
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل التاسع والاربعون49 بقلم عاشقة القلم
بعد مرور بعض الساعات، بدأت ديلان تستعيد وعيها ببطء، وكأنها تسبح في بحرٍ من الضباب لا تكاد تجد طريقها للخروج منه، تحركت جفناها بضعف، ثم فتحت عينيها أخيرًا، لتستقبلها أضواء الغرفة الهادئة.
رمشت عدة مرات، وحاولت أن تستوعب أين هي، ثم أشاحت بنظرها في أرجاء المكان، قبل أن تستقر عيناها على عائشة التي كانت تجلس إلى جوارها على حافة السرير، تراقبها بقلقٍ لم يفارق ملامحها منذ أن فقدت ديلان وعيها.
وعلى مقربة منهما، كان عزت يجلس على الكرسي، وقد بدا على وجهه أثر الخوف الذي عاشه في الساعات الماضية.
لكن ديلان لم تكن ترى أحدًا منهما حقًا...
كانت عيناها تبحثان عن شخصٍ واحد فقط.
باران...
راحت تتفحص أرجاء الغرفة، وكأنها تنتظر أن يظهر فجأة من خلف الباب أو أن تسمع صوته يناديها، إلا أن الغرفة بقيت صامتة، خالية من ذلك الصوت الذي كانت تبحث عنه بشدة.
وحين لاحظت عائشة أنها استعادت وعيها، أشرقت ملامحها بشيء من الارتياح، واقتربت منها أكثر، ثم قالت بصوتٍ تغلب عليه لهفة الأم:
عائشة: ديلان، ابنتي... حمدًا لله على سلامتك.
وجاء صوت عزت من خلفها، هادئًا لكنه مثقل بالقلق:
عزت: الحمد لله يا ابنتي، لقد أقلقتنا عليكِ كثيرًا.
حاولت ديلان الاعتدال في جلستها، فبادرت عائشة إلى إسنادها برفق، ثم أحاطت كتفيها بيدها خشية أن تتعب.
عائشة: استريحي يا ابنتي، لا تجهدي نفسك... ما زلتِ متعبة.
أسندت ديلان ظهرها إلى الوسادة، ثم وضعت يدها على رأسها وهي تشعر بثقلٍ مزعج يضغط على رأسها، وقالت بصوتٍ متعب:
ديلان: أنا بخير يا أمي... فقط رأسي يؤلمني، ربما بسبب نومي الطويل، لكنني... لا أتذكر ما الذي حدث لي.
تنهدت عائشة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال، ثم قالت مطمئنة إياها:
عائشة: لقد أُغمي عليكِ يا ابنتي. أحضرنا الطبيبة، وفحصتكِ وقالت إنكِ بحاجة إلى الراحة، وإن أعصابكِ متعبة قليلًا، وقد كتبت لكِ بعض الأدوية، وهي بجانبكِ.
التفتت ديلان إلى الأدوية الموضوعة على الطاولة، ثم عادت بنظرها إلى عائشة.
ديلان: أنا بخير يا أمي، كما قلت لكِ... رأسي فقط يؤلمني.
ساد الصمت للحظات.
لكن سؤالًا آخر كان يؤرقها منذ أن فتحت عينيها.
ترددت قليلًا، ثم رفعت عينيها نحو عائشة وسألت:
ديلان: أين باران؟.
توقفت أنفاس عائشة للحظة.
ثم تابعت ديلان، وقد أخذ القلق يتسلل إلى نبرتها:
ديلان: لا أراه... هل هو في الخارج؟.
تبادلت عائشة نظرة سريعة مع عزت.
كانت نظرة قصيرة، لكنها حملت بينهما الكثير من الكلام.
فهما يعلمان أن السؤال سيأتي عاجلًا أم آجلًا، ويعلمان أيضًا أن عليهما أن يلتزما بالقصة التي أخبرهما بها باران قبل رحيله.
اقتربت عائشة من ديلان أكثر، وحاولت أن تخفي اضطرابها بابتسامة هادئة.
عائشة: ارتاحي يا ابنتي، ولا تتعبي نفسكِ بكثرة التفكير الآن.
لكن ديلان لم تقتنع،
رفعت عينيها هذه المرة نحو عزت، وكأنها تبحث في وجهه عن الإجابة التي تحاول عائشة إخفاءها، ثم أعادت السؤال بإصرارٍ أضعف من أن يكون غضبًا، وأقوى من أن يكون مجرد فضول:
ديلان: أين باران يا أبي؟.
تنفس عزت ببطء، ثم قال محاولًا أن يبدو طبيعيًا:
عزت: لا تقلقي يا ابنتي... باران اتصلوا به من الشركة التي يعمل بها، لقد تم نقله إلى أحد فروع الشركة خارج الوطن، وكان عليه أن يسافر قبل زواجه بكِ، لكن مديره أصرّ على ذلك الآن.
تجمدت ملامح ديلان،
لم تقل شيئًا،
فقط بقيت تنظر إلى عزت لثوانٍ طويلة، وكأنها تحاول أن تستوعب كلماته، بينما كانت الغصة تصعد ببطء من أعماق قلبها حتى كادت تخنقها.
خارج الوطن...
قبل زواجه بها...
كلمات بدت في ظاهرها عادية، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة إليها،
فهي تعرف الحقيقة.
تعرف جيدًا لماذا رحل باران،
لم يكن سفره بسبب عمله، ولا بسبب إصرار مديره كما أخبرهم،
لقد هرب منها.
هرب من ذلك الموقف الذي لم يجد له مخرجًا، ومن الكلمات التي قالتها له، ومن الحقيقة التي ألقتها أمامه دون أن تمنحه فرصة للاختباء خلف مشاعره القديمة.
خفضت ديلان عينيها، وأخفت ما استطاعت من ألمٍ ارتسم في ملامحها.
أما عائشة وعزت، فقد أدركا في اللحظة نفسها أنها فهمت.
فقد عرفا من نظرتها أنها أدركت أن ما قاله عزت لم يكن سوى الرواية التي اختار باران أن يخبرهما بها حتى لا يفتح أمامهما باب الأسئلة.
لم يخبرهما بما جرى بينه وبين ديلان،
ولم يقل لهما شيئًا عن الكلمات التي قيلت بينهما،
ربما ظن أنه بذلك يحمي الجميع...
لكن الحقيقة كانت أن ديلان شعرت الآن بأن شيئًا في داخلها قد انكسر من جديد.
فقد كانت، رغم كل شيء، تبحث عنه حين فتحت عينيها،
كانت عيناها تبحثان عنه قبل أن تبحثا عن أي شيء آخر.
وحين وجدته غائبًا، شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها.
لقد رحل باران...
ورحل قبل أن يمنحها حتى فرصة لتعرف ماذا سيكون مصير ما بينهما.
أغمضت عينيها للحظة، تحاول أن تبتلع غصتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهي تقول في سرها:
لماذا يؤلمني رحيلك هكذا يا باران... وأنا التي كنت أقول لنفسي إنني لا أحتاج إليك ويمكنني العيش بعيدا عنك؟.
في الأسفل، وتحديدًا في شقة إبراهيم، كانت الحياة تسير بصورة طبيعية تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث في الطابق العلوي، وكأن العاصفة التي تضرب قلب ديلان وباران لم تصل بعد إلى بقية أفراد العائلة.
لم يكن أحد منهم يعلم بسفر باران سوى إبراهيم وروني، فقد صادفاه صباحًا عند مدخل البناية، حين كان يضع حقيبته داخل صندوق السيارة التي كانت تحمل شعار الشركة.
توقف إبراهيم لحظة، وقد أثار المشهد فضوله، فسأله:
إبراهيم: إلى أين أنت ذاهب يا باران؟، وهل هناك عمل طارئ؟.
أغلق باران صندوق السيارة، ثم استدار نحو عمه وأجابه بهدوءٍ حاول أن يخفي خلفه كل ما يعتمل في صدره:
باران: لقد تم نقلي إلى أحد فروع الشركة خارج الوطن، سأدير الفرع بنفسي، فالمالك الفعلي للشركة يثق بي كثيرًا، وقد أوكل إليّ مهمة الإشراف عليه، خصوصًا أنه يمر حاليًا بالكثير من المشكلات ويحتاج إلى من يتولى إدارته.
لم يكن في حديثه ما يدعو للريبة، أو ربما لم يرَ إبراهيم سببًا يدعوه للشك.
ابتسم له عمه وربت على كتفه قائلًا:
إبراهيم: إذن هي خطوة جديدة في حياتك... أتمنى لك التوفيق يا بني، وأسأل الله أن يفتحها عليك.
وأومأ روني برأسه مؤيدا، وهو يقول:
روني: بالتوفيق يا باران، وإن شاء الله تكون هذه بداية خير لك.
ابتسم باران ابتسامة صغيرة، وشكرهما، ثم استقل السيارة خلف السائق وغادر.
ولم يخطر ببالهما للحظة أن ذلك السفر لم يكن مجرد مهمة وظيفية، بل كان هروبًا من مواجهة لم يستطع باران احتمالها.
أما في شقة عمه، فكانت دنيز تعيش حالة مختلفة تمامًا.
منذ أن ألقت تلك الرسالة في طريق باران، وهي تنتظر بفارغ الصبر ما سيحدث.
كانت تتحرى الأخبار، تراقب الوجوه، وتنتظر أن تسمع صرخة هنا أو شجارًا هناك، أي شيء يؤكد لها أن خطتها نجحت.
كانت تتخيل ديلان وهي تُطرد من البيت، تحمل ما تبقى من أمتعتها وتعود منكسرة إلى بيت والدتها، ثم تنتشر الفضيحة بين الجميع.
كانت واثقة من أن باران، بعد أن يقرأ الرسالة، لن يغفر.
فأي رجل ــ كما كانت تقنع نفسها ــ سيقبل بما ظنت أنها فعلته ديلان؟.
لكن الساعات مرت...
ولم يحدث شيء مما رسمته في خياله،
لا صراخ،
لا شجار،
لا خروج لديلان من البيت،
وهذا الصمت بدأ يثير داخلها القلق، رغم أنها كانت تحاول إخفاءه خلف ثقتها المفرطة.
وبينما كانت تتجول في غرفتها، تراقب هاتفها بين الحين والآخر، اهتز الهاتف أخيرًا معلنًا عن اتصال.
كان مدحت.
التقطت الهاتف بسرعة وأجابت دون حتى أن تتأكد من الرقم، وكأنها كانت تنتظر هذه المكالمة منذ أيام.
دنيز: أين أنت يا رجل؟!؛ لقد اتصلت بك منذ أكثر من أسبوعين ولم تجب على أي من اتصالاتي!.
جاءها صوته هادئًا على الطرف الآخر، وفيه شيء من الضجر:
مدحت: ألا تعرفين إلقاء السلام يا دنيز؟، سلّمي أولًا، ثم أرسلي وابل أسئلتك هذا، لقد وجدت عدة مكالمات منك.
ضيقت دنيز عينيها بضيق، وقالت بانفعال:
دنيز: أنا أسألك أين كنت!، وبما أنك وجدت وابلًا من اتصالاتي، فلماذا لم تجب؟.
تنهد مدحت قبل أن يجيب:
مدحت: لم أكن هنا، كان لدي عمل خارج المدينة، وعدت اليوم فقط.
لم تهتم دنيز بتفاصيل غيابه، فقد كانت تحمل خبرًا أهم من كل شيء.
اقتربت من الهاتف وكأنها تخشى أن يسمع أحد ما تقول، ثم قالت:
دنيز: أردت أن أخبرك أن خطتك بإرسال كاظم إلى هنا قد فشلت... باران تزوج ديلان.
ساد الصمت في الطرف الآخر.
ثوانٍ قليلة...
ثم جاء صوت مدحت مصدومًا:
مدحت: ماذا؟!...
وكأن الخبر كان فوق احتمال تصديقه.
مدحت: وكيف تم ذلك؟، مستحيل! لقد قلتِ إنها ستعود إلى البيت، ولم تخبريني عن هذا الزواج!.
ابتسمت دنيز بسخرية وهي تتذكر كيف تمت الأمور دون علمهما، ثم قالت:
دنيز: ولهذا اتصلت بك يا ناصح حتى تتدخل ونجد حلًا، أنا أيضًا لم أكن أعلم بذلك، زوجة عمي الخبيثة لم تطلعنا على الأمر، وحتى عمي لم يخبر أبي إلا ليلة العيد... وفي ثاني أيام العيد تم عقد القران، وأصبحت ديلان زوجته رسميًا.
لم يستوعب مدحت ما يسمعه بسهولة.
ظل صامتًا للحظات، ثم انفجر غاضبًا:
مدحت: لا يمكن أن يحدث ذلك!، يجب أن ينتهي هذا الزواج، وإلا فسأهدم الدنيا فوق رؤوس الجميع!.
كانت نبرته تحمل غضبًا حقيقيًا، لكن دنيز سارعت إلى تهدئته:
دنيز: اهدأ ولا تنفعل بلا سبب، لقد تدخلت وانتهى الأمر... وأنا الآن أنتظر نتائج ما فعلته.
تغيرت نبرة مدحت فجأة، وكأن شيئًا ما لفت انتباهه.
مدحت: ماذا فعلتِ؟.
ثم أضاف بسخرية:
مدحت: هل هي خطة فاشلة جديدة من خططك؟.
ارتسمت على وجه دنيز ابتسامة واثقة.
دنيز: لا... هذه المرة مختلفة.
سكتت لحظة، وكأنها تستمتع قبل أن تكشف له مفاجأتها، ثم قالت بنبرة مليئة بالغرور:
دنيز: هذه المرة كانت الضربة القاضية.
مدحت: وما الذي فعلته!؟.
اتسعت ابتسامتها وهي تجيب:
دنيز: فعلت ما عجزت عن فعله مع مراد، أعطيت باران الرسالة التي أخذتها من ديلان.
ساد الصمت لحظة أخرى.
ثم تابعت بثقة، وكأنها ترى المشهد أمام عينيها:
دنيز: وبالتأكيد، باران لن يسكت، أي رجل لن يقبل بالخيانة... وأنا أتقنت دوري جيدًا، إن لم تأتِ ديلان اليوم إلى بيت والدتها، فستأتي غدًا بالتأكيد.
ثم أطلقت ضحكة قصيرة، ضحكة انتصار ظنت أنها تعلن بها نجاح خطتها.
لكن مدحت لم يتمالك نفسه هو الآخر، فانطلقت من الطرف الآخر ضحكة ساخرة، قبل أن يقول متهكمًا:
مدحت: وأنا في استقبالها عند مدخل الحي... لأواسيها وأربت على كتفها.
ازداد ضحك دنيز، وهي لا تعلم أن ما تعتبره الآن نصرًا ساحقًا قد يكون في الحقيقة بداية السقوط الذي لن تستطيع الهرب منه.
فهي كانت تنتظر خروج ديلان من البيت...
بينما الحقيقة أن ديلان لم تخرج.
وأن باران هو الذي رحل.
غادر باران المنزل بخطوات ثقيلة، يحمل حقيبته التي وضعها في صندوق السيارة التابعة للشركة، بينما كان سائق الشركة ينتظره في الخارج ليوصله إلى المطار.
وقبل أن يستقل السيارة، توقف للحظة وألقى نظرة طويلة نحو المنزل.
كان يعرف أن ديلان هناك.
في مكان ما خلف تلك الجدران التي تفصله عنها الآن، كانت المرأة التي أصبحت زوجته تقبع وهي لا تعلم أنه سيرحل، ولا تعلم حتى لماذا اختار الابتعاد.
رفع بصره نحو الطابق العلوي، وكأنه ينتظر أن تظهر خلف إحدى النوافذ، أو أن تفتح الباب وتركض خلفه، أو أن يحدث أي شيء يمنعه من الرحيل.
لكن شيئًا لم يحدث.
ظل المنزل ساكنًا.
تنفس بعمق، ثم أدار وجهه بسرعة، وكأنه يخشى أن تخونه عيناه إن أطال النظر.
كان يستطيع أن يصعد إليها.
كان يستطيع أن يقول لها: "سأسافر."
كان يستطيع أن يشرح لها أنه يحتاج إلى بعض الوقت، وأن ما حدث بينهما أثقل من أن يستطيع التعامل معه الآن.
لكنه لم يفعل،
ربما لأنه كان يخشى أن تراه ضعيفًا،
أو لأنه كان يعلم في أعماقه أن مواجهة ديلان تعني مواجهة نفسه، وهو لم يكن مستعدًا لذلك.
فتح السائق باب السيارة، فاستقل باران المقعد الخلفي بصمت.
تحركت السيارة مبتعدة عن المنزل، وظلت عيناه معلقتين بالنافذة، تراقبان المكان حتى اختفى تدريجيًا عن نظره.
وحين ابتعدت السيارة بما يكفي، أسند رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه.
تسللت صورتها إلى ذهنه.
ديلان وهي تنظر إليه بعينيها الممتلئتين بالحيرة،
ديلان وهي تنتظر منه كلمة،
ديلان التي لم يعرف ماذا يقول لها.
ضغط على شفتيه، ثم فتح عينيه ونظر إلى الطريق الممتد أمامه من خلال زجاج السيارة.
لقد كان سفره حقيقيًا هذه المرة.
سيذهب إلى الفرع الذي أوكلت إليه الشركة إدارته، وسيكون عليه أن يبدأ عملًا جديدًا وحياة مختلفة لفترة من الزمن.
لكن الحقيقة التي لم يستطع الاعتراف بها حتى لنفسه أن هذا السفر جاء في اللحظة التي كان فيها أحوج ما يكون إلى الهروب.
كان بحاجة إلى مسافة بينه وبين ديلان.
مسافة تسمح له أن يهدأ...
أن يرتب أفكاره...
وأن يفهم ما الذي يريده فعلًا،
لكن شيئًا في داخله كان يرفض أن يقتنع بأن الابتعاد عنها هو الحل.
فكلما تخيل أنها ستستيقظ وتسأل عنه، شعر بانقباض مؤلم في صدره.
ماذا ستظن؟،
هل ستعتقد أنه احتقرها؟،
هل ستظن أنه ندم على الزواج منها؟،
هل ستشعر أنه تركها وحيدة لأنها لم تكن تعني له شيئًا؟،
أغمض عينيه مرة أخرى، وتمتم بصوت بالكاد سمعه السائق:
باران: سامحيني يا ديلان...
ثم سكت.
كان يعلم أن اعتذاره لن يصل إليها،
وأنها ربما لن تعرف أبدًا أنه قالها،
وفي الوقت نفسه، كانت ديلان في غرفتها، لا تعرف أن السيارة التي أقلّت باران كانت تبتعد به شيئًا فشيئًا عن المنزل.
كانت لا تزال تحاول استيعاب فكرة سفره،
حين أخبرها عزت أن الشركة نقلته إلى فرع خارج الوطن، حاولت أن تجد له ألف عذر،
قالت في داخلها إنه ربما غاضب منها فقط،
ربما سيهدأ بعد يوم أو يومين،
ربما يحتاج إلى بعض الوقت حتى يستوعب ما حدث بينهما.
كانت مستعدة لأن تتحمل غضبه، بل كانت مستعدة لأن تتقبل جفائه، ما دام سيبقى هنا.
لكنها لم تتوقع أن يختار الرحيل،
لم تتوقع أن يسافر دون أن يودعها،
دون أن يدخل غرفتها ولو للحظات،
دون أن يمنحها فرصة لتسمع منه كلمة واحدة.
كانت هذه الفكرة هي الأكثر إيلامًا،
فهي لم تكن تنتظر منه اعترافًا بالحب، ولا وعدًا بمستقبل جميل.
كانت تريد فقط أن يفهمها،
أن يعرف أنها لم تتعمد جرحه،
أن يدرك أن كل ما فعلته خرج من قلب أنهكه الخوف، وأنها كانت بحاجة إلى الأمان أكثر من أي شيء آخر،
لكن باران اختار الصمت.
واختار الرحيل،
وترَك خلفه امرأةً كانت قد بدأت، رغم خوفها، تتعلق بفكرة وجوده في حياتها.
انحدرت دمعة على خدها، ثم تبعتها أخرى،
رفعت يدها ومسحت وجهها، لكنها لم تستطع إيقاف دموعها.
ديلان: لماذا لم تقل لي شيئًا يا باران؟.
خرج السؤال منها كهمسة موجوعة، وكأنها تعرف أن لا أحد سيجيبها.
ثم أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى الوسادة.
لم تجد ما تفعله سوى أن تلجأ إلى الله.
فحين عجزت عن فهم باران، كان هناك من يعلم كل ما في قلبها،
وحين لم تجد صدرًا يحتوي وجعها، كان الله أقرب إليها من كل أحد.
نهضت رغم تعبها، توضأت، ثم فرشت سجادة الصلاة،
وحين وقفت بين يدي ربها، لم تعد تحاول أن تكون قوية،
بكت....
بكت كما لم تسمح لنفسها أن تبكي أمام أحد.
وبعد أن فرغت من صلاتها، رفعت كفيها، وقالت بصوت متقطع:
ديلان: يا رب... أنت تعلم ما في قلبي، وتعلم أنني لم أرد أن أؤذيه ولم اقصد إخفاء الانر عنه لحاجة في نفسي، بل خفت وحبنت.
سكتت لحظة، ثم انهمرت دموعها بغزارة.
ديلان: إن كان غاضبًا مني، فأصلح بيننا يا الله... وإن كان في ابتعاده خير، فارزقني الصبر عليه واربط على قلبي وعوضني بما يجبر قلبي.
وضمت يديها إلى صدرها.
ديلان: لكن يا رب... لا تجعل هذا الألم يكسرني.
وفي تلك اللحظة، كانت سيارة الشركة تقترب من المطار، وكان باران يستعد لرحلة ستأخذه بعيدًا عن الوطن...
بينما كانت ديلان ترفع يديها إلى السماء، لا تملك سوى الدعاء.
هو ابتعد بحثًا عن إجابة لم يجدها في نفسه...
وهي بقيت تبحث عن السكينة عند الله.
ولم يكن أيٌّ منهما يعلم أن هذا الفراق، الذي ظنه باران هروبًا مؤقتًا، سيترك في قلبيهما أثرًا أعمق مما توقعاه.
انتشر خبر سفر باران بين أفراد العائلة سريعًا، وإن لم يعرف أحد منهم السبب الحقيقي وراء ذلك الرحيل المفاجئ.
كانت هازان آخر من وصلها الخبر.
فقد اعتادت أن تتصل بها عائشة كل صباح لتطمئن عليها وعلى ملك والصغير مراد، وتستمع إلى صوت ابنتها، لكن ذلك الصباح تأخر اتصالها كثيرًا، لم تشأ عائشة أن تتحدث معها وهي ما تزال إلى جوار ديلان، خصوصًا أن الفتاة كانت قد أفاقت للتو، وكانت بحاجة إلى الهدوء والراحة.
لذلك أخّرت الاتصال حتى اطمأنت عليها، ثم نزلت إلى شقتها، وحين عادت إلى غرفتها التقطت هاتفها واتصلت بها.
ما إن جاءها صوت ابنتها حتى قالت:
عائشة: الو... كيف حالك يا ابنتي؟.
هازان: الو يا أمي، أنا بخير... لكن طمئنيني أنتِ أولًا، كيف حال ديلان؟، ماذا حدث لها؟، اتصلتِ بي صباحًا ولم أفهم من صوتك شيئًا.
تنهدت عائشة، وكأن مجرد تذكر ما حدث أعاد إليها القلق من جديد.
عائشة: ولا أنا يا ابنتي فهمت ما حدث، حتى والدك لم يستطع أن يعرف السبب الحقيقي.
اعتدلت هازان في جلستها، وقد بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
هازان: ماذا حدث لديلان؟، ولماذا سافر باران؟، والأهم... لماذا سافر الآن، بعد أسبوع واحد فقط من زواجه بها؟.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر، ثم أجابتها عائشة:
عائشة: لا أعلم يا ابنتي... أقسم لكِ أنني لا أعلم، لقد تفاجأت بالأمس، بعد أن غادر كاران وأخذ ملك معه، باتصال من باران يطلب مني أن أصعد إلى شقته بسرعة لأن ديلان قد أُغمي عليها.
توقفت قليلًا، وكأنها تستعيد تفاصيل تلك الليلة.
عائشة: صعدت إليه مسرعة، وأحضرنا الطبيبة، وبقيت إلى جوار ديلان طوال الليل، كانت متعبة جدًا، وقلبي لم يهدأ وأنا أراها بهذا الحال.
ثم خفضت صوتها وأضافت:
عائشة: لكن المفاجأة كانت هذا الصباح... جاء باران ليطمئن عليها، وكان يحمل حقيبة سفره.
هازان: حقيبة سفره؟!.
عائشة: نعم....،أخبرني أن الشركة نقلته إلى فرع جديد خارج الوطن، وأن أمر النقل كان قد صدر قبل زواجه، لكنه أجّل سفره بسبب الزواج، وقال إن مديره عاود الاتصال به وطلب منه أن يلتحق بالفرع فورًا، خصوصًا أن الفرع ــ كما أخبرني ــ يعاني من مشكلات كثيرة ويحتاج إلى شخص يثق به المدير لإدارته.
استمعت هازان إلى والدتها حتى النهاية، لكنها لم تبدُ مقتنعة.
كانت تعرف باران أكثر مما تعرفه عائشة.
قالت بعد لحظات:
هازان: أمي... أنا أعرف باران جيدًا.
صمتت قليلًا ثم تابعت بنبرة واثقة:
هازان: هو لا يحب الابتعاد عن العائلة، لو كان ما يشغله هو المناصب والعمل فقط، لما عاد أصلًا من الخارج بعد أن أنهى دراسته هناك، لقد عُرضت عليه هناك مناصب وفرص جيدة، ومع ذلك اختار العودة.
تنفست بعمق.
هازان: لذلك أنا متأكدة أن السفر ليس بسبب الشركة وحدها، هناك شيء حدث... شيء دفعه إلى اتخاذ هذا القرار.
لم تجب عائشة فورًا.
فقد كانت الفكرة نفسها تراودها منذ أن أخبرها باران بسفره.
قالت بصوتٍ مثقل بالحيرة:
عائشة: أنا ووالدك نظن الشيء نفسه... لكن ما الذي حدث فجأة حتى يغير قراره ويسافر بهذه الطريقة؟، كأنه يهرب من شيء.
كان في كلمة "يهرب" ما جعل هازان تصمت للحظات.
ثم قالت بهدوء:
هازان: بالتأكيد هناك شيء.
وأضافت بعد تفكير:
هازان: وبما أنه لم يرد إخباركما، فأظن أنه أمر خاص بينه وبين ديلان، ربما لا يريد أن يعرف أحد بما حدث بينهما، ولا يريد من أحد أن يتدخل.
ثم تنهدت وقالت:
هازان: لذلك سأحترم خصوصيته، سأتصل به وأطمئن عليه، وإذا أراد أن يخبرني بما حدث، سأعرف منه، وحينها سأخبركِ بما يسمح لي بإخباركِ به.
لكن عائشة لم تستطع أن تهدأ.
كان هناك خوف آخر ينهش قلبها، خوف لم تستطع تجاهله.
عائشة: أخشى أننا تسرعنا يا ابنتي.
صمتت هازان وهي تستمع إلى صوت أمها الذي بدأ يرتجف.
عائشة: أخشى أننا بدلًا من أن نحافظ على ديلان ونمنحها بيتًا آمنًا، ظلمناها من حيث لا ندري، وربما ضغطنا على باران أكثر مما يحتمل، فلم يجد أمامه إلا الابتعاد.
ابتلعت غصتها، ثم تابعت:
عائشة: ربما شعر أنه إن بقي سيجرحنا أو يكسر خاطرنا، فاختار أن يبتعد حتى لا يؤذينا.
كانت عائشة تلوم نفسها في سرها.
هي التي أسرعت.
هي التي خافت أن تضيع الفرصة.
هي التي أرادت أن تضع حدًا لتردد باران وخوف ديلان، معتقدة أن الزواج ربما يكون بداية الاستقرار لكليهما.
لكن ماذا لو كانت قد دفعت بهما إلى شيء لم يكونا مستعدين له؟.
قالت هازان بلطف:
هازان: لقد قلت لكِ يا أمي منذ البداية إن الوضع بينهما حساس وصعب على كليهما.
ثم أردفت بنبرة مطمئنة:
هازان: لكن لا تقلقي، باران عاقل، وديلان صبورة، وأظن أن كليهما سيصل في النهاية إلى نقطة مشتركة يستطيعان عندها فهم بعضهما.
عائشة: ولكن ماذا لو لم يحدث ذلك؟
هازان: سيحدث بإذن الله... لكن ليس بالضغط.
سكتت لحظة، ثم قالت:
هازان: لا تضغطا عليهما حتى يتحدثا من تلقاء نفسيهما، دعوهما يواجهان ما بينهما بطريقتهما، نحن فقط نواسيهما من بعيد، ونحاول أن نفهم وجهة نظر كل واحد منهما دون أن ننحاز لأحد.
كانت كلماتها هادئة، لكنها حملت شيئًا من الحكمة التي احتاجت إليها عائشة في تلك اللحظة.
خفضت عائشة رأسها، وقالت بصوت خافت:
عائشة: أتمنى أن يحدث ذلك يا ابنتي... لا أريد أن ينتهي زواجهما.
ثم أضافت، وقد غلبها الندم:
عائشة: لن أسامح نفسي إن حدث الانفصال بينهما، فأنا من تصرفت بسرعة، ولم أمنحهما الوقت الكافي ليتعودا على فكرة الزواج ويتقبلاها، كنت أخشى أن يتراجع أحدهما... وخصوصًا ديلان، بسبب ما مرت به ووضعها النفسي.
سكتت هازان لحظات، ثم قالت:
هازان: لا تلومي نفسكِ الآن يا أمي، ما حدث قد حدث، ولا أحد منا يعلم أين تكمن الحكمة.
وتابعت:
هازان: فقط ادعي لهما.
ثم ابتسمت رغم أن أمها لم ترَ ابتسامتها:
هازان: أكيدة أن الله لا يقدر شيئًا عبثًا، ربما كان هذا البعد ضروريًا حتى يفهم كل واحد منهما مشاعره بعيدًا عن ضغط العائلة.
ثم أردفت:
هازان: وإن كان لهما نصيب في بعضهما، فستعود المياه إلى مجاريها مهما طال الفراق، قد تشتد العاصفة، وقد تخيفنا أصواتها، لكنها في النهاية تهدأ... وتنقشع غيومها.
سكنت عائشة قليلًا، وشعرت بأن كلمات ابنتها خففت شيئًا من الثقل الذي استقر في صدرها.
رفعت عينيها نحو السماء، وقالت:
عائشة: إن شاء الله يا ابنتي... إن شاء الله.
ثم أغلقت عينيها للحظة، ولم تجد ما تفعله سوى الدعاء.
فربما كانت بعض الأمور أكبر من قدرة الإنسان على إصلاحها، ولا يملك أمامها إلا أن يتركها لمن بيده إصلاح القلوب وتبديل الأقدار.
وفي مكان بعيد، كان باران قد بدأ رحلته نحو بلدٍ آخر، يحمل في قلبه أسئلة لم يجد لها جوابًا.
وفي الطابق العلوي، كانت ديلان تحاول أن تخفف ألم غيابه بالدعاء.
أما العائلة، فلم تكن تعرف الحقيقة كاملة...
لكن الجميع بدأ يشعر بأن وراء هذا السفر حكاية لم تُحكَ بعد.
أما في بيت إبراهيم، فقد كان خبر سفر باران المفاجئ قد أثار دهشة الجميع، ولا سيما أنه جاء بعد أيام قليلة من زواجه بديلان، وفي الوقت نفسه الذي وصلهم فيه خبر إغمائها ومرضها.
كانوا يجلسون يتبادلون النظرات، وكل واحد منهم يحاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا لما يحدث، لكن أحدًا لم يكن يملك الإجابة.
روني: لا أفهم ما الذي حدث حتى يسافر باران بهذه السرعة، ثم إن ديلان مريضة أيضًا... الأمر يثير القلق.
تنهد إبراهيم وهو يهز رأسه، وقال:
إبراهيم: نسأل الله أن يكون الأمر خيرًا، وألا يكون بينهما ما يدفعه إلى الابتعاد.
كانت كلماته تحمل خوفًا صادقًا، فقد كان يتمنى لهما من أعماق قلبه أن ينجح زواجهما، وأن يجد كل واحد منهما في الآخر السكينة التي يستحقها.
أما صفية، فرفعت يديها بالدعاء قائلة:
صفية: أسأل الله أن يصلح حالهما، وأن يبعد عنهما كل سوء، ديلان فتاة طيبة، وباران أيضًا يستحق أن يعيش سعيدًا.
وأضافت روني:
روني: فعلًا... أتمنى ألا يكون هناك شيء بينهما، بعد كل ما مرّت به ديلان، أتمنى أن تجد أخيرًا حياة هادئة، وباران كذلك يستحق أن يجد راحته، لا أريد أن يفترقا.
كان الجميع يتحدثون بالقلق نفسه، وكأن غياب باران ومرض ديلان قد وضعا في قلوبهم خوفًا مشتركًا من نهاية لم يتمنها أحد.
ففي نظرهم، كان الاثنان يستحقان فرصة حقيقية.
كانا يستحقان أن يجدا بعضهما، لا أن يضيعا من جديد.
وكان كل واحد منهما، بطريقته، يستحق الآخر.
لكن وسط تلك المشاعر الصادقة، كانت دنيز تجلس بينهم بوجه مختلف تمامًا.
كانت تستمع إلى كلماتهم، إلا أن قلبها لم يكن يشاركهم قلقهم.
بل كانت تخفي خلف صمتها ابتسامة انتصار.
فهي وحدها كانت تظن أنها تعرف سبب سفر باران.
كانت مقتنعة بأن رسالتها قد فعلت فعلتها، وأن باران ما إن قرأها حتى انقلب كل شيء بينه وبين ديلان.
وفي داخلها، كانت ترسم المشهد الذي طالما حلمت به.
ديلان تغادر المنزل منكّسة الرأس، تحمل أمتعتها، ثم تصلها ورقة طلاقها، ويُغلق الباب خلفها إلى الأبد.
وكانت دنيز تتخيل نفسها وهي تستعيد ما ظنت أنه حقها.
تستعيد المكان الذي اعتقدت أن ديلان انتزعته منها.
وتنتصر أخيرًا.
لكنها لم تكن تعلم أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ظنونها.
لم تكن تعرف أن ما حدث بين باران وديلان لم يكن بسبب الرسالة التي أرسلتها، وأن جرحهما كان أعمق وأعقد من مؤامرتها الصغيرة.
كانت تظن أنها حركت القطعة الأخيرة في لعبتها، بينما الحقيقة أن الأحداث كانت تسير في طريق آخر تمامًا، طريق لم يكن لها فيه ذلك الدور الذي تخيلته.
وحين عجزت عن كتمان فرحتها أكثر، ابتعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
أخرجت هاتفها، وبمجرد أن ظهر اسم مدحت على الشاشة، اتصلت به.
ما إن أجاب حتى قالت بصوتٍ تغلب عليه نشوة الانتصار:
دنيز: مدحت... أظن أن خطتنا نجحت.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر، ثم جاء صوته باهتمام:
مدحت: ماذا حدث؟،
ضحكت دنيز بخفوت، ثم قالت:
دنيز: باران سافر.
مدحت: سافر؟!.
دنيز: نعم... وغادر بعد أن حدثت مشكلة بينه وبين ديلان، ألم أقل لك إن الرسالة ستقلب كل شيء؟.
كان قلبها يخفق من شدة فرحتها، وكأنها ترى النهاية أمام عينيها.
دنيز: الآن أنتظر فقط أن ينتهي الأمر. سيطلقها، ثم يطردها من البيت، وعندها لن يبقى أمامنا ما نخاف منه.
ضحك مدحت بدوره، وقد التقت فرحته بفرحتها، دون أن يعرف أي منهما أن انتصارهما المزعوم لم يكن سوى وهم.
قال مدحت:
مدحت: كنت أعلم أنك ستنجحين هذه المرة.
رفعت دنيز رأسها بثقة، وقالت:
دنيز: قلت لك إنني لن أفشل.
ثم أطلقت ضحكة قصيرة، وهي تتخيل ديلان وهي تخرج من البيت مكسورة القلب.
لكنها لم تكن تعلم أن الحقيقة كانت تقف على بُعد خطوة واحدة منها...
وأن باران لم يسافر لأنه اكتشف ما أرادته دنيز أن يكتشفه.
وأن ديلان لم تكن تنتظر ورقة طلاق.
كانت فقط مستلقية في غرفتها، تحاول أن تجمع قلبها المكسور، وتلجأ إلى الله وحده كي يخفف عنها ألم رجلٍ ظنت أنه سيغضب منها ثم يعود...
فإذا به يرحل دون وداع.
مرَّ شهر كامل على سفر باران، شهرٌ بدا طويلًا على من تركهم خلفه، وأطول بكثير على قلب ديلان.
خلال ذلك الشهر، لم ينقطع باران عن الاتصال بوالدته؛ كان يطمئن عليها وعلى والده بين الحين والآخر، ويسأل عن أحوالهما، وعن البيت وما يجري فيه، وكان يسأل عن ديلان أيضًا... لكنه لم يتصل بها هي،
ولا مرة واحدة.
وكان هذا الأمر يثير استغراب عائشة وقلقها شيئًا فشيئًا، فهي لم تكن تفهم كيف يستطيع أن يسأل عنها ولا يطلب الحديث معها، ولا كيف مضى شهر كامل دون أن يسمع صوت زوجته أو يسألها بنفسه عن حالها.
وفي إحدى الأمسيات، كانت هازان تزور والدتها كعادتها، وجلستا معًا تتبادلان الحديث في هدوء، حتى قادتهما الأحاديث إلى باران.
نظرت هازان إلى والدتها وسألتها:
هازان: هل باران يتصل بكِ؟،
أجابت عائشة:
عائشة: نعم، تقريبًا كل يوم، يسأل عني وعن والده، وأحيانًا يتصل به ويتحدث معه طويلًا.
ترددت هازان قليلًا قبل أن تسأل السؤال الذي كان يشغلها منذ فترة:
هازان: وهل يتصل بديلان ويتحدث معها؟.
سكتت عائشة للحظة، ثم تنهدت وقالت:
عائشة: لا !!...
رفعت هازان حاجبيها باستغراب.
عائشة: منذ اليوم الذي سافر فيه، لم يتصل بها يومًا، مع أنه اشترى لها هاتفًا قبل سفره بأيام، في اليوم نفسه الذي اشترى فيه السيارة.
ثم ابتسمت عائشة ابتسامة حزينة وهي تستعيد تلك الذكريات:
عائشة: أتذكرين كم فرحنا أنا ووالدك يومها؟، ظننا أن الأمور بينهما بدأت تسير في طريقها الطبيعي، وأنهما بدآ يتأقلمان مع زواجهما... لكننا لم نكد نفرح حتى انقلب كل شيء.
خفضت عينيها، ثم تابعت:
عائشة: حمل باران حقيبته وسافر، ومنذ ذلك اليوم وهو يسأل عنها، لكنه لا يكلمها، ولا أفهم لماذا؟.
صمتت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ أثقل من ذي قبل:
عائشة: وبدأت أقلق يا ابنتي... حتى إن فكرة طلاقهما بدأت تلوح أمام عيني.
تغيرت ملامح هازان.
هازان: لماذا تقولين ذلك؟،
عائشة: في آخر مرة تحدثت فيها معه وسألته عن ديلان، سألته إلى متى سيبقى الوضع بينهما هكذا... فكان رده غريبًا، لم يقل إنه سيعود قريبًا، بل لمح إلى أنه ربما لن يعود ليستقر هناك.
شهقت هازان بخفوت.
عائشة: ثم بدأ يتحدث عن اتصالات يجريها لإنهاء هذا الأمر.
ساد الصمت بينهما.
كان القلق قد استقر في قلب هازان هذه المرة بوضوح.
هازان: غريب يا أمي... لكن لماذا يفعل هذا؟، لماذا لا تتصلين به وتسألينه مباشرة؟.
تنهدت عائشة:
عائشة: حاولت عدة مرات، لكنه لا يرد علي بجواب مقنع.
هازان: ولماذا لاتتصل به ديلان لتتحدث معه؟، فكيف سيصلان لنقطة إتفاق بينهما وهما لايتحدثان؟.
عائشة: لقد سألتها عن ذلك فقالت انه لايجيب على إتصالاتها، حتى آخر مرة كنت عندها جربت امامي لكنه لم يجب على إتصالها.
ثم رفعت عينيها نحو ابنتها وكأنها تذكرت شيئًا:
عائشة: ولماذا لا تجربين أنتِ الاتصال به من هاتفك؟.
فكرت هازان للحظات.
هازان: لم أفكر في الأمر.
ثم أمسكت هاتفها بحزم وقالت:
هازان: سأفعلها الآن، سأتصل به وأتحدث معه، ثم أمرر لكِ الهاتف لتتحدثي معه ريثما اصعد وأنادي ديلان لتتحدث إليه.
نظرت إليها عائشة باستغراب، فقالت هازان:
هازان: يجب أن يتحدثا يا أمي، لا يمكن أن يحلا هذا الأمر بالصمت، إذا كان كل واحد منهما لا يتحدث إلى الآخر، فكيف سيصلان أصلًا إلى نقطة تفاهم؟.
أخرجت هاتفها واتصلت بباران.
وبعد لحظات، جاءها صوته من الطرف الآخر.
تحدثت إليه قليلًا، ثم مررت الهاتف إلى والدتها، وطلبت منها أن تبقي على الخط ريثما تذهب لإحضار ديلان.
أسرعت هازان إلى شقة ديلان.
وما إن فتحت لها الباب حتى قالت بسرعة:
هازان: ديلان، باران اتصل بي ويريد أن يكلمك، تعالي بسرعة قبل أن ينقطع الاتصال.
توقفت ديلان للحظة، وكأنها لم تصدق ما سمعته.
باران....
بعد شهر كامل من الصمت، ستسمع صوته أخيرًا.
ارتجف قلبها، وامتلأت عيناها بمزيج من الشوق والخوف.
نزلت معها مسرعة، وما إن وصلتا إلى شقة والدي باران حتى بادرت عائشة إلى مد الهاتف إليها.
ثم خرجت عائشة مع هازان، وأغلقتا الباب خلفهما، تاركتين لديلان المساحة لتتحدث مع زوجها على انفراد.
بقيت ديلان واقفة للحظات، تحدق في الهاتف بين يديها، وكأنها تخشى أن يكون هذا الاتصال حلمًا وتستيقظ منه.
ثم قربته من أذنها وقالت بصوت خافت ارتجف من شدة الاشتياق:
ديلان: ألو... كيف حالك يا باران؟.
وما إن وصل صوتها إلى أذنيه حتى شعر باران وكأن قلبه تلقى صدمة.
تجمد في مكانه،
ذلك الصوت...
صوتها الذي حاول طوال شهر كامل أن يدفنه في ذاكرته،
صوتها الذي اشتاق إليه رغم كل ما أقنع نفسه به.
أغمض عينيه، وشعر بأن كل ما بناه من جدران حول قلبه بدأ يتصدع في لحظة واحدة،
لكنه سرعان ما تمالك نفسه،
باران: أنا بخير... وأنتِ؟، كيف حالك؟.
ارتسمت على شفتي ديلان ابتسامة باهتة امتزجت بدمعة انحدرت على خدها.
ديلان: لقد اشتقت إليك يا باران.
أطبق باران عينيه بقوة،
لقد اشتاق إليها هو الآخر،
اشتاق إليها بصورة أوجعته،
كم مرة أمسك هاتفه خلال هذا الشهر وكاد يتصل بها؟،
كم مرة كتب اسمها ثم تراجع؟،
كم مرة أقنع نفسه أن البعد هو الحل، بينما كان قلبه يصرخ باسمها؟،
لكنه لم يسمح لذلك الشعور أن يظهر.
اختار أن يتشبث بعقله، بالعقل الذي ظل يذكره بما يعتقد أنها فعلته، ويكرر عليه أنها أخفت عنه الحقيقة حتى تم زواجهما.
باران: هل أنتِ بخير؟، وهل تحسنت صحتك؟.
تغيرت ملامح ديلان،
لم تكن تريد سؤالًا عن صحتها،
كانت تريد أن تعرف لماذا رحل،
لماذا تركها؟،
ولماذا عاقبها بالصمت؟،
ديلان: لماذا رحلت وتركتني يا باران؟.
صمت.....
ديلان: لماذا لم ترد على اتصالاتي؟.
ظل باران صامتًا، عاجزًا عن إيجاد الكلمات.
كان قلبه يريد أن يقول لها إنه اشتاق إليها،
كان يريد أن يسألها كيف قضت أيامها بدونه،
كان يريد أن يسمع منها أي كلمة تجعله ينسى كل شيء،
لكن عقله كان أقسى.
كان يصرخ داخله:
لقد خدعتك،
لقد أخفت الحقيقة حتى تم الزواج،
لا تضعف،
لا تسمح لقلبك أن ينسيك ما حدث.
أخذ نفسًا عميقًا وقال بصوت حاول أن يجعله باردًا:
باران: ديلان... اسمعيني جيدًا، لن أستطيع تقبل ما فعلتِ.
شهقت ديلان.
باران: لقد خدعتِني عندما أخفيتِ عني الحقيقة، وأنا لا أستطيع أن أستمر في هذا الزواج.
ارتجف صوتها فورًا، وانهمرت دموعها دون أن تستطيع منعها.
ديلان: باران!... أرجوك، اسمعني،
لكن صوتها انكسر وهي تتابع:
ديلان: افهمني، ولا تكن أنت أيضًا قاسيًا عليّ...
ثم وضعت يدها على صدرها وكأنها تستمد منها القوة.
ديلان: لا تسمعني بعقلك، لأنه سيظلمني... اسمعني بقلبك، أرجوك.
كانت كلماتها تخترق صدره،
وللحظة واحدة، كاد ينهار،
كاد يقول لها: تكلمي،
كاد يمنحها الفرصة،
لكنه خاف،
خاف أن يسمع منها شيئًا يبدد كل ما أقنع نفسه به،
وخاف أكثر من أن يضعف أمامها،
لذلك قال بسرعة، قبل أن تتاح له فرصة التراجع:
باران: ديلان، لا داعي لأن نتحدث في موضوع انتهى.
توقفت أنفاسها.
باران: لقد تحدثت مع محامٍ، وطلبت منه أن يباشر إجراءات الطلاق.
اتسعت عيناها، وكأنها لم تفهم الكلمات.
ثم جاء صوته الذي كان بالنسبة إليها أشبه بحكم قاسٍ:
باران: وخلال أيام ستصل إليكِ أوراق الطلاق.
شعرت ديلان وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها،
تجمدت الكلمات في حلقها،
لم يعد صوت باران واضحًا في أذنها، وكأنها أصبحت تسمعه من مكان بعيد جدًا.
طلاق...
لقد قال طلاق،
ذلك الزواج الذي دخلته وهي خائفة، ثم حاولت أن تمنح نفسها فرصة لتعيش من جديد...
انتهى الآن بكلمة واحدة.
شعرت بأن أنفاسها تضيق، وأن قلبها يعجز عن مواصلة النبض بصورة طبيعية.
ديلان: باران... أرجوك...
خرج صوتها مبحوحًا، مختنقًا بالدموع.
ديلان: لا تظلمني أنت أيضًا... أرجوك اسمعني.
كان باران يستمع إليها وقلبه يتمزق.
تخيل وجهها،
تخيل دموعها،
وكاد أن ينهار،
لكنه خاف من نفسه، خاف أن يستسلم لصوتها، وأن يتراجع عن القرار الذي أقنع نفسه بأنه الصواب.
فقاطعها بسرعة:
باران: أنا آسف يا ديلان... لن أستطيع الاستمرار في هذا الوضع.
سكت لحظة، ثم قال بصوت خافت:
باران: أرجوك وافقي على الطلاق... وليذهب كل منا في طريقه.
فتحت ديلان فمها، تريد أن تقول شيئًا.
"باران..."
لكن قبل أن تنطق، جاءها صوته للمرة الأخيرة:
باران: مع السلامة يا ديلان... واعتني بنفسك،
ثم انقطع الاتصال.
أغلق باران الهاتف،
ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ طويلة، ثم ألقى رأسه إلى الخلف، وأرتمى بجسده على الكرسي خلفه.
شعر أن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله،
وضع يده على وجهه، وأغمض عينيه.
كان يريد أن يصدق أنه فعل الصواب،
أن يقنع نفسه بأن هذا هو القرار الذي سيحررهما معًا،
لكن قلبه كان يرفض أن يصدقه.
همس بصوت مكسور:
باران: لماذا كان صوتها هكذا؟،
ثم فتح عينيه، وشعر بألم حاد يعصر صدره،
كان قد أراد أن ينهي الأمر حتى لا يضعف،
لكنه لم يكن يعلم أنه في اللحظة التي أغلق فيها الهاتف، ترك خلفه قلبًا لم يعد يحتمل المزيد.
أما ديلان، فظلت واقفة في مكانها، والهاتف لا يزال بين يديها.
لم تستطع أن تستوعب أن المكالمة انتهت،
أن صوته اختفى،
أن باران قال لها للتو إنه يريد طلاقها،
شعرت ان الدنيا إنهارت امامها في لحظة، وكل الطرق امامها اصبحت مسدودة.
وضعت الهاتف ببطء فوق الطاولة، ثم استدارت نحو الباب.
كانت خطواتها ثقيلة، وكأنها تجر قدميها جرًا.
فتحت الباب وخرجت من شقة والدي باران دون أن تنطق بكلمة واحدة.
كانت عائشة وهازان تقفان في الخارج، لكن ديلان لم تنظر إليهما ولم تلتفت لممكان حيث كانتا تجلسان به.
كان وجهها شاحبًا بصورة مخيفة، وعيناها غارقتين في الدموع.
هازان: ديلان...
لم تجب.
واصلت طريقها نحو الدرج.
حاولت أن تصعد، لكن قدميها لم تكونا تقويان على حملها.
وضعت يدها على الدرابزين، وتشبثت به بقوة، وصعدت درجة... ثم أخرى.
كانت الدنيا تدور من حولها.
وصوت باران لا يزال يتردد في رأسها:
"خلال أيام ستصل إليكِ أوراق الطلاق."
"أرجوك وافقي على الطلاق."
وضعت يدها على صدرها، تحاول التقاط أنفاسها.
ديلان: يا رب...
خرجت الكلمة ضعيفة، بالكاد سُمعت.
تابعت صعودها وهي تتأرجح، حتى اقتربت من باب شقتها.
لم يبقَ سوى بضع درجات.
لكن فجأة، اجتاحها دوار شديد،
توقفت،
اسودت الدنيا امامها ولم تعد ترى شيئا،
حاولت أن تتمسك بالدرابزين، إلا أن أصابعها ارتخت،
اختل توازنها،
ديلان: آه...
وفي لحظة واحدة، فقدت وعيها.
هوى جسدها إلى أسفل الدرج، وارتطم بدرجاته مرة تلو الأخرى، قبل أن تستقر عند أسفل السلم أمام باب شقة عزت.
ارتطم رأسها بعدة درجات بقوة، وسرعان ما بدأ الدم يسيل منه، يتجمع تحت رأسها ويتمدد على الأرض.
بقي جسدها ساكنًا...
لا حراك....
ولا صوت......
ولا شيء سوى الدم الذي كان يزداد حولها.
وفي الداخل، لم يكن أحد يعلم بعد أن قلب ديلان لم يحتمل الصدمة...
وأن مكالمة قصيرة، بدأت بصوتٍ مشتاق، انتهت بكارثة جديدة قد تغيّر حياة الجميع.