
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثامن والاربعون48 بقلم عاشقة القلم
توقّف باران أمام الباب للحظات، وقد تجمّد في مكانه كأن قدميه فقدتا القدرة على الحركة.
نعم إنها هي محبوبته التي بحث عنها طويلا، هاهي امامه الآن تقف امامن وتنظر إليه بتلك العينين التي لم يناساها ابدا.
كان يحدّق فيما أمامه بعينين متسعتين، عاجزًا عن استيعاب المشهد الذي وقع عليه بصره فجأة.
أهو يحلم؟،
هل ما تراه عيناه حقيقة فعلًا، أم أن عقله، الذي أنهكته الذكريات والبحث الطويل، بدأ ينسج له أوهامًا لا وجود لها؟،
لكن... كيف أتت إلى هنا؟،
هل جاءت في زيارة؟،
وهل تكون زوجته صديقةً لها؟،
يا لها من مصادفة غريبة!.
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه بلا ترتيب، وكل سؤال منها يفتح بابًا لآخر، بينما ظل واقفًا أمام الباب كمن فقد القدرة على التفكير.
وقبل أن يسترسل أكثر في أفكاره، قطع عليه شروده صوت طرقات على الباب.
ثقدم وفتحه كانت والدته وما إن رأته قالت:
عائشة: السلام عليك يا بني.
انتبه باران إليها، ثم وقعت عيناه على الصغيرة الواقفة إلى جوارها.
كانت ملك.
تلك الطفلة التي يعرفها جيدًا، إبنة اخته هازان، والتي كان وجودها وحده كفيلًا بأن يبدّد شيئًا من توتره.
ابتسمت عائشة وهي تقول:
عائشة: أنت هنا يا بني؟، لقد أحضرها أبوها صباحًا، وسيأتي ليأخذها بعد قليل، ولكنها طلبت مني أن تأتي لتسلّم على ديلان.
ثم أشارت إلى ملك قائلة:
عائشة: هيا، بسرعة، سلّمي على خالتك ديلان وتعالي.
وفي اللحظة التي نطقت فيها باسمها، شعر باران بشيء غريب يهزّ أعماقه.
ديلان....
رفع بصره نحوها.
كانت واقفة أمامه، ساكنة تمامًا، وكأنها هي الأخرى لم تعرف كيف تتصرف أمام هذا اللقاء المفاجئ. كانت تراقبه بصمت، تنتظر ردة فعله، بينما لم تستطع أن تقرأ شيئًا في ملامحه سوى تلك الصدمة التي بدت واضحة في عينيه.
أما ملك، فلم تكن تعرف شيئًا عن العاصفة التي بدأت تهب في قلب الرجل الواقف أمامها.
اندفعت الصغيرة نحو ديلان وهي تناديها ببراءة:
ملك: خالتي ديلان!.
تلقفتها ديلان بين ذراعيها، وانحنت تقبّلها، بينما ظل باران يحدّق في المشهد وكأن الزمن توقف من حوله.
ثم دخلت عائشة إلى الشقة، ولم تنتبه إلى أن ابنها لم يزل واقفًا في مكانه وكأن صاعقة أصابته.
اقتربت من ديلان مبتسمة، وقالت بحنان:
عائشة: ديلان، كيف حالك يا حبيبتي؟، هذه الفصعونة الصغيرة لم ترضَ أن تذهب قبل أن تسلّم عليك.
ابتسمت ديلان ابتسامة خافتة للصغيرة، بينما كان باران في عالم آخر تمامًا.
كان يسمع كلمات والدته، لكنه لم يعد يلتقط منها شيئًا.
كانت عيناه معلقتين بديلان.
ديلان...
تردد الاسم في رأسه مرة أخرى.
ثم جاءت الفكرة.
فكرة واحدة فقط...
لكنها كانت كفيلة بأن تقلب عالمه بأكمله.
هل يعقل...؟،
لا.
مستحيل.
رفع عينيه إليها من جديد، وكأنه يحاول أن يبحث في ملامحها عن إجابة لسؤال لم يجرؤ على طرحه حتى على نفسه.
تلك العينان...
ذلك الهدوء...
ذلك الشعور الغريب الذي طالما انتابه كلما اقترب منها، دون أن يفهم سببه...
هل يمكن أن تكون هي؟،
هل يمكن أن تكون ديلان التي أمامه الآن هي نفسها الفتاة التي أحبها قبل ثلاث سنوات؟،
الفتاة التي لم يستطع نسيانها؟،
الفتاة التي ظل يبحث عنها طويلًا؟.
تسارعت أنفاسه، وشعر بقلبه يخفق بعنف حتى خُيّل إليه أن الجميع يستطيع سماع دقاته.
تنحّى جانبًا بصمت، وترك والدته تدخل إلى الشقة، ثم أغلق الباب خلفها.
لم يقل شيئًا.
لم يسأل شيئًا.
فقط اتجه بخطوات متثاقلة نحو غرفته، وكأن جسده يتحرك من تلقاء نفسه بينما عقله ما زال عالقًا عند الباب.
دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه.
ثم أسند ظهره إليه وأغمض عينيه.
كان بحاجة إلى أن يلتقط أنفاسه.
بحاجة إلى أن يفهم.
لكن كيف يمكن للعقل أن يفهم شيئًا بهذه القسوة؟،
مد يده إلى جيبه وأخرج الورقة التي أعطته إياها دنيز.
تلك الرسالة التي قالت له إنها قد تساعده في معرفة حقيقة ديلان، حقيقة خيانتها لاخيه مراد من قبل، وختى هووايضا تخدعه وتخونه حسب قولها.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم فتحها.
وما إن وقعت عيناه على كلماتها حتى شحب وجهه.
توقفت أنفاسه.
اتسعت عيناه، وكأن أحدهم انتزع الأرض من تحت قدميه.
لقد عرفها.
عرف تلك الكلمات.
عرف تلك الرسالة.
لم تكن مجرد رسالة تشبه تلك التي احتفظ بها في ذاكرته..
تلك الرسالة التي تحدثت عنها دنيز....
بل كانت الرسالة التي اعطاها هو لحبيبته ذلك اليوم،
كانت هي نفسها.
نفس الرسالة.
نفس الكلمات.
نفس الورقة التي أعطاها لتلك الفتاة قبل ثلاث سنوات.
ارتجفت أصابعه وهو يمسك بها.
جلس على طرف السرير دون أن يشعر، وبقي يحدق في الورقة كأنها تحمل أمامه الحقيقة كاملة، حقيقة كان يبحث عنها طوال سنوات، لكنه لم يتخيل يومًا أنها ستكون بهذه القسوة.
تمتم بصوت خافت، يكاد لا يُسمع:
باران: ديلان...؟
ثم رفع رأسه ببطء.
الآن فقط بدأت جميع التفاصيل التي تجاهلها سابقًا تتجمع أمامه.
الفتاة التي أحبها...
الفتاة التي بحث عنها...
الفتاة التي ظل قلبه متعلقًا بها طوال تلك السنوات...
كانت أمامه.
كانت تعيش معه.
كانت زوجته.
زوجة أخيه الراحل مراد...
ثم أصبحت زوجته هو.
ارتجف قلبه بعنف.
وضع يده على جبينه، وأخذ يهز رأسه وكأنه يريد طرد هذه الحقيقة من عقله.
باران: لا... لا يمكن.
كيف؟
كيف يمكن أن يكون كل هذا صحيحًا؟
كيف يمكن للقدر أن يجمعه بالمرأة التي أحبها، ثم يخفي عنه حقيقتها كل هذا الوقت؟،
كيف يمكن للقدر ان يسخر منه بهذه الطريقة؟،
كيف يمكن أن تكون تلك الفتاة التي ظل يبحث عنها هي نفسها المرأة التي كانت تقف أمامه كل يوم، تحت سقف واحد، وهو لا يعرف؟،
بل الأسوأ...
لقد تزوجها.
تزوج المرأة التي أحبها ذات يوم، دون أن يعرف أنها هي.
ارتسمت أمام عينيه كل اللحظات التي جمعته بها.
كل مرة شعر فيها بأن شيئًا ما يشده إليها.
كل مرة وجد نفسه يراقبها دون أن يفهم السبب.
كل مرة شعر تجاهها بتلك الألفة الغريبة التي لم يستطع تفسيرها.
لم يكن الأمر مصادفة،
لم يكن قلبه مخطئًا،
كان يعرفها قبل أن يعرفها عقله.
أغمض عينيه بقوة، وانحدرت تنهيدة مثقلة من صدره.
ثلاث سنوات...
ثلاث سنوات وهو يبحث عنها، ويتساءل أين ذهبت، وماذا حل بها، وهل ما زالت تتذكره كما يتذكرها.
وكانت هي طوال الوقت هنا،
وأمام عينيه.
قريبة منه إلى درجة لا تُصدق،
ثم فتح عينيه فجأة، وكأن فكرة أخرى أكثر قسوة ضربته.
لقد كانت زوجة اخيه،
نعم زوجة أخيه...
ثم زوجته.
عضّ على شفتيه، وشعر بمرارة خانقة تملأ صدره.
لقد كان يحلم يومًا بأن يلتقي بها من جديد.
كان يتخيل ذلك اللقاء آلاف المرات.
كان يتخيل أن يجدها، ثم يخبرها كم اشتاق إليها، وكم ظل قلبه وفيًا لها رغم السنوات.
كان يتمنى أن يجمعهما القدر بطريقة مختلفة...
لكن القدر لم يمنحه ما تمنى.
بل سخر من أحلامه كلها.
ومنحه ذلك اللقاء بطريقة لم يتخيلها في اسوء إختمالاته،
كان يظن بعد كلامه مع ابيه ذلك اليوم إنها يمكن ان تكون قد تزوجت، لكن ان تتزوج بأخيه، ان تكون طيلة تلم المدة زوجة لاخيه تعيش داخل بيتهم، ثم لشعور أمام عينيه،
جمعهما القدر تحت سقف واحد، ثم أخفى عنه الحقيقة.
وحين كشفها أخيرًا...
كان كل شيء قد تغيّر.
لم تعد الفتاة التي أحبها فتاةً وحيدة تنتظر عودته.
لقد أصبحت امرأةً تحمل في قلبها ندوبًا كثيرة، وأصبحت زوجته بعد أن كانت زوجة أخيه.
نهض باران من مكانه، وأخذ يمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا، عاجزًا عن تهدئة الفوضى التي اجتاحت رأسه.
كان يريد أن يصرخ.
أن يسأل القدر لماذا؟،
لماذا هي؟،
ولماذا الآن؟،
ولماذا بعد كل ما حدث؟.
رفع عينيه نحو السماء وكأن هناك من يستطيع أن يجيبه، وقال بصوت مكسور:
باران: لماذا فعلت بي هذا يا أيها القدر...؟،
لماذا؟؟؟.....
ثم أطرق رأسه.
لم يكن يعترض على قدر الله، لكنه كان عاجزًا عن استيعاب حكمته في تلك اللحظة.
كان قلبه يريد أن يفرح لأنه وجد أخيرًا المرأة التي أحبها...
لكن عقله كان يذكّره بكل شيء آخر.
بمراد،
بزواجه منها،
بكل ما حدث بينهما،
وبحقيقة أن المرأة التي ظل يحلم بها طوال ثلاث سنوات أصبحت الآن أمامه، لكن الوصول إليها لم يعد حلمًا...
بل أصبح امتحانًا جديدًا لم يكن مستعدًا له.
ضغط باران الرسالة بين أصابعه، ثم همس وكأنه يخشى أن يسمع أحد اعترافه:
باران: أنتِ هي...
صمت للحظة، ثم أغمض عينيه وقد امتلأتاه بالذهول والألم.
باران: كنتِ أنتِ طوال هذا الوقت... ديلان، كنت امامي وانا لا اعلم.
ثم نزل بجسده ببطى وكان تلك الحقيقة انهكته فلم تعد قدماه قادرة على ان تحمله،
نزل وجلس على طرف السرير واطرق براسه يفكر.....
خرجت عائشة من الشقة، بعدما اضطرت إلى أخذ ملك معها، فالطفلة الصغيرة كانت قد تشبثت بديلان وأرادت البقاء إلى جوارها، لكن عائشة أقنعتها بالذهاب معها، فوالدها ينتظرها بالاسفل ليأخذها معه للبيت، ووعدتها بأنها ستطلب منه ليعيدها لرؤيتها لاحقًا.
أُغلق الباب، وساد الصمت.
بقيت ديلان واقفة في مكانها، تحدّق في الباب المغلق الذي إختفى خلفه باران، وكأنها تنتظر أن ينفتح من جديد، أو أن يخرج منه باران ويخبرها أن كل ما حدث لم يكن سوى سوء فهم عابر.
لكن شيئًا لم يحدث.
مرت لحظات طويلة، ولم يخرج باران.
لم تسمع صوته، ولم ترَ حتى حركة خلف الباب.
ابتلعت ديلان ريقها بصعوبة، وشعرت بقلبها يخفق بعنف داخل صدرها.
لقد عرف الحقيقة كاملة.
كانت تود ان تمهد له ذلك،
لكن أحيانا لايسير الامور كما نتمنى بل كما سطرها صاحب الاقدار.
لم تعد هناك وسيلة للاختباء،
لقد جاءت اللحظة التي ظلت تهرب منها طويلًا، اللحظة التي كانت تخشاها أكثر من أي شيء آخر... لحظة أن يعرف باران أنها الفتاة التي أحبها قبل ثلاث سنوات.
وضعت يدها على صدرها، وأخذت نفسًا عميقًا محاولةً أن تستجمع شتات نفسها.
لا بد أن تواجهه،
لا بد أن تقف أمامه وتشرح له كل شيء،
لم يكن من حقها أن تتركه غارقًا في الظنون، أو أن تسمح له بتفسير صمتها بالطريقة التي يريدها هو.
كانت تعرف أن في رأسه الآن عشرات الأسئلة، وربما مئات الاتهامات.
لماذا أخفت عنه حقيقتها؟،
لماذا لم تخبره منذ عودته؟،
لماذا وافقت على الزواج منه وهي تعرف من يكون؟،
كان عليها أن تجيب عن كل ذلك،
حتى لو كان الثمن قلبها.
تقدمت نحو باب الغرفة بخطوات مترددة، ثم رفعت يدها وطرقت طرقًا خفيفًا.
لم يجبها،
طرقت مرة أخرى، لكن الصمت ظل سيد المكان.
وضعت يدها على المقبض، وترددت لثانية، ثم فتحته ودخلت.
كان باران جالسًا على طرف السرير، وقد أعاد الرسالة إلى جيب سترته، ثم أطرق رأسه، غارقًا في دوامة لا نهاية لها من الأفكار.
كان يحاول أن يستوعب السنوات الثلاث الماضية دفعة واحدة.
كل ما عاشه،
كل ما بحث عنه،
كل ما تمناه،
وكل ما حدث له منذ عودته.
وحين سمع الباب يُفتح، رفع رأسه ببطء.
فتلاقت عيناه بعيني ديلان.
توقفت هي مكانها للحظة،
كانت نظراته مختلفة،
لم تكن تلك النظرات التي اعتادتها منه.
لم يكن فيها دفء، ولا مشاكسة، ولا ذلك الهدوء الذي بدأت تألفه منه.
كان فيها ألم... وذهول... وعتاب عميق.
أغلقت ديلان الباب خلفها، ثم تقدمت نحوه بخطوات بطيئة حتى وقفت أمامه.
نهض باران...
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن عينيه تبحثان في ملامحها عن الفتاة التي عرفها ذات يوم، وعن المرأة التي عاش معها دون أن يعرف أنها هي.
ثم خرج السؤال من بين شفتيه مكسورًا:
باران: لماذا...؟،
سكت لحظة، وكأنه كان يحاول أن يمنع صوته من الارتجاف، ثم قال:
باران: لماذا لم تنتظريني؟،
ارتعشت عينا ديلان.
كانت تعرف أن هذا السؤال سيأتي، لكنها لم تعرف يومًا كيف ستجيب عنه.
قالت بصوت خافت:
ديلان: لأنك لا تعرف ما الذي حل بي في غيابك.
اقتربت خطوة، ثم تابعت والدموع تلمع في عينيها:
ديلان: لقد بحثت عنك... والله يعلم كم بحثت، لكن ماذا كنت أملك؟، لم أكن أعرف حتى اسمك الشخصي ولاحتى كاملًا، ولا عنوانك، ولا أين أجدك، لم أكن أعرف عنك شيئًا سوى ذلك الشعور الذي تركته في قلبي ورحلت.
تنفست بصعوبة ثم واصلت...
ديلان: فكيف تطلب مني أن أنتظرك وأنا لا أعرف أين أنت؟، كيف كنت سأصل إليك؟.
صمتت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه:
ديلان: أنت لا تعلم مقدار الصدمة التي شعرت بها يوم عدت ورأيتك أمامي، الرجل الذي أحببته... الرجل الذي بحثت عنه طويلًا... الرجل الذي ظننت أنني لن أراه مجددًا، اكتشفت أنه أخو زوجي.
أغمضت عينيها للحظة، وكأن مجرد استعادة الذكرى تؤلمها.
ديلان: هل تعرف ماذا فعلت بي تلك الحقيقة؟.
هزت رأسها بحسرة وهرج صوتها مهزوزا مخنوقا من اثار نا تشعر به الآن....
ديلان: لم أعد أعرف أين أهرب.
ظل باران صامتًا، لكنه قال بعد لحظات:
باران: كل شيء حدث بسرعة ذلك الوقت يا ديلان، أنا أيضًا بحثت عنك كثيرًا، كنت أريد أن أخبرك بما اشعربه نحوك، وكنت أريد أن أصل إليك لاقول لك إنني احبك، كنت اريد ان اقول لك لو انت تبادلينني نفس الشعور إنتظريني اكون نفسي، وحينها ساحظر امي بتكوني شريكة حياتي، ولولا ذلك الحادث الذي عطلني في ذلك اليوم... لكنا التقينا ولاخبرتك بكل شيء.
ابتسمت ديلان ابتسامة موجوعة وقالت بصوت متحشرج....
ديلان: وأنا أيضًا... في ذلك اليوم دخلت أمي المستشفى.
خفضت رأسها، ثم قالت:
ديلان: وبعدها بدأت أحداث لم أكن أظن أنني سأخرج منها حيّة أو سليمة.
رفع باران عينيه إليها بدهشة.
تابعت هي وقالت بنفس النبرة وكانتا ترى تلك الاحداث وكانها تحدث الآن:
ديلان: ولو لم يرعني الله برعايته، ولو لم يسخّر لي أشخاصًا وضعهم في طريقي في الوقت المناسب، لكنت ضعت، او ربما لم أكن اليوم واقفة أمامك هنا.
صمت باران قليلًا، ثم قال بمرارة تمزق قلبه:
باران: لكن لماذا لم تخبريني بالحقيقة عندما عدت؟، لماذا صمت؟.
رفعت ديلان عينيها إليه.
ديلان: ماذا كنت سأخبرك؟، ها... ماذا كنت سأخبرك؟..
اقتربت منه خطوة، وصوتها يحمل خوف السنوات الماضية التي مازال اثرها لم ينمخي من ذاكرتها:
ديلان: كان أخوك يشك بي أصلًا منذ ان تزوجني، كان يظن أن في حياتي رجلًا آخر، ولا أعرف من زرع تلك الأفكار في رأسه، ماذا كنت تتوقع أن يحدث لو عرف أنني أحببت رجلًا قبل زواجي منه؟، ماذا لو عرف أن ذلك الرجل هو أخوه؟.
ارتجف صوتها.
ديلان: ألم يكن من الممكن أن تتحول حياتي إلى جحيم؟، ألم يكن من الممكن أن تقع كارثة في هذا البيت؟.
سكتت، ثم أضافت:
ديلان: كنت أخاف عليك... وأخاف على نفسي... وأخاف على هذه العائلة التي لم تؤذني يومًا.
نظر إليها باران طويلًا، ثم خرج صوته أكثر قسوة:
باران: وبعد وفاة مراد لماذا ألتزمت الصمت ايضا؟.
تجمدت ملامحها.
باران: لماذا بقيت صامتة؟ لماذا لم تخبريني عندما قرر والداي تزويجنا؟.
ارتجف قلبها كان في نبرته بعض الالم ممزوجا بحدة.
تابع، والألم يسبق كلماته:
باران: لماذا أخبرتني حينها؟، لماذا لم تتركين انا أختار، كان يجب أن تعطيني الحق أن اتقبل الامر أو أرفضه، لكنك لم تفعلي.
اقترب منها.
باران: تركتني أدخل هذا الزواج وأنا لا أعرف الحقيقة، ثم انتظرتِ حتى تصبحي زوجتي لتكشفي لي من أنتِ.
شدد على آخر الكلمات.
هزت ديلان رأسها بسرعة، والدموع بدأت تنساب على وجنتيها.
ديلان: أنت لا تعرف ما الذي عانيته...
باران: بل أريد أن أعرف!، كان من حقي ان اعرف كل شيء قبل زواجنا.
ارتج صوته في الغرفة.
صمتت ديلان للحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تستجمع شجاعتها لتفتح أمامه أبوابًا ظلت مغلقة طويلًا.
ديلان: أنت لا تعلم كم عانيت في غيابك... ولا كم قاسيت بعد عودتك.
مسحت دموعها بيد مرتجفة.
ديلان: منذ أن عرفت صلة القرابة بينك وبين مراد، وأنا أعيش بين الخوف والموت، كنت أنام وأستيقظ على هاجس واحد... ماذا سيحدث لو انكشف السر؟.
تلعثم صوتها:
ديلان: كنت أخاف أن أخسر هذه العائلة التي احتضنتني وفتحت لي أبوابها وأحبتني دون قيد أو شرط، كنت أشعر أن حياتي كلها معلقة بخيط رفيع، وأن كلمة واحدة قد تهدم كل شيء.
رفعت عينيها إلى باران.
ديلان: كنت أقضي الليل في الصلاة والدعاء، وأستغيث بالله أن يسترني وألا يفضح هذا السر.
انخفض صوتها حتى أصبح أشبه بالهمس:
ديلان: لم أكن أبحث عن الخداع يا باران... كنت أبحث عن النجاة وفقط.
تجمد باران أمام كلماتها.
تابعت ديلان، وقد خرجت الكلمات من قلبها هذه المرة بلا حواجز:
ديلان: حتى زواجي منك... لم أكن سأوافق عليه لولا الذي حدث مع كاظم.
أغمضت عينيها، وكأن ذكر اسمه أعاد إليها ألمًا حاولت دفنه.
ديلان: ذلك الحادث أعادني إلى كل ما عشته من قبل، جعلني أدرك أنني لا أملك مكانًا لي أذهب إليه، ولا عملًا أعتمد عليه.
ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالعجز:
ديلان: كنت قد طلبت من أمي عائشة أن تمنحني بعض الوقت فقط، كنت أريد أن أبحث عن مأوى أعيش فيه، وعن عمل أستطيع أن أسد به رمقي.
ابتسمت بمرارة.
ديلان: فمراد كان قد منعني من العمل بعد زواجنا، بسبب شكه بي، حتى شهادتي بقيت في الجامعة ولم أستطع إحضارها. والعمل الذي دبرته لي والدة صديقتي، رحمها الله، منعني منه أيضًا.
رفعت عينيها إليه:
ديلان: وأنت كنت شاهدًا على معاملته القاسية لي.
سقط الصمت بينهما.
كان باران يعرف ما عنته مع اخيه وقد شهد على بعض منه،
يعرف أنها لم تبالغ،
يعرف أنه رأى بنفسه كيف كان مراد يعاملها،
ومع ذلك، ظل السؤال يؤلمه.
قال بعد لحظات:
باران: وبعد زواجنا... لماذا لم تخبريني أيضا؟، لماذا فضلت الصمت أيضا؟.
كانت هذه المرة نبرته أكثر هدوءًا، لكنها كانت تحمل وجعًا أكبر.
باران: في ليلتنا الأولى، عندما صعدنا إلى بيتنا... لماذا أخفيت عني الحقيقة حينها؟.
خفضت ديلان رأسها.
وانهمرت دموعها مرة أخرى على خدها.
ديلان: لم أكن مستعدة لمواجهتك.
رفعت عينيها إليه.
ديلان: خفت...
ثم أضافت بصراحة موجعة:
ديلان: جبنت....
هزت رأسها وهي تبكي:
ديلان: مرّ شريط حياتي كله أمام عيني في تلك الليلة، رأيت كل ما عشته، وكل ما خسرته، وكل ما كنت أخشاه... ثم رأيتك.
ارتجف صوتها.
ديلان: أنت كنت أجمل شيء حدث لي في حياتي.
صمتت لحظة، ثم قالت:
ديلان: أعترف أنني كنت أنانية بعض الشيء، ربما كان يجب أن أخبرك منذ البداية... لكنني كنت أريد فقط أن أعيش قليلًا من الأمان الذي حُرمت منه، كنت أريد أن أستجمع قوتي حتى أستطيع الوقوف أمامك ومواجهتك بالحقيقة.
ظل باران صامتًا.
كانت الكلمات تدخل إلى قلبه، لكنه لم يكن قادرًا بعد على ترتيبها.
لقد فهم خوفها...
لكنه لم يستطع تجاوز الصدمة.
مرر يده على وجهه، ثم قال بصوت متعب:
باران: لا أستطيع أن أتقبل كل هذا بهذه السهولة.
رفع عينيه إليها.
باران: أرجوكي إفهميني، ديلان.
صمت لحظة، ثم قال:
باران: لا أستطيع ان أستوعب كل هذه الحقائق التي ظهرت أمامي دفعة واحدة.
استدار نحو الباب.
توقفت أنفاس ديلان.
راقبته وهو يتجه إليه، وعندما مد يده إلى المقبض، شعرت أن قلبها ينهار.
لم تستطع التفكير.
لم تستطع التماسك أكثر.
خرج صوتها من أعماقها:
ديلان: باران!...
توقف للحظة.
لكن ظهره ظل مواجهًا لها.
اقتربت منه خطوة، والدموع تنهمر دون توقف.
ديلان: أرجوك...
لم يلتفت.
ديلان: لا تتركني الآن.
ارتجف صوتها.
ديلان: ليس الآن... بعدما وجدتك.
قبض باران على مقبض الباب، وأغمض عينيه للحظة.
كان يريد أن يلتفت.
كان يريد أن يضمها.
كان يريد أن يخبرها أن قلبه لم يتغير، وأنه ظل يبحث عنها طوال تلك السنوات.
لكن الصدمة كانت أكبر من قدرته على اتخاذ أي قرار.
قال بصوت خافت، مكسور:
باران: أرجوك... افهميني.
ثم أضاف:
باران: لا أستطيع.
فتح الباب.
وفي اللحظة التي شعرت فيها ديلان أنه سيرحل، انكسر آخر خيط كانت تتشبث به.
صرخت باسمه:
ديلان: بارااان!!!..
ثم خانتها ساقاها.
سقطت على الأرض بلا مقاومة، وفقدت وعيها في اللحظة التي انطفأت فيها عيناها بالدموع.
توقف باران عند الباب.
تجمدت يده فوق المقبض.
وصل إليه صوت ارتطام جسدها بالأرض.
استدار بسرعة.
وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، تبدد كل ما كان في قلبه من غضب.
باران: ديلان!!!...
أغلق الباب واندفع نحوها، ليجدها ممددة على الأرض بلا حراك.
ركع إلى جوارها، وأمسك بوجهها بين يديه واخذ يصفعها بخفة على وجنتها.
باران: ديلان... ديلان افتحي عينيك!...ارجوكي.
لكنها لم تجبه.
ارتجفت يداه وهو يناديها مرة أخرى، وقد عاد الخوف إلى قلبه أقوى من أي غضب.
ففي اللحظة التي كان يظن فيها أنه بحاجة إلى الابتعاد عنها ليستوعب الحقيقة...
أدرك أن فكرة فقدانها مرة أخرى كانت أكثر مما يستطيع قلبه احتمالها.
لم يتردد باران لحظة واحدة.
انحنى نحو ديلان، وحملها بين ذراعيه، وقد كانت خفيفة ساكنة بين يديه كأنها فقدت القدرة على مقاومة كل ما أثقل روحها قبل جسدها، وضعها برفق على السرير، حاول ان يوقضها لكن دون جدوى، ثم سارع إلى سحب هاتفه واتصل بوالدته.
لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى سمع طرقًا متعجلًا على الباب.
هرول نحو الباب وفتحه، فإذا بعائشة تقف أمامه وقد ارتسم القلق على وجهها.
عائشة: ماذا حدث يا بني؟، ولماذا طلبت مني أن آتي بهذه السرعة؟.
تراجع باران عن الباب قليلًا، وأشار نحو الغرفة، وكان صوته مضطربًا على غير عادته:
باران: ديلان يا أمي... لقد أُغمي عليها، ولا أعلم ماذا حدث لها. حاولت إيقاظها لكنها لم تستجب.
شهقت عائشة واتجهت بنظرها إلى الداخل.
باران: ادخلي أنتِ وابقي إلى جوارها، ريثما أحضر لها طبيبًا يكشف عليها ويخبرنا ما بها.
أسرعت عائشة إلى الغرفة، ثم التفتت إليه وقالت:
عائشة: في الشارع الذي خلفنا طبيبة أعرفها جيدًا، لقد أحضرتها إلى ديلان عدة مرات من قبل، وهي تعرف حالتها.
أومأ باران بسرعة.
باران: حسنًا. ادخلي أنتِ إليها، وأنا سأحضر الطبيبة.
دخلت عائشة مسرعة وجلست إلى جوار ديلان، وأمسكت يدها الباردة بين يديها.
كانت تنظر إلى وجهها الشاحب، وقلبها يرتجف من الخوف.
لم تفهم ماذا حدث.
قبل دقائق كانت الفتاة أمامها واقفة وتتحدث معهم، والآن ها هي ممددة أمامها بلا حراك.
مسحت عائشة دموعها وهي تتمتم:
عائشة: ما الذي أصابك يا ابنتي؟.
أما باران، فلم يلبث أن خرج مسرعًا.
وبعد برهة، عاد برفقة الطبيبة.
دخلت الطبيبة الغرفة، وانحنت تفحص ديلان بعناية، بينما بقيت عائشة جالسة إلى جوارها تراقب كل حركة تقوم بها الطبيبة بقلق.
أما باران، فقد وقف خارج الغرفة.
لم يكن قادرًا على مواجهة نفسه، فضلًا عن مواجهة ديلان.
كان رأسه ممتلئًا بما حدث قبل قليل، بصوتها، بدموعها، وبصرختها الأخيرة وهي تنادي اسمه.
وبعد دقائق، خرجت الطبيبة من الغرفة.
تقدم باران نحوها فورًا.
باران: ما بها زوجتي؟ ماذا حدث لها؟.
تنهدت الطبيبة، ثم قالت بنبرة هادئة:
الطبيبة: زوجتك تعرضت لصدمة نفسية شديدة، ويبدو أنها مرت بضغط عصبي قوي نتيجة التوتر شديدا والانفعال لم يستحمله عقلها واعصابها، جعلها تتعرض لانعيار عصبي قوي.
شعر باران بانقباض في صدره.
تابعت الطبيبة:
الطبيبة: أعطيتها حقنة مهدئة، وستنام على إثرها لبعض الوقت، كما علّقت لها محلولًا مغذيًا حتى تستعيد شيئًا من قوتها.
ثم نظرت إليه بجدية:
الطبيبة: لا أعتقد أنها ستستفيق قبل ست ساعات على الأقل، وربما تحتاج إلى وقت أطول، بسبب ما تعرضت له او ما واجهته، لكن الأهم الآن أن تبتعدوا عن كل ما يمكن أن يثير أعصابها او يوترها.
صمتت لحظة ثم أضافت:
الطبيبة: لا تعرضوها لأي ضغط أو توتر، حالتها النفسية هي ما أدى إلى هذا الانهيار، وأي صدمة أخرى قد تجعل حالتها أسوأ.
أومأ باران بصمت.
أخرجت الطبيبة وصفة طبية وناولتها له.
الطبيبة: هذه الأدوية تحتاج إليها عندما تستيقظ، وهذا الدواء يساعدها على الاسترخاء، احرصوا على أن ترتاح، وإذا ظهرت عليها أي أعراض مقلقة فعليكم إحضارها إلى المستشفى فورًا.
شكرها باران، ثم رافقها إلى الخارج.
وبعد أن اشترى الأدوية، عاد إلى البيت.
كان أول ما فعله أن دخل غرفة ديلان.
كانت عائشة لا تزال جالسة بجوارها، تحدق في وجهها الشاحب، وقد بدت آثار البكاء واضحة على ملامحها.
وما إن رأت ابنها حتى سألته بقلق:
عائشة: ما بها ديلان؟، ماذا قالت لك الطبيبة؟.
اقترب باران منها، ومد إليها الأدوية.
باران: قالت إن أعصابها تعبت كثيرًا، وإنها تحتاج إلى الراحة. كتبت لها بعض الأدوية وقد أحضرتها.
أخذت عائشة الأدوية وهي تنظر إليه بحيرة.
عائشة: لكن ما الذي جعلها تصل إلى هذه الحالة؟.
توقفت عيناه للحظة على ديلان.
كان يستطيع أن يخبرها.
كان يستطيع أن يقول لها إن الحقيقة التي اكتشفها قلبت كل شيء.
لكنه لم يفعل.
اكتفى بالقول:
باران: ربما تراكم عليها التعب والضغط... المهم الآن أن ترتاح.
ثم خرج من الغرفة.
كان الوقت قد اقترب من المغرب.
بقيت عائشة إلى جوار ديلان، بينما ظل باران في غرفتها لبعض الوقت، ثم عاد إليها من جديد.
كانت ديلان غارقة في نوم عميق تحت تأثير المهدئ والمحلول، لا تدري شيئًا عما يدور حولها.
ومع مرور الوقت، انتهى المحلول.
نادت عائشة على باران، فقد كانت الطبيبة قد شرحت له كيفية نزعه.
دخل إليها، وأزال المحلول بعناية، ثم عاد إلى الغرفة التي كانت تنام بها ديلان من قبل.
لكن النوم لم يقترب من عينيه،
جلس على حافة سريره، وأخذ يحدق في الفراغ.
كان الليل طويلًا.
طويلًا بصورة لم يعهدها من قبل.
كلما أغمض عينيه، رأى ديلان أمامه.
رآها وهي تقف أمامه باكية.
سمع صوتها وهي تقول إنها بحثت عنه،
تذكر خوفها،
تذكر ما عانته،
وتذكر صرختها الأخيرة:
"باران... أرجوك لا تتركني الآن وبعد أن وجدتك."
وضع يديه على وجهه.
كان جزء منه يريد العودة إليها،
يريد الجلوس إلى جوارها حتى تستيقظ،
يريد أن يسمع منها كل شيء من جديد.
لكن جزءًا آخر كان يصرخ داخله بأنه يحتاج إلى الابتعاد.
إلى مساحة يستطيع فيها أن يفكر دون أن تختلط عليه مشاعره،
كيف يتعامل مع حقيقة كهذه؟،
كيف يستوعب أن المرأة التي أحبها قبل ثلاث سنوات هي نفسها زوجته اليوم؟،
كيف ينظر إلى ديلان بعد أن عرف كل شيء؟،
وكيف يستطيع أن يبقى إلى جوارها بينما قلبه وعقله يخوضان حربًا لا تهدأ؟،
ظل يفكر طوال الليل.
حتى بدأ الظلام يتراجع شيئًا فشيئًا، وظهر أول خيط من خيوط الفجر.
ومع بزوغ الفجر، كان باران قد اتخذ قراره.
لم يكن القرار سهلًا،
ولم يكن قرارًا نابعًا من الكراهية،
بل ربما كان لأنه يخشى أن يتخذ قرارًا آخر وهو في هذه الحالة.
نهض من مكانه، وأخرج حقيبة سفر كان قد جهزها في ساعات الليل، ثم اتجه نحو الغرفة حيث كانت والدته بجوار ديلان.
كان الصباح قد بدأ يشرق وقد بدات الشمس تنشر اشعتها على المدينة، عندما دخل الغرفة بهدوء.
كانت عائشة مستلقية إلى جوار ديلان، بعدما قضت الليل كله بالقرب منها.
وما إن شعرت بدخول أحد حتى رفعت رأسها، وعدلت جلستها.
وحين رأت ابنها، قالت:
عائشة: صباح الخير يا بني... كيف حالك؟.
نظر باران إلى ديلان أولًا، ثم أجاب:
باران: صباح الخير يا أمي، كيف حال ديلان؟.
التفتت عائشة إليها.
عائشة: كما ترى يا بني... لم تستيقظ بعد.
ثم تنهدت بحزن:
عائشة: ولا أعرف ما الذي حدث لها حتى وصلت إلى هذه الحالة.
لكنها عندما التفتت إليه من جديد، وقعت عيناها على الحقيبة الموضوعة إلى جواره.
عقدت حاجبيها باستغراب.
عائشة: ما هذه؟، هل هي حقيبة سفر؟، هل أنت مسافر يا بني؟.
رفع باران عينيه إليها.
كان قد أعد الإجابة طوال الليل.
باران: نعم يا أمي.
اتسعت عينا عائشة.
عائشة: إلى أين؟.
باران: فرع الشركة الموجود خارج البلاد يواجه بعض المشكلات، وقد طلب مني المدير أن أسافر لأباشر العمل هناك وأحل الأمور العالقة.
صمت قليلًا ثم أضاف:
باران: كنت قد أجلت السفر بسبب زواجي من ديلان، لكن المدير عاود تمرار اللمر علي بالأمس وأصر على أن أسافر.
بدت الحيرة على وجه عائشة.
عائشة: ولكن زوجتك مريضة يا بني... كيف ستسافر وتتركها بهذه الحالة؟.
أشاح باران بنظره عنها.
كان السؤال أثقل عليه مما أظهر.
باران: أعصابها تعبت فقط، والطبيبة قالت إنها تحتاج إلى الراحة.
ثم أضاف بسرعة:
باران: يجب أن أذهب الآن يا أمي، طائرتي بعد ساعة، وسيارة الشركة وصلت، والسائق ينتظرني في الأسفل.
وقفت عائشة، وقد ازدادت حيرتها.
عائشة: الآن؟، بهذه السرعة؟.
لكنه لم يجب.
اكتفى بحمل حقيبته، ثم اتجه نحو الباب.
وقفت عائشة تحدق فيه، غير قادرة على فهم ما يحدث.
كان هناك شيء غريب في تصرفات ابنها.
شيء لم يخبرها به.
وقبل أن يخرج، توقف باران للحظة، وألقى نظرة طويلة نحو ديلان.
كانت لا تزال غارقة في نومها، لا تعلم شيئًا عن القرار الذي اتخذه الرجل الذي أحبته، ولا عن الرحيل الذي ينتظرها حين تفتح عينيها.
تعلقت عيناه بوجهها لثوانٍ.
وكأنه أراد أن يحفظ ملامحها قبل أن يرحل.
ثم أشاح بنظره، وخرج.
بقيت عائشة واقفة في مكانها، تحدق تارة في الباب الذي خرج منه ابنها، وتارة في ديلان الغارقة في النوم.
لم تفهم شيئًا.
لم تعرف لماذا قرر باران السفر فجأة، ولا ما الذي حدث بينه وبين زوجته حتى وصل الأمر إلى هذا الحد.
أما في الخارج، فكان باران يهبط الدرج بخطوات ثقيلة، يحمل حقيبته بيد، ويحمل في صدره قلبًا مثقلًا بألف سؤال.
كان يعلم أن سفره لن يحل شيئًا.
لكنه كان يحتاج إلى الهرب...
ليس من ديلان، وإنما من الحقيقة التي عجز عن مواجهتها.