رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس والاربعون45 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس والاربعون45 بقلم عاشقة القلم

✍️ما إن انتهى المأذون من عقد القران، حتى تقدمت عائشة نحو ابنها، وقد غمر الفرح ملامحها. احتضنته وقبّلته، ثم رفعت يديها تدعو لهما من قلبها، قبل أن تتوجه نحو ديلان وتحتضنها هي الأخرى، وكأنها لم تعد تراها مجرد زوجة ابنها، بل ابنةً لها منذ هذه اللحظة، ومن خلفها كانت أمينة التي حضرت في آخر لحظة قبل عقد القران، بعد ان تشاجرت مع كاظم الذي منعها من حظور زفاف إبنتها بحجج واهية كعادته،

كان عزت قد سبقهما، فوقف إلى جوار العروسين وهنّأ ابنه وزوجته، بينما وقفت هازان إلى جانب زوجها، تشارك الجميع فرحتهم وتملأ وجهها ابتسامة عريضة.

ثم أخرجت عائشة علبةً مخملية سوداء، كانت قد أعدّتها لهذه اللحظة بعناية.

مدت بيديها أمامهما، وفتحت العلبة ببطء.

ظهر بداخلها خاتما زواج أنيقان، إلى جانب عقد رقيق تتدلى منه دلاية على شكل قلب، وبجانبه إسوارة وحلق، أعدّتها عائشة هديةً العريس للعروس( او ذهب الزواج كما يقال في بعض البلدان او الشبكة).

ارتفعت بعض همهمات الإعجاب من النساء، بينما ابتسمت هازان وهي تنظر إلى ديلان التي ازدادت خجلًا.

تناول باران الخاتم أولًا، ثم التفت نحو ديلان.

مد يده نحوها، وأخذ يدها برفق، ثم بدأ يُلبسها الخاتم، ثم إقترب منها وطبع قبلة على جبينها.

كانت أصابعها ترتجف قليلًا.

لم يكن ارتجافًا من الخجل وحده، بل من ثقل اللحظة التي لطالما تخيلتها في دعائها وأمنياتها، ثم وجدتها الآن تتحول إلى حقيقة أمام عينيها.

لقد أصبحت زوجته...

باران.

الرجل الذي أحبته طويلًا، والذي ظنت في لحظات كثيرة من حياتها أن القدر قد كتب عليها أن تبتعد عنه إلى الأبد.

والآن ها هو يضع خاتمه في يدها ويقبل جبينها.

كادت عيناها تدمعان من شدة التأثر، لكنها تماسكت، وأخفضت بصرها أكثر.

التقطت عائشة خاتم باران، ولاحظت توتر ديلان وارتباكها، فابتسمت بحنان وقالت:

عائشة: خذيه يا أبنتي مد يدك يا بني، سأساعدك.

تناولت الخاتم، ورفع باران يده إليها، 

وبينما كانت ديلان تستعد لإلباسه الخاتم، التقت عينا باران بعينيها.

كانت لحظة قصيرة...

لكنها بدت لهما أطول من كل ما سبقها.

رفعت ديلان عينيها دون أن تشعر، فوجدته ينظر إليها.

وتوقفت أنفاسها للحظة.

شعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبها، دفء لم يكن سببه الخاتم الذي استقر في إصبعها، ولا كلمات التهاني المحيطة بها، بل تلك النظرة التي جمعتها بالرجل الذي تمنته طويلًا.

ها هو أمامها.

زوجها.

لقد تحقق ما كانت تخشى حتى أن تتمناه بصوت مرتفع.

لكن خلف فرحتها كان يقف خوف أكبر...

الخوف من اليوم الذي سيعرف فيه باران الحقيقة.

هي تعلم أن المرأة التي ظل يبحث عنها سنوات، والتي بقيت صورتها عالقة في قلبه، ليست امرأة أخرى...

إنها هي.

ديلان نفسها.

وهذا ما أرعبها أكثر من أي شيء آخر.

لم تكن تعرف كيف ستكون ردة فعله عندما يعلم.

هل سيفرح لأنه وجد أخيرًا المرأة التي ظل يبحث عنها؟،

هل سيشعر أن القدر أعادها إليها بطريقة لم يكن يتوقعها؟،

أم ستكون الحقيقة أكبر من أن يتقبلها؟.

لم تكن تعرف.

وكلما فكرت في تلك اللحظة، ازداد خوفها.

أما باران، فكان يعيش شيئًا مختلفًا تمامًا،

فهو لم يفهم سر ذلك الشعور الذي اجتاحه لحظة التقت عيناه بعينيها.

شعر بدفء هادئ تسلل إلى صدره، وبشيء من الطمأنينة لم يجد له تفسيرًا.

استغرب من نفسه،

لماذا شعر بتلك الطريقة؟،

لماذا بدت له تلك النظرة مختلفة؟،

حاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا لما حدث، فأقنع نفسه بأنها رهبة اللحظة لا أكثر.

فمنذ دقائق قليلة أصبحت هذه المرأة زوجته،

ومنذ هذه اللحظة أصبح مسؤولًا عنها، وعن راحتها، وعن حمايتها.

ربما كان ذلك الشعور نابعًا من إدراكه المفاجئ لحجم المسؤولية التي حملها على عاتقه.

هكذا أقنع نفسه...

ولم يخطر بباله، ولو للحظة واحدة، أن المرأة التي ينظر إليها الآن هي نفسها المرأة التي ظل قلبه متعلقًا بها، وأن السنوات التي قضاها في البحث عنها انتهت به إلى الوقوف أمامها ووضع خاتم الزواج في يدها.

وفي تلك الأثناء، كان ديلان قد ألبسته خاتمه، ثم تناولت  عائشة العقد الذي أعدته لديلان.

اقتربت باران منها وألبسها إياه حول عنقها بكل تمهل، ثم عدلت عائشة موضعه، بينما كانت ديلان ساكنةً تمامًا، تشعر وكأنها تعيش حلمًا تخشى أن تستيقظ منه.

كانت الزغاريد لا تزال تتعالى من حولها، والتهاني تتوالى، والجميع ينظر إلى العروسين بفرح.

لكن خلف تلك الابتسامة الهادئة التي ارتسمت على وجه ديلان، كان هناك قلب يرتجف.

فاليوم الذي انتظرته طويلًا قد جاء...

لكن معه جاء السؤال الذي كانت تخشاه أكثر من أي شيء:

ماذا سيحدث عندما يعرف باران أن زوجته التي تجلس إلى جواره الآن...

هي نفسها المرأة التي ظل يبحث عنها طوال تلك السنوات؟.


ما إن انتهت مراسم عقد القران، وأُعلن أمام الجميع أن باران وديلان أصبحا زوجين، حتى تبدلت أجواء البيت في لحظات.

فقد انزاحت رهبة المراسم شيئًا فشيئًا، وحلّت مكانها فرحة عائلية بسيطة ودافئة، امتلأت بها أرجاء المنزل.

تعالت الزغاريد من جديد، وتتابعت التهاني من كل جانب، وكلما اقترب أحد من باران أو ديلان أعاد عليهما المباركة، متمنيًا لهما حياة هانئة ملؤها المودة والسعادة.

أما باران، فكان يستقبل التهاني بابتسامة هادئة، ويجيب الجميع بالشكر، بينما بقيت ديلان أكثر خجلًا من أن ترفع عينيها في وجوه الحاضرين، كانت تستمع إلى الدعوات التي تُقال لها، فتجيب بكلمات مقتضبة، وكلما سمعت إحدى النساء تناديها بـ«عروس باران» شعرت بقلبها يخفق داخل صدرها بعنف.

لم تكن قد اعتادت بعد سماع تلك العبارة.

زوجة باران...

كانت الكلمات وحدها كفيلة بأن تجعلها تشعر بأن الأرض من تحت قدميها لم تعد كما كانت.

وبعد قليل، دعت عائشة الجميع إلى مائدة الغداء التي أُعدت منذ الصباح.

اصطف أفراد العائلة والضيوف حول المائدة، وتداخلت الأحاديث والضحكات، بينما أخذت عائشة تتحرك بينهم كعادتها، تتأكد من أن الجميع قد تناول طعامه، وتحث هذا على أن يأكل، وتضيف لآخر شيئًا من أحد الأطباق.

وكان عزت يجلس بينهم وقد بدا عليه الرضا.

فقد رأى ابنه اليوم عريسًا، ورأى ديلان التي أحبها الجميع منذ أن دخلت هذا البيت زوجةً لمراد، أصبحت الآن زوجةً لابنه الآخر.

أما باران، فكان بين الحين والآخر يرفع عينيه نحو ديلان التي كانت تحلس بجوارع دون أن تشعر.

كانت تجلس إلى جانب النساء، هادئةً خجولة، اما أمينة فكانت تتولى أحيانًا مساعدة عائشة في خدمة الحاضرين رغم إصرار الجميع عليها أن ترتاح لأنها أم العروس.

وفي كل مرة تقع عينا باران عليها، كان ذلك الشعور الغريب يعود إليه.

ذلك الهدوء الذي يشعر به حين يراها...

ذلك الإحساس الذي لا يستطيع تفسيره.

لكنه لم يسمح لنفسه بأن يتوقف طويلًا عنده.

كان يذكّر نفسه بأنها زوجته الآن، وأن كل ما يشعر به ربما ليس إلا رهبة البداية، ومسؤولية جديدة لم يعتدها بعد.

امتد تجمع العائلة حتى ما بعد الظهر، وظلت الأجواء عامرة بالأحاديث والضحكات.

وبعد العصر بقليل، بدأت حركة المغادرة.

كانت أمينة أول من استأذن.

اقتربت من ديلان واحتضنتها طويلًا، ثم قبّلتها وهي تقول:

أمينة: مبارك لك يا ابنتي... أسأل الله أن يجعل أيامك القادمة أجمل مما مضى.

ابتسمت ديلان بخجل وقالت:

ديلان: إن شاء الله.

ثم التفتت أمينة إلى باران، صافحته وباركت له قائلة:

أمينة: وأنت يا باران، أوصيك بها خيرًا.

ابتسم باران باحترام وأجاب:

بلران: إن شاء الله يا خالتي.

وفي تلك اللحظة، تقدم الصغيران نحو ديلان وهما يتشبثان بها، ثم ما لبثا أن أخذا يودعانها، فقد اعتادا وجود ديلان بينهم حتى أصبحت قريبة إلى قلبيهما بصورة لم يدركاها إلا حين جاء وقت الرحيل بعد ان مضى زمن على رؤيتها آخر مرة.

اقترب أحدهما منها، بينما تمسك الآخر بثوبها، فابتسمت ديلان وانحنت لهما، تربت على رأسيهما وتقبلهما.

قال أحد الصغيرين بحماس:

عمر: سنعود غدًا!.

ضحكت ديلان وقالت:

ديلان: حسنا سأنتظركما.

تدخلت أمينة وهي تبتسم:

أمينة: ليس غدًا... سنعود بعد يومين او تلاثة.

عبس الصغيران قليلًا، ثم عادا إلى أمهما، قبل أن يلوّحا لديلان وهما يخرجان.

رافقت والدتهما الطفلين، ثم خرجت وهي تودع الجميع واحدًا تلو الآخر.

وقبل أن تغادر، عادت بنظرة أخيرة إلى ديلان، وكأنها أرادت أن تحفظ صورتها في قلبها، ثم قالت:

أمينة: اعتني بنفسك يا ديلان.

أومأت ديلان بابتسامة صغيرة.

ديلان: وأنتِ أيضًا.

خرجت أمينة برفقة طفليها، وبعد لحظات أُغلق الباب خلفهم.

لكن حركة البيت لم تتوقف بعد.

فقد بقي إبراهيم وعائلته، بينما كانت دنيز تراقب كل شيء بصمت.

كانت تجلس بينهم وابتسامتها لا تكاد تخفي ما يغلي في صدرها.

كانت عيناها تتحركان بين أفراد عائلة عمها، فتراهم يضحكون، يباركون، ويتحدثون عن زواج باران وديلان وكأنه أجمل ما حدث لهم.

حتى باران نفسه لم يكن يبدو عليه ذلك الاستياء الذي كانت تتوقعه.

لقد ظنت، طوال الوقت، أن زواجه من ديلان لن يكون أكثر من قرار اضطر إليه بسبب ظروفها، وأنه سيظل متحفظًا تجاهها، وربما يندم في اللحظة التي يصبح فيها الأمر رسميًا ويتراجع.

لكنها لم ترَ شيئًا من ذلك،

كان هادئًا،

بل بدا مرتاحًا،

ولم يكن ذلك أكثر ما يؤلمها...

إنما ما كان ينهش قلبها حقًا هو رؤية السعادة في عيون عائلة عمها.

كانوا جميعًا فرحين من أجل ديلان.

جميعهم رحبوا بزواجها من باران، وكأنهم كانوا ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر.

حتى أمها نفسها!....

التفتت دنيز نحو صفية، فوجدتها تتحدث مع إحدى النساء عن الزواج وتبارك للعروسين.

لم تستطع دنيز أن تمنع نفسها من الاستغراب.

كانت قد توقعت أن تكون أمها على الأقل متحفظة تجاه هذا الزواج، أو أن تفهم سبب اعتراضها عليه، لكنها وجدتها على العكس تمامًا، سعيدةً ومباركة.

وحين سنحت لها الفرصة، اقتربت صفية من ابنتها وقالت بهدوء وصوت خافت يشبه الهمس:

صفية: ما بكِ يا دنيز؟، منذ الصباح وأنتِ شاردة.

رفعت دنيز عينيها إليها سريعًا.

دنيز: لا شيء.

نظرت إليها أمها مليًا.

صفية: لا تقولي لا شيء وأنا أراكِ بهذا الوجه، اليوم يوم فرح، فلماذا تبدين وكأنكِ تحملين همًّا فوق كتفيكِ؟.

أجبرت دنيز نفسها على الابتسام.

دنيز: أنا متعبة فقط، انسيت كل سنة يحدث ذلك معي بعد نهاية رمضان.

هزت صفية رأسها، ثم قالت:

صفية: إذًا اذهبي وارتاحي حين نعود.

لم تجب دنيز.

فكيف يمكنها أن تخبر أمها أن ما يؤلمها ليس التعب؟،

كيف تخبرها أن كل ما كانت تتمناه قد انتزع من أمامها؟،

وأن المرأة التي أرادت إخراجها من هذا البيت، أصبحت اليوم زوجة الرجل الذي لطالما رأته مختلفا، ولن يقبل بأرملة زوجة له؟.

بقيت صامتة، تراقب الجميع وهم يحتفلون.

وكان كل صوت ضحكة يصل إلى مسامعها يزيد النار في صدرها.

مع اقتراب المغرب، بدأ البيت يهدأ تدريجيًا.

كانت هازان تستعد للمغادرة برفقة زوجها وطفليها.

حملت طفلها الرضيع مراد، بينما كانت ملك تتنقل بين أفراد العائلة، تودعهم واحدًا تلو الآخر.

لكن حين حان وقت وداع ديلان، تغير الأمر تمامًا.

تعلقت ملك بها بكلتا يديها، ورفضت أن تبتعد عنها.

انحنت ديلان نحوها، وضمتها إلى صدرها بحنان.

قالت ملك بإصرار طفولي:

ملك: لا أريد أن أذهب.

ضحكت هازان وهي تحاول إقناعها:

هازان: يا صغيرتي، سنعود.

هزت ملك رأسها.

ملك: لا أريد أن أذهب... أريد أن أبقى مع ديلان.

نظرت ديلان إلى هازان بابتسامة، بينما قالت هازان:

هازان: سنعود بعد يومين، أعدكِ.

رفعت ملك رأسها نحو أمها.

ملك: حقًا؟.

هازان: حقًا.

ملك: وسأبقى مع ديلان؟.

ابتسمت هازان.

هازان: نعم، وستقضين معها الوقت الذي تريدينه.

ترددت ملك قليلًا، ثم وافقت أخيرًا، لكنها ظلت ممسكة بيد ديلان حتى اللحظة الأخيرة.

انحنت ديلان وقبّلت جبينها.

ديلان: سأنتظركِ يا ملك.

ابتسمت الصغيرة، ثم ذهبت مع والديها، لكنها بقيت تلتفت إلى الخلف كل بضع خطوات لتلوّح لديلان.

لوّحت لها ديلان حتى اختفت خلف الباب.

ثم غادر إبراهيم مع عائلته بعد أن تبادلوا الوداع والتحيات.

وأُغلق الباب أخيرًا.

ساد البيت صمت لم تعتده ديلان منذ الصباح.

قبل ساعات قليلة كان المكان يعج بالناس، بالضحكات والزغاريد والأحاديث...

أما الآن، فقد خفتت الأصوات، وانحسرت الحركة، ولم يبقَ في المنزل سوى أربعة أشخاص.

عزت.

عائشة.

باران.

وديلان.

كانت ديلان تجلس في مكانها، تشعر بأن الصمت المحيط بها يحمل شيئًا مختلفًا هذه المرة.

ثم نظرت عائشة إلى ابنها.

عائشة: باران.

التفت إليها.

قالت بابتسامة أم حانية:

عائشة: اصعد مع زوجتك إلى شقتكما، يا بني.

توقف باران لحظة.

ثم أجاب بهدوء:

باران: حسنًا يا أمي.

اقتربت عائشة من ديلان، وضمت يدها بين يديها.

عائشة: اذهبي يا ابنتي، اليوم يومك، ولا أريدكِ أن تقلقي من شيء.

أومأت ديلان بخجل.

ديلان: حسنا.

ثم التفت باران إلى الدرج.

تقدم أولًا، وصعد درجاته بخطوات هادئة.

أما ديلان، فتأخرت لحظة واحدة في مكانها.

رفعت عينيها نحو الدرج الذي سيقودها إلى شقتهما.

شقتها الآن مع باران...

بيتها الجديد...

وحياتها الجديدة.

ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأخفضت رأسها، وسارت خلفه.

كان باران يسبقها بخطوات قليلة، بينما كانت هي تصعد الدرج وقلبها يرتجف بين ضلوعها.

كل درجة كانت تشعرها بأنها تقترب أكثر من اللحظة التي حاولت طوال اليوم ألا تفكر فيها.

لحظة انغلاق باب الشقة خلفهما.

لحظة بقائهما وحدهما.

لحظة لن يكون فيها أحد حولهما ليقطع الصمت، أو يشتت أفكارها، أو يمنحها فرصة للهروب من أسئلتها.

كان عقلها يركض أسرع من خطواتها.

ماذا سيحدث حين يصعدان؟،

هل سيتحدث معها؟،

هل سيسألها عن الماضي؟،

هل سيخبرها بما يشعر به؟،

هل سيتغير شيء في معاملته لها بعدما أصبحت زوجته رسميًا؟،

ثم عاد السؤال الأكثر رعبًا إلى رأسها...

ماذا لو اكتشف حقيقتها؟،

ماذا لو عرف أن المرأة التي ظل يبحث عنها سنوات كانت تقف أمامه طوال هذا الوقت؟،

ماذا لو عرف أنها هي؟،

توقفت أنفاسها للحظة.

لم تكن تخشى الزواج منه بقدر ما كانت تخشى الحقيقة التي تحملها في قلبها.

أما باران، فلم يكن يعلم شيئًا عن العاصفة التي تدور خلفه.

كان يصعد الدرج بهدوء، وهو يفكر في أن هذه الليلة هي بداية حياته الجديدة.

كان يعرف أن عليه أن يكون عادلًا معها، رحيمًا بها، وأن يمنحها الوقت لتعتاد على حياتها الجديدة.

لكنه لم يكن يعلم أن الباب الذي سيفتحه بعد لحظات لن يفتح له بيتًا جديدًا فحسب...

بل سيفتح له أبواب الماضي أيضًا.

أما ديلان، فكانت تسير خلفه وهي تضم أصابعها إلى فستانها بقوة، محاولة أن تمنع ارتجاف يديها.

كانت تشعر بأن كل شيء من حولها قد أصبح أكثر هدوءًا...

إلا قلبها.

كلما اقتربا من باب الشقة، ازداد خفقان قلبها.

حتى إذا بلغ باران الباب وتوقف أمامه، شعرت ديلان بأن أنفاسها انحبست.

مد يده نحو المقبض...

وفي تلك اللحظة، أدركت أن اللحظة التي قضت اليوم كله تخشاها قد وصلت أخيرًا.

بعد ثوانٍ قليلة...

سيُغلق الباب خلفهما.

وسيبقيهما القدر وحدهما، للمرة الأولى، كزوج وزوجة.

أما ما سيحدث بعد ذلك...

فلم تكن ديلان تملك له جوابًا.


كان باران يصعد الدرج بخطوات هادئة، بينما كانت ديلان خلفه بخطوات أثقل بكثير مما ينبغي.

لم يكن الدرج طويلًا...

لكنها شعرت وكأنها تصعد نحو شيء لا تعرف كيف تواجهه.

كل درجة كانت تبعدها عن أصوات العائلة، عن عائشة وعزت، عن هازان وملك، عن الضحكات والتهاني التي ظلت تحيط بها طوال اليوم.

وكل درجة كانت تقرّبها منه...

من باران.

زوجها.

توقفت الكلمة في أعماقها، كأن قلبها لم يعتد سماعها بعد.

زوجي...

يا الله.

كيف يمكن لشيء تمنته سنوات أن يصبح حقيقة بهذه البساطة؟،

رفعت عينيها للحظات نحو ظهره، ثم أسرعت بخفضهما.

كانت تراقب خطواته دون أن تقصد، وتتساءل في سرها:

هل يعلم كم أخاف الآن؟،

هل يشعر بارتجاف قلبي؟،

هل يعرف أنني لا أخشى هذه الليلة بقدر ما أخشى اليوم الذي سيعرف فيه كل شيء؟،

ضغطت أصابعها ببعضها.

ماذا سيحدث عندما يعرف أنكِ أنتِ؟.

كان السؤال يطاردها منذ اللحظة التي قال فيها المأذون: «بارك الله لكما».

عندما يعرف أنكِ المرأة التي أحبها قبل سنوات...

المرأة التي بحث عنها...

المرأة التي لم يستطع نسيانها...

هل سيفرح؟،

توقفت للحظة، ثم جاءها السؤال الآخر كطعنة:

أم سيشعر أنكِ خدعته؟،

ارتجف قلبها،

لم تكن تعرف،

وهذا هو أكثر ما يرعبها.

كانت تستطيع احتمال غضبه، وربما تستطيع احتمال ابتعاده عنها، لكنها لم تكن تعرف كيف ستحتمل أن ترى الخيبة في عينيه.

أن ينظر إليها يومًا ويقول لها:

لماذا أخفيتِ عني الحقيقة؟،

ماذا ستجيبه؟،

أنها كانت خائفة؟،

أنها لم تكن تملك الشجاعة؟،

أن الظروف سلبتها القدرة على الكلام؟،

أنها ظنت أن اعترافها سيهدم كل شيء قبل أن يبدأ؟،

وهل سيصدقها؟،

أغمضت عينيها للحظة وهي تواصل الصعود.

يا رب... لا تجعلني أخسره بعد أن أعدته إليّ.

كانت تلك دعوتها الوحيدة.

أما باران، فكان يعيش صراعًا مختلفًا تمامًا.

كان يصعد الدرج وهو يشعر بثقل غريب في صدره،

لم يكن متوترًا من الزواج نفسه، فقد اتخذ قراره، وقبل به، وأصبح الآن واقعًا لا يمكن التراجع عنه،

لكنه كان يفكر في ديلان،

ماذا أعرف عنها حقًا؟،

السؤال جاءه فجأة.

فتاة كانت زوجة أخيه الراحل، عاشَت في هذا البيت طيلة سنة، وعرفها الجميع، بينما ظل هو بعيدًا عنها معظم الوقت.

كان يعرف أنها هادئة،

مؤدبة،

شديدة الحياء،

ويعرف أنها عانت كثيرًا في زواجها من مراد،

لكنه لم يعرف قلبها،

لم يعرف أحلامها،

لم يعرف ما الذي تحبه أو ما الذي تخشاه.

بل لم يعرف حتى كيف تنظر إليه الآن بعدما أصبحت زوجته،

تنفس ببطء.

لقد أصبحت مسؤولًا عنها،

كانت هذه الجملة أكثر ما يطرق رأسه،

ليست مجرد امرأة تزوجتها لأن الظروف دفعتني إلى ذلك،

إنها زوجتي الآن،

أي أن خوفها من اليوم يجب أن يكون خوفي أيضًا، وراحتها مسؤوليتي، وكرامتها أمانة في عنقي.

ثم تذكر دعاءه في الليلة الماضية،

كان قد سأل الله ألا يظلمها،

ابتسم في داخله ابتسامة خافتة.

غريب أمرك يا باران...

كنت بالأمس تسأل الله ألا تظلم امرأة لا تعرفها، واليوم تصعد معها إلى بيتك.

ثم عاد ذلك الشعور الغريب الذي راوده عندما التقت عيناه بعينيها بعد العقد.

تلك اللحظة القصيرة...

لماذا بقيت عالقة في ذهنه؟،

لماذا شعر حينها بشيء يشبه الألفة؟،

كان قد حاول تفسيره أكثر من مرة،

ربما لأنها أصبحت زوجتي،

ربما لأنني شعرت فجأة بحجم المسؤولية،

ربما لأن الموقف كان مؤثرًا،

لكن شيئًا في داخله لم يكن مقتنعًا تمامًا،

كان هناك إحساس آخر...

إحساس مبهم لا يستطيع أن يمسك به،

كأن عينيها قالتا له شيئًا لم يسمعه بأذنيه،

كأن النظرة العابرة بينهما حملت ذكرى بعيدة لا يعرف مصدرها،

هز رأسه قليلًا،

لا تبحث عن أشياء لا وجود لها،

هي ديلان،

وأنت تعرفها الآن على حقيقتها،

لكن قلبه لم يكن يجيب.

أما ديلان، فكانت قد بدأت تسمع صوت أفكارها أعلى من أي شيء آخر...

ماذا لو سألني عن الماضي؟،

ماذا لو تحدث عن الفتاة التي أحبها؟،

ماذا لو ذكرها أمامي؟،

توقفت أنفاسها،

فكرة واحدة كانت كفيلة بإرباكها،

ماذا لو قال إنه ما زال يبحث عنها؟،

كيف ستتمكن من النظر إليه حينها؟،

كيف ستجلس أمامه وتسمع الرجل الذي أحبته يعترف بأنه يبحث عنها، بينما هي تجلس أمامه وتخفي عنه أنها هي؟،

شعرت بوخزة في صدرها.

يا رب...

ثم فكرت:

هل كنت مخطئة حين سكتُّ؟،

لكنها سرعان ما أجابت نفسها:

ماذا كنت سأفعل؟،

هل كان بإمكاني أن أقف أمامه وأقول: أنا الفتاة التي تبحث عنها؟،

ماذا كان سيظن بي؟،

هل كان سيظن أنني تعمدت الاقتراب منه؟،

هل كان سيظن أنني استغليت معرفتي بماضيه لأصبح زوجته؟،

وضعت يدها على صدرها.

لا... لم أفعل شيئًا من ذلك،

لقد جمعنا القدر،

هو لم يعرف، وأنا لم أخطط،

لكن الخوف لم يتركها.

ومع ذلك... سيأتي يوم يعرف فيه.

كانت متأكدة من ذلك،

وكانت تخشى ذلك اليوم أكثر مما تخشى هذه الليلة،

وصل باران إلى أعلى الدرج،

وتوقف أمام باب الشقة.

تأخرت ديلان خلفه خطوات قليلة، ثم رفعت عينيها نحوه.

كان واقفًا أمام الباب، هادئ الملامح، بينما كانت هي تشعر بأن قلبها يكاد يخرج من صدرها.

مد يده إلى المقبض، اخرج المفتاح من جيب سترته واداره،

وفي اللحظة نفسها، جاءها صوت داخلي أخير:

من هنا تبدأ حياتك معه.

ثم صوت آخر، أكثر خوفًا:

ومن هنا أيضًا تبدأ رحلة إخفاء الحقيقة.

أما باران، فكان يفكر:

من هنا تبدأ مسؤوليتي عنها.

ولم يخطر بباله أن المرأة الواقفة خلفه ليست مجرد امرأة ستبدأ معها حياة جديدة...

بل هي المرأة التي ظل قلبه يبحث عنها طوال تلك السنوات.

فتح الباب.

ودخل أولًا.

ترددت ديلان للحظة على العتبة.

نظرت خلفها نحو الدرج، وكأنها تودع آخر ما تبقى من حياتها السابقة.

ثم سمعت صوت باران بهدوء:

باران: ديلان...

رفعت رأسها.

كان ينتظرها.

قال:

باران: تعالي... تفضلي.

ابتلعت ريقها، ثم دخلت.

وأغلق باران الباب خلفهما.

فانقطع آخر صوت من أصوات العائلة.

وساد الصمت.

صمت لم يعد فيه سوى زوجين...

وقلبين يحمل كل واحد منهما سرًا مختلفًا.

هو لا يعرف أنها المرأة التي أحبها.

وهي تعرف أنه لا يعرف.

وبين الحقيقة التي تخفيها، والحقيقة التي يبحث عنها...

بدأت أول ليلة من حياتهما معًا.


ما إن بلغا باب الشقة حتى توقف باران أمامه، وأخرج المفتاح ثم أدار القفل بهدوء.

كانت ديلان تقف خلفه على مسافة قصيرة، تحدق في الباب وكأنها تحدق في الحد الفاصل بين حياتين؛ حياة انتهت منذ لحظات، وحياة جديدة لا تعرف عنها شيئًا.

فتح باران الباب ودخل أولًا، ثم تبعته ديلان بخطوات مترددة.

وما إن دخلت حتى اتجهت مباشرة إلى غرفة الجلوس، محاولة أن تشغل نفسها بأي شيء، بينما أغلق باران الباب خلفهما.

كان صوت إغلاق الباب بسيطًا...

لكنه ارتطم بقلب ديلان كأنه إعلان صريح بأنهما أصبحا وحدهما،

وحدهما تمامًا،

لم يعد هناك صوت عائشة من الأسفل، ولا ضحكات هازان، ولا حركة الأطفال، ولا أي شيء يمكن أن يبدد هذا الصمت الذي كانت تخشاه.

استدارت ديلان ببطء،

فلمحت سينية كبيرة موضوعة على الطاولة، وقد غُطيت بعناية.

اقترب باران منها، ورفع الغطاء قليلًا، فعرف أنها وجبة العشاء التي أعدتها عائشة بمساعدة هازان، وتركتاها لهما قبل أن تغادرا.

قال باران:

باران: يبدو أن أمي وهازان أعدّتا لنا العشاء.

أومأت ديلان دون أن تجيب، لكنها لم تكن تفكر في الطعام،

كانت واقفة في مكانها، وقلبها يرتجف بعنف.

لقد وصلنا إليها...

إلى اللحظة التي ظلت تخشاها منذ أن عرفت أن باران يريد الزواج منها.

الآن فقط، وبعد أن أغلق الباب خلفهما، لم يعد هناك ما يمكن أن يؤجل الأسئلة التي كانت تخافها.

هل سيطلب مني أن أرفع نقابي؟،

هل سيقول إنه يريد أن يرى وجهي؟،

ماذا سأفعل حينها؟،

شعرت ببرودة تسري في أطرافها.

كان وجهها مخفيًا خلف نقابها، كما اعتادت دائمًا أمام الرجال، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا.

هذا الرجل لم يعد رجلًا غريبًا،

لقد أصبح زوجها.

ومع ذلك، كانت الحقيقة التي تخفيها عنه تجعلها عاجزة عن مواجهة عينيه.

لو رأى وجهي...

لو تذكرني...

لو عرفني...

تسارعت أنفاسها.

لكنها سرعان ما هزت رأسها في محاولة لطرد تلك الأفكار.،

لا،

لن تسمح للخوف أن يفضحها،

رفعت ذقنها قليلًا، وأجبرت نفسها على التماسك.

كوني قوية يا ديلان،

لا تتركي ارتباكك يكشف شيئًا،

إن سأل... فستجدين جوابًا،

كانت ثقتها مصطنعة، لكنها احتاجت إليها كمن يحتاج إلى درع في معركة يعرف أنه قد لا يخرج منها سالمًا.

وفي تلك اللحظة، تقدم باران نحو الكرسي، ثم أشار إلى الكرسي المجاور له.

باران: اجلسي.

جلست ديلان ببطء، وأبقت يديها متشابكتين في حجرها.

جلس باران قبالتها للحظات، ثم قال بصوت هادئ:

باران: أنتِ تعلمين الظروف التي تزوجنا فيها، و...

لم تدعه يكمل.

كان قلبها قد التقط الكلمة الأولى فقط، ثم اندفع خوفها بكل قوته،

إنه سيقولها....

سيطلب مني أن أرفع نقابي.

وقبل أن يصل إلى ما يريد قوله، بادرت هي بالكلام.

لم تكن تقاطعه رغبة في الوقاحة، بل كانت تحاول النجاة،

كانت تعرف أن أفضل وسيلة للدفاع عن نفسها هي أن تبدأ بالهجوم، وأن تقول ما تتوقع أنه سيقوله قبل أن يقوله هو.

قالت بسرعة، وإن بدا صوتها أكثر ثباتًا مما تشعر به:

ديلان: أعلم جيدًا ما ستقوله، وأعلم الظروف التي أجبرت كلينا على الزواج.

صمت باران،

لكنه رفع رأسه لينظر إليها،

أما هي فواصلت، وكأنها تخشى أن تمنحه فرصة لاستعادة زمام الحديث:

ديلان: وأنت في حِلٍّ من كل التزام، ولن أطالبك بشيء يصعب عليك أو يثقل كاهلك.

توقفت لحظة تلتقط انفاسها، ثم تابعت:

ديلان: هذا هو الأمر بالنسبة إليّ أيضًا، أعلم أنني زوجتك على الورق إلى أن تجد الفتاة التي تحبها، وفي أثناء ذلك لن أطالبك بشيء، فقط... تحملني قليلًا حتى أجد مكانًا مناسبًا وعملًا يؤمّن لي العيش بكرامة، ثم ننفصل بالرضا.

كانت الكلمات تخرج منها متماسكة، لكن أصابعها كانت تتشابك بقوة فوق ثوبها بحجرها.

ثم أضافت:

ديلان: ولا أظن أن والديك سيعارضانك في ذلك عندما نقول لهما إن العيش بيننا أصبح مستحيلًا، بالتأكيد سيوافقان.

انتهت،

وساد الصمت،

أما باران فظل ينظر إليها مذهولًا.

لم يجد ما يقوله في البداية،

فهذا...

كان بالضبط تقريبًا ما جاء ليقوله لها.

لقد جلس أمامها وهو يحمل الكلمات نفسها في ذهنه، وكان يعرف أنها قد تؤلمها إن خرجت من فمه، وكان يبحث عن طريقة يقولها بها دون أن يشعرها بأنه يتخلى عنها أو يقلل من شأنها،

لكنها سبقته.

بل قالتها بوضوح كامل.

وفوق ذلك، فهمت ما كان يريد الوصول إليه قبل أن يصل إليه.

حدق فيها طويلًا.

كيف فهمتِني بهذه السرعة؟،

لم يكن يتوقع منها أن تستوعب الأمر بهذه السهولة.

بل كان يتوقع أن يضطر إلى شرح موقفه، وأن يبرر لها قراره، وربما أن يرى في عينيها ألمًا حين يخبرها بأنه لا يستطيع أن يمنحها ما تعنيه كلمة الزواج كاملة.

لكنها اختصرت عليه كل ذلك،

وكأنها كانت تعرف ما يدور في رأسه قبل أن يتحدث.

أما ديلان، فكانت تراقب صمته بخوف.

هل قلت أكثر مما ينبغي؟،

هل شكّ في شيء؟،

هل لاحظ ارتجاف صوتي؟،

كانت تتمنى لو ينتهي هذا الحوار سريعًا،

لكن باران لم يغضب،

لم يعترض،

بل قال بعد لحظة، بصوت أكثر هدوءًا:

باران: لا تخافي.

رفعت ديلان عينيها نحوه.

تابع بنفس النبرة:

باران: ستبقين تحت وصايتي وحمايتي إلى أن يحدث ذلك، ولن أتخلى عنكِ بعد ذلك أيضًا.

توقفت الكلمات في قلبها،

كانت قد توقعت أن يتحدث عن الانفصال، لكنها لم تتوقع أن يطمئنها إلى أنه لن يتخلى عنها.

بقيت تنظر إليه دون أن تجد جوابًا مناسبًا.

أما هو فصمت لحظات، ثم أشار بيده إلى مائدة الطعام.

باران: لقد جهزت لنا أمي العشاء، إذا كنتِ جائعة، فكلي.

نظرت ديلان إلى السينية المغطاة، ثم عادت بنظرها إليه.

ديلان: وهل أنت جائع؟، هل أسكب لك؟.

هز رأسه.

باران: لا، لست جائعًا.

أجابته على الفور:

ديلان: ولا أنا؛ أشعر بالتعب قليلًا، لذلك سأذهب إلى غرفتي التي هناك، أما أنت فاذهب إلى تلك الغرفة، فهي لك.

أشارت بيدها نحو الغرفة الأخرى.

نظر باران إلى حيث أشارت، ثم عاد بنظره إليها، وأومأ برأسه.

باران: حسنًا.

نهضت ديلان من امامه،

كان هذا ما تريده،

أن ينتهي الحديث،

أن تبتعد عنه قبل أن يطرح عليها سؤالًا آخر.

أن تدخل غرفتها وتغلق الباب، ثم تستعيد أنفاسها بعيدًا عن عينيه.

بدأت تبتعد،

خطوة...

ثم أخرى...

حتى جاء صوته خلفها.

باران: ديلان.....

توقفت؛

تجمدت في مكانها؛

شعرت بقلبها يهبط إلى قدميها،

ماذا الآن؟،

التفتت نحوه ببطء،

كان باران واقفًا في مكانه، ينظر إليها.

ثم قال بهدوء:

باران: هل يمكنك رفع نقابك لأرى وجهك؟.

توقفت الدنيا من حولها؛

لم تسمع شيئًا سوى دقات قلبها،

كأن العبارة التي كانت تخشاها منذ دخلت الشقة قد خرجت أخيرًا.

ارتجفت أصابعها،

شعرت للحظة أن كل ما بنته من ثبات طوال الدقائق الماضية قد انهار.

لقد وصلنا إليها،

عرفت أنه سيطلبها،

ماذا أفعل؟،

كانت عيناها خلف النقاب تبحثان عن مخرج،

لكنها تذكرت سريعًا ما قالته قبل لحظات،

تذكرت أنها هي من وضعت القاعدة،

هي من أخبرته أنهما لن يطالب أحدهما الآخر بشيء،

فلماذا لا تستخدم كلماته هو كحماية لها؟.

شدت نفسها،

أخذت نفسًا عميقًا،

ثم التفتت إليه بكامل جسدها،

وحين تكلمت، خرج صوتها ثابتًا على نحو أدهشه، رغم أن قلبها كان يرتجف بعنف:

ديلان: ألم تتنازل عن حقك في رؤية وجهي ذلك اليوم، واكتفيت بجمال روحي؟.

سكت باران....

أما هي فواصلت، وقد وجدت في كلماته حصنًا تحتمي خلفه:

ديلان: وأنا لا أرى داعيًا لذلك إذا كنا سننفصل في النهاية.

كانت كلماتها هادئة...

لكن وقعها كان قويًا.

بقي باران ينظر إليها طويلًا،

لم يجد ردًا،

فقد استخدمت حجتها عليه.

وهو الذي قال قبل ذلك إنه لن يطالبها بشيء، وجد نفسه الآن عاجزًا عن تجاوز كلامها،

خفض عينيه لحظة، ثم أعادهما إليها.

لم يكن في نظرته غضب،

بل شيء من الاستغراب والتفكير،

هذه المرأة...

لماذا أشعر أنها تخفي شيئًا؟،

لكنه لم يجد سببًا منطقيًا لشكه،

وربما كان الأفضل أن يحترم رغبتها.

فأومأ برأسه بهدوء، وأشار لها بيده نحو غرفتها.

باران: حسنًا... اذهبي وارتاحي.

ثم أضاف:

باران: ليلة سعيدة.

تجمدت ديلان لحظة،

كانت قد نجت...

هذه المرة،

أومأت برأسها وقالت بصوت خافت:

ديلان: ليلة سعيدة.

ثم استدارت سريعًا وسارت نحو غرفتها.

دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء، وما إن ابتعدت عن نظره حتى أسندت ظهرها إلى الباب.

وضعت يدها على صدرها،

كان قلبها يخفق بعنف،

أغمضت عينيها، وأطلقت زفرة طويلة حبستها منذ أن دخلت الشقة.

كدتُ أفضح نفسي...

كدتُ أنهار أمامه.

ثم رفعت عينيها إلى السماء وهمست:

ديلان: الحمد لله...

أما في الجهة الأخرى، فبقي باران واقفًا وحده في غرفة الجلوس.

نظر إلى الباب الذي اختفت خلفه ديلان،

ثم إلى الطعام الذي أعدته أمه،

ثم عاد ينظر إلى الباب.

كان يشعر بشيء لم يستطع تفسيره،

لم يكن يعرف لماذا بدت له كلماتها وكأنها تخفي خلفها شيئًا أكبر،

ولم يكن يعلم أن المرأة التي أغلقت باب غرفتها الآن هربًا من سؤال واحد...

هي نفسها الإجابة عن السؤال الذي ظل قلبه يبحث عنه طوال سنوات......

تعليقات



<>