رواية ارض الدوم الفصل السابع والثلاثون37 بقلم رحمة نبيل


رواية ارض الدوم الفصل السابع والثلاثون37 بقلم رحمة نبيل

ر [ احلامها واقع]  

الفصل اهداء لأجمل مصممة في الدنيا، للعزيزة سهى الشريف التي أصرت على أن يتزين اسمها بالبسمات، وها نحن ذا .....

صلوا على نبي الرحمة .

تفاعل قبل القراءة رجاء .

وممكن نعمل صفقة حلوة لو الفصل ده وصل ٢٠٠٠ لايك هنزل الاخير قبل يوم الخميس ممكن الحد أو الاثنين .

لو موصلش يبقى باذن الله على ميعادنا الخميس 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

شعر مسلم بأن أطرافه تجمدت من الخوف، ليس من مواجهتها بل عليها، هو كان سيخبرها، لكنه لم يتحضر نفسيًا لفعل ذلك الآن في هذه اللحظة .

ابتلع ريقه ونظر صوب حاتم الذي نفى برأسه في حركة لم يكن مسلم في وعيه ليفهمها، عاد بنظراته صوبها يبصر الدموع العالقة في عيونها تهدد للانفجار في أي لحظة، وهي فقط تراقبه وكأنها تنتظر منه أي حركة تشعل هذا الانفجار .

_ طب معلش ...خلينا نطلع نتكلم فوق .

ابتسمت رايانا بوجع وهي تنفي رافضة التحرك من المكان وقد انتظرت طويلًا حتى يعود، لا تصدق أنها طوال الوقت كانت تعيش على أمل يتبخر الان من بين يديها .

كادت ترفض وتعاند وتصرخ، لكن فجأة استفاقت على النظرات حولها، لذا صمتت ثواني ومن ثم تحركت دون كلمة الغرفة تاركة الجميع.

ومسلم يقف في مكانه لا يدري أكان غضبها موجهًا له أم للحقيقة؟؟

تحدث حاتم وهو يحاول تهوين الأمر على مسلم يربت على كتفه بهدوء شديد:

_ الله معك يا خويا، هي بس شاكة ما خبرتها اشي.

_ تفتكر هتفرق ؟

ختم حديثه ببسمة ساخرة من حاله حينما ظن أن كل هذا سينتهي، كل هذه المشاكل ستسقط عن كتفه، لكن يبدو أن الحياة تتوعده بالكثير في الآونة الأخيرة، ربما تعاقبه على حياته السابقة .

تحرك صوب الدرج ومنه الغرفة وبمجرد دخوله اغلق الباب خلفه يراها تقف في منتصف الغرفة تراقبه بخوف وعيون حمراء ممتلئة بالدموع، تنتظر منه كلمة فقط تنفي كل الأفكار السوداء داخل رأسها، لكن كل ما خرج منه هو كلمات مواسية وهو يمسك كتفيها يبتسم لها بحنان :

_ فروشكا ...

قاطعته وهي تقول بصوت باكي مختنق :

_ الجدة ...جدتي كويسة يا مسلم ؟

حاول مسلم الحديث لكنها قاطعت نيته تلك وهي تقول بصوت خرج متقطعًا من بين شهقاتها :

_ متحاولش، متحاولش أنك... أنك تكدب عليا عشان أنا عارفة أنه فيه حاجة حصلت ليها .

_ اسمعيني بس، اهدي كده واسمعيني و...

_ أنت ليه مش فاهمني جدتي هناك بتعاني وانا متأكدة أنه حصل ليها حاجة، اكيد شيما معرفتش تاخد بالها منها جنب بابا وحصل حاجة ليها، هي لما ..لما بتهمل في العلاج يوم السكر بيزيد و...

توقفت عن الحديث بسبب امساك مسلم لها من كتفيها بقوة وهو يهمس لها بصوت منخفض حاول أن يخرجه ثابتًا وقد كان ينظر لها بقوة وكأنه يود دعمها :

_ البقاء لله يا رايانا .

نظرت له رايانا بعدم فهم وقد كانت في هذه اللحظة تشعر بالبلاهة ولا تفهم ما يقال حولها، هي حتى لا تستوعب ما يريده مسلم، لكن الأخير نظر لها بهدوء وهو يحاول أن يهون الأمر بكلماته :

_ الجدة ....ربنا خفف عنها تعبها في آخر أيامها، ادعيلها بالرحمة .

ورايانا فقط شعرت أن كامل أطرافها شُلت بالكامل تنتظر منه نفيا لما قيل أو ربما كل هذا مجرد خيالات من رأسها وستستيقظ منها، كل شيء إلا أن ما تحياه الآن حقيقة .

لكن هو لم ينفي، والحقيقة التي تلتمع في عيونه لم تتلاشى، سقطت دموعها وهي تحاول التنفس تهتف بصوت مرتجف :

_ هي ....هي ....هتستناني، هتستناني عشان ....عشان هي ....كان نفسها تشوفني ...تشوفني فرحانة، كانت مستنية تشوفني ...فرحانة يا مسلم .

هنا لم تتمكن من مقاومة الغصة التي تحكمت بها تصرخ وهي تنهار ارضًا ومسلم سارع يلتقط جسدها يسقط معها ارضًا يضمها بقوة وهي تبكي بكل الحزن في صدرها :

_ يا جــــدة ...سيبتيني يا جــــدة ...لسه ....لسه مشوفتيش فرحتي يا جدة.

ارتجف جسدها وهي تصرخ وتبكي ومسلم يحاول أن يتدارك حزنها وقد شعر في هذه اللحظة أن همومه اكبر من الجبال، أن يجلس هنا يحتوي انهيارها كان عذابًا آخر...

وها هي ليلة أخرى تمر عليه بعذاب وكأن الحياة أخذت عهدًا ضمنيًا ألا تبتسم له أبدًا .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"بعد الاطلاع على أوراق الدعوى، وسماع مرافعة الخصوم، والاطلاع على تقرير الخبير، وحيث ثبت للمحكمة ثبوت ملكية المدعين للأرض محل النزاع بموجب المستندات المقدمة، تقضي المحكمة:

أولًا: بثبوت ملكية أبناء المريدي للأرض محل الدعوى.

ثانيًا: رفض ما عدا ذلك من طلبات.

ثالثًا: إلزام شاغلي الأرض بتسليمها إلى ملاكها خلال المدة القانونية، مع ما يترتب على ذلك من آثار."

ختم القاضي كلماته...

الآن وبعد اسبوع كامل من إعادة فتح القضية، انتهت القصة وفاز بها أولاد المريدي .

كان حليم يجلس جانبًا بأعين متسعة لا يصدق ما حدث منذ ثواني، وأحمد يقف مبتسمًا بسمة جانبية وقد انتصر للتو في معركته التي اقسم ألا يخرج منها خاسرًا .

نظر بطرف عيونه صوب من حضر من أهل القرية، ولم يكن سوى عزيز و رجب وبضع رجال آخرين، القلة فقط ممن جاء يدافع عن منازلهم .

والآن يجلسون وكأن على رؤوسهم الطير، فقدوا منازلهم وماضيهم وحياتهم بالكامل، أصبحوا مشردين مع عوائلهم.

واللوم على من يقع؟! 

على أولاد المريدي الذين لم تأخذهم بهم شفقة ؟

أم على من بنى أحلامهم على أساس من قش ؟

على من رسم لهم حياتهم على أرض لم تكن ملكهم ؟

توقف أحمد وهو يسند جده أمام عزيز ومن معه ينظر له بصمت قبل أن يبتسم بسمة صغيرة :

_ لا مؤاخذة يا بارو، الشغل شغل واتمنى ده ميأثرش على النسب اللي بينا .

وعزيز فقط ابتسم بسمة قلة حيلة يهز رأسه بعدم اهتمام، لا يهتم في الواقع لكل ذلك، هو فقد والدته وابنته وعائلته والجميع، ستكون الأرض اهون ما خسر في هذه الحياة .

_ مبروك عليكم يا ولاد المريدي، تتهنوا بيها .

ومن ثم تحرك خارج المكان بالكامل تاركًا الجميع بينما حليم ينظر له بحزن، لا يفهم ما يحدث لكنه يعلم أن الرجل كُسر فهذا لم يكن نفسه البارو الذي يعرفه قديمًا .

اقترب رجب من أحمد يحرك مسحبته بين أنامله مبتسمًا له بهدوء ومن ثم ربت على كتفه برزانة :

_ مبارك عليكم يا بني، الحق رجع لصحابه .

نظر له أحمد بتردد وقد كان يعلم الكثير عن هذا الرجل من يحيى، لقد ساعدهم وربما كان من القلائل أصحاب الذمة والشرف في هذه القرية .

_ يا حاج لو تحب ممكن تفضل مكانك و...

_ لا يا بني الحمدلله رفعت عني ثقل ذنب مكنتش قادر افارقه، أحيانا محتاج الحياة تجبرك على خطوة أنت قلقان أو خايف تاخدها، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا .

صمت ثم أكمل ببسمة حينما أبصر يحيى يقترب منهم بعدما كان يقف مع نورهان جانبًا :

_ يا عم رجب خليك مكانك أنت وعم محظوظ والناس المحترمة محدش هيكلمكم و...

_ هنفضل يا بني لوحدنا ؟؟ سيبها على الله يا يحيى أنت بس خلي بالك من كارا، هبقى اجيب المدام والاولاد واجي اسكن جنبكم اقرفكم .

اتسعت بسمة يحيى بقوة قبل أن ينقض على رجب ذلك الرجل الذي كان بمثابة أب ورفيق طوال هذه المدة :

_ يا عم رجب هتنور القاهرة كلها والله، تعالى أنت بس .

ضحك رجب بخفة وهو يربت على ظهره :

_ بإذن الله يا بني .

ودع الجميع بهدوء، ومن ثم تحرك مع البارو وباقي الرجال يحملون الاخبار لباقي أهالي القرية، وهذه المرة لم تكن كغيرها من المرات التي يعودون بها محتفلين بانتصارهم على أبناء المريدي .

راقبهم الجميع وهم يتحركوا حتى قال يحيى بعد صمت قصير يقطع لحظات التأثر هذه يمسح دمعة وهمية قبل أن يرفع يديه في الهواء يرقص وهو يغني بصوت مرتفع :

_ بص يا بني على اللي هيبقى بكرة مليونير ...

ولم يتركه عيسى يحتفل وحده، بل دخل يغني ويرقص معه على نغمات أحلامهم التي داستها الحياة سابقًا .

وأحمد يضرب كف بالاخرى، بينما نورهان تضحك عليهم، وحليم يستغفر ربه وهو يدفعهم جانبًا ليمر :

_ ربنا يسامحك يا سنية يا بنتي .

وبمجرد أن تحرك حتى امسكه يحيى من يديه وهو يجذبه لدائرة الاحتفال الصغيرة التي يقيمها مع عيسى يجبره على الرقص :

_ ايه يا حليم ما ترقص ده حلم سنين يا فقري، ده أنا لو مكانك هتحزم وارقص بالنيابة عن اخواتي السبعة وعشرين .

ضحك حليم وهو يحاول الهروب من يحيى، لكن الأخير كان ما يزال يحتفل ولم ينتهي من ذلك خاصة بعدما قام عيسى بتشغيل الأغنية على هاتفه .

كل ذلك وأحمد يراقبهم مع نورهان وهو يضرب كف بالاخر، لكن فجأة انتفض على زغرودة مرتفعة خرجت من فم نورهان لينظر لها بغيظ وهو يدفعها جانبًا :

_ اكتمي انتِ التانية ايه فضحتونا هو فرح ابوكم ؟!

دفعته نورهان وهي تنضم تصفق لهم :

_ خليك انت يا كئيب يا حزين .

ثواني حتى بدأ أحمد يندمج معهم دون أن يشعر وكأنه لا يصدق أن ذلك الحلم الذي كانت والدته تقصه عليه يوميًا منذ طفولته قد تحقق، هو الآن يقف وقد أصبحت أرض الدوم رسميًا أرض المريدي ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ رايانا ...رايانا .

فتحت عيونها بصعوبة وهي تنظر حولها بعدم فهم وقد تمنت داخليا أن يكون كل ما مرت به الايام السابقة حلمًا، اختطافها وموت جدتها مرورًا باسبوع جحيم للبحث عن طريقة لإخراجها من البلاد وهي دخلت تهريب .

_ أنتِ كويسة ؟  

نظرت له ثواني بأعين خاوية، نفس الأعين التي وصل بها لمصر أول مرة.

امريكا تلك البلد اللعينة لا تبني لك حياة، بل تنتزع الحياة من بين عيونك .

ابتسم لها بحنان :

_ احنا وصلنا يلا عشان نخلص إجراءات الوصول .

رمشت وكأنها لا تدرك ما يحدث :

_ هنروح لجدتي ؟

ابتسم لها بحنان وحب وهو يربت على خدها بلطف شديد :

_ ايوة هنروح ليها يا رايانا، يلا قومي .

نهضت معه رايانا وهي تتحرك خارج الطائرة مع الجميع تتمسك بذراع مسلم وكأنها طفلة تخشى أن تضل، بينما مسلم تحرك بكل ثبات صوب منطقة الوصول لينهي الإجراءات .

متذكرًا ما مر به ليستخرج اوراق لرايانا، ولولا علاقات ريكاردو وسلطته في صقلية ما تمكن يومًا من الانتهاء من كل ذلك ولو في سنوات وليس فقط اسبوع.

وبعد فترة مرت على رايانا وكأنها تشتعل خرجت واخيرًا مع مسلم من المطار، ولأنه لم يخبر أحدهم بموعد قدومه بالتحديد، لم يكن هناك من ينتظره سواه ...

حاتم الذي سبقه بيوم ليمهد وصوله .

اتسعت بسمة حاتم وهو يتحرك صوبه يردد بصوت مبتهج :

_ نورت مصر والله يا باشا .

وقد خرجت كلماته ورغم محاولته بلكنة شامية واضحة، ليضحك مسلم وهو يراه يسحب الحقائب منهم صوب السيارة يمارس عمله كما لو كان سائق أجرة يرحب باحنبي، وليس اردني يرحب بمصري في مصر .

_ منورة بناسها يا سطا حاتم .

وضع حاتم الحقائب في السيارة وهو يردد ببسمة واسعة :

_ اسطا اسطا ع القليلة شغلانة بترفع الراس يا زم.

شدد مسلم قبضته على يد رايانا يبصر بسمة صغيرة منها وقد كان هذا مؤشر جيد، يريدها أن تعود رايانا التي عرفها. 

تحرك وصعد جوار حاتم ورايانا في الخلف وتحركوا بهدوء، ومسلم لا ينزع عيونه عن رايانا التي كانت شاردة من النافذة، يطيل النظر بها وكأن الحياة خلت إلا منها .

فجأة تحركت عيونها تصطدم بعيونه ليبتسم لها بحنان وهي شردت به ثواني قبل أن تبتسم دون إرادتها وكلمات جدتها ترن في أذنها، كان حلم الجدة الوحيد أن تجد هي سعادتها وحتى إن لم تبصر كل ذلك إلا أنه يكفيها أن حلمهما سويًا قد تحقق .

أشار لها مسلم بعيونه إشارة لتطمئن هو سيكون معها في كل خطوة وكل لحظة .

دقائق مرت وفي طريقهم للمنزل أشار مسلم لحاتم بالتوقف جانبًا، وهو فعل دون تساءل.

هبط مسلم من السيارة بسرعة وهو يتحرك صوب باب رايانا يشير لحاتم بهدوء :

_ لو كده روح أنت مع الشنط يا حاتم انا هخلص مشوار ضروري مع رايانا وهحصلك.

_ فيني أنط...

_ لا بلاش هتتأخر، أنت بس روح طمن الكل وانا هحصلك .

_ ايه لكان استعجلي شوي الله يكرمك، بدي اليوم اخطبها لأختك .

هز مسلم رأسه بايماءة وهو لا يعي بالتحديد ما يحدث، يساعد رايانا في النزول من السيارة، قبل أن تتوقف يده فجأة ويرفع رأسه صوب حاتم :

_ بتقول ايه ؟ 

أشار له حاتم بكفه دون اهتمام وهو يتجهز للرحيل : 

_ بشوفك يا نسيب .

ومن ثم تحرك بالسيارة بسرعة تاركًا مسلم ينظر لاثره بصدمة كبيرة بينما رايانا ضحكت ضحكة صغيرة وهو استدار لها لا يصدق أنه سمع صوت ضحكتها اخيرًا، يبتسم باتساع ومن ثم جذب كفها صوب أحد المحال :

_ تعالي عايزك تختاري معايا هدية .

نظرت له بعدم فهم وهو سحبها داخل محل هدايا كبير كان يبدو كمكان سحري ملئ بكل ما قد تفكر به يومًا .

لكن مسلم لم يهتم بكل شيء وهو يسحبها صوب قسم محدد حتى وصلا، توقف تاركًا يدها مشيرًا على الرفوف التي تمتد للسقف ممتلئة بكرات ثلج بكل الأحجام والأشكال يقول ببسمة :

_ اختاري ليا هدية .

ورايانا لم تكن تسمع شيء وهي تراقب الرفوف أمامها بأعين ملتمعة لم تتخيل أنها كانت يومًا ستقف في مكان كهذا، وهي التي كان حلمها أن تبصر واحدة فقط ولو من بعيد .

استدارت بذهول صوب مسلم الذي ابتسم لها برقة :

_ فيه أميرة كدة حابب اختار ليها هدية، ممكن تساعديني ؟

_ مسلم. .

_ عيوني .

_ انا....ده ....

صمتت وهي تقترب منه تدفن وجهها في صدره منفجر في بكاء ولا يدري مسلم من الحزن أم السعادة، يربت عليها بلطف وحنان، ولم يتحدث بكلمة واحدة .

هنا وفي منتصف الآلاف من كرات الثلج، معها مسلم تستكين بين أحضانه، مشهد كانت ستحب أن يكون كلمة الختام لروايتها.

ـــــــــــــــــــــ

_ يعني أنتِ عادي مش زعلانة ؟

رفعت كارا عيونها صوب يحيى ومن ثم عادت بنظراتها صوب الطريق في الاسفل تحرك كتفها بهدوء شديد :

_ ده حقكم يا يحيى أنا مليش إني أتدخل، من زمان وده حقكم تستاهلوه اكتر من أي حد .

اقترب يحيى خطوة واحتفظ بمسافة بينهما، ومن ثم ردد بهدوء شديد :

_ كارا .

رفعت عيونها له ليبتسم لها بحنان :

_ انا بحبك يا كارا .

رمشت كارا بتفاجئ من كلماته لا تفهم كيف فجأة نطق بالكلمة لكنها تراجعت خطوة وقد شعرت أن...كل شيء حولها أصبح من اللون الوردي .

وقبل التحدث بكلمة ابتسم لها يكمل بكل بساطة :

_ أنا عرضت على عم رجب  وابوكِ يفضلوا في بيوتهم، عم رجب رفض، بس انا هحاول معاهم تاني ميهونش عليا يسيبوا حياتهم ويخرجوا وكمان باقي السكان والملجأ احنا لسه بنشوف هنعمل ايه بس مستنيين مسلم يرجع .

منحته كارا أكثر بسمة لطيفة يمكن أن يتلقاها في حياته وقالت ببساطة شديدة ولطف :

_ اللي مناسب ليكم اعملوه يا يحيى، وانا معاك عامة .

ابتسم يحيى بسمة واسعة ومن ثم تراجع خطوة للخلف وهي راقبته بعدم فهم، واخيرًا شهقت بصدمة لا تفهم ما يحدث وهي تبصر يحيى يجلس على ركبتيه أمامها دون مقدمات ومن ثم دس يده داخل جيب سترته يخرج علبة مخملية .

ومن ثم رفع عيونه لها، عيون ملتمعة بكل المشاعر التي سكنها لهذه الفتاة، التي لا يعلم متى واين سقطت في حياته لكنه ممتن لكل فرصة أوصلته لهذه اللحظة معها، بداية بالأرض وحتى جده وكل فرد من اخوته السبعة وعشرين .

فتح العلبة كاشفًا عن خاتم الماسي ساحر جعل عيون كارا تتسع وهي تقول بصوت متقطع من المفاجأة :

_ يـ...يحيى .

ابتسم يحيى لها بسمة عاشقة :

_ معرفش ازاي وامتى وليه، بس يا كارا يا بنت عم محظوظ اسمحيلي اقولك إني أنا اللي محظوظ إني هكمل حياتي معاكِ، وهكون سعيد لو قبلتي تكون مراتي ..

كانت كارا في هذه اللحظة تحاول التنفس بشكل طبيعي، كان هذا اكثر من احتمالها .

_ يا يحيى ده ...ده كتير اوي .

_ ده اقل شيء تستحقيه يا كارا لسه فيه اكتر باذن الله، بس ربنا يكرمنا ونشرد أهل قريتك عشان اشتريت الخاتم باخر قرشين محوشهم.

تجاهلت نصف كلماته تلتقط منها ما احبت،وقد سقطت دموعها بتأثر من كلماته الأولى:

_ يا يحيى أنت....طيب ...ليه كلفت نفسك و...

_ ميهونش عليا تحلمي حلم محققوش ليكِ .

رمشت وهي تبعد الدموع عن عيونها متذكرة ذلك اليوم من عقد قرآن رايانا .

جلست ارضًا على ركبتيها أمامه تسحب العلبة منه بهدوء ومن ثم ارتدت الخاتم بهدوء شديد، تنظر له تبتسم بحب :

_ اوافق وليا الشرف يا يحيى باشا .

ضحك يحيى ضحكة واسعة ومن ثم قال بهدوء :

_ المفروض نختم المشهد ده بحضن كده زي الروايات بس حظك أنك لسه محظورة .

اتسعت عيونها بخجل من كلماته تتحرك بسرعة من أمامه تهبط الدرج صوب الشقة التي يسكن بها بعدما كانت ترافقه فوق السطوح ليتحدث معها بخصوص ما فعل مع قريتها .

أما عنه فظل جالسًا على ركبته مبتسمًا يراقبها حتى اختفت عن أنظاره فألقى جسده ارضًا يحدق بالسماء فوقه مبتسمًا بسمة واسعة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتحت الباب بهدوء شديد وهي تراقب القادم لتتعجب حينما أبصرت حاتم يقف أمامها بكل هدوء مبتسمًا بسمة غريبة لا تعلم لها من سبب .

_ حاتم.

_ يعطيكِ العافية، شوفتيه لقلبي بالله ضايع مني من شي خمس سنين ولهلأ ما عترت فيه ؟

نظرت له نورهان بجهل لا تفهم ما يتحدث به في هذه اللحظة :

_ ايه ؟! أنت عايز ايه ؟

التوى ثغر حاتم بغيظ من هذه الفتاة :

_ ايه صارلي طول الطريق عم حضر للجملة، شو بكي نورهان ؟

_ أنت عايز ايه أنا مش بفهم الالغاز بلهجتك أنت.

- يا بنت الحلال هاي مو الغاز هاد غزل، بالله بشو بتفكري انتي ؟

اتسعت عيون نورهان وقد شعرت في هذه اللحظة أنه يهينها بشكل غير واضح لذا قالت بضيق :

_ أنت قصدك ايه ؟ إني مش بفهم ؟

- ما حكينا اشي، بس مرقيلنا إياها وابلعيها للجملة.

تنفست نورهان وقد شعرت بالتوتر والحمق معه لذا قالت بهدوء شديد وكأنها تغلق الطرق أمامه:

_ أحمد مش هنا خرج مع مراته .

_ ومنو خبرك أنه اجيت لأحمد؟

_ أمال جاي ليه ؟ 

_ مسلم وصل وخبرني اوصل شنتايته.

ولم تفهم نورهان كذلك ما يريده لذا رددت بجهل :

- يعني ايه شنتايته دي ؟

_ ولك يا بنتي شنتايته ...شنطه ...حقايبه.

_ طب ما تقول كده .

_ لك صارلي ساعة بقولك .

تنفست نورهان وقد شعرت أن هذا الحوار لن ينتهي على خير لذا تجهزت لإغلاق الباب تردد بجدية :

_ طيب واحنا ايه علاقتنا بمسلم وشنطه ؟

_ ما فهمت، هاد اخوكي .

_ ابن خالتي مش اخويا وهو بالمناسبة يعني مش عايش معانا .

اتسعت عيون حاتم وكأنه للتو تلقى خبر صادم يخص غير متوقع :

_ جد؟!

_ ايوة جد، مسلم عايش على بعد شارعين من هنا .

وضع حاتم يده على رأسه يحاول امتصاص الصدمة أمامها أو يدعي ذلك ومن ثم ردد بجدية :

_ معلومة جديدة والله، يمكن راحت عن بالي .

_ ألف لا بأس.

مسح وجهه بضيق مصطنع :

- مشكلة، هلأ اجيت كل هالمسافة ع الفاضي .

_ يابني فاضي ايه بقولك بيت خالتي على بعد شارعين .

_ شو مفكرتيني حرامي والعياذ بالله لاهلك كل هالوقود بلا هدف، هاد نعمة بتزول من وشنا، هلأ مضطر اشوف شي مصلحة أساويها بلا ما يروح مشواري ع الفاضي .

كلمات كثيرة يهزي بها وهي تقف لا تفهم ما يفعل لكنها خمنت أنه ربما يمزح أو يهول الأمر.

لكن ما لم تتوقعه هو أن يتوقف فجأة أمامها بكل هدوء وينظر لها ومن ثم يتنفس بصوت مرتفع :

_ أحمد مو هون بس والدك هون ؟

نفت برأسها وقد بدأت ضربات قلبها تعلو وبشدة وبشرتها تتشرب لون أحمر لا تدري من أين لها بها، ورغم أنه لم ينطق بما تفكر به إلا أن نظراته كانت واضحة للاعمى.

_ لكان بستناهم.

_ خير فيه حاجة يعني ؟

_ ايه خير إن شاء الله بس بطلب ايدك منهم .

وتبع كلماته هذه صوت قرع الباب القوي بعدما فقدت القدرة على الوقوف بثبات لوقت أطول، لا تصدق أنها للتو عرض الزفاف بشكل مباشر أمامها.

تنفست بصعوبة وهي تبتسم دون وعي تنظر حولها في المنزل تتعجب من أين اتت كل هذه الفراشات التي تحلق حولها .

بينما حاتم في الخارج يبتسم بسمة واسعة يقول بصوت مرتفع كي يصل لها :

_ بروح وصل شنط مسلم وبرجعلك ...اليوم يا نور ...اليوم بحط نهايتها لهالقصة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" مدام سافا ؟؟"

رفع أحمد عيونه صوب الفتاة التي تنادي اسم زوجته وقد التوى ثغره يصحح لها بهدوء وهو يمسك بيد ساڤا :

_ اسمها ساڤا مش سافا.

نظرت له الفتاة بتعجب وساڤا ابتسمت لها بلطف تمرر الموقف وقد بدا أن أحمد أشد تحفزًا وتوترًا منها الآن.

تحركت معها داخل مكتب الطبيبة التي وصل لها بعد بحث مضني حول من يمكنه مساعدتهم.

توقف بتردد أمام المكتب وهو ينظر لها بتساءل حتى سمع كلمات الطبيبة وهي تردد بلطف :

- اتفضلي يا ساڤا اقعدي .

نظرت لها ساڤا ثواني قبل أن تجلس بهدوء أمام الطبيبة، ومن ثم نظرت لاحمد الذي ابتسم لها بسمة صغيرة .

وصوت الطبيبة ارتفع في المكان :

_ دي اول مرة تدخلي عيادة نفسية ؟

نظرت لها ساڤا ثواني قبل أن تهز رأسها بنعم، متوجسة لا تدري كيف تتصرف في مثل هذه الحالات، تقص ما يؤرقها على امرأة غريبة .

_ شكلك قلقانة مالك، عايزاكِ تكوني مرتاحة كده متقلقيش من حاجة احنا بس هندردش شوية سوا ونتعرف انهاردة على بعض مش اكتر .

هزت لها ساڤا رأسها لتستدير الطبيبة صوب أحمد تبتسم له بسمة عملية هادئة :

- ممكن حضرتك تنتظرها في غرفة المرافق على اليمين وبمجرد ما نخلص الجلسة هنبلغك .

ولم يكد أحمد يتحرك حتى وجد يد ساڤا تتمسك به وهي تهمس :

_ لا خلي أحمد موجود .

_ ده بس عشان راحتك و..

_ أنا راحتي وهو موجود .

نظر لها احمد ثواني قبل أن يتحرك بنظراته للطبيبة التي هزت رأسها دون أي اعتراض واضعة راحة ساڤا أمامها ومن ثم أشارت لها للتحرك صوب المقعد في نهاية الغرفة لتسترخي عليه .

وأحمد يراقب بهدوء شديد بداية رحلة زوجته للتعافي، كانت ساڤا تعاني بصمت، تبكي بلا شهقات وتصرخ بلا نواح، وكأنها ملت الحديث ويأست من الشكوى .

وهو لم يكن يستطيع الجلوس ومشاهدتها تحترق داخليًا دون محاولة المساعدة .

_ ها يا مدام ساڤا احكيلي عن نفسك وعن حياتك، كلميني بشكل عام عن ساڤا عن شخصيتك وكل شيء .

لم تفهم ساڤا لثواني الحديث وكأنها لا تدرك ما يقال لكن رغم ذلك ابتسمت بلطف وهدوء شديد وهي تتنفس بصوت مرتفع، ومن ثم نظرت لأحمد وشردت به وببسمته المشجعة وبدأت تتحدث .

كلمة فالأخرى حتى بدأت تندمج وتتحدث بلا شعور منها تجيب أسئلة الطبيبة بلا تفكير وكل ذلك تحت تأثير بسمة أحمد لتمر ساعة تقريبًا حتى سمعت الطبيبة تسألها بجدية .

_ تفتكري يا ساڤا لو فيه شيء واحد هتغيريه في طفولتك هيكون ايه ؟

صمتت ساڤا طويل وكأن السؤال كان غريبًا على مسامعها، وهو كذلك بالفعل، فهي لم تسأل نفسها هذا السؤال يومًا أو حتى تتوقف عنده .

لكنها وبعد لحظات صمت قليلة أجابت واخيرًا :

_ اني اعيش بعد موت اهلي .

وهذه الإجابة كانت كالطعنة في صدر أحمد الذي انتفض للفكرة، لكنه تراجع عن الحديث أو التدخل، تاركًا الطبيبة تتولى كل شيء .

_ الحياة بعدهم كانت صعبة اوي كده؟!

_ مكانتش حياة اساسا .

ابتسمت لها الطبيبة تسجل بعض الكلمات ومن ثم تنهدت بصوت مرتفع :

_ تمام يا ساڤا هنقف هنا انهاردة ونكمل المرة الجاية .

نظرت لها ساڤا بتعجب:

_مرة جاية؟ هو أنا هاجي تاني ؟

_ ايوة ايه مش حابة تشوفيني تاني !

نظرت ساڤا لأحمد نظرة خاطفة ومن ثم نظرت للمرأة تنفي بسرعة :

_ لا مش قصدي بس ....

صمتت ثواني ومن ثم اومأت بهدوء :

_ إن شاء الله يا دكتورة .

ابتسم لها أحمد بحنان وهو يولي كامل انتباهه للطبيبة التي بدأت تخط بعض الكلمات على الورقة أمامها .

_ هنلتزم بعلاج بسيط لغاية الجلسة الجاية باذن الله، المساعدة برة هتحدد معاكم الميعاد ..البرشام ده تاخديه مرة قبل النوم اتفقنا ؟

هزت ساڤا رأسها وأحمد تناول منها الورقة يشكرها بهدوء ومن ثم سحب ساڤا يخرج بها من المكان، سعيدًا بالخطوة الاولى يمني نفسه بحياة سعيدة لزوجته بلا أي هموم .

وهي فقط تسير خلفه ببسمة صغيرة حتى سمعته يقول بجدية :

_ ها حابة تأكلي ايه ؟

نظرت له بعدم فهم، فأوضح هو ببساطة :

_ أنا عازمك تحبي تاكلي ايه ؟

_ اللي تحبه يا أحمد.

_ أنا بحبك أنتِ .

تفاجئت من رده والذي خرج منه ببساطة شديدة وهو مبتسم، وهو امسك يدها يضمها بحب شديد :

_ انا حابك أنتِ وحابب تكوني سعيدة ومرتاحة معايا يا ساڤا.

_ أنا مش برتاح غير معاك يا أحمد.

اتسعت بسمة أحمد وشعر برغبة عارمة في ضمها لصدره، لكنه توقف حينما استوعب وأدرك أين يقف لذا تنحنح بهدوء 

_ خلينا ...نروح مطعم ناكل برجر، بتحبيه ؟

_ عمري ما جربته .

ظهرت حدقتاه واضحتان بعدما اتسعت عيونه بصدمة لحظية سرعان ما تلاشت وحل محلها بسمة واسعة تبعها بكلمات قليلة وهو يسحب يدها بكل حماس العالم وكأنه على وشك مشاركتها سر الأكوان .

_ يبقى اسمحيلي يا مدام ساڤينا إني انول شرف أعزمك انهاردة على الذ برجر في مصر كلها .

نظرت ساڤا ليده الممدودة ومن ثم رفعت عيونها له مبتسمة بسمة واسعة قبل أن تهز رأسها تضع كفها بخاصته :

_ ليا الشرف يا استاذ أحمد.....

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

_ مش هنروح للجدة؟!

كانت كلمات نطقت بها رايانا حينما أبصرت الطريق لمناطق ومنازل غريبة، والاخير يراقبها بهدوء قبل أن يلاحظها تضم لها الكرة الثلجية الكبيرة التي تضمها والتي كانت تحتوي مجسم صغير لفتاة تمسك بيد امرأة كبيرة، بدا أنها تعبر عن الأم، لكن رايانا لم تبصر بها سوى الجدة .

_ هنروح يا راي بس بكرة، السفر دلوقتي هيكون مرهق ليكِ احنا جايين من طريق طويل، فالموضوع هيكون صعب، بكرة الصبح من بداية اليوم هاخدك اوديكي بنفسي .

نظرت له بأعين دامعة فسارع يضيف دون أن يمنحها فرصة التفكير :

_ صدقيني السفر دلوقتي صعب اوي لينا .

التوى ثغرها فابتسم بحنان شديد وهو يرفع يده يربت على خصلاتها بحنان شديد، وتوقف ليفكر في شيء ثواني قبل أن يبعد عيونه عنها بشرود .

وبعد دقائق وصلا لمنزله لينال كلٌ منهما راحته المرجوة، لكن بمجرد أن خطى للمنزل كي يلقي التحية على والدته، أبصر حاتم يجلس بكل هدوء في بهو منزلهم وهو يتناول بعض الحلوى والمشروبات الباردة ووالدته تجلس جواره لا ترحم أذنيه من كلامها، ويبدو أنه لا يبتأس لذلك .

_ وبعدين يعني أنا بعمل كل ده ليه ؟ مش عشانها ؟ يعني أنا اساسا مليش مكسب من الجمعية دي بس عملاها عشان الناس الغلابة، تيجي تقولي إني ببدي أم حسام عليها عشان بعتتلي طبق بسبوسة ؟

_ لا لا لا ولو ما بيجوز هيك والله، ما عملت حسابها للجيرة.

_ والله يا حاتم يا بني أول كلمة نطقتها هي كلمتك، الست معملتش حساب للجيرة، بس انا عشان ست أصيلة وجدعة خليتها بعد أم حسام مع إن كان ممكن اعاند واقول لا .

امتص حاتم شفتيه وقد بدا أن ما قيل آثار استيائه أكثر من سنية نفسها، واعرب عن استيائه :

- والله إذا بتسأليني رأيي يا خالة هيك عالم ما بتستاهل، بس برافو عليكِ عاملتيهم باصلك ليعرفوا أنه ما فيو مثلك .

ابتسمت سنية بسعادة وهي تدفع طبق حلوى آخر أمامه بسعادة وهو تلقاه منها ببسمة واسعة قبل أن ينتبه لوقوف مسلم جانبًا متشنجًا بعدم فهم .

نهض وهو يضع الحلوى جانبًا :

_ هلأ لاجيت حضرتك، ايه صارلي شي ساعتين هون .

رفع مسلم حاجبه وهو يحرك عيونه على أطباق الحلوى بسخرية :

_ مش شايفك يعني متضرر من الموضوع، انا لو كنت سيبتك ساعتين كمان كنت هاجي الاقيك عامل قعدة عرفية بين امي وام حسام والست جارتهم.

التوى ثغر حاتم ولم يكد يجيب حتى اندفعت سنية بسعادة كبيرة :

_ مسلم يا حبيبي وحشتني يا ابني ...حمدلله على سلامتك يا ضنايا .

قابل مسلم والدته ببسمة واحضان مشتاقة وهو يضمها بكل الحب، ووالدته ترتشف من أحضانه ما يروي ظمأها له، تقبل كتفه بشوق ومسلم يتلقى شوقها بشوق مماثل بل يزيد .

_ وأنتِ وحشتيني اكتر يا حبيبتي، عاملة ايه يا ماما ؟

ضحكت والدته من بين دموعها وهي تبتعد تنظر له بكل الحب :

_ بخير اول ما شوفتك يا عيوني .

فجأة انتبهت لجسد رايانا  التي كانت تختبأ خلفها وقد كانت هذه مرتها الاولى التي تبصرها، اتسعت عيونها بانبهار :

_ بسم الله ما شاء الله، ايه القمر ده يا مسلم ؟

نظر مسلم خلفه صوب رايانا يجذبها بحنان جواره ومن ثم أشار لها بسعادة وفخر شديد :

_ دي رايانا يا ست الكل ...مراتي .

ونطقه الكلمة الأخيرة كان يوحي بفخره الشديد لها وقد كانت رايانا أعظم مكاسب هذه الحياة واكبر جوائزها قيمة له ، رايانا التي كان على استعداد ليقاتل شعبًا لأجلها .

ابتسمت رايانا بسمة صغيرة وهي تنظر لوالدته نظرة خجلة بها قلق من جهتها ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى أبصرت المرأة تقترب منها بلطف وهي تجذبها بقوة لها مبتسمة باتساع :

_ بسم الله ما شاء الله والله وطلع عندك ذوق يا مسلم، طول عمري اقول أنه ملوش في البنات والله .

اتسعت عيون مسلم بصدمة من كلمات والدته ينظر بطرف عيونه صوب رايانا التي كبتت ضحكتها بصعوبة كبيرة :

- ايه يا ست الكل مليش في البنات ايه هتوديني ورا الشمس .

- ايوة مش بتفهم في حوارتهم ولا كنت مهتم بالمواضيع دي ولا في دماغك استقرار اساسا .

قلب مسلم عيونه ومن ثم قال بجدية :

_ كنت مستني رايانا يا ماما .

_ لا وهي الشهادة لله تستاهل .

اتسعت بسمة مسلم بلطف ومن ثم قال بهدوء شديد وهو يضم رايانا له بحنان :

_ هما الباقيين فين ؟ عايز اسلم عليهم قبل ما اطلع استريح .

جذبت والدته رايانا بهدوء جوارها :

_ عيسى بيلف بالتوكتوك من وقت ما رجع كأنه كان محروم منه يا عيني، ويحيى راح يشوف عربية الفول بتاعته بيقول لقى ليها مشتري، وكارا جوا قاعدة .

رددت رايانا بلهفة وكأنها لا تصدق أن عثرت على أحدهم تعرفه، سمعت اسم تألفه :

_ هي كارا ...كارا هنا ؟

_ ايوة يا حبيبتي جوا، ادخلي ليها آخر اوضة على اليمين، وانا هجهز لينا الأكل وجاية ليكم .

نظرت رايانا صوب مسلم وكأنها تطلب اذنًا ليمنحه لها بنفس راضية، فتحركت بلهفة وخجل في الوقت ذاته وقد كان المنزل جديدًا عليها، لكن لهفتها لتلمس أخبار عائلتها جعلها تهرول صوبها .

بينما نظرت سنية صوب مسلم تقول بجدية :

- روح أنت خد شاور كده وفوق وتعالى عشان تاكل مع حاتم، خمسة والأكل يكون استوى .

ومن ثم رحلت تاركة إياهم، لكن حاتم لم يصدق أنهما أصبحا وحدها ينهض بلهفة متنفسًا الصعداء :

_ منيح ضلينا لحالنا .

نظر له مسلم بعدم فهم ولم يكد يستفسر وهو يرى اندفاع يحيى له بشكل مريب ونظراته كانت تثير خوفه منه، وحاتم لم يدرك لكل ذلك، بل فقط توقف أمام مسلم يقابله ببسمة واسعة ونظراته عاشقة :

_ مسلم بتعرف أنك اقرب حدا إلي مو هيك ! اكتر حدا بحبه بهالحياة

تبع حديثه وهو يمسك مسلم من كتفيه، بينما الأخير أبعد كف حاتم عنه وتحدث بشك :

_ أنت قولت ايه لامي ؟

- شو ؟!

_ شو ايه ؟! الست من وقت ما جيت قاعدة تقول مليش في البنات و... أنت مش مظبوط كده ليه ؟

وحاتم يبدو أنه لم ينتبه بعد لما يريد مسلم، لكنه رغم ذلك ابتسم له بحالمية : 

_ ايه أنا انتظرت كتير لاطلب منك هالطلب، بلا ما تخجلني الله يكرمك .

_ حاتم أنت عايز ايه اختصر عشان أنا مش فاهمك و...

_ مسلم أنا بدي اتزوج ...

وقبل إكمال افكاره وجملته دفعه مسلم بعنف للخلف ينفض ثوبه، وحاتم لا يفهم ما يحدث، يقترب منه وهو يرفع يديه وكأنه على وشك احتضانه، لكن مسلم تراجع بسرعة للخلف وهو يحدث فيه بملامح غير مفهومة .

_ مسلم شو بك جنيت ؟

_ جنيت ايه يا معفن أنت، خليك بعيد عايز ايه ؟

_ شو بريد منك غير أني بدي اتزوج ؟

_ ولا أنت عبيط ؟! ما تظبط .

_ شو اظبط و...

فجأة صمت حاتم وكأنه للتو أدرك ما يتحدث به مسلم فانتفض جسده للخلف يطلق صرخة مرتفعة هزت جدران المنزل :

_ ولـــــــــــــــــــك ..

اندفع مسلم بسرعة يكتم فم حاتم قبل التحدث بشيء في الوقت الذي ركضت به والدته بفزع :

_ بسم الله ...خير يا بني حصل ايه ؟

كان حاتم يحاول التحدث لولا يد مسلم الذي ضحك بصوت مرتفع لا يتحكم بنفسه :

- ولا حاجة ...معلش يا ست الكل زي ما أنتِ ده حاتم بس ملوش في هزار المصريين .

التوى ثغر والدته بضيق :

_ طيب يا ضنايا براحة على الولد لاحسن ده مش قد هزاركم البايخ .

عادت للمطبخ تاركة مسلم مع حاتم الذي كان يعافر للتحدث، ومسلم لا يسمح له ضاحكًا :

_ يا عم اهدي بهزر معاك ما انا عارف اللي فيها، بس أنت اللي طريقتك مش مظبوطة .

دفعه حاتم بعنف يعدل من وضعية ثيابه يرميه بنظرة غاضبة :

- انا رجال ابن رجال غصب عنك وعن اخوك، واضح أنه عيبها الوحيد لخالتي سنية هي تربيتكم .

انفجر مسلم في الضحك بصوت مرتفع، بينما حاتم يزفر بصوت مرتفع .

_ ع كلٍ بتروح معي اليوم لاطلب أيدها لأختك، بلكي بنخلص هالموضوع قبل الأربعين .

رفع مسلم حاجبه بسخرية يربت على كتف حاتم :

_ معلش يا حبيبي كان على عيني، بس مش فاضيلك دلوقتي، خلي نهايتك السعيدة تستنى شوية .

_ ليش ؟؟ شو اتبقى لاستنى ؟ لك والله روحي طلعت من الانتظار، كل اشي خلص اتصلح شو بنستنى ؟! تشرق من الغرب ؟

نظر له مسلم قبل أن يتنفس بصوت مرتفع :

_ نقفل صفحة أرض الدوم ....

ـــــــــــــــ

في صباح اليوم التالي ..

وفي منتصف ساحة الدوم كان أهالي القرية باكملهم محتشدين والغضب يطوف حولهم محل الهواء، الاعتراضات والغضب والرفض لما يحدث هو المسيطر على الأجواء .

بدأت اصوات الاعتراضات تعلو واحدة تلو الأخرى .

" محدش يقدر يجبرنا نخرج من ارضنا وارض اهلنا "

" ايه هيرمونا برة بيوتنا ؟! قانون ايه ده اللي يسمح بكده ؟! "

بدأت الاصوات المؤيدة لاحاديثهم تعلو أكثر في المكان حتى قاطعهم صوت جهوري قوي وهو يصرخ في المقابل :

- نفس القانون اللي سمح ليكم تاخدوا ارض مش أرضكم لعقود واستحلتوها .

استدارت الرؤوس صوب المتحدث وقد بدأت نظرات الشر تعلو الوجوه والشيطان يزين لهم اخراج كامل غضبهم به .

حتى تحدث أحد رجال عائلة البارو بشر :

- بطل تخاريف يا رجب...طول عمرنا والأرض دي ارضنا، اتولدنا وهي أرضنا وكبرنا وهي أرضنا .

ابتسم رجب بكل هدوء وهو يراقبهم بسلام نفسي وكأن كل الصراخ حوله لا يعنيه :

_ وهل لأنك اتولدت وكبرت هنا بقت خلاص ارضك ؟! يعني لو كنت اتولدت وكبرت في زريبة، يبقى خلاص الزريبة بقت بيتك ؟! 

اتسعت عيون الرجل وهو يتجهز للفتك برجب، لولا يد رجل آخر امسكته بتحذير وهو يوجه كلماته لرجب :

_ أنت بتتكلم بكل برود وكأنك مكنتش عايش معانا، ما أنت زيك زينا .

- عندك حق، بس غلطت واعترفت وبطلب كل يوم الغفران مش بكابر، الأرض دي أرض المريدي وأولاده وكلكم عارفين كده، فلما يطالبوا بحقهم بلاش تبجحوا .

تحدثت امرأة وهي تضم ولدها والقلق ينهش صدرها مما يحدث حولها :

- ايوة واحنا يعني هنروح فين بعيالنا ؟

_ ارض الله واسعة، وزي ما بنيتوا حياة هنا تبنوا في أي مكان، بس بالحلال، ربنا مش بيسامح في حقوق عباده .

ختم حديثه وقد بدأت الاصوات تعلو مجددًا بين معترض وغاضب وقلق ومتوتر، كانت الساحة والتي اعتادوا الاجتماع بها للاحتفالات قد انقلبت ساحة للبكاء على اطلال حياتهم .

_ ما تتكلم يا بارو وتقول حاجة، اعمل حاجة هتسيبهم يطردونا من بيوتنا ؟

تحركت جميع العيون صوب عزيز الذي كان يقف جانبًا مع شيما يراقب الجميع ببرود وقد كان هو من نقل لهم الخير مع رجب .

وفجأة انتبه لحديث الرجل فنظر له ببسمة متعجبة :

_ نعم ؟

_ نعم ايه بقولك ما تشوف المصيبة اللي احنا فيها دي يا بارو هنضيع تعبنا كله عادي كده ؟

_ بارو ؟! لا شكلك غلطان، البارو بتاعكم في السجن أنا مبقتش بارو خلاص ولا نسيتوا انكم اتجمعتوا عليا في يوم وشيلتوني من منصبي ؟!

عم صمت في المكان عقب كلمات عزيز الذي لا يعلم إن كان متشفيًا بهم أم قلقًا من القادم .

كل ما يعلم الآن أنه سيستغل كل لحظة ليقتص منهم ولن يضيعها هباءً .

_ قبل كده اجتمعتوا عليا، دلوقتي اجتمعوا بقى وحلوا مشاكلكم بنفسكم، أو روحوا للبارو بتاعكم في سجنه خليه يساعدكم إنما أنا خلاص، لا ليا علاقة بيكم ولا بمشاكلكم .

هتفت امرأة وهي تضم صغيرها لصدرها وقد بدا أن الغضب بدأ يلعب على أعصاب جميع المتواجدين :

_ عيلتك هي العيلة المسؤولة عن القرية من سنين طويلة، هتيجوا دلوقتي تتخلوا عننا، نروح لمين يساعدنا يعني ؟؟

ابتسم عزيز يجيب بعدم اهتمام:

_ لربنا .

نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم وقلق من القادم، وقد بدأت الاعتراضات تعلو والكلمات تتطاير والكل يبحث عن حلول لما يحدث، حتى اقترح أحدهم .

_ طب نروح لاولاد المريدي نشوف معاهم حل غير إن اولادنا يتشردوا .

اجابه اخر وقد بدا اليأس في صوته واضحًا :

_ تفتكر بعد كل السنين دي هيوافقوا يساعدونا بعد ما احنا رفضنا نسمعهم ؟!

نظر بعضهم صوب عزيز الذي كان يراقبهم بسعادة وهو يتذكر تجمعهم عليه حتى سقط بينهم ولم يساعده سوى ابنته، ابتسم بحزن وهو يتذكرها وقد شعر بالقهر يتملك منه حتى كادت غصته تخرج على هيئة آهٍ .

_ هو مش ...مش فيه واحد فيهم يبقى جوز بنتك، مش ممكن تتوسط لينا و...

ابتسم عزيز بسخرية لاذعة يقاطع افكاره :

_ متكملش عشان اللي بتقول عليه مش هيحصل .

وقبل تحدث أحدهم بكلمة واحدة قاطعهم صوت مرتفع في المكان وهو يخترق الجمع دون اهتمام وبكل هدوء وبخطوات ثابتة :

_ ليه مش هيحصل ...ممكن يحصل عادي جدا. 

توقفت الكلمات والهمسات والاعتراضات وتحولت الأنظار بالكامل صوب المقتحم الذي اخترق جمعهم والذي لم يكن سواه .

مسلم بنفس الهيئة التي اقتحم بها قريتهم في يومه الأول، بنفس الخطوات ونفس النظرات ونفس الهدوء وكأن الزمن لم يغيره، فقط كان هناك شيء واحد متغير .

أنه هذه المرة لم يكن مع عائلته التي جاء معها أول مرة، بل كانت هي معه، تسير منه جنبًا إلى جنبٍ، بدلًا من الوقوف بين الجموع، كانت تلتصق به وهو يراقب الجميع بأعين باردة بعض الشيء .

ابتسم مسلم بسمة أكثر اتساعًا .

_ مساء الخير يا جماعة آسف لو اقتحمت جمعكم العائلي ده في ارض جدي، لكن حبيت نتقابل مرة تانية، والمرة دي بعد ما نفذت كل كلمة قولتها ليكم .

صمت وهو يدور بنظراته بين الجميع حتى توقفت على وجه عزيز الذي لم يكن منتبهًا سوى لابنته التي تلتصق في مسلم تتمسك بمرفقه وكأنها تخشى أن يهجم عليها أحدهم .

_ اول ما جيت هنا عرضت على البارو بتاعكم عرض وقتها وهو إني اسمح ليكم أنكم تفضلوا فوق أرض المريدي لكن بعقود حقيقية وايجار يتحدد بالاتفاق، لكن وقتها رفض وقال إنها أرضكم وضيع عليه فرصة كان ممكن تجنبنا كل ده دلوقتي .

صمت وهو يراقب الملامح وقد بدأت الأعين تتحرك صوب عزيز بغضب شديد وكأنهم كانوا سيقبلون هذا العرض آنذاك.

وقبل أن يعبر أحدهم عن غضبه مما حدث سارع مسلم يعرض الفكرة التالية التي كان يجهز لها :

_ لكن ولأننا بقينا نسايب يعني فأنا ممكن اجدد العرض مرة تانية ليكم، لكن بشرط.

صمت الجميع وارتفعت الأعين بتوسل صوب مسلم الذي ابتسم وهو يجذب يد رايانا يوقفها أمامه وأمام الجميع مجبرًا إياها على رفع رأسها بين كل من سبق ورماها بالباطل والسحر والنحس يومًا ما .

_ مراتي ترضى عنكم وتوافق إني اديكم الفرصة دي .

صمت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير وقد أبى أحدهم أن يتنفس بصوت مرتفع فتلتفت له الرؤوس.

ابتلع الجميع ريقهم وهم ينظرون صوب رايانا التي كانت مصدومة مما يتحدث به مسلم في هذه اللحظة، تبصر في أعين قومها نظرات لم تعتد رؤيتها يومًا، نظرات توسل ورجاء وخوف .

الأعين التي لطالما كانت اقواسًا ترميها بسهام الكره والسخرية، أصبحت الآن مقرًا للمسكنة والرجاء ؟

ابتسمت بعدم تصديق وهي تبصر امرأة رمتها يومًا بالباطل تتقدم وهي تضم لها طفل صغير متوسلة :

_ رايانا يا بنتي، احنا عندنا اولاد ومش عارفين نروح بيهم فين ولا فين، الله يكرمك تقولي لجوزك يسيبلنا  بيوتنا واللي تطلبوه هنعمله .

نظرت لها رايانا بسخرية شديدة ولم تكد تتحدث حتى تقدم رجل آخر يتوسل لها :

- أنتِ واحدة مننا وحاسة بينا، احنا اهلك وناسك ترضي لينا نتبهدل بعد العمر ده كله، هنروح فين ونعيش ازاي ؟

وهي من ارتضوا لها الذل طوال العمر ولم يهتم بها أحدهم، لم يتوقفوا لحظة ليتطمئنوا إن نجت من كل ما فعلوا بها .

اطفال يركضون خلفها في طفولتها يرشقونها بالحجارة، وكبار يرشقونها بكلماتهم، لكن هل توقف أحدهم يومًا وفكر أن يسألها إن كانت بخير ؟

حتى والدها لم يفعل، فلِمَ تلقي اللوم عليهم؟

ودون شعور سقطت دموعها ومرارة القهر والحسرة ملئت صدرها، بكاء ليال طويلة في غرفتها، سجنها وابعادها عن أي احتفال لهم خوفًا من أن تلوثه..كل ذلك كان يقتلها في هذه اللحظة .

تنفست بصعوبة وهي تكتم شهقاتها تهمس بصوت منخفض :

_ لو ...كنت ...لو كنت أنا اللي مكانكم دلوقتي وبترجاكم عشان ترحموني هل كنتم هترحموني ؟

والصمت كان الإجابة الوحيدة التي تلقتها وقد كانت تدرك تمامًا ما الذي يقبع خلف هذا الصمت، نفي واستنكار .

نظرت صوب مسلم الذي كانت نظراته قد ازدادت حدة وهو يرمق الجميع باستحقار .

بينما هي نظرت لهم ثواني قبل أن تصمت وهي تراقب تعابيرهم وقد كان الخزي هو ما يزين النظرات، من والدها وحتى اصغر طفل بهم .

مسحت دموعها ومن ثم تركتهم وتحركت صوب مسلم تتحدث بجدية :

_ بس تعرفوا الحياة عرفتني إن اللي باعني أقل من إني اقف عنده وافكر فيه ولو للحظة .

أمسكت يد مسلم وهي تنظر له بحزن :

_ خلينا نمشي من هنا، عايزة ...عايزة اشوف الجدة .

نظر مسلم لها ومن ثم حرك عيونه على من خلفها، واخيرًا هو رأسه وشدد قبضته على يدها وتحرك بها بهدوء دون منحهم شيء يطمئنهم على مستقبلهم ..

والجميع يتابعهم بصدمة وسؤال واحد يتردد في رؤوسهم .

" جاء الوقت الذي يتوسلون فيه شفقة رايانا "

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

_ هونت عليكِ يا جدة ...

كانت جملة نطقت بها دون أن تتمكن من أن تتبعها بأخرى في اللحظة التي شعرت أن غصة حزنها قد خنقتها فانهارت ارضًا جوار قبر المرأة الوحيدة التي كانت ترتكن لها كلمة مالت عليها الحياة بثقلها .

يدها الحنونة التي كانت تربت عليها بضعف ولطف، كلماتها لها ...

"إيش تبغي بيهم يا بْنيّتي؟ خَلّيكِ، جدتك تقولك… البَخت ما يِقفّش على باب واحد. بكرة يِجي اللي عينه تشوف نورِك، ويعرف قدرك، ويقول هادي البِنيّة ما في زيّها ."

"رايانا، ما في مِثلِها بين بنات حَوَى كُلّهم…"

سقطت دموعها أكثر وهي تشعر أن أنفاسها أصبحت تخرج بصعوبة، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح، ولا أحد يريحها ويخبرها ما الذي حدث في غيابها الجميع يستمر في القول أن ما حدث كان بلا مقدمات، رحلت عن عالمهم دون حتى أن تنتظر لتطمئن عليها .

استندت بجبينها على على الجدار جوار قبرها هامسة بصوت متقطع :

_ هونت عليكِ يا جدة، فكرت أنك الوحيدة اللي ما بتهون عليها رايانا .

انفجرت في البكاء أكثر وهي تهمس بصوت متقطع :

_ وحشتيني...بس ...كان ...نفسي اودعك للمرة الأخيرة .

كانت كلماتها تخرج متقطعة وهي لا تصدق أنها الآن تجلس أمام قبر جدتها، لحظة لم تستعد لها يومًا .

_ استريحي يا جدة استريحي واطمني عليا، لا تحملي هم ....

ومن ثم صمتت وهي تراقب القبر بهدوء شديد واعين ذابلة وقد بدا أنها تعبت من ساعات البكاء الطويل، وعلى بعد صغير منها كان يقف مسلم تاركًا لها الحرية تخرج كل ما يعتمر صدرها، حتى لا يصيبها الحزن بصمت قاتل ..

وفكرة واحدة تدور في عقله .

كيف يخرج فروشكا من ظلامها ؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت ايام مرت عليها في القرية لا تعي بشي سوى أنها كانت تحيا يومها بين غرفتها التي خصصها لها مسلم في منزل المريدي وقبر جدتها، والاخير يراقبها بلا ردة فعل يدعها تفعل ما تفعل، يسمح لها بكل ما تريد ..

لا يجبرها على شيء، ولا يحدثها بشيء ...

حتى ذلك اليوم .

كانت تغط في نوم عميق بعد وصلة بكاء طويلة انتهت بنوم دون شعور منها كالعادة، والآن تشعر بيد تحركها .

وصوت هامس جوار أذنها، حاولت أن تستفيق وتبصر ما يحدث، لكن كان الظلام هو ما قابلها حتى شكت أنها فقدت البصر لكثرة بكائها، لكن صوت هامس جوارها أخرجها من هذه الأفكار .

_ فروشكا .

_ مسلم ؟! مسلم فيه ايه ؟ أنا مش ...مش شايفة أي حاجة ..

ابتسم مسلم بسمة لم تظهر لها وهو يميل عليها أكثر حتى شعرت بأنفاس دافئة جوار وجهها وصوت حنون يهمس لها :

_ تعالى معايا .

_ مسلم ...فين ؟

_ لاحلامك.

رمشت وهي لا تدرك ما يحدث، حاولت التحدث، لكنه لم يمنحها اي فرصة وهو يجذبها عن الفراش برقة شديد، ولم تكد تقف على قدمها حتى شعرت بنفسها في الهواء بين ذراعيه وهو يتحرك بها بسرعة غريبة خارج الغرفة التي كانت تقطن بها خلال فترة مكوثهم في القرية .

أمسكت رقبته بصدمة كبيرة تحاول الحديث بخوف :

_ مسلم أنا مش ...مش شايفة أي حاجة هو فيه ايه ؟ 

ضحك مسلم وهو يميل يقبل خدها بحب شديد، ومن ثم تحدث بحماس كان واضحًا في نبرته :

_ قولتلك هنعيش احلامك .

_ تعيش احلامي ؟ 

وقبل الاستفسار عن معنى ما يقصد وجدت نفسها تُحمل للخارج معه وهو يتحرك بها صوب الجزء الخلفي للمنزل، وفي ثواني بدا كما لو أنها ...كما لو أنها....

دخلت أحلامها .

ابتسم مسلم وهو يضعها أخيرًا ارضًا لتستقر على أقدامها، كانت حافية القدمين ترتدي عباءة منزلية دون أكمام بيضاء اللون مع ورود حمراء " هدية قديمة من جدتها" بينما خصلاتها تتطاير خلفها .

تستشعر بروده اسفل أقدامها، برودة ليست عادية، ليست برودة الأرض في المساء بل ...بل برودة الثلج الذي يغطي المكان بأكمله.

دارت حوله نفسها لا تفهم ما يحدث كانت الأرض بالكامل مغطاه بالثلوج وهناك أشجار صناعية منتشرة في الباحة مغطاة بأنوار بديعة، وآلة مستقرة فوق المنزل تنثر المزيد والمزيد من الثلوج، بدا الأمر كما لو أنها كانت ...داخل كرة ثلج كالتي احضرهم لها مسلم .

تدور حول نفسها لا تصدق ما تبصر، كانت الاضواء تنعكس في عيونها وهي تضحك دون شعور، تضحك وتضحك حتى اشرق وجهها وهي تدور حولها نفسها تلتقط التفاصيل التي تحيط بها وتتساءل متى تمكن مسلم من تحضير كل هذا دون أن تشعر .

هل كان منفصلة عن الواقع لهذه الدرجة ؟! 

_ مسلم ده .....ده ...زي الكورة ؟

ابتسم مسلم وهو يبتسم لها بحماس طفل ينتظر رأي والدته في الزهرة التي قطفها لها :

_ زي الكورة بس ناقصها حاجة .

نظرت له بعدم فهم، فسحب من حزام بنطاله شيء كان معلقًا به لم تنتبه له، ولم يمنحها الوقت لتدرك ذلك الشيء إلا حينما توسط رأسها، رفعت عيونها تبصر تاجًا لؤلؤي المظهر ومن ثم وجدت كف مسلم أمامها وهو يسحبها صوب صدرها مرددًا بسعادة :

_ الأميرة، وأنا هكونلك اليوم وكل يوم أمير........

نظرت له بأعين ملتمعة وهذه المرة لم تكن لمعة انعكاس الضوء، بل التماع الدموع التي تجمعت وهي تراه يبذل كل ما يستطيع ليخرجها من حزنها لأحلامها .

ومسلم فقط بدأ يتحرك معها على صوت النغمات الخافته التي كانت تنبعث من أحد الأركان، وهو يردد مع النغمة كلمات خافتة يسحبها معه صوب منتصف الباحة حيث كانت الأرضية بيضاء لكثرة الثلوج الصناعية التي نثرها والمزيد يتساقط فوق رأسها، والأضواء تحيط بهم .

وقد التقط مسلم قطعة من احلامها وشكلها على أرض الواقع افضل مما حلمت حتى .

شيئًا فشيء بدأت تراقبه ببسمة اتسعت وهي تتحرك معه، حتى اندمجت دون شعور تدور بحماس شديد على وقع كلماته والموسيقى التي تنبعث من بعيد..

And if you ask me to
Daddy's gonna buy you a mockingbird
I'ma give you the world
I'ma buy a diamond ring for you
I'ma sing for you
I'll do anything for you to see you smile
And if that mockingbird don't sing and that ring don't shine
I'ma break that birdie's neck
I'll go back to the jeweler who sold it to ya
And make him eat every carat.

ومن قال أن الاحلام مستحيلة، أو أنها لا تتحقق، حتمًا لم يمتلك مسلم في حياته ليحققها له .

أرادت قطرة وأحضر لها غيث .
طلبت شجرة وزرع لها غابة .

قديمًا طلبت منه كرة ثلج لتحقق حلمًا، فأخرج لها حلمها لأرض الواقع ....

فها هي تحيا أحلامها كلها، والأحلام هنا لا تقصد بها كل هذه الثلوج أو ما قام به مسلم .

بل حين ذكر الأحلام هي تقصد مسلم .

مسلم الذي لم يكن جزء من احلامها، بل كان كل احلامها 

ويحدث أن تمتلك شخصًا تكون احلامك هي المسؤولية التي يحيا ليحققها ..



تعليقات



<>