رواية حب وفراق الفصل الثالث3بقلم داليا السيد


رواية حب وفراق الفصل الثالث3بقلم داليا السيد
 
عتاب بصمت 
ما أن اصطدمت بذلك الجسد الصلب حتى فزعت أكثر والت وجهها لتلتقي عيونها الفزعة بزين وهو يحدق بها بغضب واضح، وبدون أي كلمات أبعدها خلفه بسرعة ولكم السائق في وجهه لكمة قوية حيث كان قد وصل إليهم وأراد أن يجذبها من بين ذراعي زين 
وضعت يدها على فمها وهي تلتقط أنفاسها وقلبها يدق بسرعة وقوة من الخوف ورأت زين وهو يشترك مع الرجل بقوة وبحنكة أذهلتها، لقنه زين درسا قويا ورغم قوة السائق إلا أن حركات زين كانت سريعة ومتقنة وليست لهاوي
وأخيرا افترق الرجلان وزين يأخذ وضع الاستعداد منتظرا هجوم جديد من الجبان ولكن هذا الأخيرأسرع مترنحا بما تبقى له من قوة إلى سيارته وهو ما زال يترنح ليهرب من زين الذي كاد يذهب وراءه لولا أن انطلق الأول بسيارته مبتعدا. 
أخذ ينفض عنه التراب ويبعد شعره من أثر صراعه من السائق فشعرت بالخجل من نفسها لما تسببت فيه لنفسها وله...
تحرك إليها وهي تحاول أن تهرب من نظراته بدفن نظراتها بالأرض إلى أن اقترب وقال بنبرة حيرتها "هل أنت بخير؟ هل حدث شيء؟ أقصد.." 
رفعت وجهها له والتقت بعيونه التي امتلأت بقلق حقيقي عليها وهي فهمت ما يقصد فهزت رأسها بالنفي وقالت "لا، لم يحدث شيء" 
تأملها جيدا وتفحصها وكأنه يتأكد أنها بخير واقترب قليلا وكأنه يريد أن يقول شيء آخر وظنت أنها رأت خوفا في عيونه ولهفة وتاهت بعيونه العميقة، أخذتها نظرته في رحلة بين ظلمة السماء بليلة من ليالي الربيع الصافية والنجوم تلمع في سعادة وكأن هناك شيء غريب في تلك العيون ولكنها لم تفهم ولم تعرف ما هو؟ ربما كان خوفا عليها، بالتأكيد لأنها أمانة.. 
تأملها لحظة وكأنه سيقول شيء ولكنه استدار واتجه إلى سيارته وقال "هل نذهب؟" 
نظرت لظهره وهي مندهشة من تصرفه، لم يلومها أو يغضب أو أي شيء بسبب تهورها ومحاولتها الفرار، ترى من هذا الرجل؟
ركب سيارته وهي ما زالت واقفة تحدق به ولم تفيق إلا على بوق سيارته الذي أطلقه ففزعت وتحركت وهي تعرج على قدمها المصابة وركبت بجانبه فتحرك بالسيارة بحركة قوية أظهرت غضبه المكتوم..
لم يتحدث فترة طويلة إلى أن قالت وهي تحاول أن تلطف من تصرفها "أنفك به دم" 
أخذ منديل ومسحه بنفس الصمت
فعادت وقالت بمحاولة جديدة كي تنتصر على الصمت الثقيل بينهم "أنت لابد أن تفهم أنني كنت أريد أن أعود لأطمئن على دادي، أنا لا أصدق أنه في مشكله و.." 
شعرت أنها سخيفة وأن ما تقوله ليس مبرر لما كان سيحدث لها، ذلك الرجل لم يكن ليتركها ولولا زين لانتهى أمرها، أخفضت عيونها وصمتت..
بعد فترة شعرت بالتعب الشديد وزاد ألم ساقها ولكنها لم تحاول أن تشكي له فبالتأكيد لن يهتم لأمرها خاصة بعد ما فعلته ولكن بعد فترة وجدته يهدء من سرعة السيارة، فلاحظت أنهم بالقرب من منطقه أخرى سكنية 
اقترب من ذلك المقهى ثم أوقف السيارة ونزل منها دون أن يتحدث، أغمضت عيونها من ألم ساقها والجوع الذي لاحقها والإرهاق الذي أصاب جسدها كله ولكنها عادت إلى وعيها عندما شعرت به يركب مرة أخرى 
منحها زجاجه ماء مثلجة وقال "ضعي هذه على قدمك وبهذه الحقيبة مرهم وبعض الحبوب المسكنة وكذلك طعام إذا أحببت أن تأكلي.."
 نظرتها اليه كانت تخبره عن خجلها مما فعلت ومما يفعله معها لم تستطع أن تقاوم الطعام من شدة الجوع فأكلت ونست حتى أن تمنحه ساندويتش وعندما انتهت من أول ساندويتش لاحظت أنه ينظر إليها فانتبهت وأخرجت واحد ومدته إليه 
قالت بخجل من أن يرفض "تفضل.."
 كانت عيونه غير واضحة خاصة مع الظلام الذي أحاطهم. أخذ منها الساندويتش ولم يتحدث. أكلت كثيرا إلى أن شبعت وتناولت بعض العصير وكانت قد وضعت الثلج على قدمها المصابة وتناولت الحبوب ثم جففت قدمها ووضعت المرهم ...
شعرت أخيرا بالراحة بفعل المسكنات وتراجعت في المقعد، أغلق الزجاج وشغل المكيف فنظرت إليه وقالت "هل ما زال الطريق طويل؟"
 هز رأسه بالإيجاب ولم يرد تنهدت وقالت "ألن تفك هذا الصمت؟" 
أبعد عيونه للطريق بثبات ولم يجيب أيضا فقالت "حسنا، أعلم أني أخطأت ولكن عليك أن تلتمس لي العذر، أنا بالأمس كنت مع داد وفي لحظه أصبحت بدونه ومع شخص لأول مرة أراه ومن المفترض أن أثق به وأسافر معه إلى أقصى جنوب مصر، كل ذلك  بالإضافة إلى أني أعلم أن داد بخطر ولا أستطيع أن أساعده أو أنقذه ولا أعرف عنه أي شيء؛ هل يمكن أن أتعامل مع كل ذلك وأصدقه وأتعايش معه هكذا وببساطه؟"
وأخيرا رد دون أن يمنحها نظراته وقال "لا، لا تتعاملين معه ولا تصدقيه ولا تثقي بي وإنما القى بنفسك من النافذة لتصيبي قدمك واركبي مع رجل لا تعرفيه وعرضي نفسك للاغتصاب هكذا وبكل بساطة" 
احمر وجهها خجلا وقالت "لا داع للسخرية، أنا أدركت ما فعلت وانتهينا، لا يمكن أن تظل طوال الوقت تعاقبني كالتلميذة" 
قال بهدوء "لا أفعل"
قالت بضيق وهي تؤكد ما تراه منه "بلى تفعل، وأنا لن أقبل بذلك" 
لم يرد أيضا وكأن الصمت عقابه فتضايقت أكثر وقالت "لا تتجاهلني ورد علي"
ظل يحدق بالطريق أمامه فاقد الرغبة بمواجهة عيونها وقال "صمتي أفضل من عتابي، لن تتحمليه" 
كادت تتحدث ولكن تاهت منها الكلمات فتراجعت 
نامت من التعب ولم تشعر بشيء إلا عندما داعب النور عيونها، فتحتها فوجدته قد وضع جاكت عليها والسيارة لا تتحرك وهو ليس بجانبها 
انتفضت وشعرت بالخوف، تأملت الخارج وقد كان المكان مليء بالناس وكأنه مدينة ولكن صغيرة وبيوتها ليست ريفية وإنما غريبة، أخذت تبحث عنه وخشيت أن تنزل من السيارة ليصيبها ما أصابها المرة السابقة فوجودها معه أصبح هو الأمان رغم أنها لا تعرفه..
وأخيرا رأته يركب فقالت بلخفة وقلق "أين كنت؟ كيف تتركني وحدي هكذا في مكان كهذا؟" 
تحرك بالسيارة وقال "أنت نسيت أن لدي عمل وأنا تركته خلفي دون أي اعتبار؟ ولي حياتي الخاصة التي أيضا تركتها دون أي مقدمات؟ كان علي أن أجري بعض الاتصالات ولم أشأ إيقاظك بصوتي" 
تراجعت وقد انتبهت إلى أنها لا تعرف عنه أي شيء، كاتب، مجرد كاتب، هذا هو كل ما تعرفه عنه.. ترى ما الذي يفعله غير ذلك؟ هل هو متزوج وله أسرة وأولاد؟ 
نظرت لأصابعه التي تقبض على المقود فلم تجد أي خاتم، عادت لوجهه وملامحه التي كانت جميلة، هو رجل بملامح قوية ولكنها تمنح صورة وسيمة وجذابة لصاحبها..
أخرجها صوته من تأملاتها الصامتة "هل تحفظين ملامحي أم ماذا؟"
 شعرت بالحرج من أنه لاحظ نظراتها وتورد وجهها بسرعة فأبعدت عيونها وقالت "أنت لم تخبرني ماذا تعمل؟" 
كان يهتم بالطريق فلم يلتفت لها وقال "وأنت لم تسألي" 
تنهدت مما جعله يرمقها بنظرة جانبية وهي قالت "وها أنا أسأل؟"
 أجاب "بصرف النظر عن أني كاتب ولي كتبي التي تم نشرها أو أشعاري، إلا أنني شريك في دار نشر صغيرة أنشأتها أنا وصديق لي من وقت ليس بطويل وأترك له الإدارة ولكن كثيرا ما أتابع العمل خاصة إذا سافر هو للعمل بالخارج" 
لفت وجهها له وهي ترغب بسماع المزيد فقالت "لم أقرأ أي شيء لك" 
قال دون دهشة "هل أنت تقرأين أصلا؟ جيلكم لا يملك وقت للقراءة" 
تعصبت وقالت مدافعة "بالطبع أقرأ ولكن ليس شعر، لم أصادف ذلك من قبل لم لا تسمعني أي شيء؟ الوقت ممل" 
أخير لف وجهه لها ورأى عيونها تنتظره فظل يواجها ثم وقال "وهل يمكنك سماع الشعر؟" 
كادت تنفخ وتغضب كعادتها لكن شيء ما به يوقفها عن تصرفاتها الطفولية فقالت "سمعتها من قبل أم نسيت؟" 
تأملها قبل أن تقول مرة أخرى "من فضلك، ألا تلاحظ أنني أحاول أن أتأقلم مع ما يحدث لي فلم لا تساعدني؟" 
قال بلهجة بها بعض اللين "بل أفعل ولكن أنت لا تقبلين" 
قالت بنفاد صبر "الآن أفعل، هيا أسمعني كلماتك، الطريق طويل وكلماتك ربما تقتله"
طالت نظرته إليها في صمت قصير قبل أن يعود للطريق ويقول         
   "يقتلني الشوق إليك ..      
   يقذفني الموج بين ذراعيك      
  أغيثينى. أعيديني ..                  
 منذ عصور أبحث عنك             
هل حقا أنت ؟ أم أنت لست أنت!! 
اشتقت لرؤيتك رغم أنك أصبحت
 أمل يتناغم مع الكلمات                      
 يتراقص فوق النغمات..             
 يتوه بين الطرقات                
 خذيني... ضميني             
 بين حنايا ضلوعك وارميني..  
 سأبيت الليل كالطفل 
 يبحث عن الأمان 
ولن أراه إلا بين أساطير الزمان    
ربما أحب بنت السلطان           
 فتحيا داخلي كل الأشعار                   
 لألقيها بين يديك                 
 فتعيدني إلى هذا الزمان           
وتنتهي قصتي قبل الأوان..."

                         الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>