رواية حب وفراق الفصل الرابع4بقلم داليا السيد


رواية حب وفراق الفصل الرابع4بقلم داليا السيد
  
الأقصر
ظلت تنظر إليه حتى بعد أن توقف، كلماته بسيطة، رقيقة، تدخل القلب دون استئذان وأخيرا ومثل المرة السابقة شعرت أن الكلمات لها هي، هكذا قالت عيونه.  
ترى لمن يوهب تلك الكلمات؟ ومن هي بنت السلطان التي يحلم بها؟ ليتها تعرف مكنون كلماته.. 
لمعت عيونها الجميلة وقالت "جميلة، ترى من هي بنت السلطان؟" 
عاد لوجهها الصغير لحظة وهي حاولت أن تقاوم جمال عيونه وتفهم ما بداخلها ولكنها عجزت.. وهو لم يرد
أدار وجهه للطريق بينما لاحظت أنهم دخلوا من البوابة وكتب عليها مرحبا بكم بالأقصر فقالت بمرح مفاجئ "وصلنا" 
هز رأسه بالإيجاب وقال "نعم" 
كانت المدينة جميلة وبسيطة، النهار قد انتصف، فتحت النافذة ورأت تلك البيوت التي كانت تتكون من طابق واحد وبعضها ملون بألوان زاهية والبعض الآخر بدون ألوان والناس تتحرك في كل مكان وكلما تقدم كلما ظهرت الاتوبيسات التي تحمل السياح
قالت وهي تتأمل كل ما حولها بالخارج "ما هذا الازدحام؟ المكان صعب جدا"
أجاب وهو يخترق الزحام "الأقصر مدينة الآثار، بها أكثر من ثلث آثار العالم، فكيف لا يكون بها هذا الازدحام؟" 
هزت رأسها وقالت "نعم" 
رأته يبتعد بالسيارة وسط البيوت فقالت "إلى أين؟ ألن نذهب لأي فندق؟" 
قال "لا، الفندق مكان مفتوح وغير آمن يسهل الوصول إلينا خلاله، سننزل عند بعض الأصدقاء" 
ثم نظر إليها وقال "على فكرة الناس هنا مختلفين عنا في كل شيء؛ ملبسهم وتقاليدهم وكل شيء لذا عليك أن تحسني التصرف بما لا يسيء لأحد"
حدقت به وتورد وجهها مرة أخرى وقالت "ولماذا تظن أني يمكن أن أفعل شيء سيء؟" 
لف وجهه لها وبدت نظراته واضحة المعاني ففهمت ما يقصد، نفخت وقالت كالأطفال "ألن تكف عن ذلك؟ أخبرتك أعذاري" 
لم يرد وعاد للطريق، تضايقت من أنه يعاملها كطفلة حمقاء عديمة المسؤولية ولكنها لن تستطع أن تمحو ما حدث..
كان المنزل الذي توقف أمامه منعزل قليلا عن المنازل الأخرى ولكنه أكبرهم وأكثرهم جمالا، تحدث بنبرة هادئة "هذا بيت كبير القرية وهو الذي سنبقى به، الرجل هو الوحيد القادر على حمايتنا هذا إذا احتجنا الحماية" 
لم يكمل حيث خرج عدد من الرجال وجميعهم يرتدون ذلك الجلباب المميز لأهالي المكان وعلى رؤوسهم تلك الطاقية أو لا تعلم اسمها، وكانت ملفوفه بطريقة رائعة 
توقف أربع رجال قبل أن يخرج رجل كبير بالسن توسطهم وبدا الجميع لأول وهلة متشابهين من نفس الزي ونفس سمرة البشرة والطول  
فجأة ألقى إليها بالجاكيت وقال "ارتديه، لا تليق هذه الملابس هنا" 
بالفعل ارتدت الجاكت ونزل هو قبلها، رحب به الرجال بطريقة تدل على معرفة وثيقة وليس مجرد ضيف، تمنت لو عرفت كل شيء عن هذا الكاتب الغامض.. كاتب الجنوب
بالطبع رحب بها الرجال برؤوسهم ودخل الجميع، أدهشها أن البيت كان رائع من الداخل الجلسات العربية الدافئة والرائحة الجميلة. رأت امرأة عجوز تتقدم في زيها الملون بألوان جميلة وتلك الطرحة الطويلة والحلي الذهبية ذات النقوش الجميلة وبخاصة المعلقة في أنفها لفت نظرها 
تقدمت المرأة منهم وقالت وهي ترحب بزين "أهلا يا زين يا ابني، أنا لم أصدق عندما أخبرني الحاج بأنك على وصول"
ابتسم وقبل يدها وقال "اشتقت لك"
ابتسمت المرأة بحنان وربتت على رأسه وقالت "أنت كاذب كبير يا ولد"
ضحك الرجال كلهم وقال الرجل الكبير "ما زلت تقولين عنه ذلك؟" 
قالت بحنان "وسأظل حتى الممات" 
نظرت المرأة نظرة استفسار إليها فانكمشت 
لاحظ زين نظرات المرأة فقال "الآنسة ملك، ابنة رجل الأعمال محمد عبد الهادي" 
ابتسمت المرأة وقالت "نعم بالطبع أعرفه جيدا، أهلا يا فتاة يبدو أنك مررت برحلة صعبة" 
هزت رأسها دون أن ترد وهي لا تعرف ماذا تقول أو تفعل، نادت المرأة "هادية، يا هادية.."
أسرعت فتاة لم تعلم سنها إليهم وقالت "نعم يا حاجة"
قالت المرأة "خذي الضيفة إلى حجرة الضيوف واعطيها ملابس نظيفة وساعديها في أخذ حمام حتى نجهز الغداء، تفضلي يا ابنتى معها وعندما ترتاحي سنجلس لنتعارف"
نظرت إليه وكأنها تلتمس الأمان من عيونه فهز رأسه وهو يمنحها الإذن بالذهاب وبالفعل تحركت مع الفتاة، كانت الغرفة واسعة، جميلة، نظيفة وبها كل شيء يمكنها أن تفكر به والحمام ملحق بالغرفة 
تركتها الفتاة التي ذهبت لتحضر لها ملابس أخرى، دخلت الحمام واستمتعت بالمياه ليعود إليها بعض من نشاطها ورأت أن قدمها تلونت بالأزرق فوضعتها تحت الماء الدافئ ثم خرجت في روب الحمام 
دهنت قدمها بالمرهم وأخذت المسكنات وارتدت الفستان الذي أحضرته الفتاه وبدت غريبة فيه، لم تعتاد على هذه الملابس ليتها تعود لغرفتها ودولابها وأدوات الميك أب و..
خرجت لتبحث عنه ولكنها لم تجد أحد، شعرت بالغربة وبالخوف ولكن سرعان ما خرجت فتاة صغيرة اتجهت إليها وقالت "أنت الضيفة ؟" 
هزت رأسها وأجابت "نعم ومن أنت؟"
 قالت الفتاة ببراءة "عبير، اسمي عبير، وأنت؟" 
كانت الفتاة الصغيرة جميلة ومرحة بنفس لون بشرة الجميع وعيونها السوداء ... 
جلست على طرف الفراش وقالت والفتاة تتقدم منها "أنا ملك، لم أراك بالخارج"
اقتربت منها الفتاة وقالت "كنت في المدرسة، ماما الحاجة قالت لي أن آت وأخبرك أن الطعام بعد ساعة"
ابتسمت للفتاة وقالت "أنت ابنتها؟"
ردت الفتاة بتلقائية "لا، هي جدتي"
سالتها بفضول "وأين ماما؟" 
أشارت الطفلة إلى أعلى وقالت "في السماء" 
رحلت ابتسامتها وتراجعت وقد أدركت الأمر، لم تعرف ماذا تقول لكن الفتاه تركتها وخرجت، اشفقت على الطفلة وتعجبت من تقبلها البسيط للأمر  
تراجعت في الفراش المريح واستلقت وشعرت بجسدها يؤلمها، أغمضت عيونها فلم تشعر بأي شيء 
عندما استيقظت كانت على دقات الباب، اعتدلت ونظرت حولها لتستوعب أين هي ولاحظت أن الظلام أحاط الغرفة، سمعت دقات الباب مرة اخرى
اعتدلت وقالت "نعم، تفضل" 
كانت هادية التي قالت "الحاجة تسأل عنك" 
نهضت وقالت "سأغتسل وآت خلفك" 
عندما وصلت للأصوات كان الجميع يجلسون، نفس الرجال ومعهم المرأة العجوز ولكن زين ليس معهم، عاد شعورها بالغربة مرة أخرى وهو إحساس صعب بالنسبة لها، لا والدها ولا زين 
لكن ابتسامة المرأة أعادت لها الأمان ونبرة الحنان بصوتها وهي تقول "تعالي يا ابنتي، إنهم يجهزون لك الطعام أكيد تشعرين بالجوع، هل تشعرين بالتحسن الآن؟" 
كانت قدمها فقط هي ما تؤلمها ولكنها هزت رأسها بالإيجاب وهي تجلس بالمكان حيث أشارت لها المرأة بجوارها
جلست وقالت بخجل "نعم شكرا لحضرتك أين الأستاذ زين؟"
تأملتهاالمرأة بابتسامة رقيقة وقالت "على وصول، لا تقلقي" 
قالت بعدم فهم "على وصول! من أين؟"
ابتسمت المرأة ولم تكمل حيث دعتهم هادية إلى الطعام. 
كانت تشعر بالجوع حقا ولكنها لم تظن في أي يوم أنها ستتواجد في مكان كهذا وتأكل من طعامهم وتجلس معهم، ترى ما الذي أوصلها لكل ذلك؟
جلسوا على مائدة الطعام في تلك الغرفة الكبيرة وتلك المائدة التي تتسع لأثني عشر شخصا ووضع عليها أنواع مختلفة من الطعام مثيرة ورائحتها شهية جدا، اندهشت من هؤلاء الناس وقد رأتهم جميعا يجلسون حول المائدة ولكن سرعان ما سمعت زين يقول
 "السلام عليكم، آسف على التأخير"
 رفع وجهه إليه بنظرة النجاة أو ربما الأمان وكذلك هو، وكأنها تطمئن من وجوده، وكأنه يطمئن على أنها بخير أو كأنها نظرة اشتياق. 
أخفضت عيونها وهي تشعر بالخجل من أفكارها الغريبة فهي بالكاد تعرفه وأرادت الفرار منه مرة واثنان وقاومته فكيف يشتاق إليها أو تشتاق إليه؟!
قال الكبير وهو يبتسم "أنت تأتي وقتما تشاء يا بني"
رد وهو يجلس "شكرا يا حاج، الطعام مثير للشهية، تسلم الأيادي يا حاجة أنا سعيد أني أتناوله ومعكم"
لم تبدء في تناول أي من الطعام إلى أن نظر إليها محذرا وقال "طعام الحاجة لا يعلو عليه وهي لا تفعل إلا إكرام للضيوف وردنا على كرمها أن نأكل الطعام كله" 
ضحك الكبير والرجال وقال أحدهم "الحاجة تحبك وتريد أن تحضر لك الدنيا كلها يا ولدي، حتى ضيفتك جعلت الكبير يسمح لها أن تجلس معنا على المائدة"
 ابتسم وقال "وأنا أعتبر نفسي محظوظ بذلك الحب وأحمد ربي عليه وأدين لها بالكثير"
قالت المرأة بابتسامة زينت وجهها البدوي المتسامح "هل هناك ديون بين الأم وأولادها يا ولدي؟ أنت مثلهم يا زين أم نسيت؟ إذا نسيت ما فعلته معنا فأنا لن أنسى أبدا" 
صمت الجميع وتحت تأثير نظراته بدأت تأكل بحرص ولكن ما لبثت أن اندفعت تأكل بدون حساب من جمال الطعام وشدة الجوع..
جلس الجميع بالخارج أمام المنزل في تلك الحديقة الواسعة وقال الحاج "ماذا تريد منا بالضبط؟" 
كان يوجه نظراته للرجل وتبدل للجدية وهو يجيب "لا شيء أكثر مما أخبرتك به، أمام الجميع نحن أقاربكم من مصر أتينا للسياحة وأنا سآخذ ملك لمشاهدة الآثار وكأننا أتينا من أجل ذلك بالفعل ولا أريد أن يعرف أحد من هي ولا حتى أنا" 
قال أحد الرجال "هذه صعبة يا باشا من لا يعرف الر.."
ولكن صوت زين الحازم ونظرته القوية أوقفته وهو يقول "أعتقد أن لا أحد يهتم الآن لمعرفتي والجميع ينسى وهو المطلوب"
 تراجع الرجل أمام لهجة زين الحازمة وهي لم تلاحظ كل ذلك بل ظلت تتابع بصمت بينما عاد الجميع إلى الحديث العادي ولم تشارك كثيرا 
في الصباح الباكر استيقظت على صوت الطيور والأطفال التي تلهو، نظرت من النافذة فرأت حركة كثيرة رغم الوقت الباكر فارتدت ملابسها وخرجت.  
لم تجد أحد إلا هند الصغيرة وهي ترتدي ملابس المدرسة وتسرع للخارج
أمسكتها لتوقفها وهي تسألها "هند إلى أين؟"
قالت الطفلة وهي لا تصبر على الوقوف "إلى المدرسة، خالي منصور ينتظرني عن إذنك" وانطلقت الفتاه للخارج وهي تتبعها بابتسامة 
تناولت الإفطار الشهي مع الجميع مرة أخرى حتى زين الذي استبدل ملابسه هو الآخر ولم ينمق ذقنه فبدا غريبا وما أن انتهيا حتى أخذها في السيارة واتجها إلى المدينة واشترى كلا منهما ملابس وغيرت هي ذلك الفستان وبالطبع لم تماثل تلك الملابس ملابسها المعتادة لكن لم يعد الأمر يشغل تفكيرها الآن
رأت الأجانب وهم يسارعون لمشاهدة الآثار فقالت بفضول "ألن نشاهد الآثار؟"
 التفت اليها بدهشة وهو لم يتوقع طلبها هذا فقال "أنت قلت أنك لن تدمري بشرتك بالشمس و.."
 تورد وجهها وهي تتجنب النظر له وقالت "ألا تنسى شيء؟" 
هز رأسه نفيا فشعرت بأنه يغيظها فقالت "حسنا ولكن أعتقد أني عندما أرى كل هؤلاء الأجانب يضحون بكل شيء من أجل تلك الآثار فلا أملك إلا أن أخجل من نفسي هل نذهب؟"
ظل ثابتا بعيونه عليها دون أن يرد محاولا استيعاب تبدل تصرفاتها منذ وصلوا هنا 
أدركت التساؤلات الكثيرة بعيونه فتغاضت عنها وقالت بدلال كالأطفال "من فضلك" 
أبعد عيونه عنها وقال باستسلام "حسنا" 
لم تكن تعلم أنها ستستمتع هكذا في معبد الكرنك رغم التعب إلا أنها لم تشعر به وهي ترى كل تلك الآثار التي إن دلت فإنها تدل على عظمة تلك الحضارة التي أنجبت هذه الآثار الخالدة ألآف السنوات وهو أمتعها حقا بدور المرشد وكأنه يحفظ كل شيء. 
استمرا على ذلك في الأيام التالية فشاهدت معبد الكرنك ومتحف الأقصر.. واندفعت معه بفضول إلى البر الغربي حيث وادي الملوك والملكات وهو المكان الذي كان يدفن به الموتى حيث أعتقد المصريين القدماء أن هذا هو المكان الذي يذهب إليه الموتى بعد الموت حيث آمنوا بالبعث والحساب بعد الموت...
في اليوم الخامس كانت قد اعتادت العيشة مع الجميع وأصبحت تتحرك وكأنها صاحبة المكان وتعلمت منهم إعداد الكثير من الأطعمة وحاولت أن تخبز معهم العيش ولكن فشلت بالطبعد ونست طبيعتها المتمردة وكأنها تبدلت لشخص آخر
كانت تلعب مع هند الصغيرة في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى تذاكر معها خاصة بعد أن عرفت أن الفتاة فقدت أمها منذ ولادتها وهي تعيش هنا مع جدها وجدتها أهل والدتها 
أما زين فلم تتغير معاملته الرسمية لها ولكنها كثيرا ما كانت ترى نظرات الحنان تملاء عيونه وربما نظرات لها معاني أخرى لم تفهمها أبدا، وأحيانا تشعر أنه يبتعد عنها ثم يسرع عائدا إليها دون مفر... 
لم تعرف أي شيء عن والدها وكلما تذكرته أمسكت تلك الميدالية الفضية التي أهداها لها وطلب منها ألا تضيعها أبدا منذ أن كانت صغيرة..
في المساء خرجت معه لحضور الصوت والضوء وانبهرت بتلك الحضارة العريقة وجمالها وما أن انتهوا حتى قالت "هل نركب مركب بالنيل؟ المكان جميل" 
تأمل المراكب الصغيرة الراسية على ضفة النيل وبالكاد تظهر بجوار السفن الكبرى وأدرك حقا أن المكان رائع فقال "فعلا معك حق، هيا" 
تحركت معه حتى وصلوا إلى مركب صغير، نزل هو أولا للمركب ثم مد يده لها فرفعت عيونها اليه لحظة استقرت عيونهم على بعضهم البعض حتى منحته يدها وقطعت اتصال العيون فجذبها للأسفل برفق ولكنها تعثرت وكادت تسقط لولا أنه التقطها بقوة بين ذراعيه القوية وأعادها أمامه ليلتقي مرة أخرى بعيونها كما استقبلت هي نظراته العميقة 
طالت النظرة بينهما ولم تعرف ماذا لاح بذهنها وهي قريبة منه وذراعيه تلفها وحرارته انتقلت لها فسرت رجفة هادئة بجسدها وعندما استقرت يداها الصغيرة على صدره الصلب شعرت بقوته والتي جعلتها تشعر بضعفها بجواره
وجهه القريب منها جعلها تتعرف أكثر على وسامته التي جعلتها تشعر بضآلة كل الرجال بجانبه، دائما ما كان يحاول الابتعاد عن قربها والهرب من عيونها ولكن ها هي الآن بين ذراعيه وقريبة منه حد الجنون وعيونها تلتصق بعيونه دون انقطاع ولكن سرعان ما أبعدها برفق وهو يقودها إلى جانب القارب بهدوء
شعرت ببرودة غريبة من ابتعاده عنها وتحركت حتى جلست وتابعت وهو يجلس بعيدا وقاد الرجل الأسمر الذي لم يختلف عن باقي سكان البلد في ملامحه ولون بشرته...
كان الظلام يشعل جو من الرومانسية على ضفاف النيل تأملته وتفحصت كل ملامحه وقسماته الرجولية الكاملة وكأنها تحاول أن تكسر جدار ذلك الرجل
أخيرا قطعت الصمت الثقيل وقالت "تحب هذا الجو أليس كذلك؟" 
واجها بعيون لا تحمل أي معاني وقال "أحيانا.."
اندهشت وقالت "ما أعرفه أن أي كاتب يحب تلك الأجواء كي يستقي منها كلماته" 
أبعد عيونه للظلام المضاء بأنوار السفن الكبرى من كل جانب وقال "ليس بالضرورة، ربما تفرض الكلمات نفسها دون حاجة لتلك الأجواء"
احتارت به وتمنت لو تكسر الزجاج السميك الذي يلف نفسه به فسألته بفضول "منذ متى تكتب؟"
لم يظن بأي وقت أن تهتم تلك الصغيرة به ولم يعرف هل يحق له أن يتحدث عن نفسه معها ام لا ومع ذلك قال "لا أتذكر متى بدأت، ربما بعدما مرضت أمي لأول مرة وقتها كنت أعبر عن حزني عليها فكتبت" 
كانت سعيدة بأنه يتحدث فقالت بنفس الفضول "وماذا كتبت؟" 
نظر إليها بعيون تخفي الكثير وقال "كلمات، مجرد كلمات بالنسبة لطفل لم يبلغ العاشرة لم تكن تعني أي شيء ولكن مع الوقت أدرك مدرسيني أن الأمر ليس مجرد كلمات ولكنها موهبة كما قالوا لأمي وأصبح الأمر جميل لاهتمامهم بي ونجاحي شجعهم أكثر وكدت أنطلق في الأمر لولا.."
كانت تتابعه باهتمام وشغف واندهشت لتوقفه المفاجى فقالت تحثه أن يكمل "لولا ماذا؟"
كان يرى الفضول بعيونها بينما هو امتلأ بالذكريات وهي رأت نظرة حزن بعيونه فتراجعت وهو ينهض ويبتعد ولكنها تبعته وتوقفت على مقدمة المركب خلفه فقال "وأنا في نهاية الثانوية فارقتني أمي.." 
تألمت لم يقول وشعرت به لأنها جربت الم فراق الأم، همست "ماتت!؟" 
لف وجهه لها وحدق بعينيها مليا وقال "قتلت" 
شهقت بفزع وهتفت "ماذا!؟ كيف؟" 
عاد للنيل من حوله وغرق بعيونه بسواده العميق وكأنه يحاول أن يدفن ذكرياته بها أو ينسى ما كان "أهل والدي قتلوها"
اتسعت عيونها ولم تعرف ماذا تقول فأكمل وهو لا يشعر بها وكأنه يسمع نفسه "أنا من قرية معروفة هنا ولكن في منطقة نائية قليلا ومن تقاليدهم أنه لا يجوز أن يتزوج أحد من خارج القرية وبالطبع أبي أحب أمي وهي شابة بالمدينة وتزوجها في السر ولكنه مات وأنا ما زلت رضيع ولم يعرف أحد من أهله بزواجه ولم يكن من نصيب أمي أن تشهد جنازته بالطبع وعاشت هي لي، تعمل من أجلي فلم يكن معاش والدي يكفي حاجاتنا بالطبع ومرت السنين وكبرت، وفجأه أكتشف أهل والدي زواجه من أمي لا نعرف كيف، لكن عندما علموا بوجودن طاردونا كي يتخلصوا منا حتى لا نسأل عن ميراث لأن أهلي أغنياء ولي ميراث في أملاك أبي ولكننا لم نسأل وأخيرا في يوم كنت بالدرس وعندما عدت..." 
ولم يكمل، صمت قليلا وكأن الذكريات سكين يشق صوته فيقتله قبل أن يخرج.. 
احترمت صمته ولم تقطعه
استعاد نفسه وانتصر على ألم الذكرى كعادته وأكمل "مع ذلك لم أسلم منهم، كدت أصاب أنا الآخر إصابة قاتلة ولولا الجيران الذين أنقذوني ما عشت أو نجيت ولكن بالطبع كان ما زال لي عمر وعدت للحياة ولكن بالطبع بدون أم ولا أب ولا أحد ولكني لم أكن بالضعيف فعدت للحياة وكلي رغبة في الانتقام ولكن سرعان ما انتشلني رجل كريم من ذلك الطريق وأعادني إلى الصواب وأكمل ما بدأته أمي"..
جلست وكأن قدمها تعترض على قصته، للحظة تاهت في ظهره الذي كان أمامها عندما طال الصمت التفت لها ورأى الحزن بعينيها فقال "لا داعي لهذا الحز فقد تخطيت كل ذلك ولم يعد بالسيء ومن فعل ذلك نال عقابه وأنا لم أعد ذلك الضائع فقط أفتقد أمي من وقت لآخر" 
هزت رأسها بتفهم وقالت بصدق "نعم أعلم، أنا أيضا أفتقدها كثيرا والفارق بيننا أني لم أراها، ماتت بعد والدتي بعدة أيام، أصيبت بعدوى من المشفى وبالطبع لم يكتشفوا في الوقت المناسب فلم تلقى العناية المناسبة وماتت وتولت عمتي تربيتي إلى أن تزوجت وهاجرت إلى استراليا وتولاني دادي، أحن وأطيب داد في العالم، ملاء حياتي بكل حنان وحب وأمان وهذه أول مرة يتركني فيها" 
جلس بجانبها وقال "أنا متأكد أنه تركك لمصلحتك وربما خوفا عليك، أعتقد أنك لست وحدك" 
رفعت وجهها له والتقت بعيونه التي كانت تسقط نظراتها عليها وكم أحبت النظر لعيونه فقد كانت تغرق في بحورها وتحاول أن تفهم تلك الكلمات الكثيرة التي بها وكأنه يريد أن يخبرها بها دون أن ينطق لسانه 
لكنه صامت، لا يتحدث وعندما فعل جذبها حديثه الهادئ وقصته الحزينة بينما تاه هو أيضا بعيونها الجميلة التي أخذته إلى عالم آخر، أشعرته أنه الآن سلطان على عرش تلك العيون الجميلة ليس هناك سواه مالكا لها ولاحت برأسه كلمات تمنى لو تسمعها 
"أهيم في عينيك
  أشتاق للمس وجنتيك 
 يدق قلبي شوقا إليك
 وليتك تعرفين...
ما يخفيه صدري من حنين 
كلما رأيتك أمامي أتألم من صمتي الحزين
 تمنيت أن أصرخ بالأنين 
  ولكن ..  
منعني خوفي..
ستضيعين مني وتهربين  
ولكني.. أريدك بين عيني تبقين 
وبرموشي تحتمين 
وبقلبي تتربعين" 
خواطري.. داليا السيد
أبعد عيونه عنها وقام مبتعدا وقال "أعتقد أننا لابد أن نعود لقد تأخرنا" 
لكنها رفعت وجهها له وهي ترغب بالبقاء واستمرار تلك اللحظات الرائعة معه فقالت "لماذا؟ الجو جميل وأنا أستمتع حقا، من فضلك دعنا قليلا" 
سقطت نظراته عليها وشعرت بألم في تلك العيون التي تواجها، من ذلك الرجل؟ وما الذي تخفيه عيونه ؟
ضعف تسرب له فهو الآخر أراد ذلك، لطالما أراد التواجد معها ولكن..
عاد وجلس جوارها وقال "ربما مللت من المكان"
ابتسمت وقالت ببراءة "وكيف يمكن أن أمل من مكان جميل كهذا؟ طوال عمري وأنا أسافر مع دادي إلى أماكن كثيرة ولكن لم أفكر أن أكون معه هنا، ظننت أنه مكان ممل ولكنه رائع وأنا أحببته جدا، وأنت!؟"
 نظر إليها طويلا قبل أن يقول "قضيت هنا فترة من حياتي لا تنسى، إنها موطني رغما عني لذا أحبها حتى أهلها طيبين جدا" 
وافقته وقالت "لم تقيم مع أهلك الأصليين؟" 
هز رأسه نفيا وقال "لا، مع من عرفتيهم وآخرين غيرهم" 
ظلت ثابتة بعيونها عليه وقالت "ظننت أن لك قصة حب هنا أو شيء ما مثل ذلك" 
طالت نظرته إليها ثم قام وقال باختصار آلمها "لا، هل نذهب؟ لقد تأخر الوقت" 
لم تعترض وإن تضايقت من عدم رده عليها وشعرت بضيقه واحتارت في سببه....
 
تعليقات



<>