
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع والاربعون47 بقلم عاشقة القلم
✍️كانت كلمات ديلان مع عائشة طبيعية في ظاهرها...
لكنها في داخلها كانت تكاد تنهار من التوتر.
فكل ما يشغلها الآن ليس الطعام ولا الإفطار ولا حتى حديث عائشة.
بل تلك المسافة القصيرة التي تفصلها عن باران.
كانت تخشى أن يتقدم نحوها،
أو أن تقترب منه عائشة أكثر،
أو أن تطلب منها والدته شيئًا يجعلها مضطرة إلى الالتفات بعيدًا عنها دون أن تنزل نقابها.
ماذا ستقول حينها؟،
كيف ستفسر تصرفها؟،
فلا يوجد بينهما غريب...
وعائشة نفسها قالت ذلك منذ لحظات.
ولو لاحظت إصرار ديلان على إبقاء وجهها مستورًا أمام زوجها، فقد تبدأ الأسئلة.
وربما لن تكتفي عائشة بالسؤال،
وربما ستصل الأمور إلى باران،
وهنا كانت الكارثة التي ترتعد منها ديلان.
ماذا لو ظن أنني أخفي وجهي عنه لسبب آخر؟،
ماذا لو فهم موقفي على نحو خاطئ؟،
ماذا لو ظن أنني لا أثق به؟،
شعرت بيدها ترتجف قليلًا، فضمّتها إلى الأخرى كي تخفي ارتجافها.
أما باران، فلم يبدُ عليه أنه لاحظ شيئًا من ذلك، كان لا يزال متعبًا، وملامح النوم لم تفارق وجهه تمامًا.
نظر إلى والدته وقال:
باران: شكرًا يا أمي، لكن لا تتعبي نفسك كثيرًا من أجلنا.
ابتسمت عائشة بحنان.
عائشة: وكيف لا أتعب من أجل ابني وعروسه؟ أنتما اليوم أول صباح لكما في بيتكما، وأريدكما أن ترتاحا، ثم اردت ان اخبركما، لاداعي لان تنزلا لتتناولوا الطعام معنا، أبقوا يشقتكم هذا الاسبوع فانت في إيجازة، وعندما تعود لعملك سنجتمع كعائلة يوم عطلتكما انت واباك اي يوم الجمعة.
ثم التفتت إلى ديلان، وابتسمت لها قائلة:
عائشة: وأنتِ تحديدًا، لا أريد أن أراك تنزلين إلى المطبخ لتعدّي الغداء، أنت عروس، واليوم يوم راحتك، ومن الان فصاعدا أهتمي بزوجك فقط.
خفضت ديلان رأسها، وقالت بخجل:
ديلان: حاضر يا أمي.
رد باران وهو واقف:
باران: حسنا امي .
ضحكت عائشة، واستعدت للعودة إلى شقتها.
أما ديلان، فبقيت واقفة في مكانها، تتابع حركتها وقلبها لا يزال يخفق بعنف.
كانت تشعر وكأنها خرجت للتو من موقف كادت تخسر فيه كل شيء.
رفعت طرف عينيها للحظة نحو باران، فوجدته ينظر في اتجاهها.
تجمدت.
وسرعان ما خفضت بصرها.
لم تكن تعرف أن كل ما يراه هو امرأة خجولة تقف أمامه بثوب محتشم وتحاول ان تخفي وجهها هلف النقاب، بينما ما لا يراه...
هو قلب يرتجف خوفًا من أن يعرف ذات يوم أن خلف ذلك النقاب وجهًا ظل يبحث عنه طويلًا، وأن المرأة التي يخشى أن يظلمها هي نفسها المرأة التي أحبها قبل أن يعرف حتى اسمها الحقيقي.
أما ديلان، فلم تكن تعرف كم من الوقت سيبقى هذا السر مختبئًا بينهما.
كل ما كانت تعرفه أنها نجت هذه المرة...
لكنها لم تكن تملك أدنى ضمان بأنها ستنجو في المرة القادمة.
ما إن غادرت عائشة الشقة، وأُغلق الباب خلفها، حتى بقي صدى خطواتها يتلاشى في الدرج، تاركًا وراءه سكونًا ثقيلًا لم تعرف ديلان كيف تتعامل معه.
أغلقت الباب بهدوء، ثم رفعت يدها إلى نقابها وأنزلته عن وجهها، وكأنها كانت بحاجة إلى أن تستعيد أنفاسها بعيدًا عن عيون الآخرين، مررت أصابعها على طرفه بحركة مترددة، ثم استدارت لتعود إلى غرفتها، راغبة في الهروب من ذلك الموقف الذي أربك قلبها أكثر مما أظهرت.
لكن صوت باران أوقفها.
باران: أراكِ قد أنزلتِ نقابك.
توقفت في مكانها، ثم التفتت إليه ببطء.
كان واقفًا على مقربة منها، يرمقها بنظرة لم تستطع أن تفهمها تمامًا، ثم قال، بنبرة حاول أن يجعلها عادية، وإن خانته عيناه:
باران: إذن، يحق للنساء فقط رؤية وجهك، أما الرجال فممنوعون من ذلك؟ أريد فقط أن أذكّركِ بأنني زوجك الآن ولست رجلا غريبا.
شعرت ديلان بانقباض في صدرها.
كانت تعرف أنه محق.
تعرف أن عقدهما قد تم، وأنه لم يعد رجلًا غريبًا عنها، وأن حقه في رؤيتها لم يعد كحق أي رجل آخر، لكنها رغم معرفتها بكل ذلك، شعرت أن المسافة بينهما أكبر من أن تختصرها كلمة واحدة: زوجي.
رفعت عينيها إليه، وأجابت بثقة حاولت أن تستعيرها من مكان لا تعرفه:
ديلان: لكننا اتفقنا بالأمس، أليس كذلك؟.
ظل باران ينظر إليها لحظات طويلة.
لم يكن في عينيه غضب، ولا يبدوا أنه يريد إجبارها على شيء، وإنما كان هناك شيء آخر... شيء يشبه الخيبة الصغيرة التي حاول إخفاءها خلف هدوئه.
تنفس ببطء، ثم قال:
باران: لم أتراجع عن اتفاقنا.
وسكت قليلًا قبل أن يضيف بصراحة:
باران: لكنني تحمست لرؤية وجهك بعدما رأيتك ترفعين نقابك عندما كنت تتحدثين مع أمي، للحظة ظننت أنك ربما تراجعتِ عن قرارك.
اتسعت عينا ديلان قليلًا، ثم قالت:
ديلان: لا، لم أتراجع.
ثم أطرقت لحظة قبل أن تتابع بصوت أكثر هدوءًا:
ديلان: لكن لو رأتني أمك بالنقاب... ماذا كان سيكون جوابي حينها؟، هل أخبرها أنك تنازلت عن حقك، مع أن زواجنا قائم، إلى أن تعثر على من تحب؟.
كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابت شيئًا في داخله.
سكت باران.
لم يجد ردًا سريعًا.
فهي لم تكن تخطئ في شيء.
لقد كان هو من وضع هذا الاتفاق بينهما، وهو من أخبرها منذ البداية أن قلبه لا يزال مع امرأة أخرى، وأنه لا يريد أن يظلمها أو يوهمها بشيء لا يستطيع منحه لها.
لكن سماعه لكلماتها الآن جعله يواجه حقيقة لم يفكر فيها طويلًا...
أن ديلان تتعامل مع زواجهما على أنه شيء قد ينتهي في أي لحظة.
وأنها، في أعماقها، لا تبني معه حياة... بل تنتظر النهاية.
أشاح بوجهه عنها، وكأنه لا يريدها أن ترى أثر كلماتها عليه، واتجه نحو الطاولة التي وضعت عليها الصينية التي أحضرتها عائشة.
قال بنبرة محايدة:
باران: ألا تريدين أن تفطري؟.
رمشت ديلان، وكأنها عادت من مكان بعيد.
ديلان: وهل تريد أنت؟.
التفت إليها، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
باران: نعم، أنا جائع وأريد أن آكل... لكن بشرط.
تجمدت للحظة.
عاد القلق يطرق قلبها بعنف.
ماذا يريد؟،
هل سيطلب منها أن تنزع نقابها؟،
هل سيحاول أن يستغل جلوسهما وحدهما ليتحدث معها عن ذلك مجددًا؟،
خفضت عينيها، تنتظر ما سيقول.
لكن باران فاجأها:
باران: سأفطر، ولكن يجب أن تشاركيني الطعام.
رفعت عينيها إليه.
تابع بهدوء:
باران: لم أشأ أن أضغط عليكِ بالأمس، لكن بما أننا زوجان الآن، فيجب، على الأقل، أن نتشارك الطعام والحديث، نحن سنعيش معًا، ديلان... ولا أريد أن تمر الأيام بيننا وكأن كل واحد منا يعيش في عالم منفصل.
تأملته للحظات.
كان في كلامه شيء جعلها تشعر براحة لم تتوقعها.
لم يطلب منها أن تكشف وجهها،
لم يجادلها،
لم يحاول أن يستغل حقه كزوج ليجبرها على فعل شيء لاتريده،
بل طلب شيئًا بسيطًا... أن تجلس إلى جواره وتأكل معه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة خلف نقابها، ثم قالت:
ديلان: حسنًا، سأجهز الطعام على الطاولة ريثما تتجهز أنت، لنأكل معًا.
شعر باران براحة خفية تسللت إلى صدره.
لم تكن موافقتها على الطعام أمرًا عظيمًا في ظاهره، لكنها بالنسبة إليه كانت خطوة.
فهي، على الأقل، لم ترفض وجوده،
ولم تتهرب منه،
وربما... إذا جلست معه وتحدثا، استطاع شيئًا فشيئًا أن يخفف عنها خوفها،
وربما استطاع إقناعها بأن تنزع نقابها أمامه دون أن تشعر بأنها مجبرة.
كان يعرف أن نقابها سيجعل تناول الطعام أصعب، وأنه سيظل عائقًا بينهما في كل لحظة.
لكنه لم يرد أن يبدأ حياتهما بالضغط.
اكتفى بأن قال:
باران: سأذهب لأغير ملابسي.
ثم اتجه نحو غرفته.
وما إن ابتعد، حتى أطلقت ديلان زفرة طويلة كانت تحبسها منذ لحظات.
وضعت يدها على صدرها، محاولة تهدئة خفقان قلبها.
ثم اتجهت إلى الطاولة وبدأت ترتب الطعام.
كانت تضع الأطباق أمامها واحدًا تلو الآخر، لكن عقلها لم يكن حاضرًا فيما تفعله.
كانت كلمات باران تتردد في رأسها:
«بما أننا زوجان الآن...»
خفضت عينيها.
نعم...
إنه زوجها،
وهذا ما كان يؤلمها أكثر.
فمنذ الأمس، وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن ما بينهما مجرد اتفاق مؤقت، وأن لكل منهما طريقًا سينتهي بهما في مكان مختلف.
لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة،
هو زوجها الآن،
ومن حقه أن يرى وجهها،
ومن حقه أن يجلس معها، وأن يحدثها، وأن يقترب منها ويطالبها بحقه الشرعي،
لكن قلبها لم يكن مستعدًا لذلك.
لم تكن تخاف منه بقدر ما كانت تخاف مما قد يحدث داخلها إذا سمحت له بالاقتراب.
وضعت طبقًا آخر على الطاولة، ثم توقفت فجأة.
لماذا أخاف إلى هذا الحد؟،
ربما لأنها تعرف أنها إن رفعت نقابها أمامه، فلن يكون الأمر مجرد كشف وجه.
سيكون كأنها تفتح أمامه بابًا إلى جزء من نفسها حاولت طويلًا أن تحميه.
وربما...
ربما كانت تخشى أن ترى في عينيه شيئًا يجعلها تتعلق به،
وهذا آخر ما تريده،
لأنه أخبرها بنفسه أن قلبه لامرأة أخرى.
وأن زواجهما قد لا يستمر،
فكيف ستكون ردة فعله إذا اكتشف الحقيقة كاملة؟.
أغمضت عينيها لحظة،
كانت تشعر بتأنيب ضمير يثقل صدرها.
إنه زوجي... ومن حقه أن يراني،
لكن صوتًا آخر في داخلها كان يهمس:
ليس الآن،
ليس لأنها ترفضه، ولا لأنها تريد أن تعصي حقًا من حقوقه، وإنما لأنها لم تكن مستعدة للمواجهة بعد،
لم تكن مستعدة لأن تقف أمام رجل قد يصبح غريبًا عنها بعد فترة، وهي تعرف أن صورتها معه ستبقى في ذاكرته.
بل ربما كان جزء خفي منها يريد أن تحتفظ بشيء منه...
بصوته،
بنظراته،
بملامحه التي لم تتجرأ حتى الآن على النظر إليها طويلًا،
وبتلك اللحظات القليلة التي شعرت فيها، رغم خوفها، أن هناك من يقف إلى جانبها.
كانت تريد أن تشبع من رؤيته في صمت، أن تحفظ تفاصيل وجهه في ذاكرتها، قبل أن يأتي اليوم الذي قد يرحل فيه ويختفي كل شيء.
اليوم الذي يعلم انها هي المراة التي احبها،
لكن ردة فعله ستكون قاسية،
ويترك لها هذا البيت...
وهذه الذكريات...
وقلبًا ربما لم يكن من المفترض أن يتعلق به أصلًا.
مسحت ديلان طرف عينها سريعًا قبل أن تسقط دمعتها، ثم عادت إلى ترتيب المائدة وكأن شيئًا لم يحدث.
وفي الجهة الأخرى من الشقة، كان باران يبدل ثيابه، لكنه لم يكن أقل اضطرابًا منها.
وقف للحظة أمام المرآة، وأخذ نفسًا عميقًا.
كان سعيدًا لأنها وافقت على مشاركته الطعام.
لكن شيئًا في داخل صدره كان يرفض أن يكتفي بذلك.
لقد أراد أن يراها.
ليس بدافع الفضول وحده...
بل لأنه بدأ يشعر أن وراء ذلك النقاب امرأة تحمل عالمًا كاملًا من الحكايات والألم، وأنه يريد أن يعرفها،
أن يفهمها،
أن يجعلها تشعر بالأمان معه،
ولأول مرة منذ أن عقد قرانه عليها، تساءل باران بصمت:
هل يمكن أن يكون ما بيننا أكبر من مجرد اتفاق؟،
هز رأسه سريعًا وكأنه يريد طرد الفكرة،
فهو لا يزال يحب أخرى...
أو هكذا كان يعتقد،
لكن شيئًا ما بدأ يتحرك في داخله ببطء، شيئًا لم يجد له اسمًا بعد.
وفي الخارج، كانت ديلان تنهي إعداد المائدة، تحاول أن تبدو هادئة.
بينما كان كلاهما، دون أن يدرك الآخر، يستعد لجلوس واحد...
قد يبدو بسيطًا جدًا.
لكنه ربما كان أول خطوة حقيقية في طريق طويل لم يخططا له قط.
بعد دقائق، خرج باران من غرفته بعدما ارتدى ثيابًا منزلية مريحة، واتجه نحو غرفة الطعام.
كانت ديلان قد انتهت من ترتيب المائدة، وجلست في الطرف المقابل من الطاولة، وقد أبقت نقابها مسدلًا على وجهها.
توقف باران لحظة عند رؤيتها.
لم يعرف لماذا شعر بشيء من الغرابة.
كانت زوجته تجلس أمامه، والطعام بينهما، وكل شيء يوحي بأنهما زوجان يبدآن أول إفطار لهما معًا... إلا أن ذلك النقاب ظل يرسم بينهما حاجزًا صغيرًا، حاجزًا لم يكن موجودًا بين زوجين آخرين.
جلس مقابلها، ثم نظر إلى الأطباق.
باران: يبدو أن والدتي أرسلت لنا ما يكفي لإطعام عائلة كاملة.
ابتسمت ديلان بخفة وقالت:
ديلان: أمك تخشى أن نبقى جائعين.
باران: بل أظنها تخشى أن أقول لها إن زوجتي لا تطعمني.
ضحكت ديلان ضحكة خافتة، ثم قالت:
ديلان: وهل كنت ستقول لها ذلك؟.
رفع حاجبه وقال مازحًا:
باران: ربما... إذا لم تعجبني طريقة طبخك.
رفعت عينيها إليه باستنكار مصطنع.
ديلان: ألم تأكل من طبخي من قبل وتحكم على طبخي؟.
باران: هذا صحيح، لكن امي من كانت تساعدك.
مد يده إلى أحد الأطباق، ثم قال:
باران: لذلك سأجرب أولًا تذوق الطعام الذي تعدينه لوحدك، وبعدها أصدر الحكم.
بدأ كلاهما يتناول الطعام.
في البداية، كان الصمت يسيطر على المائدة، إلا من صوت الملاعق وحركة الأطباق.
كان باران يحاول بين الحين والآخر أن يفتح معها حديثًا، ويسألها عن الطعام، وعن اثاث البيت الجديد، وعن أشياء بسيطة لا تحمل أي ثقل.
ومع مرور الدقائق، بدأت ديلان تشعر بأن توترها يخف قليلًا،
لم يكن الأمر كما تخيلته،
لم يحاول الضغط عليها،
لم يكرر طلبه،
بل كان يتصرف معها وكأن وجودها إلى جواره أمر طبيعي،
إلا أن عينيه كانتا تعودان بين حين وآخر إلى نقابها.
لاحظت ديلان ذلك، فخفضت عينيها إلى طبقها،
وبعد لحظات، قال باران بنبرة مترددة، قبل أن يبتسم:
باران: ديلان؟.
ديلان: نعم؟.
باران: هل يمكنني أن أطرح عليكِ سؤالًا دون أن تغضبي؟.
توقفت يدها قليلًا.
ديلان: ما هو؟.
أشار بعينيه إلى نقابها، وقال:
باران: ألا تشعرين أن هذا النقاب سيجعل الإفطار معقدًا قليلًا؟.
أجابت بهدوء:
ديلان: اعتدت عليه.
باران: أعرف.
ثم ابتسم وأضاف:
باران: لكنني لم أعتد عليه بعد.
نظرت إليه من فوق نقابها، فابتسم هو الآخر.
ديلان: ماذا تقصد؟، الم تراني من قبل اجلس معكم واتناول الطعام وانا ارتديه.
مال قليلًا إلى الخلف، وقال ممازحًا:
باران: بدأت أشك في أنك تخفين وجهك لأنك تخشين أن أكتشف أنك لست جميلة.
اتسعت عيناها بدهشة، ثم قالت:
ديلان: ماذا؟.
ضحك باران سريعًا:
باران: أمزح، أمزح!....
ثم رفع يديه مستسلمًا قبل أن تضربه بكلماتها.
باران: لا تنظري إليّ هكذا، أنا أحاول فقط أن أعرف سبب كل هذا الحرص.
قالت ديلان بنبرة جادة:
ديلان: وهل يهمك إن كنت جميلة أم لا؟.
توقفت ابتسامته للحظة.
نظر إليها مطولًا، ثم قال بهدوء:
باران: لا.
رفعت عينيها إليه.
تابع:
باران: ولو كنتِ تخفين وجهك لأنك تعتقدين أنك لست جميلة، فأنا أريدك أن تعرفي أن ذلك لا يعيبك في شيء.
سكت قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة صادقة هذه المرة.
باران: الجمال ليس شيئًا يجعل الإنسان أفضل من غيره، ولا أظن أنني تزوجتك من أجل وجهك.
خفضت ديلان عينيها، وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها.
فأضاف، بنبرة ألطف:
باران: يكفيني جمال روحك وهذه حقيقة اشعر بها وليس كلاما فارغ، لانك امامي وهذا ما شجعني لاقبل الزواج منك.
توقفت يدها عن الحركة،
لم تتوقع تلك الجملة.
كان يمكنه أن يمزح، أو أن يلح عليها، أو أن يستخدم حقه كزوج ليطلب منها أن تكشف وجهها،
لكنه بدلًا من ذلك جعلها تشعر أن الأمر لا يتعلق بجمالها أصلًا.
قالت بصوت خافت:
ديلان: أنت لا تعرف روحي بعد.
ابتسم باران.
باران: صحيح.
ثم أخذ لقمة صغيرة وقال:
باران: لكنني رأيت منها ما يكفيني لأحترمها.
رفعت عينيها إليه من جديد.
ديلان: وماذا رأيت؟.
وضع الملعقة جانبًا، وأجاب:
باران: رأيت امرأة تتحمل أكثر مما ينبغي، وتخاف أكثر مما تظهر، ومع ذلك تحاول دائمًا أن تبدو قوية.
تسارعت أنفاسها قليلًا.
ديلان: باران...
قاطعها بابتسامة خفيفة:
باران: لا تقلقي، لن أبدأ الآن بإلقاء محاضرة عن شخصيتك.
ثم أشار إلى نقابها قائلًا:
باران: لكنني سأظل أطلب منكِ بين الحين والآخر أن ترحمي زوجك المسكين من هذا الحاجز.
كادت تبتسم، لكنها أخفت ابتسامتها سريعًا.
ديلان: لن أنزعه.
باران: أعلم.
ديلان: إذن لماذا تستمر في الطلب؟.
باران: لأنني عنيد.
ثم أضاف ضاحكًا:
باران: ولأنني ربما أنجح يومًا ما.
هزت رأسها نافية.
ديلان: لن تنجح.
نظر إليها بثقة مصطنعة وقال:
باران: سنرى.
وللمرة الأولى منذ جلست إلى المائدة، وجدت ديلان نفسها تبتسم من قلبها.
كانت ابتسامة صغيرة، لم يرها باران...
لكنها كانت موجودة.
ولم يعرف أيٌّ منهما أن ذلك الإفطار البسيط، الذي بدأ بنقاب يفصل بينهما، كان أول مرة يجلسان فيها معًا دون خوف أو خصام أو شعور بأن أحدهما يفرض نفسه على الآخر.
أما باران، فكان يكتفي بأن يراقب عينيها.
فحتى إن بقي وجهها مخفيًا...
بدأ يشعر أن روحها، شيئًا فشيئًا، أخذت تكشف له نفسها.
لكن ابتسامتها، التي لم يرها باران، لم تستطع أن تخفي الاضطراب الذي عاد يتسلل إلى قلبها.
خفضت ديلان عينيها إلى طبقها، وراحت تحرك الطعام أمامها دون أن تأكل.
لماذا أفعل هذا؟،
السؤال نفسه عاد يطاردها،
هي تعرف الحقيقة، وتعرف أن باران لا يعرفها،
بل إن الرجل الذي يجلس أمامها، ويمازحها الآن ويحاول أن يجعلها تشعر بالأمان، لا يعلم أن المرأة التي يبحث عنها قلبه قد تكون أقرب إليه مما يتخيل،
وانها هي نفسها الجالسة امامه،
هو يبحث عنها... وأنا أمامه.
شعرت بوخزة في صدرها،
كان الأمر أشبه بسر ثقيل تحمله وحدها، وكلما عاملها بلطف، ازداد ثقل ذلك السر على ضميرها.
لو عرف الحقيقة... هل كان سيظل ينظر إليّ بهذه الطريقة؟،
سرقت نظرة سريعة إليه.
كان يأكل بهدوء، وكأن شيئًا في العالم لا يشغله في تلك اللحظة سوى إفطاره.
فأخفضت عينيها سريعًا،
ولماذا لم أخبره؟،
كانت تملك الفرصة.
منذ أن أخبرها بما يشعر به، ومنذ أن صارحها بأنه لا يستطيع أن يمنح قلبه لامرأة أخرى، كان بإمكانها أن تقول له الحقيقة،
أن تقول له:
أنا هي.
لكن الكلمات بقيت حبيسة حلقها،
ليس خوفًا من رفضه فقط، بل خوفًا من اللحظة التي ستتغير فيها نظرته إليها.
هي لا تريد أن يعرفها لأنها تخشى أن يختارها بدافع الذنب، أو بدافع الوفاء لوعد قديم، لا لأنها المرأة التي يريدها الآن.
وربما كانت تخشى شيئًا آخر أكثر قسوة...
أن تخبره بالحقيقة، ثم تكتشف أن المرأة التي ظل يبحث عنها طوال تلك السنوات لم تعد هي المرأة التي كان يحبها.
تنفست ببطء،
ربما كان الصمت أسهل،
لكنها لم تكن مقتنعة بذلك،
وفي الجهة المقابلة، لاحظ باران شرودها.
رفع حاجبه وقال:
باران: هل الطعام لم يعجبك؟.
انتبهت إليه سريعًا.
ديلان: بلى، إنه لذيذ.
باران: إذن لماذا تنظرين إلى طبقك وكأن بينك وبينه خلافًا قديمًا؟.
لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور.
ديلان: لا شيء.
هز رأسه، ثم عاد إلى طعامه.
لكنه لم يتوقف عن التفكير،
لقد أصبح لديه فضول حقيقي لرؤية وجهها،
في البداية كان الأمر مجرد رغبة طبيعية؛ فهو تزوج امرأة لم يرَ وجهها بعد،
ثم تحول الفضول إلى شيء آخر.
صار يتساءل عن ملامحها، وعن شكل ابتسامتها، وعن عينيها اللتين لا يراهما إلا وهي خلف ذلك النقاب.
وحين ابتسمت منذ قليل، شعر للحظة أنه يريد أن يرى تلك الابتسامة كاملة.
لكنه لم يكن يريد أن يجبرها،
لم يرد أن تكون أول مرة يرى فيها وجهها نتيجة ضغط منه، أو خوف منها، أو شعورها بأنها مجبرة على طاعته.
كان يريدها أن تنظر إليه يومًا ما وتقرر بنفسها أن تثق به،
لذلك، قرر أن يستخدم سلاحًا واحدًا فقط...
المشاكسة.
نظر إليها فجأة وقال:
باران: بالمناسبة...
ديلان: ماذا؟.
باران: ما زلت أعتقد أن لديكِ سببًا آخر لإخفاء وجهك.
رفعت حاجبها من خلف النقاب.
ديلان: وما هو؟.
ابتسم بمكر طفولي:
باران: ربما لأنك تخشين أن أكتشف أنك جميلة أكثر مما ينبغي، فلا اتحمل ذلك الجمال الخارق.
اتسعت عيناها.
ديلان: باران!
ضحك.
باران: حسنًا، حسنًا... كنت أمزح مع انني اقدر جدا الجمال.
ثم أخذ رشفة من شرابه، وقال وكأنه يحدث نفسه:
باران: لكنني لن أتخلى عن الفكرة.
ديلان: لا تحاول.
باران: لم أقل إنني سأحاول الآن.
ثم ابتسم وأضاف:
باران: سأنتظر فقط.
نظرت إليه باستغراب.
باران: تنتظر ماذا؟.
أجابها ببساطة:
باران: أن تفاجئيني يومًا وتخلعيه من تلقاء نفسك.
سكتت.
كانت كلماته مختلفة هذه المرة.
لم يكن فيها أمر.
ولا إصرار.
بل ترك لها الخيار كاملًا.
قال بعدها بنبرة مازحة:
باران: لكن لا تطيلي ذلك كثيرًا، فأنا رجل صبور... إلى حد ما.
ضحكت رغمًا عنها.
ديلان: يبدو أنك مغرور جدًا.
باران: بل فضولي فقط.
ثم نظر إلى عينيها وقال:
باران: وأعدك أنني لن أجبرك.
كانت تلك الجملة وحدها كافية لتجعل قلبها يرتجف.
أشاحت بوجهها عنه، وكأنها تخشى أن يرى ما فعلته كلماته بها.
أما هو فعاد إلى طعامه، وقد شعر بشيء من الرضا.
لن يضغط عليها.
لكنه سيمازحها بين الحين والآخر.
سيسألها، ويشاكسها، وربما يستفزها قليلًا...
لا ليفرض عليها أن تكشف وجهها، وإنما ليجعل الفكرة مألوفة لديها، حتى يأتي اليوم الذي تنزع فيه نقابها أمامه لأنها تريد ذلك، لا لأنها اضطرت إليه.
أما ديلان، فكانت تقاوم في داخلها رغبة أخرى تمامًا،
رغبة في أن تصرخ بالحقيقة،
أن تقول له إن المرأة التي يبحث عنها ليست بعيدة،
إنها تجلس أمامه الآن، تأكل معه، وتخفي وجهها عنه، وتخفي معها الحقيقة الأكبر.
وضعت يدها على صدرها بخفة،
إلى متى سأستطيع الاستمرار في هذا؟،
لم تعرف،
لكنها عرفت شيئًا واحدًا...
أن مزاح باران البسيط جعل الأمر أصعب.
لأنها، ولأول مرة، بدأت تتساءل:
ماذا لو خلعت نقابي يومًا أمامه؟،
ثم أسرعت بطرد الفكرة من رأسها.
لا.....
ليس الآن،
فهي لم تكن مستعدة لأن يرى وجه المرأة التي ظل يبحث عنها...
قبل أن تعرف هي نفسها إن كان قلبها مستعدًا لمواجهة ما سيحدث بعد ذلك.
مرت الأيام الثلاثة التالية على ذلك النحو الهادئ، وكأن كلاً منهما بدأ، دون أن يشعر، يعتاد وجود الآخر في تفاصيل يومه.
ومنذ صباح اليوم التالي، طلبت ديلان من باران أن يخبر والدته ألا تتكلف عناء الصعود إليهما بالطعام.
قالت له ذاك الصباح وهي تجمع الأطباق:
ديلان: أخبر والدتك ألا تصعد بالطعام بعد الآن، لا أريد أن تتعب نفسها. سأعده أنا.
نظر إليها باران ممازحا:
باران: أنتِ متأكدة؟.
ديلان: نعم، الأمر ليس شاقًا فقد كنت افعله سابقا.
وهكذا أصبحت ديلان تنهض في الصباح، فتعد الإفطار، ثم تنشغل بإعداد الغداء، وفي المساء تجهز العشاء وترتيب المنزل.
وكان باران، كلما جلسا متقابلين إلى المائدة، يجد لنفسه سببًا جديدًا لمشاكستها.
مرة يعلق على كمية الطعام، ومرة يتعمد أن ينتقد طبقًا قبل أن يتذوقه، ومرة أخرى يطلب منها أن تخبره مسبقًا إن كان الطعام حارًا حتى لا يموت مختنقًا أمامها.
وكانت ديلان في البداية تجيبه بجدية، ثم بدأت شيئًا فشيئًا تفهم أسلوبه، فترد عليه بالمثل.
وبمرور الأيام، صار الضحك يتسلل إلى مائدتهما دون استئذان.
لم تعد تلك الجلسات ثقيلة كما كانت في البداية.
صارت ديلان تشعر بشيء من الألفة.
بل إنها بدأت تنتظر تلك اللحظات التي يجلس فيها أمامها ويبدأ مشاكساته السخيفة، رغم أنها كانت تتظاهر بالانزعاج منها.
أما باران...
فكان الأمر بالنسبة إليه أكثر خطورة مما أراد الاعتراف به.
لقد بدأ ينتظر جلوسها أمامه،
بدأ يلاحظ أشياء لم يكن يلتفت إليها من قبل؛ طريقة حديثها، هدوء صوتها، حرصها على أن يكون كل شيء مرتبًا، وحتى تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تظهر وتثير إنتباهه.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يتأملها وهي ترتب الأطباق بعد أن فرغا من الطعام، باغته سؤال لم يكن مستعدًا له.
هل بدأ قلبي يميل إليها؟،
تجمد للحظة.
ثم أسرع في طرد الفكرة،
وماذا عن الأخرى؟،
تلك التي أحبها لسنوات...
تلك التي ظل قلبه متعلقًا بها، والتي تزوج ديلان وهو يظن أن مكانها في قلبه لا يمكن أن يشغله أحد.
هز رأسه وكأنه يريد أن يقطع الطريق على تلك الأفكار،
لا... لا تتسرع،
ربما كل ما يشعر به الآن مجرد ألفة فرضتها الأيام،
ربما هو الاعتياد،
ربما لأنه يعيش معها تحت سقف واحد.
لكن ذلك السؤال ظل عالقًا في زاوية مظلمة من قلبه.
أما ديلان، فلم تكن أقل اضطرابًا منه.
فكلما اقترب منها أكثر، شعرت بوخز الضمير أقوى،
كان الرجل الذي أمامها يزداد ألفة معها، بينما هي تخفي عنه الحقيقة الأكبر.
لو عرف من أنا...
كانت الفكرة وحدها تكفي لتربكها.
لكنها كانت تؤجل المواجهة يومًا بعد يوم.
حتى جاء اليوم الرابع.
في ذلك الصباح، أخبرها باران أنه سيخرج لشراء بعض المستلزمات الاي مانت تنقص بالبيت، ثم غادر.
وأثناء وجوده خارج المنزل، تلقى اتصالًا من الرجل الذي كلفه ببيع سيارة مراد.
كانت عائلته قد وقعت له على توكيل للتصرف بها، وحتى ديلان بعد نهاية عدتها وقعت له ذلك التوكيل، ليتكلف بكل مستحقاتها من زوجها الراحل مراد.
اتجه باران إلى المعرض، وأنهى معه إجراءات البيع، ثم استلم المبلغ المخصص للسيارة، وحرص على فصل نصيب كل وارث وفق ما تم الاتفاق عليه.
كان يشعر براحة غريبة بعد أن انتهى من ذلك الأمر، وكأن شيئًا من المسؤوليات العالقة فوق كتفيه قد خف.
وفي تلك الأثناء، تذكر أنه قبل يومين تلقى إشعارًا من الشركة يفيد بإيداع مكافأة مالية مجزية له، تقديرًا لتفانيه في العمل والصفقات الجديدة التي ساهم بعا وقد إنعاش خزينة الشركة.
كان قد قرر أن يحتفظ بالمبلغ، لكنه حين رأى سيارة معروضة بنفس المكان ، خطرت له فكرة،
لماذا لا يشتري سيارة؟،
وبالفعل، لم يمض وقت طويل حتى أتم عملية الشراء.
جلس خلف المقود الجديد، وأدار المحرك، ثم ابتسم.
وفجأة خطرت له فكرة أخرى.
أخرج هاتفه واتصل بوالدته.
باران: أمي، جهزي نفسك أنت وأبي، سأصطحبكما اليوم في نزهة، واخبري ديلان بذلك.
ضحكت عائشة:
عائشة: نزهة؟ وما المناسبة؟،
باران: اشتريت سيارة جديدة، وأريد أن نقضي اليوم خارج المنزل، نتنزه ونتناول الغداء في الخارج.
صمتت عائشة لحظة، ثم قالت:
عائشة: حسنًا، سأخبر والدك.
لكنها، بعد أن أغلقت الهاتف، فكرت قليلًا.
لقد لاحظت خلال الأيام الماضية أن باران وديلان بدآ يعتادان بعضهما.
ورأت في ذلك فرصة لتترك لهما مساحة أكبر.
صعدت إلى شقة ديلان، وأخبرتها:
عائشة: باران اتصل بي، وقال إنه سيأتي ليأخذك اليوم لتخرجا معا ونتنزها ونتناولا الغداء خارج المنزل بمناسبة شرائه السيارة.
تهللت أسارير ديلان.
ديلان: حقًا؟.
ابتسمت عائشة.
عائشة: نعم.... استعدي، وعندما تسمعين بوق السيارة انزلي إليه.
أومأت ديلان بسعادة لم تستطع إخفاءها.
كانت فكرة الخروج من المنزل وحدها تبهجها، لكن فكرة أن تقضي يومًا كاملًا مع باران جعلت قلبها يخفق بطريقة لم تفهمها.
جهزت نفسها وانتظرت.
وبعد فترة، لمحت من الشرفة سيارة جديدة تتوقف أمام البناية.
وما إن بدأ صاحبها يضغط على البوق، حتى عرفت أنه باران.
نزلت مسرعة.
وما إن رآها باران تقترب، حتى نظر حوله ثم قال بدهشة:
باران: أين أمي وأبي؟.
توقفت ديلان أمام السيارة.
ديلان: لم يأتِ معي أحد. هل أخبرتهما؟.
قطب حاجبيه.
باران: بلى..اتصلت بأمي وأخبرتها أنني سأخرجكم اليوم لنقضي يومًا ممتعًا بمناسبة شرائي السيارة.
ابتسمت ديلان باستغراب.
ديلان: لكنها لم تخبرني بذلك، قالت إنك تريد أن نخرج انا وانت معًا ونقضي اليوم في الخارج.
أخرج باران هاتفه فورًا.
باران: سأتصـل بها لأعرف ما الذي حدث.
ضغط على رقم والدته، وبعد لحظات جاءه صوتها.
وبعد دقائق من الحديث، أغلق الهاتف.
تنهد.
باران: أبي في العمل، وأمي متعبة ولن تستطيع المجيء.
ثم نظر إلى ديلان.
باران: قالت إننا نستطيع تأجيل خروجنا جميعًا إلى يوم آخر.
وما إن قال ذلك حتى فتحت ديلان باب السيارة استعدادًا للنزول.
ديلان: إذن سأعود إلى الشقة، ونخرج جميعًا في يوم آخر.
لكن يد باران امتدت وأمسكت بيدها قبل أن تبتعد.
باران: إلى أين تذهبين؟.
نظرت إليه باستغراب.
ديلان: بما أنك كنت تريد أن نخرج جميعًا، وأبي وأمك لم يأتيا، فسأعود.
ابتسم باران.
باران: ومن قال إنني لا أريد الخروج معك؟.
سكتت.
فأضاف:
باران: في الحقيقة، فكرة النزهة كانت من أجلك أنتِ.
حدقت فيه غير مصدقة.
تابع:
باران: كنت أراكِ لا تخرجين من البيت إلا نادرًا، وقلت في نفسي: لماذا لا آخذ أمي وأبي معنا؟، نخرج جميعًا ونقضي يومًا لطيفًا.
ثم ابتسم:
باران: لكن النزهة من الأساس كانت من أجلك.
شعرت ديلان بشيء دافئ يجتاح قلبها.
شيء لم تشعر به منذ زمن طويل.
لقد اعتادت أن تفعل الأشياء للآخرين.
أن تفكر في راحتهم،
أن تهتم بما يريدونه،
أما أن يفكر أحدهم في راحتها هي...
أن يخطط ليوم كامل فقط كي يراها سعيدة...
فكان أمرًا جديدًا عليها،
ابتسمت خلف نقابها، ولم يستطع باران رؤية ابتسامتها، لكنه رأى شيئًا من الفرح يلمع في عينيها.
ديلان: إذن... لنذهب.
ابتسم باران.
باران: هذا ما كنت أريده.
كانت أول وجهتهما إلى البحر،
جلسا على الرمال، بعيدًا عن صخب الناس، وأخذ كلاهما يتأمل الأمواج وهي تتقدم نحو الشاطئ ثم تعود أدراجها.
كان النسيم يداعب أطراف ثياب ديلان، بينما كانت هي تشعر بأن شيئًا داخلها يهدأ للمرة الأولى منذ وقت طويل.
تحدثا في أمور كثيرة،
عن العمل باران،
عن العائلة،
عن أشياء صغيرة لا أهمية لها في ظاهرها، لكنها كانت تصنع بينهما مساحة جديدة من الألفة،
وبين حين وآخر كان باران يمازحها، فتجيبه، ثم يعود الصمت بينهما صمتًا مريحًا لا يشبه ذلك الصمت الثقيل الذي كان بينهما في بداية زواجهما.
وبعد أن أمضيا وقتًا على الشاطئ، اصطحبها باران إلى مطعم قريب.
جلسا إلى الطاولة، ثم أعطاها قائمة الطعام.
باران: اختاري ما تريدين.
نظرت ديلان إلى القائمة بحيرة.
ديلان: لا أعرف ماذا أختار.
باران: لماذا؟.
ديلان: لست معتادة على هذه الأماكن.
توقف باران لحظة، ثم أخذ القائمة منها.
باران: إذن سأطلب لك ما سأطلبه لنفسي.
وبعد قليل، حضر الطعام.
بدأ الاثنان بتناوله، وبعد عدة لقمات سألها باران:
باران: ما رأيك؟.
ترددت ثم قالت:
ديلان: لا بأس... أعجبني نوعًا ما.
رفع باران حاجبه.
باران: نوعًا ما؟.
ديلان: نعم.
ضحك.
باران: إذن اتفقنا.
ديلان: على ماذا؟.
باران: على أن طعامك ألذ.
نظرت إليه بدهشة.
ديلان: كيف ذلك؟.
باران: لأن هذا الطعام ليس لذيذًا بقدر الطعام الذي تعدينه أنتِ.
سكنت للحظة،
كانت جملة بسيطة،
لكنها بالنسبة إليها لم تكن بسيطة أبدًا.
للمرة الأولى شعرت أن أحدًا يقدّر ما تصنعه بيديها،
أن أحدًا انتبه إلى تعبها،
إلى الطعام الذي كانت تعده كل يوم،
ووجد فيه شيئًا يستحق الثناء،
انخفضت عيناها، وشعرت بقلبها يلين رغماً عنها،
وفي داخلها، عاد ذلك التأنيب نفسه،
لماذا تفعل بي هذا وأنت لا تعرف من أنا؟،
كيف يمكنني أن أخفي عنك حقيقتي بينما أنت تقترب مني بهذا الشكل؟،
أشاحت بوجهها نحو البحر خلف زجاج المطعم.
كانت تخشى أن يصبح هذا اليوم ذكرى عزيزة عليها،
وتخشى أكثر أن يأتي يوم تضطر فيه إلى فقدها،
قضيا معظم اليوم خارج المنزل.
وفي طريق العودة، توقف باران أمام أحد المحال.
التفت إليها وقال:
باران: ابقي هنا، لن أتأخر.
ثم ترجل من السيارة.
انتظرته ديلان دقائق، حتى رأته يخرج من المحل يحمل كيسًا صغيرًا مزينًا بعناية.
ركب السيارة وجلس إلى جوارها، ثم مد الكيس إليها.
باران: هذا لك.
نظرت إليه باستغراب.
ديلان: لي؟.
باران: افتحيه.
فتحت ديلان الكيس، وما إن أخرجت ما بداخله حتى شهقت بدهشة.
كان هاتفًا محمولًا جديدًا.
اتسعت عيناها، وارتسمت خلف نقابها ابتسامة عريضة لم تستطع إخفاءها في عينيها.
ولم يكن هناك شيء أسعد باران من رؤية تلك الفرحة في عينيها،
تمنى للحظة لو استطاع رؤية ابتسامتها كاملة،
لكنه اكتفى بعينيها.
باران: هل أعجبتك الهدية؟.
ديلان: جدًا...
ثم سكتت، قبل أن تتابع بصوت اختنق بشيء من التأثر:
ديلان: لم أتخيل أنني سأمسك هاتفًا بعد...
وتوقفت.
لم تحتج إلى إكمال الجملة.
فهو فهم.
قال بهدوء:
باران: أعلم.
ثم أضاف:
باران: لهذا قررت أن أشتريه لك.
نظرت إليه.
باران: وسأسجل رقمي عليه، حتى إذا احتجتِ إلى شيء تتصلين بي مباشرة. لا أريد أن يحدث كما حدث اليوم، أتصل بأمي وأنا لا أعرف أنك تحتاجين شيئًا.
سكت لحظة ثم تابع:
باران: بعد يومين سأعود إلى عملي، وربما تحتاجين شيئًا، أو تريدين إخباري بأمر ما، فتتصلين بي مباشرة دون اللجوء إلى أمي.
ثم أردف:
باران: وطلبت أيضًا تركيب هاتف أرضي في الشقة، حتى تتمكني من الاتصال بأمي أو بوالدتك أو بأي شخص لديه هاتف أرضي.
ثم نظر إليها باستغراب حقيقي:
بارات: بصراحة، ما زلت لا أفهم لماذا فعل مراد ذلك معك، لم أفهم لماذا حرمك من الهاتف، مع أنني أراه ضرورة في هذا الوقت.
لم تستطع ديلان الرد.
كانت تحدق في الهاتف بين يديها، وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلم جميل.
ديلان: شكرا لك لم اتخيل انني ساحمل هاتف من هذا النوع يوما، لكنني لا اعلم كيف اشغله.
إبتسم باران وقال:
باران: لا اشكريني وانت اصبحت زوجتي وعذا اقل شيء يمكنني لن اقدمه لك، اما عن كيفية عمله عندما نعود للبيت ساعلمك.
لم يكن الهاتف هو ما أسعدها،
بل الفكرة التي خلفه،
لقد فكر بي،
لم ينتظر أن تطلب،
لم يشكُ بها،
لم تقل إنها تحتاج إليه،
هو وحده انتبه،
هو وحده فكر أن شيئًا كهذا قد يسعدها أو يسهل عليها حياتها،
للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن هناك شخصًا يسأل نفسه:
ماذا تحتاج ديلان؟،
وليس:
ماذا يحتاجه منها؟.
انقبض قلبها من شدة السعادة.
وارتجفت عيناها بالدموع، لكنها أسرعت في إخفائها.
أما باران، فظل ينظر إليها مبتسمًا.
وفي داخله، كان سؤال آخر يتسلل من جديد.
متى أصبحت سعادتها تعنيني إلى هذا الحد؟،
لم يجد جوابًا،
ولم يبحث عنه.
حين عادا، أوقف باران السيارة أمام البناية.
كانت دنيز تقف في شرفتها، كعادتها، تتطلع إلى الشارع،
لفتت السيارة الجديدة انتباهها،
بدأت تراقبها، تنتظر أن تعرف من صاحبها.
ثم انفتح الباب،
وترجل باران،
وبعده نزلت ديلان،
رأتهما معًا.
رأت الطريقة التي التفت بها باران نحو ديلان،
ورأت ديلان تدخل إلى جواره البناية،
في تلك اللحظة، اشتعل شيء أسود في صدرها.
غيرة،
وحقد،
وغضب،
هي؟....
كانت ديلان تعيش حياتها من جديد،
تزوجت مراد، ثم بعد موته أصبحت زوجة باران.
وها هي الآن تخرج معه، وتعود معه، وتعيش تحت سقفه، بينما هي...
هي التي ظنت يومًا أن باران لن يكون لديلان،
هي التي حرمت من الرجل الذي أحبته فقد سرقتع منها ديلان،
شعرت أن الدم يغلي في عروقها.
قبضت على حافة الشرفة بقوة.
دنيز: لا...
خرجت الكلمة من بين أسنانها.
دنيز: لن أسمح بهذا.
كانت تراقب البناية التي اختفى خلف بابها باران وديلان.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة.
باران لا يعرف الحقيقة،
وهذه الحقيقة أصبحت في نظرها سلاحًا.
دنيز: يجب أن يعرف.
رفعت رأسها، وقد اشتعلت عيناها بحقد لم يعد يحاول الاختباء.
دنيز: لن أتركك تتنعمين بحياتك مرة أخرى يا ديلان،
لقد قررت......
لن تبقى ديلان في نظر باران تلك الزوجة الهادئة التي يحب وجودها ويبحث عن سعادتها،
ستكشف حقيقتها،
ستحطم الصورة التي بناها عنها.
ولأول مرة منذ أيام، شعرت دنيز أن لديها هدفًا واضحًا أمامها.
إذا كانت ديلان قد وجدت لنفسها حياة جديدة...
فهي ستفعل كل ما تستطيع لتحطمها.
دخلت دنيز غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف، ثم أسندت ظهرها إليه للحظات، وقلبها يغلي بنار الحقد والغيرة، كانت أنفاسها متسارعة، وعيناها تقدحان شررًا كلما تذكرت ديلان، تلك المرأة التي استطاعت، في نظرها، أن تنتزع مكانًا في قلوب الجميع دون أن تفعل شيئًا سوى التظاهر بالبراءة.
تقدمت نحو سريرها وأخرجت هاتفها، ثم بحثت عن اسم مدحت وضغطت على زر الاتصال.
رن الهاتف مرة... ومرتين... وثلاثًا، لكنها لم تسمع سوى ذلك الرنين المستفز.
قطبت حاجبيها، وأعادت الاتصال مرة أخرى.
لا جواب.
عضّت شفتها بغيظ، ثم ألقت الهاتف فوق السرير وقالت بانفعال:
دنيز: هذا الغبي مدحت! أين اختفى؟، منذ مدة وأنا أتصل به ولا يكلف نفسه حتى عناء الرد!.
التقطت الهاتف من جديد، وظلت تحدق في شاشته لحظات، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة باردة ماكرة.
دنيز: لا بأس... إذا كنت لا تريد الرد، فسأتصرف وحدي.
فتحت الرسالة التي احتفظت بها، وأخذت تتأملها بنظرات تحمل من الحقد ما يكفي لإحراق صاحبها.
ثم تمتمت:
دنيز: لقد حان الوقت لتظهر هذه الرسالة، فإذا لم يتمكن مراد من رؤيتها، فسيراها باران... وسيعرف الحقيقة.
اتسعت ابتسامتها وهي تتخيل الصدمة التي سترتسم على وجهه.
دنيز: ذلك الأحمق يظنها ملاكًا هبط من السماء! لن أسمح لها بأن تخدعه كما خدعت مراد من قبل، سيعرف حقيقتها... سيعرف أنها كانت على علاقة بشاب آخر، وأنها لم تتوقف عن التواصل معه حتى بعد زواجها.
أخفت الرسالة بعناية، وكأنها تخفي سلاحًا تنتظر اللحظة المناسبة لاستخدامه، ثم رفعت رأسها بثقة.
دنيز: هذه المرة لن تنجو ديلان.
وفي الجهة الأخرى، كان باران يخوض معركة مختلفة تمامًا،
فمنذ الأيام الأخيرة، بدأ يشعر بأن شيئًا ما يتغير داخله تجاه ديلان، صار وجودها يستحوذ على جزء من تفكيره، وصوتها يبقى عالقًا في ذاكرته حتى بعد أن يبتعد عنها، وهدوؤها وطريقتها في الحديث والتعامل معه جعلاه يكتشف فيها شيئًا لم يكن ينتبه إليه من قبل.
لكنه كلما شعر بأن قلبه يقترب منها خطوة، سارع إلى التراجع.
كان يذكّر نفسه بالحاجز الذي وضعته بينهما منذ البداية... ذلك الحجاب الذي أخفى ملامحها عنه، وجعل وجهها لغزًا لم يسمح له أن يكشفه.
وكان يقنع نفسه بأن فضوله تجاهها ليس إلا نتيجة طبيعية لذلك الغموض.
أما ديلان، فكانت تشعر بشيء آخر تمامًا.
كان ضميرها يؤنبها كلما لاحظت نظراته المترددة نحوها، فهي تعرف أن هناك شيئًا تخفيه عنه، وتعرف أيضًا أن اللحظة التي ستكشف فيها وجهها قد تغيّر أشياء كثيرة بينهما.
ومع ذلك، كانت قد اتخذت قرارها.
ومرّ الأسبوع سريعًا، حتى حلّ أول يوم يعود فيه باران إلى عمله بعد عطلة دامت سبعة أيام.
جلسا معًا يتناولان إفطارهما، وكانت الأجواء بينهما أكثر ألفة مما كانت عليه في السابق، وبعد أن انتهيا، نهض باران واتجه نحو الباب، ثم التفت إليها قبل أن يخرج.
باران: هل تريدين مني أن أحضر لك شيئًا وأنا عائد؟.
هزت ديلان رأسها.
ديلان: لا، شكرًا، لا أريد شيئًا.
ثم ترددت لحظة قبل أن تسأله:
ديلان: هل ستعود لتناول الغداء هنا؟.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
باران: نعم، سأعود.
ديلان: وماذا تريد أن أعد لك؟.
فكر قليلًا ثم ذكر لها بعض الأطباق التي يحبها، فأومأت برأسها.
ديلان: حسنًا.
خرج باران، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى بقيت ديلان واقفة مكانها للحظات، وقد بدأت فكرة واحدة تتبلور في رأسها.
اليوم......
اليوم ستفعلها،
اليوم ستفاجئه،
قررت أن تعد له وجبة غداء فاخرة، تضم كل الأطباق التي يحبها، ثم تكشف له عن وجهها وهويتها التي أخفتها عنه طوال تلك الفترة،
وكأنها كانت تهيئ نفسها، لا لمجرد وجبة غداء، بل للحظة قد تقلب حياتها كلها.
دخلت المطبخ وبدأت إعداد الطعام بحماس لم تشعر به منذ وقت طويل، تنقلت بين الأطباق وهي تضع لمساتها الأخيرة بعناية، حتى امتلأت الشقة برائحة الطعام الشهية.
وحين انتهت، نظرت إلى الساعة، ثم قررت أن تستعد هي الأخرى.
دخلت الحمام وأخذت حمامًا منعشًا، ثم وقفت أمام خزانتها تفكر فيما سترتديه.
وقع اختيارها على فستان وردي أنيق، انسدل بانسياب على قوامها وأبرز رشاقتها دون مبالغة.
تركت شعرها الكستنائي المموج ينسدل حول كتفيها، تتخلله خصلات ذهبية لامعة، ثم وضعت قدرًا بسيطًا من مستحضرات التجميل، لا لتغير ملامحها، بل لتبرز جمالها الطبيعي.
تعطرت بعطر هادئ، ثم ارتدت الطقم الذي أهداه لها باران.
وقفت أمام المرآة تنظر إلى نفسها طويلًا.
كان قلبها يخفق بعنف.
هل سيعجبه ما سيراه؟،
هل سيتفاجأ؟،
هل سيبتسم؟،
أم أن عينيه ستخبرانها بأنها ارتكبت خطأً حين سمحت لقلبها بأن يتقدم على خوفها؟،
تنفست بعمق، ثم أبعدت تلك الأفكار.
ديلان: كفى يا ديلان... لقد اتخذت قرارك.
بعد ذلك رتبت مائدة الطعام بعناية، وضعت الأطباق في أماكنها، وأشعلت بعض الشموع الصغيرة التي أضفت على المكان جوًا دافئًا وهادئًا.
ثم اتصلت بباران.
باران: أين أنت؟.
جاءها صوته من الطرف الآخر:
باران: خرجت الآن من العمل، ولم يتبقَ سوى مسافة الطريق، سأكون في المنزل قريبًا.
ديلان: حسنًا، سأنتظرك.
أغلقت الهاتف وجلست على الأريكة، وبدأت تتخيل اللحظة التي سيدخل فيها.
ماذا ستقول له؟،
كيف ستكشف وجهها؟،
كيف ستكون نظرته الأولى إليها؟،
نسج عقلها عشرات السيناريوهات، وكل واحد منها كان يجعل قلبها يخفق أسرع.
لكنها لم تكن تعلم أن شخصًا آخر كان ينتظر عودة باران أيضًا.
دنيز.....
وقفت دنيز في شرفة منزلها تراقب الشارع بعينين متوترتين، حتى لمحت سيارة باران تدخل أسفل البناية.
اعتدلت في وقفتها بسرعة، والتقطت الرسالة التي أخفتها بين ثيابها، ثم أسرعت نحو الباب.
كانت قد قررت أن تواجهه قبل أن يصعد إلى شقته.
وما إن رأته يترجل من سيارته حتى أسرعت إلى الدرج، وانتظرته حتى أصبح أمامها.
دنيز: السلام عليكم يا باران.
رفع باران عينيه إليها.
باران: وعليكم السلام، كيف حالك يا دنيز؟.
دنيز: بخير... لكنني أريد أن أتحدث إليك في موضوع مهم.
تغيرت ملامحه قليلًا.
باران: وما الموضوع الذي تريدين الحديث معي بشأنه؟.
ترددت دنيز للحظة، ثم ألقت الكلمة التي جاءت من أجلها:
دنيز: ديلان.
تجمدت ملامح باران.
باران: ديلان؟ ما بها ديلان؟.
اقتربت دنيز منه خطوة، وقالت بنبرة متعمدة:
دنيز: جئت لأزيل الغشاوة عن عينيك، ولأخبرك بحقيقتها... حتى لا تبقى مخدوعًا بها كما كان مراد.
ما إن نطقت باسم مراد حتى شعر باران بشيء ينقبض في صدره.
تذكر آخر لحظاته،
تذكر نظرات أخيه، وصوته المتقطع، والكلمة التي حاول نطقها قبل أن يرحل،
دنيز...
رفع باران عينيه إليها وقال بجدية:
باران: ما الذي كنت تعرفينه عنها ولم يسعفك الوقت لتخبري به مراد؟.
ابتسمت دنيز ابتسامة خبيثة.
دنيز: ديلان كانت على علاقة بشاب قبل زواجها من مراد... ولم تنتهِ تلك العلاقة بعد زواجها منه.
اتسعت عينا باران، وسرعان ما تبدلت ملامحه.
باران: ماذا تقولين أنت؟!.
ثم أضاف بحدة:
باران: هذا كلام خطير يا دنيز، ويحتاج إلى دليل.
قالت بثقة:
دنيز: ولدي الدليل.
باران: أي دليل؟.
دنيز: رسالة أرسلها إليها حبيبها حتى بعد زواجها من مراد، كانت تتواصل معه رغم أن مراد منع عنها الهاتف.
بدأت خيوط متفرقة تتجمع في ذهن باران، لكن عقله رفض أن يصدق ما يسمعه.
قال بحزم:
باران: وهل لديك دليل حقيقي على ما تقولينه؟.
أدخلت دنيز يدها بين ثيابها وأخرجت الرسالة التي ظلت تخبئها طوال تلك الفترة، ثم رفعتها أمامه.
دنيز: هذا هو الدليل الذي لم أتمكن من إعطائه لمراد.
ظل باران يحدق في الرسالة،
لم يعرف لماذا شعر بذلك الثقل الغريب في صدره،
مد يده وأخذها منها،
وحين همّ بفتحها، سمع صوت همهمة قادمة من أسفل الدرج،
توقف فورًا،
طوى الرسالة وأعادها إلى مكانها داخل سترته، ثم رفع رأسه.
كان عمه إبراهيم يقف أمامه.
إبراهيم: باران! كيف حالك يا بني؟.
استدار باران نحوه محاولًا إخفاء الاضطراب الذي اجتاحه.
باران: بخير يا عمي.
ثم نظر إلى دنيز وقال بسرعة:
باران: رأيت دنيز هنا، فتوقفت لأطمئن عليكم.
ابتسم إبراهيم.
إبراهيم: نحن بخير يا بني. هيا، ادخل معنا لنتناول الغداء.
تردد باران لحظة، ثم قال:
باران: أشكرك يا عمي، لكن ديلان تنتظرني.
ثم أضاف وهو يتذكر عمله:
باران: وعليّ العودة إلى العمل أيضًا، لقد غبت أسبوعًا كاملًا، وتراكمت عليّ الأعمال.
صافحه إبراهيم.
إبراهيم: حسنًا يا بني، وفقك الله.
باران: آمين.
استأذن باران، ثم صعد الدرج بخطوات متسارعة.
لكن عقله لم يكن معه.
كان كل ما يشغله تلك الرسالة المختبئة في جيب سترته.
هل كانت دنيز تقول الحقيقة؟،
هل يمكن أن تكون ديلان قد أخفت عنه شيئًا كهذا؟،
ثم تذكر خجلها... لطفها... هدوءها... والطريقة التي بدأت بها تتسلل إلى أفكاره رغمًا عنه.
هز رأسه وكأنه يحاول طرد تلك الأفكار.
باران: لا... ديلان ليست كذلك.
لكن صوتًا آخر في داخله همس:
وماذا لو كانت الحقيقة مختلفة؟.
وصل إلى باب شقته، فأخرج المفتاح وفتح الباب.
وما إن دخل حتى توقف في مكانه.
تسمرت عيناه أمام المشهد الذي لم يكن يتوقعه إطلاقًا.
كانت ديلان تجلس على الأريكة أمامه...
لكنها لم تكن كما اعتاد أن يراها.
رفع باران عينيه إليها بدهشة، بينما وقفت هي ببطء، وقلبها يخفق بعنف.
للحظات، لم ينطق أي منهما بكلمة.
كان كل شيء من حولهما هادئًا...
الشموع مضاءة، ورائحة الطعام تعبق في المكان، وديلان تقف أمامه بوجهها المكشوف للمرة الأولى.
أما باران...
فقد نسي للحظة الرسالة التي تخبئها سترته، ونسي حتى كيف يتنفس...