رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والخمسون51 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والخمسون51 بقلم عاشقة القلم

تتعالى آهاتي، وتصرخ في داخلي، تناجي عودتك...

كيف ستمضي حياتي من دونك؟

ليس لي مكان أنتمي إليه سوى عينيك، وإلى أن أراك مجددًا سأبقى هنا، أتذكرك وأشتاق إليك دائمًا. لن تبقى لديّ دموع لأبكيك بها، فقد جفّت جميعها منذ رحيلك، لكن هناك شيئًا واحدًا لا أستطيع إنكاره...

يقيني بأنك عائد إليّ لا محالة.

تظن أنك قوي بما يكفي لتحيا من دوني، لكنك لا تعلم أنني ضعيفة، هشة، وأن قوتي الحقيقية لا تكون إلا بقربك.

سأنتظرك بأمل لا ينقطع أبدًا، لكن لا تطل الغياب... فكن على يقين أن الرياح ستهوي بي، ولن تتركني، ومع كل قطرة مطر تسقط من السماء، سأشعر وكأنني أسقط معها... ولن ترحمني.


-----------📝✏️📖-----------


داخل أحد المستشفيات ...

كانت عائشة تجلس على أحد المقاعد أمام غرفة العمليات، وقد بدت عليها علامات الانهيار، كانت شاحبة الوجه، ترتجف يداها بين حين وآخر، وعيناها معلقتين بذلك الباب المغلق منذ ساعات.

كانت هي من عثرت على ديلان برفقة هازان، بعدما خانتها قدماها وسقطت على الدرج، لترتطم رأسها بقوة وتصاب بجرح غائر في مقدمة رأسها.

وهي من اتت معها للمستشفى في سيارة الاسعاف، ومنذ ذلك الحين، لم تفارق عائشة باب غرفة العمليات، وكأن ابتعادها عنه ولو لخطوة واحدة قد يعني خسارتها للأبد.

جلس إبراهيم إلى جوار زوجة شقيقه، محاولًا أن يبدو متماسكًا رغم القلق الذي كان ينهش قلبه، ثم قال برفق:

إبراهيم: خلي إمانك بربنا كبير يا عائشة... إن شاء الله يخرج الطبيب ويطمئننا عليها.

التفتت إليه عائشة بعينين غارقتين في الخوف، وقالت بصوت مرتجف:

عائشة: لا إله إلا الله... لكن كيف سيطمئننا عليها؟، لقد مضت خمس ساعات وهم داخل غرفة العمليات، ولم يخرج أحد حتى الآن!.

لم يجد إبراهيم ما يجيبها به، فاكتفى بالصمت، بينما اقترب روني منها، وربت على كتفها محاولًا مواساتها.

روني: ادعي لها يا زوجة عمي، ادعي أن يأخذ الله بيدها وتقوم لنا بالسلامة.

رفعت عائشة يديها إلى السماء، وانهمرت دموعها على وجنتيها وهي تناجي ربها بقلب أم لم يعد يحتمل المزيد من الخوف.

عائشة: يا رب... يا رب، أنت وحدك العالم بحالها، إنها مسكينة يا رب، فلا تكلها إلى ضعفها، أقمها لنا بالسلامة، ولا تجعلني أُصاب فيها يا الله... يا رب، طمئن قلوبنا عليها، اللهم إني أستودعك إياها، فاحفظها بعنايتك ورحمتك... يا رب، يا رب.

كان عزت يقف أمام غرفة العمليات، وقد بدت ملامح القلق واضحة على وجهه، كان يحدق في الباب المغلق، وكأن عينيه تحاولان اختراقه لمعرفة ما يحدث خلفه.

وبعد دقائق بدت كأنها دهر، انفتح الباب أخيرًا.

خرج الطبيب بوجه شاحب وملامح مثقلة بالجدية، فاندفع عزت نحوه على الفور، وقد سبقته لهفته:

عزت: ابنتي يا دكتور... أرجوك، أخبرني كيف حالها؟.

وما إن رأت عائشة الطبيب حتى أسرعت نحوه، تتعثر خطواتها من شدة الخوف.

عائشة: أرجوك طمئنا يا دكتور... قل لنا إن ابنتنا بخير.

ظل الطبيب صامتًا لثوانٍ، فبدأ قلب عائشة يخفق بعنف، وشعرت بأن الأرض تميد من تحت قدميها.

حدقت في وجهه، ثم خرج صوتها مخنوقًا بالرعب:

عائشة: لا... لا تقل لي إن... إن ابنتي ماتت!.

عندها تحدث الطبيب بهدوء:

الطبيب: اهدئي يا سيدتي، المريضة تعرضت لكسرين؛ أحدهما في ساقها اليسرى، والآخر في ذراعها اليمنى، والحمد لله، هذه الإصابات يمكن التعامل معها، والأهم أننا تمكنا من إيقاف النزيف الموجود في مقدمة رأسها.

أغمضت عائشة عينيها للحظة، وكأنها تستعيد أنفاسها التي احتجزها الخوف، ثم تمتمت بحمد الله:

عائشة: الحمد لله... يا رب لك الحمد والشكر.

لكن الطبيب لم يبتسم.

بل ظل واقفًا أمامهم بملامح مثقلة، ثم قال:

الطبيب: لكن...

تجمدت ملامح الجميع.

اقترب إبراهيم منه بلهفة:

إبراهيم: لكن ماذا يا دكتور؟، ماذا هناك؟.

أما عزت فتغير وجهه، وشعر بانقباض في صدره، ثم قال باضطراب:

عزت: أنت تخفي عنا شيئًا... أليس كذلك؟.

نظر الطبيب إليهم جميعًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:

الطبيب: السيدة ديلان فقدت كمية كبيرة من الدم، وهي في الوقت الحالي بحاجة ماسة إلى نقل دم.

شعرت عائشة بأن قلبها انقبض من جديد.

تابع الطبيب:

الطبيب: وللأسف، فصيلة دمها Oسالب غير متوفرة لدينا، ولم نتمكن من العثور عليها في المستشفيات الأخرى حتى الآن.

شهقت عائشة، بينما تبادل الرجال النظرات القلقة.

ثم أضاف الطبيب بصوت أكثر جدية:

الطبيب: وهناك أمر آخر... بسبب قوة ارتطام رأسها أثناء سقوطها، هناك احتمال أن تدخل في غيبوبة.

اتسعت عينا عائشة، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.

عائشة: غيبوبة؟!.

أومأ الطبيب بأسف.

الطبيب: للأسف، نعم. لقد ارتطمت رأسها بقوة بالحائط أثناء سقوطها، أجرينا لها أشعة مقطعية على الدماغ، لكن لا يمكننا تحديد النتائج بصورة نهائية إلا بعد مرور ثمانٍ وأربعين ساعة، لذلك، علينا أن نراقب حالتها عن كثب.

وضعت عائشة يدها على فمها، وبدأت دموعها تنهمر من جديد.

أما عزت فظل واقفًا في مكانه، عاجزًا عن الكلام، وكأن كل كلمة قالها الطبيب كانت تسلب منه جزءًا من روحه.

تابع الطبيب:

الطبيب: أرجوكم، ادعوا لها، حالتها تحتاج إلى الدعاء والصبر... لكن الأمر الأكثر إلحاحًا الآن هو الدم، يجب أن نعثر على فصيلتها في أسرع وقت ممكن، لأنها تحتاج إلى نقل الدم فورًا.

ثم نظر إليهم وقال:

الطبيب: إذا كان أحد منكم مستعدًا للتبرع، فليأتِ معي الآن، وسنجري له الفحوص اللازمة لنتأكد من أن فصيلة دمه متطابقة مع فصيلتها.

ساد الصمت للحظات.

كان كل واحد منهم ينظر إلى الآخر، بينما ارتفعت في قلوبهم دعوة واحدة، رجاء واحد، وأمل واحد...

أن يجدوا الدم الذي تحتاجه ديلان قبل فوات الأوان.


بعد دقائق من الانتظار، أُجريت الفحوص اللازمة لأفراد العائلة، واحدًا تلو الآخر، بحثًا عن أي فصيلة دم يمكنها أن تنقذ ديلان.

لكن النتيجة جاءت كالصاعقة...

لم تتطابق فصيلة دم ديلان مع فصيلة أيٍّ منهم.

ساد الصمت في المكان، صمت ثقيل لم يكن يقطعه سوى أصوات الأجهزة القادمة من خلف باب غرفة العناية الفائقة.

حدقت عائشة في الطبيب بعينين غارقتين بالدموع، وكأنها تنتظر منه أن يقول إن هناك خطأ ما، أن يعيد الفحص، أن يخبرها بأي شيء يمكن أن يمنحها أملًا.

لكن الطبيب لم يقل شيئًا.

عندها انهارت عائشة بالبكاء، وراحت تمسح دموعها بيدين مرتجفتين وهي تقول بصوت اختنق بالعجز:

عائشة: يا حبيبتي يا ابنتي... هل سنظل هكذا؟، هل سنتركها حتى تذهب من بين أيدينا؟! ، ولم تتطابق فصيلتها مع أيٍّ منا!.

كانت كلماتها تخرج ممزوجة بالنحيب، بينما وقف عزت عاجزًا عن مواساتها، يشعر للمرة الأولى أن المال والنفوذ وكل ما يملكه لا قيمة له أمام قطرة دم قد تنقذ حياة فتاة أصبحت كابنته.

وفجأة، رفعت عائشة رأسها كمن تذكرت شيئًا غاب عنها في غمرة الخوف، واتسعت عيناها قبل أن تهتف:

عائشة: باران... باران!.

رفع عزت رأسه إليها، وكأن الاسم أعاد إليه شيئًا من الأمل الذي أوشك أن ينطفئ.

عزت: نعم! باران... كيف نسيناه؟!، أليست فصيلته هي نفسها فصيلة ديلان؟.

أومأت عائشة بسرعة، وقد تشبثت بذلك الأمل بكل ما أوتيت من قوة.

عائشة: نعم... نعم، فصيلته مطابقة لفصيلتها!.

تنفس إبراهيم الصعداء، وقال بلهفة:

إبراهيم: إذن اتصل به يا عزت!، اجعله يعود إلى الوطن فورًا، لا وقت لدينا!.

وتدخل روني على الفور، وقد بدا القلق واضحًا في عينيه:

روني: نعم يا عمي، أرجوك اتصل به الآن! إنه الوحيد الذي يستطيع إنقاذها.

أخرج عزت هاتفه بيد مرتجفة، وضغط على اسم ابنه، بينما راحت عائشة تنظر إليه بعينين معلقتين بالهاتف، وكأنها تنتظر منه أن يحمل إليها طوق النجاة.


خارج الوطن وفي الفندق...

عاد باران من عمله متعبًا، ودلف إلى غرفته في الفندق الذي أقام فيه منذ وصوله إلى البلاد.

خلع سترته وألقاها على طرف السرير بلا اهتمام، ثم مرر يده على وجهه قبل أن يلتقط أنفاسه.

وفجأة، قطع رنين هاتفه سكون الغرفة.

نظر إلى الشاشة، وحين رأى اسم والده، تبدلت ملامحه قليلًا، ثم أجاب المكالمة على الفور:

باران: السلام عليكم يا أبي، كيف حالك؟، هل أنت بخير؟.

حاول عزت أن يتماسك، وأن يخفي عن ابنه ما يعتصر قلبه من ألم، فأجابه بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا:

عزت: وعليكم السلام يا بني... الحمد لله، أنا بخير. وكيف حالك أنت؟.

ابتسم باران ابتسامة خافتة، ثم جلس على حافة السرير.

باران: الحمد لله... وكيف حال أمي؟.

لم يستطع عزت أن يجيبه فورًا.

انحشر الكلام في حلقه، وارتجفت أنفاسه، لكنه أدرك أنه لا يملك وقتًا للتردد.

قال بصوت حاول أن يجمع فيه ما تبقى من تماسكه:

عزت: باران... عليك أن تعود إلى الوطن الليلة، وليس غدًا.

اعتدل باران في جلسته فجأة، وقد تبدلت ملامحه.

باران: الليلة؟؛ لماذا يا أبي؟؛ هل حدث شيء؟.

نهض عن السرير دفعة واحدة، وقد بدأ القلق يتسلل إلى صوته.

باران: هل أصاب أمي مكروه؟، هل حدث شيء لهازان؟، كاران؟، ملك؟ ،هل أصاب أحدًا من أفراد عائلة عمي شيء؟.

لم يجب عزت.

وكان صمته كافيًا ليزرع الرعب في قلب باران.

ثم قال عزت بصوت مثقل بالعتاب:

عزت: سألت عن الجميع... ونسيت أن تسأل عن أهم واحدة.

تجمد باران في مكانه.

ساد الصمت بينهما لثوانٍ بدت أطول من عمر كامل.

ثم شحب وجهه فجأة، وجف حلقه، وكأن قلبه عرف الإجابة قبل أن ينطق بها لسانه.

خرج الاسم من بين شفتيه مرتجفًا:

باران: ديلان...؟.

أغمض عزت عينيه، وانهمرت دمعة ساخنة على وجنته، ثم قال بصوت متهدج:

عزت: نعم يا بني... ديلان.

ارتجف صوت باران:

باران: ماذا حدث لها يا أبي؟.

ابتلع عزت غصته، ثم قال الجملة التي شعر أنها ستسحق قلب ابنه:

عزت: ألحق بزوجتك يا بني... إنها تموت.

توقفت أنفاس باران.

لم يسمع شيئًا بعد تلك الكلمة.

تجمدت يده حول الهاتف، وشعر وكأن العالم كله توقف من حوله.

باران: لماذا؟، ماذا حدث؟، أخبرني يا أبي... ماذا حدث لديلان؟!.

جاءه صوت عزت من الطرف الآخر مثقلًا بالحزن:

عزت: عندما تأتي ستعرف كل شيء... فقط إنتبه لنفسك ولا تتأخر يا بني، زوجتك قد تذهب من بين أيدينا في أي لحظة.

لم يجد باران ما يقوله.

تلعثم لسانه، وضاقت أنفاسه، بينما راحت آلاف الأفكار تضرب رأسه في اللحظة ذاتها.

ديلان...

زوجته.

المرأة التي حاول أن يقنع نفسه طويلًا بأنه قادر على الابتعاد عنها، وأن وجودها في حياته لا يعني شيئًا، وأن قلبه ما زال أسيرًا لماضٍ لم يستطع التخلص منه.

لكن في تلك اللحظة...

حين سمع أنها قد ترحل...

اكتشف الحقيقة التي كان يهرب منها.

لم يكن قلبه منفصلًا عنها يومًا.

سقط الهاتف من بين أصابعه، دون أن يشعر حتى بذلك.

اندفع نحو الباب كالمجنون، ولم يفكر في ملابسه ولا في حقيبته ولا في أي شيء آخر، ترك كل متعلقاته خلفه، ولم يأخذ معه سوى جواز سفره.

خرج من الفندق مسرعًا، واستقل أول سيارة أجرة وجدها، متجهًا إلى المطار.

كان يقود حياته بعيدًا عنها منذ زمن...

لكن خبرًا واحدًا كان كافيًا ليعيده إليها راكضًا.

فمهما حاول الإنسان أن يبتعد عمّن يسكن قلبه، يبقى الحب خيطًا خفيًا لا ينقطع، وكلما ظن أنه ابتعد، شدّه ذلك الخيط من جديد حتى يجد نفسه أقرب مما كان.

وربما لم يكن باران يدرك ذلك من قبل...

أما الآن، فقد أدرك شيئًا واحدًا فقط:

أنه لا يستطيع أن يخسر ديلان.

ليس الآن...

ولا غدًا...

ولا إلى الأبد.

فهي، شاء أم أبى، لم تعد مجرد امرأة دخلت حياته مصادفة، بل أصبحت جزءًا من قلبه، وشيئًا من روحه، وعشقًا لم يستطع الهرب منه مهما حاول.

فهو يعلم انها ستبقى عشقه وبداخل قلبه والى الابد.

وكان عليه أن يصل إليها...

قبل أن يسبقه الموت إليها.


داخل شقة إبراهيم...

كانت صفية تجلس على الأريكة في صمت، وقد بدا التوتر جليًّا على ملامحها، كانت أصابعها متشابكة في حجرها، وعيناها شاردتين في نقطة مجهولة أمامها، بينما قلبها يضطرب كلما تخيلت حال ديلان خلف أبواب المستشفى.

تمتمت بخفوت، وكأنها تناجي الله وحده:

صفية: يا رب... أقمها لنا بالسلامة، يا رب، إنها مسكينة وعلى سجيتها... فلا يصيبها مكروه.

وفي تلك اللحظة، ظهرت دنيز من المطبخ وهي تحمل بين يديها كوبًا من النسكافيه، تقدمت بخطوات هادئة، ثم جلست إلى جوار والدتها، ولم يكن على وجهها ما يدل على أنها تشاركها القلق.

نظرت إلى أمها باستغراب، ثم سألتها ببرود:

دنيز: من هذه التي تدعين لها بكل هذا الحزن؟.

التفتت إليها صفية، وكأن السؤال ذاته يؤلمها، ثم أجابتها بصوت مرتجف:

صفية: ديلان يا دنيز... ديلان تحتضر، اتصلت بأخيك منذ قليل، وأخبرني أنها فقدت الكثير من الدم، وأنها بحاجة إلى نقل دم، لكن فصيلتها غير متوفرة.

توقفت لحظة، ثم تابعت وقد ازداد صوتها اختناقًا:

صفية: والأسوأ من ذلك أن الأطباء أخبروهم أنها قد تدخل في غيبوبة حتى لو نجت، لأن رأسها ارتطم بقوة بالحائط أثناء سقوطها.

أنهت صفية كلامها وهي تنتظر أن ترى في وجه ابنتها شيئًا من الشفقة، ولو قليلًا.

لكن دنيز لم تتغير ملامحها.

ارتشفت رشفة من كوبها بكل هدوء، ثم قالت بلا مبالاة:

دنيز: حسنًا... هكذا هي الحياة، كل إنسان ينال نصيبه.

رفعت صفية عينيها إليها بذهول، ولم تصدق ما سمعته.

حدقت في ابنتها طويلًا، ثم قالت بامتعاض:

صفية: ما بكِ؟!، أليس لكِ قلب؟!، لقد أعمى الحقد والغيرة قلبكِ... حرام عليكِ!، ماذا فعلت لكِ تلك الفتاة حتى تكرهيها بكل هذا القدر؟.

وضعت دنيز كوبها جانبًا، وقالت بسخط لم تحاول إخفاءه:

دنيز: نعم، أكرهها... وأشمت بها أيضًا!.

ارتجفت ملامح صفية.

تابعت دنيز، وكأنها تتحدث عن شخص لا قيمة له:

دنيز: لأنها أخذت مني حبيبي مراد، ولم تتركه إلا بعدما أصبح تحت التراب.

شهقت صفية، وقالت باستنكار:

صفية: أعوذ بالله منكِ! ما الذي أصابكِ؟ أولًا، هي لم تأخذه منكِ، مراد هو من اختارها، ولو كان يريدكِ أنتِ، لتقدم إليكِ وتزوجكِ.

ثم أضافت بصرامة:

صفية: وثانيًا، الأعمار بيد الله يا دنيز، مراد انتهى أجله، وهذا أمر لا دخل لأحد فيه.

رفعت دنيز حاجبيها بدهشة ساخرة، ثم قالت:

دنيز: ما بكِ يا أمي؟، لماذا تدافعين عنها بهذه القوة؟.

نظرت إليها صفية بامتعاض، وقالت:

صفية: لأن أفعالكِ لم تعد تعجبني.

ضحكت دنيز بسخرية، ثم مالت إلى الخلف وقالت:

دنيز: حقًا؟؛ أفعالي لم تعد تعجبكِ؟، ولماذا؟، كانت تعجبكِ من قبل، أليس كذلك؟.

ثم حدقت في أمها وأضافت:

دنيز: ألم تكوني تساعدينني في التفريق بينها وبين مراد؟، ألم تكوني تقفين إلى جانبي وتحاولين إيقاع الخلاف بينهما؟، فما الذي تغير فجأة؟.

خفضت صفية عينيها، وشعرت بوخزة ندم حادة في صدرها.

قالت بصوت مثقل بالحسرة:

صفية: نعم... وقفت إلى جانبكِ، لأنني كنت أظن أن مراد غير مرتاح معها، وأنه لم يتزوجها عن رغبة حقيقية.

رفعت عينيها إلى ابنتها، وأكملت:

صفية: لكنني رأيت كل شيء بعد ذلك... رأيت قسوته عليها، ورأيت تهوره حين شك فيها واتهمها في شرفها مع أخيكِ، عندها أدركت أن مراد هو من أخطأ في حقها، وأنها، رغم كل ما فعله بها، اختارت أن تعود إليه لأنها أحبته.

سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة تحمل عتابًا عميقًا:

صفية: أما أنتِ... فلم تحبيه يومًا.

تجمدت دنيز في مكانها.

ثم نهضت فجأة عن الأريكة، وقد بدا الغضب في عينيها، وصرخت:

دنيز: أنا؟! أنا لم أحبه؟! إذن لماذا فعلت كل ذلك؟!.

نظرت إليها صفية بثبات، وقالت بحزم:

صفية: لأن ما فعلتِه ليس حبًا.

اقتربت دنيز منها، لكن صفية تابعت دون أن تتراجع:

صفية: هذا حقد يا دنيز، لقد حقدتِ عليها لأنها كانت الفتاة التي اختارها مراد من خارج العائلة، ولم تستطيعي تقبل أنه فضّلها عليكِ.

ثم أردفت:

صفية: ولو كنتِ أحببتِ مراد حقًا، لتمنيتِ له السعادة حتى لو لم تكن معكِ.

اتسعت عينا دنيز، وكأن كلمات أمها أصابتها في أكثر مواضعها حساسية.

دنيز: أمي... كيف تستطيعين قول هذا عني؟.

نظرت إليها صفية شزرًا، وقد نفذ ما بقي لديها من صبر.

صفية: اذهبي... اذهبي الآن من أمامي واتركيني وحدي بما أنا فيه.

توقفت دنيز للحظات، ثم التقطت كوبها وغادرت بخطوات غاضبة، تاركة خلفها أمًا غارقة في أفكارها.

وما إن أُغلق الباب خلف ابنتها، حتى انخفضت صفية بنظرها إلى الأرض، وكأنها رأت أمام عينيها من جديد ذلك المشهد الذي حاولت طوال الساعات الماضية دفنه في ذاكرتها...

ديلان...

جسدها الهزيل ملقى على الدرج، والدماء تسيل من رأسها، ووجهها الشاحب لا يحمل أي قدرة على المقاومة.

ارتجفت صفية، ووضعت يدها على صدرها.

لم تستطع الصورة أن تفارق ذهنها.

همست والدموع تنساب بصمت على وجنتيها:

صفية: يا رب... كن معها.

ثم أغمضت عينيها، وقالت بصوت مكسور:

صفية: سامحني يا رب... سامحني على كل كلمة قلته بحقها، وعلى كل موقف وقفت فيه ضدها... لم أكن أعلم أن الأمور ستصل إلى هذا الحد.

شهقت وهي تمسح دموعها:

صفية: يا رب، لا تؤاخذها بما فعلته أنا... وأعدها إلى أهلها سالمة، أقمها بالسلامة، وأعطني فرصة لأكفّر عن خطئي.

ثم رفعت يديها إلى السماء، وانهمرت دموعها بحرارة:

صفية: يا رب... لا تجعل ذنبي سببًا في خسارتها، أنقذها، يا رب... أنقذها.


داخل المشفى...

حلَّ الليل، وبسط عباءته السوداء فوق المكان، وكأنما ألقى على الأجواء مسحةً من الحزن والسكون، فخفتت الأصوات، وتوارى ضجيج النهار، وبدت السماء كأنها تشارك القلوب ما يختبئ فيها من أثقالٍ لا تُرى، كان الجميع يجلسون في الممر القريب من غرفة العناية الفائقة، حيث نُقلت ديلان منذ قليل بعد انتهاء الأطباء من إسعافها، لم يكن أحد منهم يتحدث، وكأن الكلمات عجزت عن التعبير عما يعتمل في صدورهم.

كانت عائشة جالسة وقد عقدت يديها فوق صدرها، لا تكف عن الدعاء، بينما ظل عزت واقفًا بالقرب من الباب، يرمقه بين الحين والآخر وكأن خروجه مرة أخرى قد يحمل معه خبرًا يحدد مصيرهم جميعًا.

وفجأة...

ظهر باران في نهاية الممر.

كان يهرول باتجاههم، وأنفاسه متلاحقة، وملامحه شاحبة كمن قطع مسافة طويلة وقلبه يسبقه إليها.

وما إن وقعت عيناه على والدته حتى اندفع نحوها، وألقى بنفسه بين ذراعيها، وقد خرج صوته متهدجًا:

باران: ديلان يا أمي... ديلان!.

احتضنته عائشة بقوة، وربتت على كتفه محاولة تهدئته، رغم أن دموعها كانت تنساب من عينيها.

عائشة:  كان الله معها يا باران... ادع لها، يا بني.

لكن باران لم يكن يسمع سوى اسمها يتردد في رأسه.

اقترب عزت منه، وجذبه إلى صدره في عناق أبوي مثقل بالمشاعر، ثم قال:

عزت: حمدًا لله على سلامتك يا بني.

ابتعد باران عنه قليلًا، وقد بدت اللهفة في عينيه، وسأل بصوت يكاد ينكسر:

باران: أين ديلان؟، كيف حالها الآن؟.

تبادل الجميع النظرات، قبل أن يجيبه إبراهيم بصوت هادئ:

إبراهيم: ادعُ لها يا بني... هذا كل ما نستطيع فعله الآن.

شعر باران بانقباض في صدره، وكأن تلك الكلمات تخفي خلفها شيئًا يخشاه.

وقبل أن يسأل من جديد، ظهر روني من الجهة الأخرى من الممر، وكان يحمل صينية عليها أربعة أكواب من الشاي الساخن.

اقترب منهم، ورحب بباران، ثم بدأ بتقديم الأكواب إلى والده وعمه.

مد أحد الأكواب إلى عائشة، لكنها هزت رأسها رافضة.

عائشة: لا أريد شيئًا يا روني.

ابتسم روني لها بحنان، وأصر عليها:

روني: لا يا زوجة عمي، اشربي الشاي، من فضلك، أنتِ لم تتناولي شيئًا منذ الصباح.

ثم أخرج من يده كبسولة مسكنة ومدها إليها.

روني: وخذي هذه أيضًا، طلبتها من الممرضة من أجلك، حتى يخف الصداع الذي تعانين منه، إن شاء الله ستقوم ديلان بالسلامة، فلا تفقدي الأمل.

نظرت إليه عائشة بعينين ممتلئتين بالامتنان، ثم أخذت الكبسولة والكوب.

عائشة: شكرًا لك يا بني... بارك الله فيك.

وفي تلك اللحظة، انفتح باب العناية الفائقة.

خرج الطبيب، فتوقف الجميع عن الكلام، واتجهت أنظارهم إليه في لحظة واحدة.

لم ينتظر باران حتى يقترب الطبيب منهم، بل اندفع نحوه، وقال بلهفة:

باران: أرجوك يا دكتور... طمئنني عليها.

نظر الطبيب إليه باستغراب، ثم سأله:

الطبيب: من حضرتك؟.

تلعثم باران للحظة، وكأن مجرد نطق الإجابة سيجعل الأمر أكثر حقيقة، ثم قال بصوت مكسور:

باران: أنا... أنا زوجها.

تغيرت ملامح الطبيب قليلًا، ثم أخبره بكل ما حدث، وبحاجتها العاجلة إلى الدم، وبأن فصيلة دمها لم تتطابق مع أي شخص من أفراد العائلة.

لم يتردد باران لحظة واحدة.

باران: خذوا مني الدم... فصيلتي مطابقة لفصيلتها.

نظر الطبيب إليه، ثم أومأ بسرعة.

الطبيب: تعال معي.

غادر باران برفقة الطبيب، بينما بقيت العائلة خلفهما، تتابعهما بعيون معلقة بالأمل.

أُجريت الفحوص اللازمة، وجاءت النتيجة التي كانوا ينتظرونها...

كانت فصيلة دم باران مطابقة لفصيلة ديلان.

وفي الحال، بدأ التبرع بالدم، ثم نُقلت أكياس الدم والمغذيات إلى جسد ديلان المنهك، بينما كان باران يتابع كل شيء بقلب يرتجف.

وللمرة الأولى منذ أن علم بما حدث لها، شعر أنه يستطيع أن يقدم لها شيئًا حقيقيًا... شيئًا قد يعيدها إليه.

بعد انتهاء التبرع، وقف أمام باب العناية الفائقة، وظل يحدق في الداخل من خلال الزجاج.

كانت ديلان مستلقية على السرير، شاحبة، ساكنة، تحيط بها الأجهزة والأسلاك، بينما كان صدرها يرتفع وينخفض ببطء.

شعر باران بغصة خانقة في حلقه.

اقترب من الطبيب وقال برجاء:

باران: أرجوك يا دكتور... اسمح لي أن أدخل إليها.

تردد الطبيب.

الطبيب: الدخول ممنوع إلا للضرورة، وحالتها تحتاج إلى الهدوء.

لكن باران لم يتراجع.

باران: دقيقة واحدة فقط... أرجوك. أريد أن أراها، ولو من بعيد، أريد فقط أن أطمئن عليها بعيني.

ظل يلح عليه، حتى تنهد الطبيب وأومأ بالموافقة.

الطبيب: حسنًا، لكن لبضع دقائق فقط.

ارتدى باران ملابس التعقيم، ثم دخل بخطوات بطيئة إلى غرفة العناية.

وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد في مكانه.

كانت ديلان التي اعتاد أن يراها قوية، متماسكة، حاضرة في كل تفاصيل حياته دون أن يعترف بذلك...

ترقد الآن أمامه بلا حراك.

اقترب منها ببطء، وجلس إلى جوار سريرها، ثم أمسك يدها بحذر شديد، وكأنه يخشى أن يؤلمها بمجرد لمسها.

حدق في وجهها طويلًا، وشعر بأن شيئًا في داخله ينهار.

لو كانت تسمعه الآن، لقالت له ما عجزت عن قوله وهي مستيقظة:

لم أعد قادرة على كتمان حبي لك... لم أعد أستطيع.

لماذا لم تفِ بوعدك؟، لماذا تركتني وحدي، ولم تبقَ إلى جانبي كما تمنيت ذات يوم؟،

لقد حطمت حياتي، كما لو أن نجمة سقطت من السماء، ثم اختفت إلى الأبد.

كيف استطعت المضي بعيدًا عني؟، ألم تشعر يومًا أنني أنتمي إليك، كما كنت تنتمي إليّ؟،

كانت أحلامهما متشابهة...

وقلوبهما، رغم كل ما حدث، ظلت معلقة بخيط خفي من الحب.

أما أرواحهما، فبدت كأنها عالقة في مكان ما بين القرب والفراق،

وربما كان أكثر ما يؤلمها أنها لم تكن تعرف إن كان القدر سيمنحهما فرصة أخرى.

هل سيلتقيان من جديد؟،

أم أن بعض القلوب حين تتحطم، لا تجد طريقًا للعودة إلى بعضها مهما طال الانتظار؟.


داخل غرفة العناية الفائقة...

لم يكن قلب باران قادرًا على النسيان، مهما حاول أن يقنع نفسه بعكس ذلك.

فعيناها الرماديتان الحالِمتان، اللتان عشقهما يومًا بلهفة لم يفهمها، ظلتا عالقتين في ذاكرته رغم السنوات، وحين اشتاق إلى وجهها، أدرك متأخرًا أنها هي المرأة التي ظل يبحث عنها دون أن يعرف.

لكنه ابتعد...

ابتعد بدافع كبريائه، وبنى بينه وبينها جدارًا من القسوة، ثم عاد الآن يبحث عنها من جديد.

لكنها لم تكن كما تركها في ذاكرته.

لم يجد تلك الجميلة التي كانت تسكن أحلامه، بل وجد أمامه امرأة أنهكها الحزن، وحطمتها السنوات، وأثقل الخوف روحها حتى كادت الحياة تنسحب منها.

تمنى لو تفتح عينيها للحظة واحدة فقط،

لو تمنحه فرصة أخرى،

لو يسمع صوتها من جديد،

كان سيخبرها بكل شيء...

سيخبرها أنه يحبها، وأنه سيظل يحبها ما بقي حيًّا، وأنه لن يسمح للفراق أن ينتصر عليهما مرة أخرى.

كان وجودها بالنسبة إليه أشبه بالحياة ذاتها؛ فإذا غابت، غابت معها قدرته على التنفس.

أما حياته من دونها، فلم تكن سوى صحراء قاحلة، يسقيها بدموعه دون أن ترتوي، ويشعر فيها بالبرد حتى في أشد أيام الشمس حرارة.

كان وحيدًا...

وحدة قاتلة لا يعرف كيف يهرب منها إلا إليها.

ولهذا، لم يكن أمامه سوى أن يناجيها بصمته:

تشبثي بالحياة يا ديلان... أرجوكِ. عودي إليّ.


دلف باران إلى غرفة العناية الفائقة بعد أن ارتدى الملابس الطبية المخصصة للزوار، وما إن رفع عينيه نحو السرير حتى تجمدت خطواته.

كانت هناك...

ديلان.

مستلقية بلا حراك.

سالت دمعة ساخنة من عينيه فورًا، ثم تبعتها أخرى، حتى غلبته دموعه تمامًا.

لم يستطع أن يمنع نفسه من البكاء.

كيف يمكن لقلبه أن يتحمل رؤيتها بهذه الصورة؟،

كان وجهها شاحبًا، تتناثر عليه بعض الكدمات الناتجة عن ارتطامها، وقد غطت الضمادات جزءًا من رأسها، فيما كان جهاز التنفس موصولًا بأنفها ليمنحها الأكسجين الذي عجز جسدها عن الحصول عليه بمفرده.

بدت هشة إلى حد موجع.

كانت الأسلاك والمحاليل تحيط بجسدها النحيل من كل جانب، وأكياس الدم تتدلى إلى جوار سريرها، بينما ارتبط جسدها بجهاز مراقبة نبضات القلب الذي كان يصدر أصواتًا منتظمة، تذكره في كل لحظة بأنها ما زالت هنا...

ما زالت تقاوم.

كان ذراعها الأيمن وساقها اليسرى موضوعين في الجبس، بينما لف الضماد رأسها وقد تلطخت أطرافه ببقايا دمائها.

ظل باران واقفًا بعيدًا عنها للحظات.

لم يجرؤ على الاقتراب.

كان ينظر إليها بعينين غارقتين في الألم، ونفس يختنق بالعجز.

ثم أشاح بوجهه، وانفجر في بكاء صامت، قبل أن يمسح دموعه بيده ويقترب منها بخطوات متثاقلة.

جلس إلى جوارها.

مد يده المرتجفة نحو وجهها، لكنه توقف قبل أن يلمسها.

حدق فيها طويلًا، ثم خرج صوته متهدجًا:

باران: هل يعقل أن أفقدكِ الآن؟، هل سأسمح للموت أن يسلبكِ مني بعدما وجدتكِ أخيرًا؟.

انحنى قليلًا، وانكسرت ملامحه.

باران: لقد استسلمتِ... أليس كذلك؟، يبدو أنكِ قررتِ الرحيل، بعدما جعلتُ أنا كل آمالكِ تذهب أدراج الرياح.

ارتجفت شفتاه، ثم قال بصوت مملوء بالندم:

باران: أنا السبب... أنا من فعل بكِ هذا، أنا من جرحتكِ، وتخليت عنكِ، وتركتكِ تواجهين عذابكِ وحدكِ، رغم أنكِ عانيتِ سنوات طويلة دون أن يشعر بكِ أحد أو يعرف ما تخبئينه في قلبكِ.

انهمرت دموعه بغزارة.

باران: أرجوكِ، استيقظي... لا تستسلمي، قاومي يا ديلان، وعودي إليّ.

أمسك يدها السليمة برفق.

وبينما كان باران يمسك يدها، انحنى برأسه قليلًا، وهمس بصوت مرتجف:

باران: ديلان... لا ترحلي.

ثم شد على يدها برفق، وكأن صوته يستطيع أن يعيد إليها الحياة.

باران: لم أصل إليكِ لأفقدكِ الآن... أرجوكِ، عودي إليّ.

باران: أعدكِ أنني لن أجرحكِ مرة أخرى، مهما حدث، أنتِ حياتي... وكل عمري أصبح ملكًا لكِ.

ارتعش صوته أكثر.

باران: كنت غبيًا حين حملتكِ ذنبًا لم يكن لكِ يد فيه، لكنني لن أسمح لغبائي أن يسرقكِ مني، ستضحك لكِ الدنيا من جديد، وسأكون أنا إلى جواركِ حين يحدث ذلك.

اقترب منها أكثر، وهمس برجاء:

باران: فقط استيقظي... عودي إليّ.

مرر أطراف أصابعه المرتعشة على وجنتها، ثم انحنى وضمها إليه برفق، وكأنه يحاول أن يمنحها من روحه ما يكفي لتبقى.

وحين ابتعد عنها قليلًا، ظل يتأمل وجهها باشتياق موجع.

ثم مال نحوها وطبع قبلة رقيقة على شفتيها، قبلة طويلة حملت كل ما عجز عن قوله طوال السنوات الماضية.

كانت قبلة رجل خائف من الفقد...

ورجل وجد حبيبته أخيرًا، ثم خشي أن يخسرها قبل أن يمنحها فرصة ليقول لها: أحبك.

ابتعد عنها، وأغمض عينيه، ثم أشاح بوجهه وهو يطلق زفرة مرتجفة.

باران: لقد علمتِني معنى الحياة ذات يوم... فلا تتركيني وحيدًا الآن.

سكت لحظة، ثم تابع بصوت مكسور:

باران: لا تمضي بعيدًا عني، إن رحلتِ الآن، فلن أعرف كيف أنسى، ولن أجد في قلبي مكانًا لغيركِ، عودي إلى وعيكِ يا ديلان... عودي إليّ.

وفجأة...

تحركت أصابعها.

ثم رمشت عيناها ببطء، وانقبض جبينها من الألم، قبل أن تغمضهما من جديد.

استدار باران إليها بسرعة، واتسعت عيناه بالأمل.

حدق فيها لثوانٍ، لكنه لم يرَ حركة أخرى.

تسلل الخوف إلى قلبه من جديد، فرفع عينيه إلى السماء وتمتم:

باران: يا رب... لا تأخذها مني، أعدها إليّ، يا رب.

وبعد لحظات، تحركت شفتاها بصعوبة.

خرج صوت خافت بالكاد سمعه:

ديلان: ب... باران...

تجمد في مكانه.

اتسعت عيناه، واستدار إليها بسرعة.

كانت تنظر إليه بعينين ذابلتين، لكنهما كانتا مفتوحتين.

لم يصدق ما يراه.

اقترب منها مسرعًا، وقد امتلأت عيناه بالدموع من جديد.

باران: ديلان... ديلان! الحمد لله على سلامتكِ! الحمد لله أنكِ استيقظتِ!.

حاولت أن تتحدث، لكن صوتها خرج واهنًا:

ديلان: ماذا... ماذا حدث؟.

أمسك باران كفها السليمة وقبّله بحنان.

باران: لا تخافي... أنتِ بخير الآن، أنا هنا.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما بصعوبة.

ديلان: أنا... في المستشفى، أليس كذلك؟.

أومأ باران بأسى.

تنهدت ديلان، ثم نظرت إليه طويلًا وقالت:

ديلان: وهل هذا هو ما أعادك إليّ؟.

أغمض باران عينيه، وانحدرت دموعه بصمت.

باران: عدت لأنني لم أستطع تحمل فكرة فقدانكِ... لم أستطع أن أتخيل حياتي من دونكِ.

تأملته ديلان بعينين مرهقتين.

ديلان: أنت تبكي...

ثم ابتسمت ابتسامة باهتة.

ديلان: إلى هذه الدرجة يؤلمكِ حالي؟.

هز رأسه نافيًا، ومسح دموعه.

باران: لا... أنا لا أبكي لأنني أشفق عليكِ، أنا حزين على نفسي.

حدقت فيه باستغراب.

ديلان: ولماذا؟.

تنهد باران بمرارة.

باران: لأنني فعلت هذا بنفسي، كنت على وشك أن أضيّعكِ من بين يدي، وهذه هي الخطيئة الوحيدة التي لن أسامح نفسي عليها أبدًا.

ثم خفض رأسه.

باران: وألوم نفسي لأنني السبب فيما أنتِ فيه الآن، لو لم أقل لكِ تلك الكلمات في الهاتف، لما حدث لكِ كل هذا.

نظرت إليه بحزن عميق.

ديلان: إذن... لو لم يحدث لي ما حدث، لما عدت إليّ؟.

رفع باران عينيه إليها، وأجابها بصراحة:

باران: كان لا بد أن يحدث شيء يوقظني من غفلتي ويعيدني إلى صوابي... لكنني لم أتمنَّ أبدًا أن يكون الثمن هو أنتِ.

ترقرقت الدموع في عينيها.

ديلان: لكنه نصيبي يا باران... وما كُتب لنا سنراه، شئنا أم أبينا.

سكتت لحظة، ثم قالت بصوت متهدج:

ديلان: ربما كان نصيبي أن أعيش وأكمل حياتي وحيدة من دون...

قاطعها باران بسرعة:

باران: لا تكملي.

ثم اقترب منها أكثر.

باران: أنا لن أترككِ، ولن أتخلى عنكِ مرة أخرى.

نظرت إليه بعينين تحملان عتاب سنوات كاملة.

ديلان: لكنك تركتني فعلًا يا باران... تخليت عني في الوقت الذي كنت فيه بأمس الحاجة إليك.

أطرق رأسه، وكأن كلماتها كانت عقابًا يستحقه.

باران: كانت غلطة... ولن تتكرر، أعدكِ.

ثم رفع عينيه إليها، وقد امتلأتا بالندم.

باران: أرجوكِ سامحيني، اغفري لي خطأ ارتكبته في حقكِ، لقد أخطأت عندما ألقيت عليكِ الذنب كله، مع أن الذنب كان ذنبي وحدي.

نظرت إليه بدهشة.

تابع:

باران: نعم، أنا السبب، كما قلتِ أنتِ.

تنفس بعمق، ثم قال:

باران: لو أنني انتظرت، ولم أسافر بعد أن التقينا في محطة القطار، ولو أنني بحثت عنكِ حتى وجدتكِ، لربما كنتِ اليوم زوجتي منذ سنوات... ولما عشنا كل هذا الألم.

ارتسمت على شفتي ديلان ابتسامة ضعيفة، ثم قالت:

ديلان: لا تحمّل نفسك فوق طاقتها، لم أقصد أن أحملك ذنب ما حدث، كان قدرًا... وما كُتب لنا كان لا بد أن نراه.

ثم تبدلت ابتسامتها سريعًا، وانهمرت دموعها.

ديلان: لكنني حزنت لأنك تركتني دون أن تمنحني فرصة لأشرح لك، شعرت بالمهانة عندما تحدثت عن لبس النقاب أمامك، وقلت إنك لم تعد قادرًا على النظر إليّ، ولا تريد حتى أن ترى وجهي.

ارتجف صوتها.

ديلان: كنت أتمنى أن تعرفني... كنت أتمنى أن أبوح لك بالحقيقة أكثر مما تمنيت الموت، لكنني لم أحتمل نظرات الندم والكره والحزن التي رأيتها في عينيك.

صمتت لتلتقط أنفاسها، ثم تابعت:

ديلان: عشت مدة طويلة وأنا أخاف وأرتجف من اليوم الذي ستكتشف فيه الحقيقة، كيف يمكن للصدفة أن تجعل منك أخا لزوجي؟، لم أستطع أن أتحدث، وخفت... وكنت أؤجل مواجهتك، رغم أنني كنت أعلم أنها ستحدث يومًا.

ارتعش صوتها أكثر:

ديلان: لم أكن أعرف ماذا أفعل، لم أملك الشجاعة الكافية، ربما كنت جبانة... لكنني كنت خائفة من رد فعلك عندما تعرف الحقيقة المرة التي عشت مرارتها وحدي.

ثم أغمضت عينيها بألم.

ديلان: كيف كنت تريدني أن أتحدث؟، كان الأمر صعبًا جدًا يا باران... صعبًا إلى درجة أن كلماتك جرحتني، وبعدك عني قتلني ببطء.

انحنى باران وقبّل جبينها، ثم مسح دموعها بأطراف أصابعه.

باران: حقكِ عليّ.

ثم قال برجاء:

باران: أرجوكِ، سامحيني، اعتبري أن كل ما حدث لم يكن إلا صفحة وانتهت، لا أريدها أن تبقى بيننا.

ابتسمت ديلان ابتسامة متعبة.

ديلان: أتظن أنني أستطيع أن أنسى كل شيء وأكمل حياتي معك؟.

جفف باران دموعه، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، محاولًا أن يخفف عنها.

باران: في الحقيقة... الأمر ليس بمزاجكِ.

حدقت فيه بدهشة.

اقترب منها وهمس بالقرب من أذنها:

باران: لأنكِ مدينة لي.

ازدادت دهشتها.

ديلان: مدينة لك؟ أنا؟.

أومأ بجدية مصطنعة، ثم أشار إلى أكياس الدم المتصلة بها.

باران: نعم، أنتِ، ألا ترين أكياس الدم تلك؟.

اتبعت ديلان إشارته بعينيها، ثم قالت باستغراب:

ديلان: نعم... ماذا بها؟.

أمسك يدها بحنان.

باران: ذلك دمي... والآن يجري في عروقكِ.

اتسعت عيناها، ثم ابتسمت رغم تعبها.

ديلان: أنت تبرعت لي بدمك؟.

هز رأسه متصنعًا الجدية:

باران: لا، هذا ليس تبرعًا... هذا دين، وعليكِ أن ترديه إليّ.

ضحكت ديلان بخفوت، رغم ألمها.

ديلان: وما الذي يمكنني فعله لأرد لك هذا الجميل؟.

ابتسم باران.

باران: عليكِ أن تتعافي بسرعة، وبعدها تصنعين لي ما يكفي من الحلويات حتى أعوّض كل قطرة دم فقدتها من أجلكِ.

ضحكت ديلان مرة أخرى.

ديلان: أنت مجنون، أليس كذلك؟.

هز رأسه، ثم قال بصوت امتلأ بالشوق:

باران: لا... أنا فقط مشتاق إلى عودتنا أنا وأنتِ إلى بيتنا.

اقترب منها أكثر.

باران: وإذا كان هذا جنونًا... فأنا مجنون بحبكِ يا عمري.

ثم انحنى ووضع رأسه على صدرها بحذر، وهمس:

باران: أنا أحبكِ يا ديلان، وأظن أنكِ لم تعودي تملكين أي شك في ذلك، بعدما سمعتِ اعترافي بحبي للفتاة التي التقيتها منذ سنوات... قبل أن أعرف أنها أنتِ.

رفعت ديلان يدها السليمة، ووضعتها فوق رأسه، وأخذت تمرر أصابعها بين خصلات شعره بحنان.

قال باران بدفء:

باران: كل ما أريده أن نعيش معًا. أن نكمل ما تبقى من حياتنا بسعادة... تلك السعادة التي حُرمنا منها سنوات طويلة، أنتِ تعذبتِ بقربي، وأنا تعذبت ببعدي عنكِ.

رفع رأسه ونظر إليها.

باران: أنتِ حياتي... روحي... والنَفَس الذي أتنفسه، ما أشعر به نحوكِ أكبر من أن تصفه الكلمات.

ثم صمت للحظة، وكأنه جمع كل مشاعره التي أخفاها طويلًا، قبل أن يقولها بصوت واضح لا مجال فيه للتردد:

باران: أحبكِ يا ديلان.

وقعت الكلمات على قلبها كضوء أضاء عتمة سنواتها كلها.

ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها.

ابتعد باران عن صدرها حين شعر بشهقاتها، ثم مسح دموعها وهو يبتسم بحنان.

باران: ماذا تريدين من رجل أحب حبيبته لسنوات دون أن يعرف شيئًا عنها؟، لم يعرف منها سوى وجهها، ولم يتحدث إليها إلا مرة واحدة، ثم ظل يحتفظ بذكراها كل تلك السنوات، ولم يفقد الأمل يومًا في أن تكون من نصيبه؟.

تأمل عينيها بحب.

باران: ديلان... زوجتي، حبيبتي... أنا لا أستطيع أن أعيش من دونكِ.

ثم قالها وكأنه يريد أن يبدد بها كل الشكوك:

باران: أحبكِ... أحبكِ... أحبكِ.

نظرت إليه ديلان بعينين مغرورقتين بالدموع، ثم أجابته بصوت شجي:

ديلان: وأنا أيضًا أحبك.

ابتسمت من بين دموعها.

ديلان: أحبك، والله العظيم أحبك.

ثم مدت ذراعها السليمة نحوه، وقالت برجاء:

ديلان: احتضنّي.

ابتسم باران بسعادة غمرتها الدموع، وانحنى إليها وضمها بحنان وشوق، فبادلته عناقها بكل ما بقي لديها من قوة.

همس في أذنها:

باران: حضنكِ هذا عندي يساوي الدنيا كلها.

أغمضت ديلان عينيها، وقالت:

ديلان: وخضنك هو الشيء الذي يجعلني أشعر أنني ما زلت حية... ويمنحني القوة لأقاوم وأكمل حياتي وأنني أسعد امرأة في الدنيا.

تغلغلت أصابع باران بين خصلات شعرها الكستنائية، وقال بحنان:

باران: أنتِ حياتي... أنتِ وحدكِ.

أجابته بصوت دافئ:

ديلان: وأنت نبض قلبي.

اقترب باران منها وطبع قبلة رقيقة على شفتيها، فشهقت بخجل وأشاحت بوجهها عنه.

كان شحوب وجهها قد بدأ يزول، وعاد اللون الوردي إلى وجنتيها.

ابتسم باران وهو يتأمل خجلها، ثم لمس وجنتها برفق.

باران: لماذا ابتعدتِ عني؟ .

تلعثمت ديلان:

ديلان: هكذا...

ضحك بخفوت.

باران: ولماذا هكذا؟، ألست زوجكِ؟.

ازداد ارتباكها، وضغطت على شفتيها قبل أن تجيب:

ديلان: لأننا في المستشفى... وهذا لا يصح.

أمسك باران بذقنها برفق وأعاد وجهها إليه عن قصد، ليتأمل عينيها في تلك اللحظة ويقرأ فيها ما تخفيه عنه.

ثم قال بصوت يغلب عليه المكر...

باران: لكنني قبلتكِ بالفعل.

شهقت ديلان بدهشة.

ديلان: لا... أنت تمزح.

ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه.

باران: وهل في هذا الأمر مجال للمزاح؟.

حدقت فيه غير مصدقة.

ديلان: متى فعلت ذلك؟.

اقترب منها وهمس:

باران: وأنتِ نائمة.

اتسعت عيناها.

ديلان: وكيف فعلت ذلك؟.

ابتسم بحب.

باران: لأنكِ حبيبتي... وزوجتي... وكل حياتي.

نظرت إليه بخجل، ثم لمست خصلات شعره.

ديلان: إذن... ما شعرت به لم يكن حلمًا؟.

توقف باران لحظة، ثم قال بدهشة حقيقية:

باران: شعرتِ بالقبلة؟.

تنهدت ديلان.

ديلان: كانت هي التي أعادتني للحياة.

تجمدت ملامحه.

ديلان: كنت قد بدأت أستسلم للموت... لكنني فجأة شعرت برغبة شديدة في الحياة، شعرت بشيء لا أستطيع وصفه، وكأن قلبي عاد إلى النبض بقوة.

ضمها باران برفق، وقد أثرت كلماتها فيه بشدة.

باران: يا إلهي... إذن كما أعادكِ حبكِ إليّ، أعادكي وجودي إلى الحياة أيضًا.

ابتعد عنها قليلًا، وظل يرمقها بعينين تفيض منهما المحبة.

ابتسمت له.

وكانت ابتسامتها وحدها كافية ليشعر أن روحه عادت إليه.

اقترب منها مرة أخرى ليقبلها، لكنه لم يكد يفعل حتى انفتح باب الغرفة ودخلت الممرضة.

توقفت لحظة وهي تنظر إليهما باستغراب، ثم قالت بامتعاض:

الممرضة: ما هذا يا أستاذ؟! أما زلت هنا؟ ،هذا لا يصح إطلاقًا، يجب أن تخرج الآن.

ابتسم باران، ولم يستطع أن يخفي سعادته.

باران: زوجتي استيقظت... لقد عادت إلى الحياة.

ثم نظر إلى ديلان بعينين عاشقتين وقال:

باران: لقد عادت إليّ... وعادت روحي معها.

ساد الصمت للحظة، بينما كانت ديلان تنظر إليه بابتسامة صغيرة.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة...

لم يكن في عينيها خوف.

كان هناك شيء آخر...

طمأنينة.

وأمل.

وحب عاد أخيرًا إلى مكانه الصحيح

تعليقات



<>