رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السادس والاربعون46 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السادس والاربعون46 بقلم عاشقة القلم

 بقي باران واقفًا في مكانه بعد أن اختفت ديلان خلف باب غرفتها.

لم يتحرك.

ظل بصره معلقًا بذلك الباب المغلق، وكأن شيئًا ما في داخله يرفض أن يسمح لها بالابتعاد.

مرت لحظات طويلة...

ثم أطول.

لكنه بقي على حاله، غارقًا في أفكاره.

رفع يده ومسح على وجهه ببطء، ثم قال في نفسه:

هل ما فعلته كان عين الصواب؟،

ظل السؤال يتردد في رأسه.

هل ظلمتها بما قلته؟،

أعاد في ذهنه الحوار الذي دار بينهما منذ دقائق، واستعاد الطريقة التي أخبرها بها، أو بالأحرى الطريقة التي سبقته بها هي إلى ما كان يريد قوله،

لقد كان يريد أن يوضح لها أن زواجه منها جاء أولًا لحمايتها، وأن قلبه لا يزال متعلقًا بامرأة أخرى، وأنه لا يستطيع أن يعدها بحياة زوجية كاملة وهو يحمل في داخله حبًا لم ينتهِ،

لكنها قالت كل ذلك بدلًا منه،

قالته بهدوء ظاهري أخفى خلفه ارتباكًا واضحًا،

هل كنت قاسيًا عليها؟،

جلس أخيرًا على الأريكة، وأسند ظهره إليها، ثم أطلق زفرة ثقيلة.

لم يستطع التخلص من الشعور الذي بدأ يضغط على صدره،

فهي الآن زوجته شرعا،

ليست مجرد امرأة وافق على الزواج بها لإنقاذها من ظروف قاسية وفقط،

وليست أمانة مؤقتة حتى يجد طريقه إلى المرأة التي يحبها،

إنها زوجته شرعًا، لها حقوق عليه كما أن عليها واجبات،

فهل كان من العدل أن أجعلها زوجتي، ثم أطلب منها أن تعيش معي وكأنها ليست زوجتي؟.

أغمض عينيه،

عاد السؤال يلح عليه:

وهل كان ينبغي أن أخبرها منذ البداية أن قلبي ملك لغيرها؟.

ربما كان صريحًا معها...

وربما كان ذلك الصدق نفسه ظلمًا لها،

فما ذنبها إن كان قلبه قد سبق واختار امرأة أخرى؟،

وما ذنبها إن كانت الظروف قد قادتها إليه، ثم جعلته يختار الزواج بها؟،

ففي الاخير لقد قبل الزواج بها،

لم يجبره أحد على ذلك،

وعندما اتخذ قراره، كان عليه أن يعرف أن القرار لا يعني حماية ديلان من الآخرين فحسب، بل يعني أيضًا أن يصبح هو المسؤول عنها، ويجب ان يقوم بكامل مسؤولياته كزوج لها،

تململ في جلسته، ثم أطرق رأسه.

إن كنت قد قبلت أن تكون زوجتي أمام الله، فعليّ أن أعاملها بما يقتضيه ذلك، لا بما يمليه عليّ قلبي.

كانت تلك الحقيقة ثقيلة،

لأنه يعرف قلبه،

يعرف أنه ما زال متعلقًا بتلك المرأة التي أحبها منذ سنوات،

ويعرف أنه مهما حاول، لا يستطيع أن يجبر نفسه على حب شخص آخر في لحظة واحدة، فالقلب لا يعمل بضغطة زر لكن يمكن للأيام ان تتحكم فيها، وربما تغير من بعض القناعات،

لكن ديلان لم تكن مسؤولة عن ذلك،

لم تطلب منه أن يحبها،

لم تخدعه،

ولم تقل له إنها تنتظر منه شيئًا،

بل كانت هي نفسها من أخبرته أنها لن تطالبه بشيء،

رفع رأسه نحو الباب المغلق،

ربما قالت ذلك لحفظ كرامتها حين اخبرتها ان قلب ملك لأخرى،

لكن لماذا أشعر أنها كانت تهرب مني؟.

تذكر ارتباكها،

نبرة صوتها،

ذلك التوتر الذي ظهر عليها عندما طلب منها أن ترفع نقابها،

لماذا؟،

هل كانت تخجل فقط؟،

أم أن هناك شيئًا آخر؟،

ظل السؤال للحظات، لكنه سرعان ما نفضه عن ذهنه.

لا.....

لا تظلمها بالشك،

لقد عاشت ما يكفي من الخوف والأذى،

وآخر ما تحتاجه الآن أن يكون زوجها سببًا جديدًا لقلقها،

نهض من مكانه،

لم يعد يريد أن يثقل رأسه بالمزيد من الأسئلة،

اتجه نحو غرفته ليبدل ملابسه، فقد ارتفع أذان العشاء معلنًا دخول وقت الصلاة.

كانت هذه أول ليلة له كزوج،

أول ليلة بعد أن أصبح باران وديلان زوجين أمام الله والناس،

لكنه لم يتخيل قط أن تبدأ بهذه الصورة،

كان يظن الامر سيكون صعبا لكن ديلان بفعلتها سهلت عليه الامر،

لم يتخيل أن يجلس مع زوجته دقائق قليلة، ثم ينتهي بهما الأمر إلى غرفتين منفصلتين، وبينهما أبواب مغلقة وأسرار لم تُقل،

توقف للحظة قبل أن يدخل غرفته،

ثم قال في نفسه:

ربما يحتاج كل منا إلى بعض الوقت،

ثم مضى....

في الجهة الأخرى من الباب...

ما إن أغلقته ديلان خلفها حتى انهارت كل محاولات التماسك التي بذلتها.

أسندت ظهرها إلى الباب، وأغمضت عينيها،

ثم انهمرت دموعها،

لم تستطع منعها،

كانت دموعًا حارة، صامتة، خرجت من مكان عميق في قلبها ظلت تحاول إغلاقه طوال اليوم.

وضعت يدها على فمها حتى لا يصدر عنها صوت.

لماذا فعلت ذلك؟،

سألت نفسها وهي تبكي،

هل كُتب عليّ أن أعيش هكذا؟،

هل كُتب عليّ أن أدخل كل علاقة في حياتي وأنا أخشى نهايتها؟،

مسحت دموعها، لكنها عادت وانهمرت،

كانت قد ظنت أن زواجها من باران سيكون نهاية لسنوات الخوف...

بداية لحياة جديدة،

ربما حياة تستطيع فيها أخيرًا أن تشعر بالأمان،

لكنها الآن اكتشفت أن الأمر أكثر تعقيدًا مما تخيلت،

لقد أصبح باران زوجها،

لكن قلبه...

كان لامرأة أخرى،

لمن تلك المرأة هي نفسها،

فلماذا هربت من المواجهة؟

وضعت يدها على صدرها.

فماذا أنا الآن؟،

زوجته؟،

نعم...

لكن إلى متى؟،

هل ستعيش معه وهي تعلم أنه ينتظرها؟،

هل ستبقى معلقة بين حياة زوجية لا تعيشها كاملة، وطلاق لا تعرف متى سيأتي؟،

إلى متى سأظل هكذا؟،

إلى متى سأتهرب من المواجهة؟،

لم تجد جوابًا.

جلست على طرف السرير، وراحت تنظر أمامها بعينين مغرورقتين بالدموع.

ثم عاد إليها السؤال الذي حاولت دفنه طوال الأشهر الماضية:

أكان يجب أن أرفع نقابي؟،

أكان يجب أن أنظر في عينيه وأقول له الحقيقة؟،

أنا هي.

أنا الفتاة التي تبحث عنها،

لو فعلت ذلك...

هل كان كل هذا سينتهي؟،

هل كان سيبتسم عندما يعرفها؟،

هل كان سيقترب منها ويقول إنه وجدها أخيرًا؟،

أم أن الصدمة ستكون أكبر من أن يحتملها؟،

ماذا لو فرح؟،

تعلقت بهذه الفكرة للحظة.

ثم جاءها خوفها سريعًا:

وماذا لو لم يفرح؟،

ماذا لو شعر أنني خدعته؟،

ماذا لو رأى في صمتي خيانة؟،

شهقت بخفوت.

لم تكن تخاف فقط من أن يعرف الحقيقة...

بل كانت تخاف مما ستعنيه الحقيقة له.

منذ عاد باران إلى حياتها، لم تنم ليلة واحدة دون أن تفكر في تلك اللحظة،

كانت تستيقظ عليها، وتنام وهي تخشاها.

والآن أصبح أقرب إليها من أي وقت مضى،

إنه زوجها،

وقد أصبح الوصول إلى الحقيقة مسألة وقت فقط.

وضعت كفيها على وجهها،

يا رب... ماذا أفعل؟،

لم يكن لديها جواب.

لكن في تلك اللحظة، اخترق شرودها صوت أذان العشاء القادم من المسجد القريب.

الله أكبر...

توقفت دموعها للحظات،

كان الصوت مألوفًا، لكنه في تلك الليلة بدا لها وكأنه نداء خاص، يذكرها بأن هناك بابًا لم يُغلق في وجهها،

باب الله،

مسحت وجهها، ونهضت ببطء،

لم تكن تملك حلًا،

ولا قرارًا،

ولا شجاعة كافية لمواجهة الحقيقة،

لكنها كانت تملك ربًا تستطيع أن تلجأ إليه،

فرشت سجادة الصلاة، ووقفت أمامها،

كبرت للصلاة، بينما كان قلبها لا يزال مثقلًا بكل ما حدث،

وحين سجدت، لم تعد تحاول أن تبدو قوية،

لم تعد بحاجة إلى الثبات المصطنع الذي ارتدته أمام باران،

هناك فقط...

كانت ديلان،

بقلبها الخائف، ودموعها، وأسئلتها، وأمنياتها.

رفعت يديها بعد الصلاة، وظلت للحظات صامتة، عاجزة عن ترتيب الكلمات.

ثم همست:

ديلان: يا رب...

ارتجف صوتها.

ديلان: أنت تعلم ما في قلبي... وتعلم ما أخفيه، وتعلم خوفي أكثر مما أعلمه أنا.

انسابت دمعة على خدها.

ديلان: إن كان في بقائي معه خير، فاجعل لي في هذا الزواج سكينة، ولا تجعلني أعيش معلقة بين الأمل والخوف.

خفضت رأسها.

ديلان: وإن كان عليّ أن أواجه الحقيقة يومًا... فألهمني الصواب، وقوّني على ما لا أستطيع احتماله وحدي.

سكتت قليلًا.

ثم خرجت منها الكلمات التي حملت كل ما عجزت عن قوله:

ديلان: يا رب... لا تجعلني أخسره مرتين، فقد ضعفت اليوم وخفت من المواجهة، لكني اعلم جيدا إن لم تحدث اليون ربما غدا او بعد غد اووالاسبوع القادم، لكن حتما ستحدث، قوتي يا رب وثبت حجتي ولاتجعل الشك يدخل للقلبه، يا رب لا تجعلني افقده بعدما وجدته، لم احسن التصرف لأني لست مستعدة للمواجهة وخصوصا اليوم، لا أعلم إذا مان ما فعلته صواب او خطأ، فألهمني فعل الصواب يا رب ولا تجعلنا نفترق مرة اخرى بعد اليوم.

أغمضت عينيها.

ديلان: مرة حين فرّقتنا الأيام، ومرة حين جمعتنا وأنا أخشى أن يفرقنا سرّي.

بقيت تناجي ربها طويلًا.

ولأول مرة منذ أشهر، لم تطلب أن يظل سرها مخفيًا فحسب...

بل طلبت أن يهديها الله إلى الطريق الذي لا تخسر فيه نفسها، ولا تخسر الرجل الذي أحبته.

وفي الغرفة الأخرى، كان باران يستعد للصلاة هو أيضًا.

كان كل واحد منهما يناجي ربه في هذه الليلة...

دون أن يعلم أن دعاءه كان يتجه نحو الآخر.

هو يسأل الله أن لا يظلم المرأة التي أصبحت زوجته.

وهي تسأل الله أن لا تخسر الرجل الذي كان قلبها ينتظره منذ سنوات.

وبين دعائه ودعائها...

كان القدر ينسج خيوطًا جديدة لحكاية بدأت قبل سنوات، ولم تنتهِ بعد.


بقيت عائشة واقفة في أسفل الدرج، تتابع بعينيها خطوات ابنها وزوجته وهما يصعدان نحو شقتهما.

لم تتحرك من مكانها.

ظلت تنتظر حتى اختفت ديلان خلف باران، ثم أُغلق باب الشقة خلفهما، فبقيت تحدق في الدرج للحظات، وكأن قلبها لم يستطع أن يتبع جسدها الذي استدار أخيرًا.

تنفست بعمق، ثم تمتمت وهي ترفع عينيها إلى الأعلى:

عائشة: يا رب... ألّف بين قلبيهما، واجعل بينهما مودة ورحمة، واجعل هذا الزواج خيرًا لهما.

كانت دعوتها صادقة، خارجة من قلب أم لا تريد لابنها إلا السعادة، ولا تريد لديلان التي احتضنتها كابنة أن تعود إلى حياة الألم والوحدة.

ثم استدارت ودخلت الشقة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

كان البيت قد أصبح ساكنًا على غير عادته.

قبل ساعات فقط كان يعج بالضيوف والزغاريد والضحكات، أما الآن فقد خفتت الأصوات، وغادر الجميع، ولم يبقَ سوى عزت الذي كان لا يزال جالسًا في غرفة الجلوس.

دخلت عائشة، ثم اتجهت نحوه وجلست بالقرب منه،

بقيت صامتة للحظات،

كان عزت يظن أنها ستجلس كعادتها ثم تبدأ بالحديث عن تفاصيل اليوم، لكنه لاحظ أن وجهها يحمل شيئًا مختلفًا،

كانت شاردة،

رفعت عينيها نحوه أخيرًا وقالت بصوت خافت:

عائشة: هل ما فعلناه صحيحًا يا عزت؟،

نظر إليها باستغراب، وارتسمت علامات الاستفهام على وجهه.

عزت: ما الذي تقصدينه يا عائشة؟،

خفضت عينيها، ثم قالت:

عائشة: أقصد زواج باران من ديلان...

سكتت قليلًا، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.

ثم تابعت:

عائشة: ألا تخشى أن يغضب مراد منا في قبره؟، هل سيرضى بأننا زوجنا زوجته بأخيه؟.

اتسعت عينا عزت دهشة،

نظر إليها لحظات وكأنه لم يصدق ما سمعه.

ثم قال بنبرة ممزوجة بالاستغراب والحسم:

عزت: ما الذي تقولينه يا امرأة؟.

رفعت عائشة عينيها إليه، بينما تابع هو بنبرة هادئة لكنها حازمة:

عزت: كيف يمكن لمراد أن يغضب منا وهو ميت؟، وهل تعتقدين أننا فعلنا شيئًا يغضبه لو كان بيننا؟.

تنهد، ثم قال:

عزت: نحن لم نظلم مراد، ولم ننتقص من حقه، ولم نفعل شيئًا محرّمًا، لقد انتهى زواجه منها بوفاته، وديلان ما زالت شابة، ومن حقها أن تعيش حياتها، وأن تجد من يحفظها ويصون كرامتها.

سكت لحظة، ثم أضاف:

عزت: بل إننا حين زوجناها بباران، كنا نحاول أن نحفظها ونطمئن عليها، نعرف ابننا، ونعرف أنه لن يظلمها ولن يسمح لأحد أن يمسها بسوء.

بقيت عائشة صامتة.

فقال عزت نتابعا كلامه بنفس النبرة:

عزت: ثم إن ديلان ليست مطالبة بأن تبقى أرملة إلى آخر عمرها، الحي أبقى من الميت، يا عائشة، وهذه سنة الحياة.

تنهدت عائشة وقالت:

عائشة: أعلم ذلك... لكن قلبي لا يزال يشعر بشيء من الغرابة.

ابتسم عزت برفق.

عزت: وهذا امر طبيعي لأنك أم.

ثم أضاف:

عزت: وأنتِ تنظرين إلى ديلان بعين أم مراد، وكأنها لا تزال زوجته، لكن الحقيقة أن مراد رحل، وديلان بقيت وحدها، ونحن مسؤولون عنها ما دامت بيننا.

خفضت عائشة رأسها.

عائشة: أخشى فقط ألا ينسجما.

نظر عزت إلى الباب، ثم قال بثقة:

عزت: في البداية سيكون الأمر غريبًا عليهما، وهذا طبيعي.

ثم التفت إليها:

عزت: لكن مع العشرة، ومع مرور الأيام، سيعتاد كل واحد منهما وجود الآخر.

ترددت عائشة:

عائشة: باران لم يكن يعرف ديلان جيدًا قبل الزواج.

عزت: وسيعرفها الآن، وديلان عاشت فترة طويلة في هذا البيت وهي تعتبرنا أهلها.

عائشة: وستبقى كذلك.

ثم أمسك عزت يد زوجته برفق وقال:

عزت: لكن علينا أن نمنحهما فرصة.

نظرت إليه باستفهام.

تابع:

عزت: أريدك أن تتركيهما يعيشان وحدهما منفصلين عنا، لا نريد أن نبقى بينهما في كل لحظة.

قالت عائشة بسرعة:

عائشة: لكنهما اعتادا أن يكونا معنا، خصوصًا طوال شهر رمضان، ديلان كانت معنا طوال الوقت، وباران كان ينظم إلينا كلما عاد من عمله...

ابتسم عزت.

عزت: ولهذا بالضبط يجب أن يتغير الأمر الآن.

ثم قال:

عزت: دعيهما يعيشان معًا بمفردهما، لا تجعليهما يشعران أن عليهما العودة إلينا في كل وقت، لا تصعدي إليهِما إلا عند الحاجة، ولا تطلبي منهما أن ينزلا إلينا كل يوم ليبقيا بمفردهما ليعتادا على بعضهما، وربما يؤلف الله بين قلبهما، وما نخشاه لن يحدث.

نظرت إليه عائشة باهتمام.

عائشة: وماذا تقترح؟.

أجاب:

عزت: نجتمع جميعًا مرة واحدة في الأسبوع، يوم الجمعة مثلا نجتمع كلنا على طعام الغذاء، نجلس إلى مائدة واحدة كما اعتدنا، ونتحدث ونضحك، ثم يعود كل واحد منهما إلى بيته، لكن ليس هذا الاسبوع، لنتركهما بمفردهما هذا الاسبوع ومن الاسبوع القادم نجتمع كل جمعة على مائدة واحدة.

صمت قليلًا، ثم قال:

عزت: كلما بقيا وحدهما، تعودا على وجود بعضهما أسرع.

كانت عائشة تستمع إليه، بينما كان عزت يتحدث وكأنه يرى شيئًا لا تستطيع هي رؤيته.

عزت: قد يكون الأمر غريبًا في الأيام الأولى، وقد تشعرين أن بينهما مسافة، لكن تلك المسافة لن تبقى إلى الأبد.

ثم ابتسم وقال:

عزت: ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا لم نتوقعه.

نظرت إليه عائشة.

عائشة: ماذا تقصد؟.

ابتسم عزت.

عزت: أقصد أن الله وحده يعلم ما تخبئه الأيام.

ثم رفع عينيه إلى الأعلى.

عزت: نحن فعلنا ما رأيناه خيرًا لهما، والباقي على الله.

بقيت عائشة صامتة.

كانت في داخلها أمنية صغيرة تخشى حتى أن تقولها بصوت مرتفع.

أن تحب ديلان ابنها،

وأن يحبها هو،

أن تتحول الأيام الغريبة الأولى إلى عشرة، والعشرة إلى ألفة، والألفة إلى مودة، ثم تصبح تلك الفتاة التي دخلت حياتهم مرة اخرى، في ظروف قاسية جزءًا لا يتجزأ من عائلتهم.

رفعت يديها إلى السماء.

عائشة: آمين يا رب العالمين.

ثم التفتت إلى عزت وقالت:

عائشة: لعل الله يكتب لهما الخير حيث لا نعلم.

ابتسم عزت.

عزت: آمين.

وفي تلك اللحظة ارتفعت أصوات المؤذنين من المساجد معلنة دخول وقت صلاة العشاء.

ساد المكان صوت الأذان، فنهض عزت وقال:

عزت: تعالي، لنصلِّ العشاء معًا.

وقفت عائشة إلى جواره.

وقبل أن يتوجها للصلاة، قال عزت:

عزت: وسندعو لهما.

نظرت إليه عائشة.

عائشة: نعم؛ نسأل الله أن يؤلف بين قلبيهما، وأن يجعل بينهما مودة ورحمة.

أومأت برأسها.

ثم قال عزت وهو يبتسم:

عزت: فالأمر في بدايته سيكون غريبًا عليهما، لكن الله قادر على أن يغيّر القلوب.

اتسعت ابتسامة عائشة قليلًا.

عائشة: أسأل الله أن يفعل ذلك.

ثم اتجها معًا لأداء الصلاة.

وبينما كان البيت في الأسفل يغرق في سكون الليل، كان قلبان في الأعلى يعيشان أول ليلة من زواجهما كلٌّ على طريقته.

عزت وعائشة يرفعان أيديهما بالدعاء أن يجمع الله بين باران وديلان بالمودة والرحمة.

ولا يعلمان أن الله قد جمع بينهما قبل أن يعرفا ذلك.

ولا يعلمان أن باران لا يعيش مع امرأة غريبة كما يظن...

وأن ديلان ليست مجرد زوجة أرادوا أن يحفظوا لها كرامتها،

إنها المرأة التي كان ابنهم يبحث عنها منذ سنوات،

وأن دعاءهما الذي خرج من قلبين صادقين لم يكن طلبًا من القدر ليجمع قلبين متباعدين...

بل كان دعاءً بأن يكشف الله لهما يومًا حقيقة قلبين كانا قد التقيا منذ زمن، ثم فرّقتهما الأيام، وأعادهما القدر إلى بعضهما دون أن يدرك أيٌّ منهما أنه وجد ضالته.


عاد باران إلى غرفة النوم التي كان من المفترض أن تكون غرفته هو وديلان، غير أن الغرفة بدت له تلك الليلة غريبة، كأنها لا تنتمي إليه بعد، أو كأن شيئًا ما ينقصها ليشعر بأنها بالفعل بداية لحياة جديدة.

أغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى خزانة ملابسه وأخرج منها ثيابًا منزلية مريحة، ارتداها بهدوء، ثم توضأ وأدى صلاة العشاء.

وبعد أن فرغ من صلاته، بقي جالسًا على سجادته لحظات طويلة، رافعًا كفيه إلى السماء، وكأن قلبه لم يجد ملجأً آخر يفرغ فيه حيرته سوى الدعاء.

قال في نفسه وهو يناجي ربه:

يا رب... أنت أعلم بما في قلبي مني، وأعلم بضعفي وحيرتي، فلا تجعلني أظلمها، أرني الصواب، واهدني إلى الطريق الذي لا أندم عليه، ولا أكون فيه سببًا في كسر قلب إنسانة لم تؤذني يومًا.

ظل يدعو طويلًا، يسأل الله أن ينير بصيرته، وأن يضع في قلبه اليقين، وأن يهديه إلى الحل الأمثل الذي يحفظ لديلان كرامتها وحقها، ويحفظ له هو دينه وضميره.

ثم مسح وجهه بكفيه، ونهض.

خرج من الغرفة متجهًا إلى غرفة الجلوس، وهناك جلس على الأريكة الكبيرة، وظل ينتظر قليلًا، لعل ديلان تخرج لتناول العشاء.

كان الطعام الذي أعدته والدته لا يزال موضوعًا على الطاولة، لكنه لم يشعر بالجوع.

نظر إلى باب غرفتها المغلق.

ثم أشاح ببصره.

ربما تحتاج إلى بعض الوقت...

مد يده إلى جهاز التحكم، وشغّل التلفاز، وبدأ يقلب بين القنوات دون اهتمام حقيقي بما تعرضه الشاشة، كان ينتقل من قناة إلى أخرى، حتى استقر أخيرًا على إحدى القنوات التي كانت تعرض برنامجًا هادئًا.

اتكأ إلى الخلف، وأسند رأسه إلى الأريكة، محاولًا أن يجد في ضجيج التلفاز ما يخرجه من الضجيج الأكبر الذي يدور داخل رأسه.

كلما حاول أن يفكر في حياته الجديدة، عادت إليه كلمات ديلان.

كانت قد فهمت كل شيء قبل أن يقوله، بل إنها هي التي نطقت بما كان يتهيأ لقوله.

لم تطلب منه شيئًا،

لم تلزمه بشيء،

حتى إنها منحته مخرجًا لم يكن يعرف كيف يقدمه لها دون أن يجرحها.

زفر ببطء، وأغمض عينيه للحظات.

كان يحاول أن يقنع نفسه بأن الأمر بسيط...

لكن قلبه لم يكن يصدقه،

وبينما ظل التلفاز مفتوحًا، والصوت يتردد في أرجاء الغرفة الهادئة، بدأت جفونه تثقل شيئًا فشيئًا.

قاوم النعاس للحظات، ثم استسلم له دون أن يشعر.

وغفا على الأريكة، تاركًا التلفاز مفتوحًا أمامه، بينما بقيت أفكاره المبعثرة معلقة بين الماضي والحاضر، وبين المرأة التي ما زال قلبه يبحث عنها، والمرأة التي أصبحت زوجته منذ ساعات.

أما ديلان، فلم تكن قد غادرت غرفتها، كانت لا تزال جالسة على سجادتها، وقد أبدلت ثيابها بأخرى منزلية مريحة، وأدت صلاة العشاء، ثم رفعت يديها إلى السماء.

كانت دعواتها مختلفة عن دعوات باران، وإن كان كلاهما يطلب من الله شيئًا واحدًا...

أن يهديهما إلى الطريق الصحيح.

قالت بصوت خافت، متهدج:

يا رب... خفف عني ما أثقل قلبي، وارزقني الصبر والقوة، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا رب، استرني، واحفظني من أن ينكشف أمري قبل أن أكون مستعدة لمواجهته.

بقيت لحظات تناجي ربها، ثم مسحت دموعًا تجمعت عند أطراف عينيها، ورفعت سجادتها، ثم طوت إسدال الصلاة بعناية ووضعته جانبًا.

اتجهت إلى سريرها واستلقت عليه...

لكن النوم لم يأتِها سريعًا،

ظلت تحدق في سقف الغرفة، فيما راحت أفكارها تتزاحم في رأسها، كيف ستكون حياتها من الآن فصاعدًا؟،

هل ستعيش إلى جوار باران وهي تخفي عنه الحقيقة كل يوم؟،

إلى متى تستطيع الاستمرار في هذا الكذب الذي لم تختره؟،

وماذا سيحدث في اليوم الذي يكتشف فيه أنها هي المرأة التي ظل يبحث عنها طوال تلك السنوات؟،

فمن غير المعقول ان لا يكتشف هويتها الان وبعد ان اصبحت زوجته، وهما يعيشان ببيت واحد،

هل سيغضب؟،

هل سيشعر أنها خدعته؟،

أم...

هل سيصدق أنها لم تملك يومًا الشجاعة الكافية لتخبره؟،

وضعت يدها على صدرها، وشعرت بقلبها يخفق بعنف،

لم تكن تخشى شيئًا كما تخشى تلك اللحظة، كانت تعرف أن قربها منه سيجعل الأمر أصعب، لا أسهل.

فهي الآن تحت سقف واحد معه، تسمع خطواته، وتشعر بوجوده خلف الجدران نفسها، بينما السر الذي يفصل بينهما أثقل من كل تلك الجدران.

أغمضت عينيها محاولة إيقاف سيل الأفكار.

وبعد وقت طويل، غلبها النعاس،

نامت...

ولم تستيقظ إلا حين اخترق سكون الليل صوت الأذان معلنًا دخول وقت الفجر.

فتحت عينيها ببطء، ثم جلست على سريرها، وما إن أدركت أن الفجر قد حان حتى نهضت.

خرجت من غرفتها متجهة إلى الحمام لتتوضأ، وقبل أن تخطو أكثر من بضع خطوات، توقفت فجأة.

كان هناك صوت خافت يأتي من غرفة الجلوس.

صوت التلفاز،

عقدت حاجبيها باستغراب،

هل استيقظ باران؟.

تقدمت بحذر نحو غرفة الجلوس، ثم دخلت.

لكنها ما إن رفعت عينيها حتى تجمدت في مكانها.د،

كان باران هناك،

نائمًا على الأريكة،

يبدو أن النعاس غلبه بالأمس وهو ينتظرها، فظل مكانه طوال الليل،

بقيت ديلان واقفة دون حراك،

لم تشعر حتى بأنها تتنفس،

كان وجهه هادئًا في نومه، بعيدًا عن تلك الحيرة التي رأتها في عينيه بالأمس، وبعيدًا عن صرامة ملامحه المعتادة.

لأول مرة، تراه بهذه السكينة،

تأملت ملامحه بصمت،

عيناه مغمضتان، ووجهه مسترخٍ، وشعره مبعثر قليلًا، وكأن النوم انتزع منه كل ما كان يثقله، وكان في ذلك الوجه شيء أسر قلبها منذ سنوات...

شيء لم تستطع يومًا أن تنكره،

ذلك الإحساس الذي حاولت أن تدفنه في أعماقها، الإحساس الذي أقنعت نفسها مرارًا أنه لا يحق لها.

وضعت يدها على صدرها،

وخفق قلبها بقوة،

لماذا الآن؟،

لماذا، بعدما أصبح أقرب إليها من أي وقت مضى، عاد ذلك الشعور الذي قضت وقتًا طويلًا تحاول وئده قبل أن يكبر؟،

لم تكن تريد أن تحبه،

أو بالأصح...

كانت تخشى أن تسمح لنفسها بحبه،

فالحب بالنسبة إليها لم يكن وعدًا بالسعادة، بل بابًا آخر للخوف،

ظل بصرها معلقًا بوجهه، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيله في ذاكرتها، رغم أنها تعرفه منذ زمن طويل.

ثم فجأة انتبهت إلى نفسها،

إلى نقابها،

اتسعت عيناها،

يا الله!...

ارتبكت، واستدارت بسرعة نحو غرفتها، خطواتها كانت متعجلة، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.

دخلت الغرفة مسرعة، واتجهت إلى نقابها، بينما كان القلق يسبق أنفاسها، لكنها لم تنتبه إلى أن حركتها السريعة أحدثت جلبة في المكان.

تحرك باران فوق الأريكة،

فتح عينيه ببطء، وقد غلبه النعاس في البداية، فلم يستوعب أين هو،

ثم سمع صوتًا،

رفع رأسه، فرأى للحظة طيفًا ينسحب مسرعًا نحو إحدى الغرف.

حدق في الاتجاه نفسه،

كان كل ما استطاع رؤيته مجرد طرف من ثوبها وحركتها السريعة قبل أن تختفي خلف الباب،

رمش بعينيه، محاولًا أن يستوعب ما حدث.

وفي اللحظة التي حاول فيها النهوض، كان باب الغرفة قد أُغلق بالفعل.

أما ديلان، فكانت تقف خلفه، تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة،

أغمضت عينيها لحظة، كانت على بعد ثوانٍ فقط من أن يراها، على بعد ثوانٍ من أن يلتقي بوجهها الذي أخفته عنه طويلًا.

أما باران، فظل جالسًا على الأريكة ينظر إلى الباب المغلق،

لم يكن يعرف لماذا شعر للحظة بأن ذلك الطيف الذي لمحَه كان مألوفًا بصورة غريبة.

هز رأسه وكأنه يطرد الفكرة،

ثم نظر إلى التلفاز الذي ظل مفتوحًا طوال الليل، وتنهد،

لم يكن يعلم أن المرأة التي هربت من أمام عينيه منذ لحظات...

هي ذاتها المرأة التي ظل قلبه يبحث عنها طوال تلك السنوات،

وأن القدر، الذي جمعهما تحت سقف واحد، كان لا يزال يخفي عنهما الحقيقة حتى اللحظة الأخيرة.


عاد باران ليستلقي على الأريكة من جديد، محاولًا أن يستعيد ما بقي من نعاسه.

ظل للحظات ينظر إلى الباب الذي اختفت خلفه ديلان، ثم هز رأسه وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن ما رآه قبل قليل لم يكن سوى وهمٍ صنعه النوم.

فقد كان نصف مستيقظ، ونصف غارق في الأحلام، وربما اختلط عليه الأمر، فلم يرَ سوى خيالٍ مرَّ أمام عينيه.

زفر بهدوء، ثم أغمض عينيه.

لم يكن يريد أن يرهق نفسه بالتفكير.

سأنام قليلًا... وبعدها لكل حادث حديث.

استرخى فوق الأريكة، ولم تمضِ سوى دقائق حتى عاد النعاس يتسلل إليه، فغاب من جديد عن العالم من حوله.

في الجهة الأخرى، كانت ديلان قد ارتدت نقابها، ثم وقفت للحظات خلف باب غرفتها،

ترددت،

لم تكن تدري إن كان ينبغي لها أن تخرج أم تتركه نائمًا كما هو.

لكن صورة باران وهو مستلقٍ على الأريكة بلا غطاء عادت إلى ذهنها.

ربما يشعر بالبرد...

وربما يستيقظ وقد ازداد ألم جسده.

تنهدت، ثم فتحت خزانتها وأخرجت بطانية خفيفة،

لن أوقظه... سأغطيه فقط.

خرجت من غرفتها بخطوات هادئة، واتجهت نحو غرفة الجلوس.

كان صوت التلفاز لا يزال منخفضًا في الخلفية، بينما كان باران مستلقيًا على الأريكة، وقد غطاه النوم تمامًا.

اقتربت منه ببطء،

مدت البطانية بين يديها، ثم بدأت تفردها بحذر فوق جسده، محاولة ألا تحدث أي صوت.

كان المشهد هادئًا بصورة غريبة...

فهو زوجها الآن، وهذا الرجل الذي لطالما كان بعيدًا عنها، أصبح تحت سقف واحد معها، حتى إنها تقف الآن قربه لتغطيه كي لا يشعر بالبرد.

كم كان غريبًا أن تتغير الحياة بهذه السرعة!

وما إن اقتربت أكثر لتغطي كتفيه حتى فتح باران عينيه فجأة.

انتفض جالسًا، فارتبكت ديلان وتراجعت عنه بسرعة، وكادت البطانية تسقط من بين يديها.

رفعت عينيها إليه، ثم قالت محاولة أن تخفي ارتباكها:

ديلان: لقد رأيتك نائمًا هنا من دون غطاء، فأردت أن أغطيك بهذه البطانية حتى لا تشعر بالبرد هنا.

نظر إليها باران للحظات، وكأنه يحاول أن يستوعب أين هو وما الذي يحدث.

ثم رفع يده إلى وجهه ومسح عينيه، قبل أن يسأل بصوت أثقله النعاس:

باران: كم الساعة الآن؟ أشعر أنني نمت كثيرًا، وجسمي يؤلمني... أظنه بسبب نومي على الأريكة.

أجابته ديلان بهدوء:

ديلان: إنه الفجر، فقد أذّن منذ قليل.

رفع باران حاجبيه قليلًا، ثم نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط.

تنهد وهو يحرك كتفيه المتصلبين، وقال:

باران: حسنًا، سأتوضأ وأصلي أولًا، ثم سأستلقي على سريري لأنام، لعل هذا الألم يخف قليلًا.

هزت ديلان رأسها موافقة، ثم قالت بنبرة يغلب عليها الاهتمام رغم محاولتها إخفاءه:

ديلان: نعم، استلقِ على سريرك أفضل، فأنا ظننت أنك نمت في غرفتك، ولم أسمع صوت التلفاز إلا حين خرجت من الغرفة واقتربت من غرفة الجلوس، لو علمت أنك ما زلت تنام هنا، لأيقظتك لتذهب وترتاح على سريرك، فهو أفضل.

ابتسم باران ابتسامة خفيفة، وقال وهو ينهض عن الأريكة ببطء:

باران: لا تلومي نفسك، فأنا من كان عليه أن يذهب ويستلقي على سريره، أظن أن النعاس غلبني وأنا أشاهد التلفاز، بعدما ظننت أن النوم سيجافيني لأنني غيّرت موضع نومي.

نظرت إليه ديلان، ثم قالت بلطف:

ديلان: لا بأس... ما زال الوقت مبكرًا، اذهب وخذ قسطًا من النوم، لتفرد عظامك ويخف ألمها.

توقف باران لحظة، وكأنه أراد أن يقول شيئًا آخر، لكنه اكتفى بإيماءة صغيرة.

باران: حسنًا... تصبحين على خير.

ترددت ديلان لحظة قبل أن تجيبه:

ديلان: وأنت من أهله.

نظر إليها ومأنه يود قول شيئا، ثم استدار متجهًا إلى غرفته، بينما بقيت ديلان واقفة تراقبه حتى اختفى خلف الباب.

لم تكن تعرف لماذا شعرت بشيء من الراحة وهي تراه يهتم بنفسه ويعود إلى غرفته.

ربما لأنها، رغم كل ما تخشاه منه، لم تستطع أن تمنع نفسها من الاهتمام به.

وكيف لها أن تفعل؟،

فهو الرجل الذي سكن قلبها قبل أن تسكن هي بيته وقبل ان تعرف هويته...

والذي تخشى أن يعرف يومًا أن قلبها لم يتوقف عن اختياره رغم كل ما حاولت فعله لتمنعه من ذلك.

دخل باران غرفته، ثم أغلق الباب خلفه.

أما ديلان، فأمسكت البطانية التي كانت قد أحضرتها له، وطوتها بعناية، ثم أعادتها إلى مكانها.

بعدها اتجهت إلى الحمام لتتوضأ هي الأخرى.

كان الفجر قد أطلّ على البيت، يحمل معه يومًا جديدًا...

يومًا لم يكن أيٌّ منهما يعلم أنه سيكون بداية لأيام ستتغير فيها أشياء كثيرة، وأن تلك المسافة التي يحاول كل منهما الحفاظ عليها بين قلبه والآخر لن تبقى كما هي طويلًا.


دخل باران غرفته، وأغلق الباب خلفه بهدوء، ثم اتجه مباشرة إلى الحمام.

كان التعب قد أثقل جسده، ولا سيما مفاصله التي أخذت تؤلمه من نومه الطويل على الأريكة، لكنه لم يسمح لذلك أن يثنيه عن أداء صلاته، توضأ، ثم فرش سجادته وأدى صلاة الفجر بخشوع، وبعد أن فرغ منها جلس في مكانه لبعض الوقت، يسبّح الله ويذكره، وكأن قلبه الذي امتلأ بالحيرة منذ الأمس لم يجد راحته إلا في القرب من الله.

ظل يردد الأذكار بهدوء، حتى هدأت أنفاسه شيئًا فشيئًا، ثم نهض متجهًا إلى سريره.

استلقى عليه بحذر، وأخذ نفسًا عميقًا وهو يحرك كتفيه المتصلبين.

كانت عيناه مثقلتين بالنوم.

وبعد دقائق قليلة، غلبه النعاس، فاستسلم له وغاص في نوم عميق، تاركًا خلفه كل الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا.

أما ديلان، فما إن فرغت من وضوئها حتى عادت إلى غرفتها، وفرشت سجادتها، وأدت صلاة الفجر.

ثم جلست على سجادتها طويلًا، رافعة كفيها إلى ربها.

كانت كلماتها تخرج متقطعة، يختلط فيها الرجاء بالخوف.

يا رب...

خفف عن قلبي ما أثقله،

امنحني القوة والصبر، ولا تجعلني أضعف أمام ما ينتظرني.

واجعل الأيام القادمة أهون عليّ مما أخشاه...

ثم سكتت لحظة، وانهمرت دمعة ساخنة على خدها.

كانت تخشى المستقبل أكثر مما تخشى الحاضر.

فالحاضر، مهما كان مؤلمًا، لا يزال يحمل لها ستارًا يحمي سرها.

أما الغد...

فلم تكن تعرف متى يسقط ذلك الستار.

مسحت دمعتها، ثم مدت يدها إلى المصحف، وأخرجته من مكانه بعناية، وفتحته لتتلو وردها.

كانت تقرأ بطمأنينة ظاهرة، بينما روحها تتشبث بكل آية وكأنها حبل نجاة.

وبقيت على حالها حتى ارتفعت الشمس، وحان وقت صلاة الضحى، فأدت ركعاتها، ثم جلست لحظات تدعو الله من جديد.

وحين فرغت، نهضت تطوي سجادتها وإسدال صلاتها، وإذا بصوت طرقات خفيفة على باب الشقة يصل إلى مسامعها.

توقفت في مكانها،

رفعت رأسها نحو الباب،

لم تكن بحاجة إلى أن تسأل من الطارق.

عائشة...

لكنها سرعان ما تذكرت شيئًا آخر،

باران.....

كان نائمًا في الغرفة الأخرى، وربما لا يزال غارقًا في النوم.

أسرعت إلى نقابها، وارتدته قبل أن تتجه إلى الباب، كان قلبها يخفق بسرعة لا تتناسب أبدًا مع بساطة الموقف.

ماذا لو استيقظ باران؟،

ماذا لو فتح الباب قبل أن أضع نقابي؟،

لم تمنح نفسها فرصة لمزيد من التفكير، وأسرعت نحو الباب وفتحته.

وكما توقعت، كانت عائشة تقف أمامها، تحمل صينية الإفطار بين يديها، ووجهها يفيض بذلك الود الذي اعتادت ديلان أن تراه منها.

ابتسمت ديلان لها، وتناولت الصينية بسرعة من يديها.

ديلان: صباح الخير يا أمي.

عائشة: صباح النور يا ابنتي، ومبارك لكما مرة أخرى.

وضعت ديلان الصينية على أقرب طاولة، ثم عادت إلى عائشة.

كانت عائشة تنظر إليها بحنان ولم تتخطى عتبة الباب، وكأنها لا تزال غير مصدقة أن الفتاة التي دخلت بيتهم يومًا زوجة لمراد، أصبحت الآن زوجة لباران.

تقدمت منها، ومدت يدها إلى نقابها، ورفعته عن وجهها بعفوية، ثم قالت مبتسمة:

عائشة: لماذا تضعين هذا النقاب على وجهك وأنت في شقتك؟ أنا سأنزل الآن، ولا يوجد بيننا أحد غريب.

تجمدت ديلان للحظة.

شعرت وكأن الكلمات سُحبت من الهواء من حولها.

توقفت أنفاسها.

فقد كانت تعرف أن عائشة لم تفعل شيئًا سوى التصرف بعفوية، لكن قلبها لم يتلقَّ الأمر بهذه البساطة.

وجهي...

لو بقي النقاب مرفوعًا الآن...

ولو خرج باران من غرفته في هذه اللحظة...

كان مجرد التفكير في الأمر كفيلًا بأن يبعثر تماسكها كله.

خفضت عينيها سريعًا، وقالت محاولة أن تبدو طبيعية:

ديلان: عندما سمعت الجرس ظننت أن شخصًا آخر يقرع الباب، لذلك ارتديته.

هزت عائشة رأسها بتفهم، ولم يخطر ببالها أن وراء ذلك التبرير البسيط خوفًا كبيرًا تخفيه ديلان في صدرها.

وفي تلك اللحظة بالذات...

انفتح باب الغرفة.

تصلبت ديلان في مكانها، لم تلتفت بل نظرت من طرف عينيها، وما إن وقع بصرها على باران حتى شعرت بقلبها يكاد يتوقف.

كان قد استيقظ على صوت الطرق والحديث، وخرج من غرفته بملامح يغلب عليها أثر النوم.

أما ديلان، فوجدت نفسها تشد أطراف نقابها دون شعور، وكأنها تخشى أن ينزلق عن وجهها، فكيف ستسحبه على وجهها، كيف ستفسر اللمر لعائشة إذا سألتها عن ذلك، كان تدعوا في سرها ان لايتقدم باران ويبقى مكانه، فقد كانت توليه ظهرها،

لم تكن تريد أن تلتفت،

ولم تكن تريد أن يرى شيئًا،

كانت تخشى حتى أن يلاحظ ارتباكها.

لكن عائشة سبقتها إلى الحديث، وقالت بابتسامة واسعة:

عائشة: صباح الخير يا بني، مبارك لكما يا عريس.

تقدم باران خطوة، ثم رد بابتسامة هادئة:

باران: صباح الخير يا أمي.

رفعت عائشة يدها للصينية قليلًا وقالت:

عائشة: أحضرت لكما طعام الإفطار، وعند الغداء سأصعد لكما به، فلا داعي لأن تنزلا لتتناولا معنا، ابقيا في شقتكما، وإذا احتجتما إلى شيء فاتصلا بي وسأحضره لكما فورًا.

أجاب باران وهو ينظر إلى الصينية:

باران: لا داعي يا أمي، فطعام العشاء ما زال كما هو.

إستغربت عائشة وهي تحول نظرها بينهما، فسارع باران ليشرح لها الامر، بعد ان رأى حيرتها...

باران: كنا متعبين وقد أكلنا قبل أن نصعد، لذلك لا نحتاج إلى طعام الغذاء، إذا جعنا، سنسخن ما بقي ونتناوله.

التفتت عائشة إلى ديلان باستغراب لطيف، وكأنها تنتظر منها تأكيد كلامه.

ابتلعت ديلان ريقها، ثم أجابت بسرعة:

ديلان: لقد أكلنا كثيرًا في الأسفل قبل أن نصعد، لذلك لم نشعر بالجوع، فبقي العشاء كما هو.

كانت كلماتها طبيعية في ظاهرها...

لكنها في داخلها كانت تكاد تنهار من التوتر.

فكل ما يشغلها الآن ليس الطعام ولا الإفطار ولا حتى حديث عائشة.

بل تلك المسافة القصيرة التي تفصلها عن باران.

كانت تخشى أن يتقدم نحوها،

أو أن تقترب منه عائشة أكثر،

أو أن تطلب منها والدته شيئًا يجعلها مضطرة إلى الالتفات بعيدًا عنها دون أن تنزل نقابها.

ماذا ستقول حينها؟،

كيف ستفسر تصرفها؟،

فلا يوجد بينهما غريب...

وعائشة نفسها قالت ذلك منذ لحظات.

ولو لاحظت إصرار ديلان على إبقاء وجهها مستورًا أمام زوجها، فقد تبدأ الأسئلة.

وربما لن تكتفي عائشة بالسؤال،

وربما ستصل الأمور إلى باران،

وهنا كانت الكارثة التي ترتعد منها ديلان.

ماذا لو ظن أنني أخفي وجهي عنه لسبب آخر؟،

ماذا لو فهم موقفي على نحو خاطئ؟،

ماذا لو ظن أنني لا أثق به؟،

شعرت بيدها ترتجف قليلًا، فضمّتها إلى الأخرى كي تخفي ارتجافها.

تعليقات



<>