
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخمسون50 بقلم عاشقة القلم
كانت هازان وعائشة تقفان بالقرب من الغرفة التي كانت ديلان تجلس فيها تتحدث مع باران عبر الهاتف، وقد تسللت إليهما بعض الكلمات المتقطعة من الحديث دون أن تتمكنا من فهم ما يدور بينهما، لم تشأ أيٌّ منهما أن تتدخل أو تتنصت، فآثرتا الابتعاد قليلًا، بينما بقي القلق يتسلل إلى قلب عائشة دون أن تعرف له سببًا واضحًا.
وبعد دقائق، انفتح باب الغرفة بهدوء، وخرجت ديلان.
رفعت هازان عينيها نحوها، وما إن وقعت عيناها على وجهها حتى انعقد حاجباها في دهشة.
كانت ديلان مختلفة تمامًا،
وجهها شاحب بصورة مخيفة، وعيناها غارقتان في شرود عميق، كأنها خرجت من الغرفة بجسدها فقط، بينما بقي عقلها عالقًا خلف ذلك الباب، كانت خطواتها بطيئة متعثرة، ويداها ترتجفان بخفة، فيما بدت ملامحها وكأنها تحمل فوقها ثقلًا يفوق قدرتها على الاحتمال.
تبادلت هازان وعائشة نظرة قلقة.
قالت هازان بصوت خافت:
هازان: ما بها ديلان؟.
لم تجبها عائشة فورًا، فقد كانت تحدق فيها هي الأخرى بعينين امتلأتا بالقلق.
عائشة: لا أدري... ولكن انظري إلى وجهها، يبدو أنها سمعت شيئًا هزها من الداخل.
واصلت ديلان سيرها دون أن ترفع عينيها عن الأرض.
كانت تسمع ضجيج العالم من حولها كأنه يأتي من مكان بعيد... أصوات خافتة، خطوات، همسات، لكنها لم تكن قادرة على التركيز في أي شيء.
كانت كلمات باران لا تزال تتردد في رأسها.
كلمة وراء أخرى...
جملة تجر جملة...
حتى شعرت أن رأسها يضيق بها، وأن أنفاسها لا تصل إلى رئتيها كما ينبغي.
لم تنتبه إلى هازان التي اقتربت منها قليلًا ونادتها:
هازان ديلان!...
لكنها لم تجب.
ظنت هازان أنها لم تسمعها، فرفعت صوتها:
هازان: ديلاان!!..
ومع ذلك، لم تلتفت.
نظرت هازان إلى والدتها بدهشة، ثم قالت:
هازان: ما بها؟ حتى إنها لم تسمعني عندما ناديتها.
تنهدت عائشة وهي تتابع ديلان بعينيها.
عائشة: بالفعل... وكأنها صُعقت بصاعقة كهربائية، يا ترى، ما الذي قاله لها باران حتى خرجت بهذه الحالة؟.
قالت هازان بقلق:
هازان: لا اعلم يا أمي، لكن حسب حالتها فقد قال لها شيء ثقيلا لم تتحمله، او رفض الحديث معها مرة أخرى.
لكن قبل أن تتحرك، توقفت ديلان للحظة في منتصف الممر.
وضعت يدها على صدرها، وأخذت نفسًا مرتجفًا،
ثم أغمضت عينيها،
كان كل شيء يدور حولها،
الغرفة...
الجدران...
الأصوات...
حتى الأرض تحت قدميها لم تعد تشعر بثباتها.
تمتمت دون أن يسمعها أحد:
ديلان: لا... لا أستطيع...
ثم فتحت عينيها من جديد، وأخذت تسير.
خطوة...
ثم أخرى...
إلى أن وصلت إلى الباب.
وفي اللحظة التي تجاوزته فيها، لمحتها هازان من بعيد، لكنها لم تلحظ شيئًا غريبًا سوى ذلك الشرود المخيف الذي يغطي وجهها.
قالت عائشة:
عائشة: ربما تحتاج إلى بعض الهدوء، دعيها الآن.
هزت هازان رأسها بتردد، وظلت عيناها معلقتين بها.
لم تكن تعرف أن تلك ستكون آخر لحظة تراها فيها ديلان واقفة على قدميها.
مرت ثوانٍ قليلة فقط.
ثوانٍ بدت في ظاهرها عادية...
ثم فجأة...
دوّى صوت جلبة عنيفة خارج الشقة.
صوت ارتطام قوي، أعقبه صوت شيء ثقيل يسقط على الأرض.
تجمدت هازان في مكانها.
أما عائشة فشهقت بفزع.
عائشة: ما هذا؟!..
التفتت الاثنتان نحو الباب في اللحظة نفسها.
قالت هازان:
هازان: لا أدري يا أمي!..
ثم اندفعت عائشة نحوه بسرعة، وتبعتها هازان وهي تشعر بأن قلبها بدأ يخفق بعنف.
فتحت عائشة الباب.
وفي اللحظة التالية...
توقفت أنفاسها.
اتسعت عيناها، وتجمد الدم في عروقها.
كانت ديلان ملقاة على الأرض أمام الشقة.
لم تكن تتحرك.
كان جسدها ساكنًا بصورة مخيفة، وملابسها ملطخة بالدماء، وقد ظهرت على جسدها آثار كدمات وجروح جعلت منظرها يفطر القلب.
صرخت عائشة صرخة خرجت من أعماقها:
عائشة: ديلان!..
واندفعت نحوها.
أما هازان فما إن رأت المشهد حتى وضعت يدها على فمها، وانفلتت منها صرخة مرتجفة:
هازان: يا إلهي!...
جثت هازان إلى جوار ديلان، وراحت تحدق في وجهها الشاحب.
هازان: ديلان! ديلان، اسمعيني!..
لكن لا إجابة.
أمسكت بكتفها وهزتها برفق.
هازان: ديلان! افتحي عينيك!.
ظل جسدها ساكنًا.
بدأت دموع هازان تنهمر دون أن تشعر بها، بينما راحت عائشة ترتجف في مكانها، غير قادرة على استيعاب ما تراه أمام عينيها.
عائشة: يا رب... يا رب، ماذا حدث لها؟.
اقتربت هازان أكثر، ثم وضعت أصابعها المرتجفة بالقرب من أنف ديلان.
حبست أنفاسها لثوانٍ.
ثم شهقت فجأة.
هازان: إنها حية!.
نظرت إلى والدتها والدموع تغرق وجهها.
هازان: إنها حية يا أمي! ما زالت تتنفس!.
اندفعت عائشة نحوها.
عائشة: هل أنت متأكدة؟.
هازان: نعم! إنها تتنفس، لكنها ضعيفة جدًا!.
ثم رفعت هازان رأسها بسرعة.
هازان: اتصلي بأبي! سأطلب الإسعاف!.
كانت عائشة تجثو إلى الجانب الآخر منها، ودموعها تنهمر دون توقف، وهي تمسح على شعرها بحركة مرتجفة.
قالت عائشة وهي ترتجف:
عائشة: نعم... نعم، اتصلي بهم بسرعة.
ركضت هازان إلى الداخل، والتقطت هاتفها بيدين ترتعشان بشدة، حتى كادت تسقطه من يدها.
طلبت رقم الإسعاف، وما إن جاءها الرد حتى انفجرت كلماتها دفعة واحدة:
هازان: أرجوكم... أرسلوا سيارة إسعاف بسرعة!؛ هناك امرأة مصابة... إنها ملقاة على الأرض ولا تكاد تتحرك!.
حاول الطرف الآخر تهدئتها وسألها عن موقعها وحالة المصابة.
أجابت هازان بسرعة، وصوتها يرتجف:
هازان: إنها تتنفس، لكنها فاقدة للوعي!، هناك دماء كثيرة على ملابسها، وتبدو عليها إصابات وكدمات... أرجوكم، لا تتأخروا!.
أنهت المكالمة، لكنها لم تضع الهاتف جانبًا.
نظرت إلى عائشة التي كانت جاثية بجوار ديلان، تمسح على رأسها بيد مرتجفة.
هازان: ماما...
رفعت عائشة عينيها إليها.
عائشة: ماذا؟...
هازان: الإسعاف في الطريق.
أومأت عائشة، ثم عادت تنظر إلى ديلان.
كانت تحدق في وجهها وكأنها تحاول أن تفهم كيف تحولت الأمور بهذه السرعة.
قبل دقائق فقط كانت ديلان واقفة أمامهما...
والآن كانت ممددة أمامهما كأن الحياة غادرت جسدها.
عائشة: ديلان... يا ابنتي... أرجوكِ، افتحي عينيكِ.
لم يصلها سوى نفس ضعيف بالكاد كان مسموعًا.
رفعت هازان رأسها نحو والدتها، وقالت وهي تحاول أن تتمالك نفسها:
هازان: الإسعاف قادم يا أمي... علينا فقط أن نصبر.
عائشة: كيف نصبر وهي بهذه الحالة؟ انظري إليها يا هازان!
انكسر صوت عائشة عند آخر كلمة، وأجهشت بالبكاء.
نظرت هازان إلى ديلان، وشعرت بوخزة مؤلمة في صدرها.
هازان: ستنجو... يجب أن تنجو.
كانت تقولها وكأنها لا تحاول طمأنة والدتها بقدر ما كانت تحاول إقناع نفسها.
مدت عائشة يدها ولمست جبينها.
عائشة: يا ابنتي...
ارتجف صوتها.
عائشة: ماذا حدث لكِ؟.
لم تجبها ديلان.
فقط خرج من شفتيها نفس ضعيف بالكاد سمعته عائشة.
وضعت يدها على فمها، وانهمرت دموعها.
عائشة: لا تتركينا يا ابنتي... أرجوكِ.
أما هازان، فكانت تعرف أن عليها أن تفعل شيئًا آخر.
التقطت هاتفها واتصلت بزوجها.
لم تمضِ سوى لحظات حتى جاءها صوته:
كاران: نعم، هازان؟.
قالت بسرعة، وهي تحاول السيطرة على انهيارها:
هازان: كاران... أريد منك أن تعود إلى البيت فورًا.
تغير صوته عندما سمع الارتباك في نبرتها.
كاران: ماذا حدث؟.
هازان ديلان... لقد أصيبت.
كاران: ماذا تعنين بأصيبت؟.
نظرت هازان نحو الباب، ثم ابتلعت غصتها.
هازان: وجدناها ملقاة أمام الشقة، وهي تنزف وفاقدة للوعي. اتصلت بالإسعاف، وهم في الطريق.
ساد الصمت في الطرف الآخر لثوانٍ.
ثم قال بقلق:
كاران: هل هي حية؟.
هازان: نعم، لكنها في حالة سيئة جدًا.
كاران: سأعود حالًا.
هازان: أريدك أن تأخذ الأولاد إلى البيت وتبقى معهم المربية، حتى اتمكن من الذهاب للمستشفى، لا أستطيع أن آخذهم معي إلى هناك.
كاران: لا تقلقي، سأفعل، سأخاول المجيء بسرعة.
هازان: شكرًا...
أغلقت هازان الهاتف، ومسحت دموعها سريعًا، ثم عادت إلى جوار ديلان.
وفي الوقت نفسه، كانت عائشة قد أمسكت هاتفها.
كانت أصابعها ترتجف وهي تبحث عن اسم زوجها عزت.
ما إن أجاب حتى قالت بصوت مختنق:
عائشة: عزت...
عزت: نعم، عائشة؟ ماذا حدث؟.
حاولت أن تتحدث، لكن الكلمات اختنقت في حلقها.
نظرت إلى ديلان، ثم قالت:
عائشة: تعال بسرعة... أرجوك.
شعر عزت بأن شيئًا خطيرًا قد حدث.
عزت: ماذا هناك؟ أين أنتِ؟.
عائشة: ديلان...
توقفت للحظة، ثم انفجرت بالبكاء.
عائشة: ديلان وجدناها ملقاة أمام الشقة... وهي تنزف!.
ساد الصمت للحظات.
ثم جاء صوت عزت مذعورًا:
عزت: ماذا؟!....
عائشة: وجدناها على الأرض، لا نعرف ماذا حدث لها... اتصلنا بالإسعاف، وهم في الطريق.
عزت: هل هي واعية؟.
عائشة: لا... لكنها تتنفس.
قال عزت بسرعة:
عزت: أنا قادم الآن!.
عائشة: انا سأذهب معها للمشفى.
أغلقت عائشة الهاتف، ثم وضعت يدها على صدرها، تحاول أن تلتقط أنفاسها.
كانت هازان تنظر إلى الطريق بقلق، تنتظر صوت سيارة الإسعاف.
كل ثانية كانت تمر كأنها دهر.
ثم قالت عائشة بصوت متهدج:
عائشة: هازان...
هازان: نعم يا أمي؟.
عائشة: لا بد أن نعرف ماذا حدث لها.
نظرت هازان إلى ديلان.
ثم قالت:
هازان: سنعرف... لكن الآن أهم شيء أن تبقى حية.
وضعت عائشة يدها فوق يد ديلان، وضغطت عليها برفق.
عائشة: تماسكي يا ديلان... أرجوكِ تماسكي يا إبنتي.
كانت دموعها تسقط على يدها دون توقف.
عائشة لا أعرف ما الذي حدث لكِ، أو ما الذي سبب ذلك... لكنني لن أترككِ وحدكِ.
رفعت عائشة يديها إلى السماء، والدموع تملأ وجهها.
عائشة: يا رب... أنت وحدك تعلم ما بها، احفظها لنا، وأعدها إلينا سالمة.
قالت هازان بصوت بدات الدموع تتجمع في عينيها...
هازان: لا تخافي يأمي ستكون بخير، وسنعرف لماذا حدث معها ذلك، لكن الان ادعي لعا يا أمي، ان لا تكون الاصابات بليغة، فقد تدحرجت من فوق السلم من الأعلى ألى هنا حسب حالتها.
عائشة: يا رب إرأف بحالها بحالنا يارب، ولا ترنا فيها سوء.
وبينما كانت الدعوات تختلط بالبكاء والارتباك، بدأ صوت سيارة الإسعاف يقترب من بعيد.
رفعت عائشة رأسها.
كان الصوت يقترب شيئًا فشيئًا.
لكن قلبها لم يهدأ.
بل شعرت أن ما ينتظرهم في المستشفى قد يكون أصعب بكثير مما يستطيعون تحمله...
وفي تلك اللحظة، بدأ صوت صفارة سيارة الإسعاف يشق سكون المكان من بعيد.
رفعت هازان رأسها بسرعة.
هازان: لقد وصلوا!.
ازداد صوت الصفارة اقترابًا، حتى توقفت سيارة الإسعاف أمام البناية، وانعكست أضواؤها الزرقاء والحمراء على الجدران والنوافذ، فبدت البناية بأكملها وكأنها غارقة في ومضات متقطعة من الضوء.
شقَّ صوت سيارة الإسعاف
سكون المكان كصرخةٍ مفاجئة مزّقت هدوء المكان، وارتفعت صفارتها في أرجاء الحي معلنةً عن حالة طارئة لا تحتمل الانتظار.
توقفت السيارة أمام البناية، وانعكست أضواؤها الزرقاء والحمراء على واجهتها، فتحولت النوافذ والجدران إلى ومضات متلاحقة من الضوء، تزيد المشهد رهبةً وغموضًا.
في الوقت نفسه، كانت صفية ودنيز في شقتهما.
ما إن سمعت صفية صوت الصفارة حتى نهضت من مكانها بفزع، واتجهت مسرعة نحو الشرفة، تتبعها دنيز التي كانت تجلس في الغرفة المجاورة.
صفية: ما الذي يحدث؟، لماذا توقفت سيارة إسعاف أمام البناية؟.
اقتربت صفية من النافذة وهي تضيق عينيها محاولةً رؤية ما يحدث في الأسفل.
صفية: لا أدري...
ثم ظهرت سيارة الإسعاف أمامهما بوضوح.
تبادلت الاثنتان نظرة سريعة.
صفية: سيارة إسعاف؟!.
وقبل أن تتمكنا من استيعاب الأمر، فُتح باب السيارة وقفز منه عدد من المسعفين، يحمل أحدهم حقيبة الإسعافات بينما كان آخر يدفع السرير النقال بسرعة نحو مدخل البناية.
قالت دنيز وهي تحدق في الأسفل:
دنيز: أمي... هناك سيارة إسعاف!،
انظري! إنهم يدخلون إلى البناية.
لم تجبها صفية، فقد كان القلق قد تسلل إلى قلبها.
صفية: تُرى من الذي أصابه مكروه؟.
تراجعت دنيز عن الشرفة بسرعة.
دنيز: يجب أن نعرف.
خرجت الاثنتان من الشقة، وأسرعتا نحو الدرج.
فتحت دنيز باب الشقة، ثم خرجت تتبعها والدتها، وأخذتا تصعدان الدرج بخطوات متسارعة، بينما كانت أصوات المسعفين تصل إليهما من الأعلى.
كانت صفية تحاول أن تلتقط أنفاسها وهي تقول:
صفية: تمهلي يا دنيز... لا نعرف ما الذي حدث.
لكن دنيز لم تتوقف.
دنيز: أريد أن أعرف فقط من الذي طلب الإسعاف.
صعدتا الدرج بسرعة، درجة تلو الأخرى، حتى اقتربتا من شقة عزت.
وفجأة، توقفت دنيز.
توقفت صفية خلفها أيضًا.
كان المشهد أمامهما صادمًا إلى حد أفقدهما القدرة على الكلام.
ديلان كانت لا تزال على الأرض، فيما كان المسعفون قد أحاطوا بها.
كانت الدماء تغطي أجزاء من ملابسها، وآثار الكدمات والإصابات واضحة على جسدها، ووجهها شاحبًا بلا حراك.
كان المشهد أمامهما كفيلًا بأن يجمد الدم في عروقهما،
ديلان...
كانت ديلان ممددة على الأرض، وجسدها محاطًا بالمسعفين، فيما كانت آثار الدماء والكدمات واضحة عليها بصورة مؤلمة.
كانت صفية تعرفها قوية، عنيدة، قادرة على مواجهة أصعب الظروف، لكن رؤيتها الآن بهذه الصورة جعلتها تشعر بأن شيئًا بداخلها انهار.
شهقت دون إرادة منها:
صفية: ديلان؟!..
وضعت صفية يدها على فمها، واتسعت عيناها من هول ما رأت.
صفية: يا إلهي...
لم تستطع أن تكمل.
اقترب أحد المسعفين بسرعة، وانحنى إلى جوار ديلان يفحص حالتها، بينما كان الآخر يفتح حقيبته ويخرج منها أدوات الإسعاف.
قال أحدهم بحزم:
المسعف: ابتعدوا من فضلكم! أفسحوا الطريق!.
انحنى أحد المسعفين فوق ديلان، وفحص تنفسها واستجابتها، بينما كان زميله يجهز المعدات.
المسعف: النبض ضعيف، جهزوا الأكسجين.
المسعف الآخر: علينا نقلها فورًا.
كانت كلماتهم تتلاحق بسرعة، بينما وقفت النساء من حولهم عاجزات عن فعل شيء.
اقتربت عائشة من ديلان، وقالت بصوت متهدج:
عائشة: أنا هنا يا ابنتي... لا تخافي.
لكن المسعف قال لها:
المسعف: سيدتي، ابتعدي قليلًا من فضلك.
لكن صفية بقيت واقفة في مكانها، عاجزة عن استيعاب الصورة التي أمامها.
ديلان التي كانت تراها قبل ساعات فقط تمشي أمامها...
أصبحت الآن ممددة بين الدماء، لا تكاد تتحرك.
اما دنيز فقد كانت واقفة تنظر لجسد ديلان الملقى على الارض كأنها تشهاد لقطة من فلم على التلفاز، اما صفية فإقتربت من عائشة، وقالت بصوت خافت:
صفية: ماذا حدث لها؟.
نظرت إليها هازان، لكنها لم تجد جوابًا.
قالت بصوت مرتجف:
هازان: لا أدري... لا أدري يا زوجة عمي.
ثم رفعت صفية عينيها نحو عائشة التي كانت تقف بالقرب من ابنتها، وملامحها منهارة من الخوف.
صفية: عائشة... ماذا حدث؟.
لكن عائشة لم تستطع أن تجيب في البداية.
كانت عيناها معلقتين بديلان، وكأنها تخشى أن تغيب عنها للحظة واحدة.
قالت أخيرًا بصوت مخنوق:
عائشة: وجدناها هكذا أمام الشقة...
شهقت صفية:
صفية: وجدتموها هكذا؟!...
أومأت عائشة والدموع تنهمر من عينيها.
عائشة: كانت فاقدة للوعي... وتنزف.
لم تقل صفية شيئًا.
بقيت تحدق في ديلان وكأنها ترى أمامها إنسانة أخرى.
أما دنيز، فكانت تقف خلف والدتها في صمت، وقد انعقد لسانها، بينما ظلت ملامحها جامدة على نحوٍ أربك من يراها؛ فلا أحد استطاع أن يعرف، أكانت تخفي حزنًا أم تحبس في أعماقها ابتسامة شماتة لم يحن وقت ظهورها بعد.
لأول مرة منذ وقت طويل، لم تجد كلمة تقولها.
تقدم أحد المسعفين نحو ديلان، ثم قال لزميله:
المسعف: ارفعوا النقالة.
تحرك الرجال بسرعة، وأدخلوا السرير النقال تحت جسدها بحذر، ثم رفعوها إليه.
كان جسدها ساكنًا بصورة مخيفة.
اقتربت عائشة منها وهي تقول:
عائشة: ديلان... يا ابنتي...
لكن المسعف أوقفها بلطف:
المسعف: سيدتي، من فضلك ابتعدي قليلًا، نحتاج إلى مساحة للعمل.
ابتعدت عائشة خطوة، وهي تمسح دموعها بيد مرتجفة.
وضع أحد المسعفين قناع الأكسجين على وجه ديلان، بينما بدأ آخر بتثبيت بعض الضمادات على مواضع الإصابة.
قال أحدهم:
المسعف الثاني: ضغطها منخفض، علينا الإسراع.
ورد آخر:
المسعف: سنكمل الإسعافات داخل سيارة الإسعاف.
تراجعت عائشة خطوة، وهي تبكي.
وضع المسعفون قناع الأكسجين على وجه ديلان، وثبتوا بعض الضمادات على مواضع الإصابة، ثم أدخلوا السرير النقال أسفل جسدها بحذر.
قال أحدهم:
المسعف: واحد... اثنان... ثلاثة.
رفعوها معًا.
ارتخى جسد ديلان فوق النقالة، وبدا وجهها ساكنًا بصورة مخيفة، دفعوا النقالة بسرعة باتجاه الدرج.
صرخت عائشة:
عائشة: ديلان!!!....
لكنها تماسكت، وهي تعرف أن أي تأخير قد يكون خطرًا عليها.
أمسك أحد المسعفين بالنقالة ودفعها باتجاه الدرج.
صرخ أحد المسعفين:
المسعف: افسحوا الطريق!.
تراجعت صفية ودنيز أكثر، بينما تبعت عائشة المسعفين، وقلبها يكاد ينفطر.
تراجعت صفية ودنيز إلى جانب الجدار، بينما كانت عائشة تسير خلفهم، وعيناها لا تفارقان ديلان.
كانت تشعر أن قلبها يُنتزع من صدرها مع كل خطوة تبتعد بها النقالة.
وعندما مروا بجوار صفية، لم تستطع الأخيرة أن تمنع نفسها من التحديق في ديلان.
همست صفية:
صفية: يا ابنتي...
ثم التفتت إلى عائشة.
توقفت عائشة فجأة عن الكلام.
تذكرت وجه ديلان قبل دقائق.
تذكرت شحوبه...
شرودها...
عدم استجابتها لنداء هازان...
فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لم تكن ديلان بخير منذ البداية.
كان هناك شيء ما قد حدث داخلها قبل أن تصل إلى ذلك المكان.
خرج المسعفون من البناية وهم يحملون ديلان على النقالة، وتبعتهم عائشة بخطوات سريعة.
كانت سيارة الإسعاف تنتظر أمام الباب، وأضواؤها لا تزال تومض على واجهة البناية.
فتح أحد المسعفين الباب الخلفي، بينما بدأ آخر بتثبيت المعدات.
أما هازان، فقد بقيت في الداخل لبعض الوقت، إذ كانت تنتظر زوجها ليأتي ليأخذ أطفالهما، ليتركهما مع المربية، اما عائشة فذهبت وراء المسعفين، ريثما يلحق بها زوجها عزت، الذي وعدها بأن يلحق بها إلى المستشفى.
في الخارج، فتح أحد المسعفين باب سيارة الإسعاف، ثم بدأوا بإدخال النقالة.
قالت عائشة وهي تقترب منهم:
عائشة: سأذهب معها.
أجاب المسعف:
المسعف: تفضلي، ولكن ابقي في مكان لا يعيق عملنا.
المسعف الثاني: يمكنك مرافقتها، ولكن عليك أن تتركي لنا المجال للعمل.
عائشة: نعم... نعم، فقط دعوني معها.
صعدت عائشة إلى سيارة الإسعاف، وقلبها يرتجف خوفًا، وجلست بالقرب من ديلان، وهي تمسك بيدها الباردة.
عائشة: أنا هنا يا ابنتي...
لم تتحرك ديلان.
انحنت عائشة نحوها، والدموع تبلل خديها.
عائشة: لن أترككِ وحدكِ، هل تسمعينني؟، سأبقى إلى جانبكِ حتى تعودي إلينا.
ثم أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف.
وبدأت الصفارة تعلو من جديد.
جلست صفية أمام البناية عاجزة عن الحركة.
كانت تحدق في سيارة الإسعاف التي تستعد للانطلاق، وكأنها لا تزال تحاول إقناع نفسها بأن ما رأته قبل لحظات كان حقيقيًا.
وضعت يدها على صدرها وقالت بصوت مرتجف:
عائشة: يا رب... ما الذي حدث لهذه المسكينة؟.
أما هازان فكانت تقف إلى جوارها، شاحبة الوجه، تنظر إلى آثار الدماء التي بقيت على الأرض بعد أن غادرت النقالة.
لم تستطع أن تصرف عينيها عنها.
كانت صورة ديلان وهي ممددة أمامها تلاحقها بقوة.
قالت صفية:
صفية: هازان...
لم تجبها.
صفية: هازان، هل أنتِ بخير؟.
ابتلعت هازان ريقها بصعوبة.
هازان: نعم... أنا بخير.
لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لها.
نظرت صفية نحوها، ثم عادت تحدق في سيارة الإسعاف.
صفية: مهما حدث، يجب أن نعرف ما الذي فعل بها هذا.
تجمدت هازان للحظة.
ثم قالت بصوت خافت:
هازان: نعم...
لكن شيئًا غريبًا كان يتحرك داخل صدرها.
لم يكن خوفًا على ديلان وحدها...
بل كان خوفًا من المجهول.
فهي لم تكن تعرف ماذا حدث في الأعلى، ولا كيف انتهت ديلان بتلك الصورة المروعة.
ومع انطلاق سيارة الإسعاف، ارتفع صوت صفارتها مجددًا، ثم ابتعد شيئًا فشيئًا حتى اختفى في نهاية الطريق.
وقفت صفية وهازان تتابعان أضواءها الحمراء والزرقاء وهي تبتعد...
وانطلقت سيارة الإسعاف، تشق المكان بصافرتها، بينما بقيت هازان واقفة تتابعها حتى ابتعدت.
أما صفية وهازان، فقد ظلتا في مكانهما، مصدومتين من المنظر الذي رأتاها عليه،حتى اختفت تمامًا.
عندها فقط أدركتا أن الوقت الذي بدأ هادئًا قبل دقائق...
لم يعد كما كان.
ومن خلفهما كانت دنيز تتابع المشهد بملامح متجهمة، لا احد يعلم ما الذي يدور بداخلها.
قالت صفية بصوت خافت:
صفية: لم أرَها في حياتي بهذه الحالة.
أجابتها هازان، وعيناها لا تزالان معلقتين بالطريق الذي اختفت فيه سيارة الإسعاف:
هازان: ولا أنا...
ثم صمتت لحظات قبل أن تقول:
هازان: لكن هناك شيء لا أفهمه.
التفتت صفية إليها.
صفية: ماذا؟.
قالت هازان:
هازان: قبل أن نسمع صوت الارتطام... كانت ديلان قد خرجت من الشقة وهي شاردة تمامًا، كانت تبدو وكأنها تلقت خبرًا صادمًا.
نظرت صفية إليها طويلًا.
صفية: لكن ما الذي حدث لها قبل ان تخرج من الشقة؟.
خفضت هازان عينيها.
هازان: لا أدري...
ثم رفعت رأسها، وقد ارتسم القلق على وجهها.
هازان لكنني أشعر أن الأمر ليس حادثًا عابرًا.
ساد الصمت.
وفي مكان بعيد، كانت سيارة الإسعاف تبتعد حاملة ديلان معها، بينما بقي السؤال معلقًا في أذهان الجميع:
ماذا حدث لديلان بعد أن خرجت من تلك الغرفة؟.
ولماذا بدت، قبل سقوطها بدقائق، وكأن شيئًا ما قد حطمها من الداخل قبل أن يسقط جسدها على الأرض؟.
لم تمضِ سوى دقائق قليلة على خروج ديلان من الشقة، لكن تلك الدقائق بدت لها وكأنها امتدت إلى ساعات.
كانت هازان لا تزال صورتها جاثية إلى جوارها بين عينيها، ويداها ترتجفان وهي تحاول أن تستوعب ما حدث، لم يكن عقلها قادرًا على الربط بين صورة ديلان قبل لحظات، وهي تغادر الشقة شاردة بوجه شاحب، وبين الجسد الذي أصبح الآن ممددًا أمامها غارقًا في الدماء.
عاد إليها المشهد من جديد وكأنها تحاول إستعاب ماحصل امامها في ثواني...
كانت سيارة الإسعاف تشق طريقها بسرعة، وصفارتها تمزق سكون المساء، بينما كانت عائشة تجلس إلى جوار ديلان في المقعد الخلفي، لا تكاد ترفع عينيها عن وجهها الشاحب.
كانت يدها ممسكة بيد ديلان، تضغط عليها بين لحظة وأخرى، وكأنها تحاول أن تمنحها شيئًا من قوتها.
عائشة: تماسكي يا ابنتي... أرجوكِ تماسكي.
لم تكن ديلان تجيبها.
كان قناع الأكسجين يغطي وجهها، والأجهزة من حولها تصدر أصواتًا متقطعة، بينما كان أحد المسعفين يراقب مؤشراتها الحيوية بقلق.
وبعد دقائق بدت أطول من العمر، ظهرت أضواء المستشفى أمامهم.
توقفت سيارة الإسعاف عند مدخل قسم الطوارئ، وما إن فُتح الباب حتى اندفع عدد من الممرضين إلى الخارج، وأسرعوا بإخراج السرير المتنقل الذي كانت ديلان ممددة عليه.
الممرضون: بسرعة! إلى الداخل!،
دفعوا السرير بأقصى سرعة، بينما ركضت عائشة خلفهم وهي تبكي.
عائشة: انتظروا! أنا والدتها... دعوني معها!.
لكن أحد الممرضين أوقفها عند باب الطوارئ.
الممرض سيدتي، لا يمكنك الدخول. الفريق الطبي سيتولى الأمر.
عائشة: لكنها ابنتي!.
الممرض: أعلم، ولكن يجب أن تتركي لنا المجال لإنقاذها.
وقفت عائشة للحظات أمام الباب، عاجزة عن فعل شيء.
ثم تراجعت ببطء، وكأن قدميها لم تعودا تحملانها.
جلست على أحد الكراسي القريبة من غرفة الطوارئ، ووضعت يديها فوق صدرها، بينما راحت عيناها معلقتين بالباب المغلق.
لم تكن تعرف ما الذي يحدث خلفه.
هل ما زالت ديلان تتنفس؟،
هل حالتها مستقرة؟،
هل ستخرج إليهم؟،
أم أن ذلك الباب سيخرج منه خبر يهدم قلوبهم؟،
كل دقيقة كانت تمر كانت تثقل صدرها أكثر.
وبعد مدة، ظهر عزت مسرعًا في أروقة المستشفى، وقد وصل مباشرة من عمله بعدما أخبرته زوجته بما حدث.
ما إن لمح عائشة حتى أسرع إليها.
عزت: عائشة!....
رفعت رأسها نحوه، وما إن رأته حتى انهمرت دموعها من جديد.
جلس بجوارها بسرعة.
عزت: ما الذي حدث لديلان؟، وأين هي؟،
هزت عائشة رأسها وهي تحاول أن تستجمع كلماتها.
عائشة: لا أعلم... وجدناها ملقاة أمام باب الشقة، غارقة في دمائها، كأنها جثة هامدة.
شهق عزت.
عزت: ماذا تقولين؟!..
عائشة: كانت لا تتحرك... بالكاد كانت تتنفس، نقلوها إلى هنا، وأدخلوها غرفة الطوارئ، ومنذ ذلك الوقت لم يخبرني أحد عنها شيئًا.
أمسك عزت بيدها.
عزت: اهدئي يا عائشة... إن شاء الله ستكون بخير.
لكن صوته لم يكن يحمل اليقين الذي حاول أن يظهره.
فهو نفسه كان يرتجف من الداخل.
بعد قليل وصلت عائلة إبراهيم، شقيق عزت، برفقة إبنه.
وما إن علموا بما حدث حتى انضموا إليهم في قاعة الانتظار.
تجمعت العائلة بأكملها في ذلك المكان، لكن لا أحد كان يعرف ماذا يقول.
كانت الأنظار تتجه نحو باب الطوارئ كل بضع ثوانٍ.
كلما فُتح الباب، انتفضت القلوب.
ثم ما إن يخرج أحد الممرضين دون أن يقترب منهم حتى تعود الأنفاس إلى ثقلها من جديد.
مر الوقت ببطء شديد.
حتى خرج الطبيب أخيرًا.
نهض الجميع دفعة واحدة.
اقترب منه عزت.
عزت: دكتور!.
توقفت العائلة أمامه.
قال الطبيب بجدية:
الطبيب: هل أنتم أهل المريضة؟.
عزت: نعم، نحن عائلتها.
نظر الطبيب إليهم ثم قال:
الطبيب: سننقلها إلى غرفة العمليات فورًا.
شحب وجه عائشة.
عائشة: غرفة العمليات؟!...
أومأ الطبيب.
الطبيب: لقد تعرضت لضربة قوية على مستوى الرأس، وهناك نزيف داخل الدماغ، إضافة إلى كدمات وإصابات متعددة.
وضعت عائشة يدها على فمها، بينما اقتربت هازان منها تسندها.
قال عزت بصوت متحشرج:
عزت: وهل حالتها خطيرة؟.
الطبيب: نعم، حالتها تستدعي تدخلاً جراحيًا عاجلًا، لكن نريد أحدا ليمضي على الاوراق لندخلها لغرفة العمليات، هل انت والدها؟.
عزت: انا والد زوجها وبمثابة اباها.
الطبيب: لكن اين زوجها ليمضي لنا لنسرع حتى نتمكن من إنقاذها.
عزت: زوجها مسافر انا سأمضي، أين هي الاروراق؟.
الطبيب: هناك عند موضف الاستقبال.
ثم ابتعد الطبيب سريعًا، تاركًا خلفه عائلة غارقة في الصمت.
لم تمضِ سوى دقائق حتى خرج الممرضون يدفعون السرير الذي كانت ديلان ممددة عليه.
كانت عيناها مغمضتين، ووجهها شاحبًا، وقد وُصل جسدها بعدة أجهزة، بينما علقت المحاليل الطبية بجانبها.
اندفعوا بها نحو غرفة العمليات.
تقدمت عائشة خطوتين وهي تنظر إليها.
عائشة: ديلان...
لكن الباب أُغلق أمامها.
وقفت في مكانها، عاجزة عن الحركة.
ثم وضعت يدها على قلبها وهمست:
عائشة: يا رب... لا تأخذها مني.
مرت الساعة الأولى...
ثم الثانية...
ثم الثالثة...
وبقي باب غرفة العمليات مغلقًا.
كانت العائلة تجلس في صمت ثقيل، لا يكسره سوى صوت خطوات الممرضين في الممر.
عائشة لم تتوقف عن الدعاء.
هازان كانت تمسك بيدها.
أما عزت فكان يمشي ذهابًا وإيابًا أمام غرفة العمليات، وكلما مر طبيب بالقرب منه رفع رأسه مترقبًا.
لكن لا أحد كان يملك إجابة.
ومع اقتراب غروب الشمس، بدأت خيوط الضوء تتسلل من نوافذ المستشفى، بينما كان الجميع قد فقدوا الإحساس بالوقت.
وفجأة...
انفتح باب غرفة العمليات.
خرج الطبيب.
كان التعب واضحًا على وجهه، وقد بدا منهكًا، ورفع يده إلى جبينه ومسحه، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
ما إن رأته العائلة حتى اندفعوا نحوه.
قال عزت:
عزت: كيف هي ابنتي يا دكتور؟.
وسألت عائشة بصوت مرتجف:
عائشة: طمئنني يا دكتور... كيف حال ابنتي؟.
نظر الطبيب إليهما، ثم قال:
الطبيب: الحمد لله... العملية نجحت.
أغمضت عائشة عينيها للحظة، وانفجرت بالبكاء.
لكن الطبيب تابع:
الطبيب: استطعنا إيقاف النزيف الذي كان موجودًا على مستوى الدماغ، وثبتنا ساقها اليسرى ويدها اليمنى.
تنفست العائلة الصعداء، لكن الطبيب لم يبتسم.
بل تابع بنبرة أكثر جدية:
الطبيب: لكنني لا أريد أن أخفي عليكم الأمر... حالتها ما تزال خطيرة.
تجمدت ملامح عائشة.
عائشة لماذا؟.
الطبيب: لقد فقدت كمية كبيرة من الدم، وتحتاج إلى نقل دم بشكل عاجل.
قال عزت:
عزت: سنوفره فورًا.
هز الطبيب رأسه.
الطبيب: فصيلة دمها نادرة، وهي O سالب.
ساد الصمت.
الطبيب: يجب أن تحصل على الدم بصفة عاجلة، وإلا فإن الأمر قد يصبح بالغ الخطورة.
ثم قال:
الطبيب: سننقلها الآن إلى غرفة العناية الفائقة، والساعات القادمة ستكون حاسمة، علينا أن نراقب استجابتها ونؤمّن لها الدم بأسرع وقت ممكن.
ثم ابتعد الطبيب.
وقفت العائلة في حالة من الذهول.
بدأوا يسألون عن فصائل دمهم، واحدًا تلو الآخر.
لكن لم تكن فصيلة أحدهم متطابقة مع فصيلة ديلان.
ساد اليأس المكان.
حتى قالت عائشة فجأة:
عائشة: باران.
رفع عزت رأسه.
عزت: ماذا؟.
عائشة: يجب أن أتصل بباران.
ثم نظرت إلى عزت.
عائشة: أظن أنه الوحيد القادر على إنقاذها الآن... ففصيلة دمه تتطابق مع فصيلة ديلان.
ارتجفت عائشة.
عائشة: اتصل به يا عزت... أرجوك.
أخرج عزت هاتفه، وبحث عن اسم ابنه، ثم ضغط على زر الاتصال.
رن الهاتف.
مرة...
مرتين...
ثم جاء صوت باران من الطرف الآخر:
باران: ألو... أبي؟، كيف حالكم؟.
أغمض عزت عينيه للحظة، ثم قال:
عزت: نحن بخير والحمد لله، لكن...
توقف.
وكان ذلك التوقف وحده كافيًا ليشعر باران بأن شيئًا خطيرًا قد حدث.
باران: ما بك يا أبي؟، ماذا حدث؟.
ابتلع عزت غصته.
عزت: ديلان يا بني...
تغير صوت باران فورًا.
باران: ماذا بها ديلان؟.
قال عزت بصوت ثقيل:
عزت: لقد تعرضت لحادث... ونقلت إلى المستشفى.
تجمد باران في مكانه.
باران: حادث؟.
عزت: نعم... حالتها خطيرة جدًا، وهي الآن في غرفة العناية الفائقة، بين الحياة والموت.
لم يستطع باران الرد.
كأن العالم توقف من حوله.
ديلان...
زوجته...
المرأة التي كان يتحدث معها قبل ساعات فقط.
المرأة التي كان قد أخبرها ببرود أنه بدأ إجراءات الطلاق.
قبل ساعات فقط كان قد حمل الهاتف وقال لها كلمات قاسية، ظانًا أن الوقت أمامهما طويل، وأن بإمكانه أن يعاقبها بالصمت والابتعاد.
والآن...
كانت بين الحياة والموت.
أغلق باران عينيه، وشعر بوخزة حادة تخترق صدره.
كانت تلك أول مرة يدرك فيها باران أن فكرة فقدانها لم تكن مجرد احتمال يخيفه...
بل كانت موتًا بطيئًا بدأ يشعر به قبل أن تحدث النهاية.
وفي تلك اللحظة، لم يعد يريد سوى شيء واحد:
أن يعود إليها قبل أن تغادر هذه الدنيا دون رجعة.