعض الوقت، ثم دخل ليستحم.

وبعدها فتح الخزانة وأخرج بدلته السوداء التي اختارها له اباه عزت خصيصا لهذا اليوم.

ارتداها بعناية، ثم انتعل حذاءه المناسب، وقف أمام المرآة للحظات.

كان يبدو مختلفًا،

أكثر نضجًا...

أكثر هيبة...

وكأن الثوب الذي ارتداه لم يغيّر مظهره فقط، بل ذكّره بأن ساعات قليلة تفصله عن حياة كاملة ستبدأ من جديد.

أخذ عطره ونثر منه على ثيابه، ثم وقف لحظات شاردًا.

غدًا؟،

لا...

ليس غدًا،

اليوم !!!

اليوم سيصبح زوجًا لديلان.

تنفس بعمق،

لم يكن يعرف كيف ستكون الأيام القادمة، ولا كيف سيتعامل مع قلبه الذي لم يتحرر تمامًا من الماضي.

لكنه كان قد اتخذ قراره،

سيكون عادلًا معها،

لن يحملها ذنب شيء لم تختره،

ولن يجعلها تدفع ثمن حب قديم لم يكن لها يد فيه.

أما ديلان، فقد كانت في غرفتها برفقة هازان التي أصرت على أن تتولى تجهيزها بنفسها.

ارتدت ديلان فستانًا أبيض جميلًا، محتشمًا، بأكمام طويلة، وقد بدا عليها الهدوء أكثر مما كان يشعر به قلبها.

جلست أمام المرآة، بينما راحت هازان تصفف شعرها بعناية.

ديلان: هازان، أظن أن هذا يكفي... لا أريد كل هذا.

ضحكت هازان.

هازان: اليوم لن أستمع إلى اعتراضاتك.

ديلان: لكنني لا أحتاج إلى مساحيق التجميل.

هازان: وأنت عروس، ومن حقي أن أزينك.

ثم بدأت تضع لها لمسات خفيفة من كريم الأساس، والقليل من الظلال الناعمة خلف جفنيها، ولمسة بسيطة من الكحل حول عينيها.

أما شفتيها، فأضفت عليهما لونًا زاهيًا هادئًا بقلم الشفاه، لا يطغى على لونهما الطبيعي الذي كان جميلًا في حد ذاته.

وحين همت هازان بوضع أحمر الخدود، تراجعت وهي تضحك.

هازان: لا حاجة لهذا.

نظرت ديلان إليها باستغراب.

هازان: وجنتاك تقومان بالمهمة على أكمل وجه.

كانت وجنتا ديلان محمرتين بطبيعتهما، وزادهما الخجل الذي لم يفارقها منذ الصباح لونًا أكثر إشراقًا.

ابتسمت هازان وهي تنظر إليها في المرآة.

هازان: لو تركتك على طبيعتك، لما احتجت إلى شيء أصلًا.

خفضت ديلان عينيها، وابتسمت بخجل.

وبعد أن انتهت هازان من تجهيزها، بقيت ديلان ترتدي حجابها ونقابها، كما اعتادت دائمًا، فلا يرى زينتها سوى النساء ومن يحل لها أن تظهر أمامه.

كانت عروسًا...

لكنها عروس تخفي خلف نقابها قلبًا يرتجف.

ومرت الساعات سريعًا.

حتى بدأت قاعة الجلوس تمتلئ بالضيوف.

جاء أقارب عزت وعائلته، وتتابعت التهاني، وارتفعت أصوات الضحكات والحديث، بينما كانت النساء يتولين استقبال بعضهن بعضًا، والرجال يجلسون في الجهة الأخرى.

كان البيت يعيش فرحة كبيرة.

فرحة زواج باران.

لكن وسط كل تلك الأجواء، كانت هناك عينان لا تريان في المشهد إلا شيئًا واحدًا.

دنيز.

جلست بين النساء، تراقب ما يحدث بصمت، وفي صدرها نار تتأجج.

كل ما خططت له انهار أمام عينيها.

كانت تريد أن تُطرد ديلان من هذا البيت.

أرادت أن تعود هي إلى مكانها، وأن ينتهي وجود ديلان من حياة العائلة.

لكن ديلان لم تغادر.

بل ها هي اليوم...

عروسًا.

والأسوأ من ذلك كله أنها ستتزوج باران.

شابًا وسيمًا، أعزب، ينتمي إلى عائلة محترمة، ويبدو أن الجميع سعيدون بهذا الزواج.

ضغطت دنيز على أصابعها في حجرها.

لم تستطع أن تفهم كيف انقلبت الأمور ضدها بهذه السرعة.

حتى مدحت...

ذلك الرجل الذي كانت تعوّل عليه في تنفيذ ما تريد...

لم يعد يجيب عن اتصالاتها منذ أيام.

كانت تتصل مرة، ومرتين، وعشرات المرات، ولا جواب.

كل الأبواب التي ظنت أنها ستفتح لها طريقًا نحو ديلان كانت تُغلق واحدًا تلو الآخر.

رفعت عينيها نحو ديلان التي كانت تجلس داخل عرفتها، هادئة، خجولة، ثم عادت  دنيز بانظارها تمسح بها وسط النساء، لا تعلم ديلان كم من الحقد يختبئ خلف النظرات التي تُرمق بها دنيز.

اشتعل الغضب في صدر دنيز أكثر، لكنها لم تكن تعلم أن ما تراه اليوم ليس سوى بداية النهاية لكل ما خططت له.

وأن القدر الذي ظنت أنها تستطيع التحايل عليه...

كان ينسج خيوطه بعيدًا عنها.

وفي مكان آخر من البيت، كان باران يستعد للنزول إلى الضيوف، غير عالم بأن الساعات القادمة لن تمنحه زوجة جديدة فحسب...

بل ستعيد إليه، دون أن يدري، المرأة التي ظل قلبه يبحث عنها طوال سنوات.

أما ديلان، فكانت تنتظر اللحظة التي سيُطرق فيها باب الغرفة، وتُستدعى إلى مجلس عقد القرآن...

وقلبها لا يزال يردد دعاءً واحدًا:

يا رب... استرني، وأتمم هذا اليوم على خير.


جاءت ساعة الحسم أخيرًا...

الساعة التي ظلّت ديلان تخشاها منذ أن عرفت أن هذا اليوم سيأتي، والساعة التي شعرت منذ الصباح بأنها تحمل بين دقائقها قدرًا لا تستطيع الفرار منه.

كان المأذون قد وصل، واجتمع أفراد العائلة والضيوف في غرفة الجلوس، بينما خفتت الأحاديث شيئًا فشيئًا، وكأن الجميع شعر بأن اللحظة المنتظرة قد حانت.

وفي الغرفة الأخرى، كانت ديلان تقف للحظات أمام المرآة، تحاول أن تجمع شتات قلبها الذي أخذ يخفق بعنف، لم تكن تسمع سوى دقات قلبها المتسارعة، وكأنها تعدّ عليها الثواني الفاصلة بينها وبين اللحظة التي ستغيّر حياتها إلى الأبد.

ثم فُتح الباب...

خرجت ديلان بخطوات مترددة، تمشي على استحياء نحو طاولة عقد القران.

كانت ترتدي ثوبها الأبيض جميلا، ينساب حولها كأنها حورية نزلت من السماء، وتحيط بها هالة من الهدوء والحياء، بينما انطلقت زغاريد النساء في أرجاء المكان، معلنةً بداية اللحظة التي انتظرها الجميع.

أما دنيز، فكانت تجلس بين الحاضرات، ترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة، بينما كان الحقد والكره يغلي في صدرها.

كانت عيناها تلاحقان ديلان بنظرات حاقدة.

كل خطوة تخطوها تلك الفتاة نحو طاولة العقد كانت بالنسبة إليها صفعة جديدة.

لقد فشلت كل محاولاتها...

وها هي ديلان، التي أرادت إخراجها من هذا البيت، تجلس الآن لتصبح زوجة باران.

باران الذي لم تتخيل يوما انه سيقبل بها، أصبح على وشك أن يضع اسمه إلى جانب اسم المرأة التي تكرهها.

أما ديلان، فلم تكن ترى شيئًا من ذلك.

كانت تسير وكأنها تمشي نحو قدر تخشاه، ولا تعرف كيف سيكون الغد بعد أن تفتح له أبواب قلبها وحياتها.

جلست بهدوء إلى جوار باران، وأبقت عينيها منخفضتين، بينما جلس هو بجانبها وقد بدا أكثر هدوءًا مما يشعر به في داخله.

التفت المأذون إليهما، ثم بدأ حديثه بكلمات عن الزواج، وعن المودة والرحمة، وعن المسؤولية التي يحملها كل من الزوجين تجاه الآخر، حتى انتهى من مقدمته، ثم شرع في تلاوة صيغة العقد.

ساد المكان صمت عميق،

صمت لم تقطعه إلا أنفاس الحاضرين الخافتة.

ثم توجه المأذون إلى باران، وطرح عليه السؤال الذي سيضع الحد الفاصل بين حياته السابقة وحياته القادمة.

أجاب باران بثبات:

باران: نعم أقبل.

كانت كلمة واحدة...

لكنها حملت في قلبه معنى أكبر مما يستطيع أن يصفه.

ثم التفت المأذون إلى ديلان،

وفجأة شعرت وكأن جميع الأنظار قد اجتمعت عليها.

ارتبكت، وتوترت أصابعها في حجرها، وانخفض رأسها أكثر، ولم تجرؤ على رفع عينيها.

كان قلبها يخفق بعنف حتى خُيّل إليها أن الجميع يستطيع سماعه.

كرر المأذون السؤال عليها مرة أخرى،

ساد صمت قصير....

ابتلعت ديلان ريقها، ثم خرج صوتها خافتًا مرتجفًا من شدة الخجل:

ديلان: نعم.

نعم واحدة...

كانت كافية لتغلق صفحة كاملة من حياتها، وتفتح أخرى لم تعرف بعد ما الذي تخبئه لها.

توقفت أنفاسها للحظة، وكأنها لم تستوعب أن الأمر قد تم بالفعل.

أما باران، فظل صامتًا، يستمع إلى كلمات المأذون الأخيرة، بينما كان شيء غريب يتحرك في داخله؛ مزيج من الرهبة والمسؤولية، وشعور مبهم بأن هذه اللحظة ليست عابرة كما ظن.

ثم رفع المأذون يديه قليلًا، وقال بابتسامة:

المأذون: بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير،

وانفجرت الغرفة بالزغاريد.

تعالت أصوات النساء فرحًا، وتداخلت معها التهاني والدعوات، وأقبل الحاضرون على العروسين يباركون لهما عقد قرانهما، ويدعون لهما بحياة مليئة بالسعادة والمودة والرحمة.

اقتربت عائشة من ديلان، واحتضنتها وهي تبارك لها، ثم من خلفها أمينة امها، التي حظرت رفقة اخويها احمد وعمر، فحين رفض كاظم الحضور مدعيا ان ديلان قللت منه أمام عائلة زوجها السابق، الذين لم يضعوا له إعتبارا كوليا لأمرها، بينما أحاطت بها النساء بالتهاني والدعوات.

وكانت ديلان تستمع إليهن وهي لا تزال غير مصدقة أن اسمها أصبح الآن مرتبطًا باسم باران.

أما في الجهة الأخرى...

فكانت دنيز تجلس صامتة.

تسمع التهاني من حولها، وترى الابتسامات والزغاريد، لكنها لم تسمع شيئًا سوى صوت غيظها الذي كان يصرخ في أعماقها.

لقد أصبحت ديلان زوجة باران رسميًا.

وانتهى كل شيء،

كل الأبواب التي حاولت دنيز فتحها لإبعادها من هنا، أُغلقت في وجهها واحدًا تلو الآخر.

وبينما كان الجميع يحتفلون ببداية حياة جديدة للعروسين، كانت دنيز تنظر إليهما بعينين تشتعلان بالحقد، وكأنها لم تكن ترى أمامها عقدًا مباركًا، بل هزيمةً جديدة لها...

وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم يكن أحد يعلم أن هذا العقد الذي جمع بين باران وديلان لم يكن مجرد قرار اتخذه البشر، بل كان فصلًا جديدًا من حكاية قديمة...

حكاية فرّق الزمن بين صاحبيها طويلًا، ثم أعادهما إلى بعضهما من حيث لم يتوقع أيٌّ منهما.

فباران كان قد أمضى سنوات يبحث عن المرأة التي سكنت قلبه...

وديلان كانت تقف الآن إلى جواره، وهي تخشى أن يعرف أنها هي ذاتها تلك المرأة التي ظل يبحث عنها.

كان كلٌّ منهما يقف عند بداية الطريق نفسه...

لكن الحقيقة الكاملة كانت لا تزال مختبئة في مكان ما بين الماضي والحاضر، تنتظر اللحظة التي يسقط فيها آخر ستار

تعليقات



<>