رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والخمسون52 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والخمسون52 بقلم عاشقة القلم

✍️كانت ديلان تؤمن أن بعض الروابط في الحياة تشبه الطائرة الورقية وخيطها الرفيع؛ لا يستطيع أحدهما أن يحلّق بعيدًا عن الآخر، فمهما ارتفعت الطائرة في السماء، ظلّ الخيط هو ما يمنحها توازنها ويحفظها من السقوط.

لكنها لم تكن تعرف يومًا أن ذلك الخيط قد يتحول، في لحظة واحدة، إلى أكثر الأشياء رعبًا في حياتها.

وفي اليوم التالي، غادرت ديلان غرفة العناية الفائقة بعد أن استقرت حالتها، ونُقلت إلى غرفة عادية في المستشفى، ورغم أن جسدها كان لا يزال مثقلًا بالتعب، فإن خروجها من العناية منحها شيئًا من الطمأنينة، وكأنها ابتعدت خطوة عن الخطر.

كانت جالسة على سريرها بهدوء، بعد ان إرتدت حجابها وقد غطّى النقاب وجهها، حين دلف الطبيب المشرف على حالتها إلى الغرفة، يحمل بين يديه ملفها الطبي.

رفع بصره إليها، ثم ابتسم ابتسامة ودودة وهو يقترب من سريرها، قبل أن يبدأ بتصفح سجل الفحوصات.

قال بوجه بشوش:

الطبيب: كيف حالك الآن يا سيدة ديلان؟، أم لعلّي أقول: آنسة ديلان؟.

تجمّدت ابتسامتها في مكانها،

واتسعت حدقتا عينيها خلف نقابها، وشعرت بقلبها يهبط فجأة إلى قاع صدرها.

آنسة؟!،

لماذا قال ذلك؟،

ازدردت لعابها بصعوبة، وتسلل إليها خوف مباغت، هل علم الطبيب أنها لا تزال بكرًا؟، هل كشفت الفحوصات التي خضعت لها كل ما حاولت إخفاءه طوال هذه الفترة؟.

شعرت بأن أنفاسها تضيق، وكادت تفتح فمها لتجيبه، إلا أن الطبيب سارع قائلًا:

الطبيب: لا تقلقي، لا أقصد إحراجكِ، فأنتِ الآن في حال أفضل بكثير من الأمس، وهذا هو الأهم.

تنفست ديلان ببطء، محاولة السيطرة على ارتجاف قلبها، ثم أجابت:

ديلان: الحمد لله... ما دام الله قد كتب لي النجاة، فلا يسعني إلا أن أحمده في كل حين.

رفع الطبيب عينيه إليها، ثم سألها بعفوية:

الطبيب: منذ متى وأنتِ متزوجة؟.

ساد الصمت.

ثوانٍ قليلة، لكنها بدت لديلان كأنها دهر كامل.

كيف ستجيبه؟،

وماذا يقصد بسؤاله؟،

هل اكتشف أمر عذريتها فعلًا؟.

تسارعت الأفكار في رأسها، ثم لمعت في ذهنها إجابة أنقذتها من الحرج، فقالت:

ديلان: في الحقيقة... أنا لست متزوجة بعد.

رفع الطبيب حاجبيه بدهشة واضحة.

الطبيب: كيف ذلك؟، إذن من يكون الأستاذ الذي تبرع لكِ بالدم؟، أليس زوجك؟.

ارتبكت ديلان للحظة، ثم قالت بهدوء حاولت أن تصنعه:

ديلان: هو زوجي، ولكن زواجنا لم يُعلن بعد... لقد عقدنا قراننا، ولم نُقم الزفاف.

أومأ الطبيب برأسه وقد اتضحت له الصورة، ثم ابتسم قائلًا:

الطبيب: الآن فهمت سبب الالتباس.

ثم أغلق الملف قليلًا وقال:

الطبيب: لقد اندهشت عندما سُجّل اسمك في السجلات بصفة "السيدة ديلان"، كما أن الرجل الذي تبرع لكِ بالدم قدّم نفسه إليّ على أنه زوجك، وعندما عرفت أنكِ حديثة العهد بالزواج، استدعيت طبيبة النساء للاطمئنان والتأكد من عدم وجود حمل، وأثناء فحصها لكِ، تبيّن أنكِ ما زلتِ عذراء.

شعرت ديلان بأن الأرض تهتز تحتها.

ها هو الأمر الذي كانت تخشاه قد خرج إلى النور مرة أخرى، ولو أمام شخص واحد فقط.

أطرقت عينيها، وحاولت أن تخفي اضطرابها، بينما كان الطبيب يتحدث بعفوية، غير مدرك للعاصفة التي أشعلها داخلها.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتح باب الغرفة.

التفت الطبيب وديلان معًا، فإذا بباران يدخل وهو يحمل في يديه عدة أكياس بلاستيكية مليئة بالطعام.

ألقى السلام بابتسامة هادئة، ثم وضع ما يحمله جانبًا، واقترب منهما قائلًا:

باران: السلام عليكم... كيف حال زوجتي اليوم يا دكتور؟، أرجو أن تخبرني أنك تحمل لي أخبارًا تُطمئن قلبي.

نظر الطبيب إليه مبتسمًا، ثم ربت على كتفه مطمئنًا:

الطبيب: وعليكم السلام؛ اطمئن، زوجتك تتعافى بصورة ممتازة، وإذا استمر تحسنها على هذا النحو، فسأكتب لها الخروج من المستشفى قريبًا، "بإذن الله"، وأسأل الله أن يتمم فرحتكما على خير.

ثم ابتسم لهما، واستأذنهما وغادر الغرفة.

ظل باران واقفًا مكانه للحظات، يراقب الباب الذي أُغلق خلف الطبيب، ثم التفت إلى ديلان وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب.

اقترب منها قليلًا، وقال بنبرة مازحة:

باران: لست أفهم شيئًا... ما الذي كان يقصده بقوله: "أسأل الله أن يتمم فرحتكما على خير"؟، هل هناك أمر سعيد فاتني ولم تخبريني به؟.

ارتجف قلب ديلان.

جف حلقها، وشعرت بأن السؤال أصاب موضعًا هشًا في داخلها.

حاولت أن تبحث عن إجابة، عن جملة تخفي بها ارتباكها، قبل أن يقرأ الخوف في عينيها، ثم أشارت إليه برفق أن يقترب.

اقترب باران وجلس إلى جوارها، ثم رفع يده برفق وأنزل نقابها عن وجهها، كما اعتاد أن يفعل حين يكونان وحدهما.

تأمل ملامحها للحظات، ثم ابتسم وقال:

باران: هيا، أخبريني... ماذا قال لكِ الطبيب حتى جعلني أشعر أنني آخر من يعلم؟.

ابتسمت ديلان برقة، وقد حاولت أن تجعل صوتها طبيعيًا، ثم قالت:

ديلان: لم يقل شيئًا يستحق كل هذا الفضول... كان يثني عليك فحسب.

رفع باران حاجبه باهتمام مصطنع:

باران: يثني عليّ؟، هذه جديدة... وماذا قال عني؟.

قالت وهي تخفض عينيها:

ديلان: قال لي: ما أسعد حظك بزوجك هذا... يبدو أن قلبه معلّق بكِ إلى حد الجنون.

اتسعت ابتسامة باران، وقال وهو يحاول كتم ضحكته:

باران: أحقًا قال ذلك؟.

أومأت ديلان برأسها.

اقترب منها قليلًا وقال بمكر لطيف:

باران: إذن لا بد أنه طبيب بارع في تشخيص الحالات... فقد أصاب هذه المرة إصابة لا تحتمل الشك.

رفعت ديلان عينيها إليه باستغراب، فتابع مبتسمًا:

باران: لكنه أخطأ في أمر واحد فقط.

ديلان: وما هو؟.

قال وهو يضحك:

باران: كان ينبغي له أن يقول إنني أنا من جُننت بكِ، لا أنكِ أنتِ من حظيتِ بزوج مجنون بكِ.

ضحكت ديلان بخفة، رغم أن قلبها كان مثقلًا بما لا تستطيع البوح به.

ثم ضمّها باران إليه بحنان، فاستكانت بين ذراعيه، وأسندت رأسها إلى صدره.

أغمضت عينيها، واستسلمت للحظة دفء نادرة، بينما كانت يده تمر برفق على شعرها من تحت ححابها.

همس باران:

باران: أتعلمين؟؛ حين رأيتكِ بالأمس فاقدة للوعي، شعرت بأن شيئًا في داخلي قد انتُزع مني، لا أريد أن أراكِ تتألمين مرة أخرى.

ارتجف قلبها عند كلماته،

لم تجبه،

فلو تكلمت، لخانتْها دموعها.

اكتفت بأن تشبثت بقميصه بأصابع مرتجفة، وكأنها تستمد من قربه قوة لم تعد تجدها في نفسها.

أما في داخلها، فكان سؤال واحد يمزقها:

كيف سينتهي بي المطاف؟،

كيف سيواجه باران الأمر حين يعرف الحقيقة كاملة؟،

كيف سيكون وجهه حين يكتشف أن المرأة التي أحبها وبحث عنها طويلًا مازالت تخفي عنه امرا آخر؟،

أمرا ربما سيقلب حياتها مرة أخرى؟،

هل سيغفر لها صمتها؟،

هل سيبقى هذا الحضن دافئًا حين يسقط القناع؟،

أم أن الحقيقة ستنتزعها من بين ذراعيه كما انتزعت منهما كل لحظة أمان عرفتها في حياتها؟،

أغمضت عينيها أكثر، وكأنها تحاول الهرب من المستقبل، بينما ظل باران يضمها إليه مطمئنًا، لا يعلم أن بين ذراعيه الآن امرأة تخشى اليوم الذي ستضطر فيه إلى إخباره بكل شيء.

امرأة أحبته بصمت...

وتخشى أن يكون صدقه معها هو نفسه الشيء الذي سيكسر قلبه حين يعرف الحقيقة التي تخفيها.


مرّت الأيام التالية بطيئةً على الجميع، إلا أن ديلان كانت، بفضل الله، تستعيد عافيتها بصورة أسرع مما توقع الأطباء.

فقد التأم الكسر في قدمها اليسرى على نحو جيد، وبعد أن أعاد الأطباء فحصها والتأكد من استقرار حالتها، قرروا نزع الجبس عنها، لتتنفس ديلان الصعداء وهي ترى قدمها حرة من جديد، وإن كانت لا تزال عاجزة عن استخدامها بصورة طبيعية.

أما يدها اليمنى، فقد كان الأمر مختلفًا.

فبعد أن أجرى الأطباء الفحوصات اللازمة، أكدوا أن عليها أن تبقى داخل الجبس لأسبوع آخر على الأقل، إذ إن ذراعها كان قد تلقى الضرر الأكبر أثناء سقوطها على الدرج، وقد تسبب ذلك في كسر مضاعف احتاج إلى وقت أطول حتى يلتئم بصورة كاملة.

أما الجرح الذي استقر في مقدمة رأسها، فقد بدأ هو الآخر يقترب من الالتئام، إلا أن الضمادة بقيت تحيط برأسها، تذكّر كل من يراها بتلك اللحظات العصيبة التي مرّت بها.

وخلال تلك الأيام، لم تكن ديلان وحيدة للحظة.

كان الجميع يحيطونها بالرعاية والحنان، وكأنها أصبحت فردًا عزيزًا يخشون أن يصيبه مكروه آخر.

لم تكن عائشة وعزت من يهتمان بديلان فقط، فقد كان روني ووالده إبراهيم يحرصان على زيارتها يوميًا تقريبًا، يجلسان إلى جوارها ويطمئنان على حالها، ويحاولان إضفاء شيء من البهجة على أيامها الثقيلة.

أما صفية، فقد جاءت لزيارتها مرتين، وفي كل مرة كانت تدخل غرفتها بوجه مختلف عما اعتادته ديلان منها؛ لم تحمل في عينيها تلك القسوة أو الجفاء اللذين طالما شعرت بهما، بل كانت تعاملها بلطف وحنان، وتسأل عن آلامها وتدعو لها بالشفاء.

وفي إحدى زياراتها، أمسكت صفية بيد ديلان السليمة وربتت عليها بحنان قائلة:

صفية: أسأل الله أن يمنّ عليكِ بالشفاء العاجل يا ابنتي، فقد اشتقنا إليكِ بيننا.

ابتسمت ديلان بخجل وقالت:

ديلان: جزاكِ الله خيرًا يا خالتي، لقد أحاطني الجميع بعنايتهم، وأنا الآن أفضل بكثير بفضل الله.

ابتسمت صفية، ثم قالت بنبرة مازحة:

صفية: وهذا ما أريده منكِ، أن تتعافي سريعًا، فأنا أحتاج إليكِ.

رفعت ديلان حاجبيها باستغراب:

ديلان: تحتاجين إليّ في ماذا؟.

ضحكت صفية وقالت:

صفية: في مساعدتي على تجهيز حفل خطوبة ابنتي دنيز، لقد آن الأوان أن تفرح هي الأخرى، وتبدأ حياتها مثل سائر النساء.

اتسعت ابتسامة ديلان، وشعرت بفرحة صادقة تتسلل إلى قلبها.

ديلان: أسأل الله أن يتمم فرحتها على خير، وأن يرزقها السعادة التي تتمناها.

لم تكن ديلان تعلم أن تلك الكلمات ستؤلمها لو عرفت حقيقة ما يدور خلف الأبواب المغلقة.

كانت تتمنى لدنيز حياة هادئة، كما كانت أمينة، والدتها، تتمنى لها دائمًا، وزوجًا صالحًا، وبيتًا صغيرًا يملؤه الدفء والأطفال والضحكات، عكس ما كانت تتمناه الاخرى لها، لكنها بدأت تحصد ثمار ما زرعته، فقد أقدم مدحت على خطبتها بعد ان علم ان ديلان قد ضاعت منه، وقد وضعها امام الامر الواقع، ولم يترك لها خيارا.

أما أمينة، فلم تكن تترك ابنتها وحيدة، كانت تأتي يومًا بعد يوم إلى المستشفى للاطمئنان عليها، تجلس بقربها طويلًا، وتغمرها بحنان الأم الذي لم يتغير رغم كل ما مرّ بهما.

كانت ديلان تشعر، في كل مرة ترى فيها والدتها، أن شيئًا من الطمأنينة يعود إلى روحها.

أما كاظم، زوج والدتها، فقد امتنع نهائيًا عن زيارتها.

كان لا يزال يحمل في قلبه غضبًا تجاهها، منذ أن وافقت على الزواج من باران، ورفضت العودة إلى منزله كما كان يريد منها.

وكانت ديلان، رغم علمها بذلك، لا تشعر بالأسى لغيابه؛ فقد اعتادت منذ سنوات أن تعرف الفرق بين من يمنحها الحنان ومن يريد امتلاك حياتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منزل إبراهيم... وتحديدًا في شقته

كانت صفية تتحرك في المنزل منذ الصباح، وقد عقدت العزم على إخراج ابنتها من عزلتها التي طالت من يوم الذي طلب مدحت يدها للزواج من أبيها.


💫فلاش باك

منذ أن أخبرت دنيز مدحت بأنها سلّمت الرسالة إلى باران، وأن الأخير غادر بعدها مسافرًا، لم يتردد مدحت لحظة واحدة في تصديق روايتها.

كانت دنيز قد أقنعته بأن باران لا بد أنه سافر من أجل إنهاء زواجه من ديلان، وأن الأمر لم يعد سوى مسألة وقت قبل أن تعود ديلان إلى منزل والدتها مطلقة.

وكان مدحت ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر...

فمنذ أن رفضته ديلان في الماضي، ظل الرفض جرحًا نازفًا في كبريائه، ولم يكن يريد الزواج منها بدافع الحب، بل كان يريد أن يجعلها تدفع ثمن رفضها له، وأن يراها تقف أمامه مكسورة، مضطرة إلى قبول رجل لم تختره يومًا.

ولهذا، أصبح يتصل بدنيز كل يوم تقريبًا، يسألها عن آخر أخبار ديلان، وهل وقع الطلاق بينها وبين باران أم لا، وكأنه ينتظر سقوطها حتى يتقدم إليها من جديد.

لكن في يوم الحادث...

كان كل شيء مختلفًا.

فبعد أن سقطت ديلان، ونُقلت إلى المستشفى، انتشرت الأخبار بين أفراد العائلة، ووصل بعضها إلى مدحت عن طريق أحد معارفه.

في تلك الأثناء، كانت دنيز قد دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وجلست على طرف فراشها، تحاول أن تخفي الاضطراب الذي اجتاحها.

ورغم أنها لم تكن تعرف بعد مدى خطورة إصابات ديلان، إلا أن شيئًا غريبًا في أعماقها كان يشعر بالرضا.

فهي لطالما تمنت أن تختفي ديلان من طريقها...

وحين رن هاتفها، انتفضت يدها قليلًا.

نظرت إلى الشاشة، فإذا باسم مدحت يظهر أمام عينيها.

زفرت بضيق، ثم ضغطت زر رفض المكالمة.

لكن الهاتف عاد إلى الرنين.

رفضت المكالمة مرة أخرى.

ثم ثالثة...

ورابعة...

حتى أدرك مدحت أنها تتعمد عدم الرد، فتوقف عن الاتصال، وما هي إلا لحظات حتى وصلتها رسالة منه.

فتحتها، فإذا به يقول:

📨 مدحت:

«افتحي الخط يا دنيز وردّي عليّ، لقد علمت من بعض الأصدقاء بما حدث لديلان، وأنها نُقلت إلى المستشفى.»

قرأت دنيز الرسالة ببرود، ثم أجابته:

📨 دنيز:

«بما أنك علمت، فاذهب وزُرها.»

لم يتأخر رده:

📨 مدحت:

«إذن أنتِ سعيدة بما حدث لها؟»

ارتسمت على شفتي دنيز ابتسامة باردة، ثم كتبت دون أدنى تردد:

📨 دنيز:

«نعم... وأتمنى لو تموت، لأرتاح منها.»

ظل مدحت ينظر إلى كلماتها للحظات، وكأنها أكدت له شكوكًا كانت تراوده منذ زمن.

ثم كتب:

📨 مدحت:

«إذن أنتِ من أسقطها من الدرج؟».

تجمدت ابتسامة دنيز للحظة، لكنها سرعان ما عادت إلى ملامحها الواثقة.

📨 دنيز:

«لا، لست أنا، لقد وجدناها ملقاة أمام شقة حماها، غارقة في دمائها وفاقدة للوعي.»

جاء رد مدحت سريعًا هذه المرة:

📨 مدحت:

«اسمعيني جيدًا يا دنيز... إذا حدث لها شيء، فسأكشف كل خططك، أنتِ منذ البداية كنتِ تريدين التخلص منها.»

لم تبدُ على دنيز أي علامة خوف.

بل كتبت ببرود مستفز:

📨 دنيز:

«لا أخفي ذلك... وقد استجاب الله لدعائي.»

اشتعل الغضب في صدر مدحت، وكتب:

📨 مدحت:

«إذن لن أرحمكِ، هل فهمتِ؟، إذا حدث لديلان شيء، فسأكون أنا من يفضحكِ.»

وما إن قرأت دنيز رسالته حتى انفجرت ضاحكة.

لم تجبه.

بل قطعت الاتصال، وألقت الهاتف جانبًا، وكأن تهديداته لم تكن تعني لها شيئًا.

لكنها لم تكن تعلم أن الخيط الذي حاولت استخدامه لإسقاط ديلان، بدأ يلتف حول عنقها هي.

ومرت الأيام...

ثم عاد باران.

وعندما اكتشف مدحت أن الأمور لم تسر كما خططت دنيز، وأن علاقة باران وديلان لم تنهَر كما كان متوقعًا، بل إن المياه بدأت تعود إلى مجاريها بينهما، أدرك أن عليه أن يتصرف قبل أن تضيع منه الفرصة.

لم ينتظر طويلًا،

ذهب إلى والد دنيز، ووقف أمامه واضعًا إياها أمام الأمر الواقع، طالبًا الزواج منها.


ظلَّ مدحت طوال أسبوعٍ كامل يترصّد خطوات إبراهيم، يراقب تحركاته بصبرٍ لم يكن وراءه سوى غاية واحدة؛ أن يجد اللحظة التي يستطيع فيها الاقتراب منه بعيدًا عن أعين الآخرين.

كان يعرف أن إبراهيم رجلٌ حريص، وأن الوصول إليه لن يكون أمرًا سهلًا، لذلك أخذ يتابع عاداته اليومية حتى حفظها عن ظهر قلب.

وبعد عدة أيام، اكتشف أن إبراهيم، عقب أدائه صلاة المغرب، لا يعود مباشرةً إلى منزله، وإنما كان يجلس في مقهى الحي، حيث يلتقي ببعض جيرانه وأصدقائه، ويمضي معهم بعض الوقت إلى أن يحين موعد صلاة العشاء، فيقوم لأدائها ثم يعود إلى بيته.

وفي بعض الأحيان، كان عزت يرافقه إلى هناك، إلا أن ذلك تغيّر منذ وقوع حادث ديلان.

فمنذ ذلك اليوم، أصبح عزت يقضي معظم وقته في المستشفى إلى جوارها، يعود إلى المنزل في ساعة متأخرة وهو مثقلٌ بالإرهاق، فلا يكاد يخلع عنه عناء يومه حتى يأوي إلى فراشه، استعدادًا ليومٍ جديد من العمل.

وكانت تلك هي الفرصة التي انتظرها مدحت طويلًا.

وفي إحدى الأمسيات، وبعد أن تأكد من جلوس إبراهيم وحده، اقترب منه بخطوات هادئة، ورسم على وجهه ملامح الوقار والاحترام، ثم ألقى عليه السلام قبل أن يستأذنه في الجلوس إلى جواره.

رفع إبراهيم عينيه إليه، وردَّ السلام، ثم نظر إليه متفحصًا، وكأنه يحاول أن يتذكر أين رآه من قبل.

ابتسم مدحت ابتسامة ودودة وقال:

مدحت: لعلك لا تعرفني جيدًا يا عم إبراهيم، أنا إسمي مدحت، لكنني ابن الحي الذي صاهرتم منه، وقد عشت بين أهله سنوات طويلة، وربما سمعت عني أو عن عائلتي من اصهاركم.

لم يبدُ على إبراهيم اهتمامٌ خاص، فاكتفى بهز رأسه وقال...

إبراهيم: اهلا بك سيد مدحت تشرفت بمعرفتك.

بينما تابع مدحت حديثه بنبرةٍ محسوبة، وكأنه اختار لكل كلمة مكانها بعناية.

مدحت: لقد وصلتني سمعة طيبة عن عائلتكم، ولا سيما بعد أن علمت أن ابنة حيّنا "ديلان"، أصبحت عروسًا لبيت أخيك، وتزوجت من ابنكم البكر، رحمه الله.

تغيّرت ملامح إبراهيم قليلًا عند ذكر اسم ديلان، وانخفض بصره للحظة، وكأن جرحًا لم يهدأ بعد قد لامسته الكلمات.

إبراهيم: ديلان اصبحت إبنتنا، واحدة من العائلة والكل يحبها ويحترمها.

أما مدحت، فقد التقط ذلك التغير، لكنه لم يسمح لشيء أن يفضح ما يخفيه خلف هدوئه،

استطرد قائلًا:

مدحت: وما هذا ما زاد احترامي لكم ، وانكم بعد وفاة زوجها، لم تتخلوا عنها، ولم تنظروا إليها على أنها أرملة ابنكم وحسب، بل أبقيتموها بينكم وحافظتم عليها، ثم شرّفتموها بأن أصبحت زوجةً لابنكم الآخر، وهذا، في نظري، دليل على أصالة هذه العائلة وطيب معدنها.

أطرق إبراهيم رأسه، وقد تركت كلمات الرجل أثرًا طيبًا في نفسه، دون أن يخطر بباله أن وراء هذا الثناء غايةً أخرى.

إبراهيم: ديلان افضل عروس تدخل بيتا، فهي محترمة ونعم التربية، واظن ان بيت اخي محظوظ بها.

عندها تنفس مدحت بعمق، وتظاهر بشيء من التردد، قبل أن يقول:

مدحت: ولهذا السبب تحديدًا، جئت إليك اليوم.

رفع إبراهيم نظره إليه باهتمام.

مدحت: جئت إليك طالبًا أمرًا لا أظن أنني كنت سأطلبه إلا من رجلٍ مثلك.

عندها نظر إليه إبراهيم مستفهما وقال....

إبراهيم: تفضل سيد مدحت ادخل في الموضوع.

سكت لحظة، ثم قالها صريحة:

مدحت: علمت ان لديك إبنة، وجئت أطلب يدها للزواج.

توقفت ملامح إبراهيم للحظات، وكأن الكلمات باغتته.

أما مدحت، فبادر إلى استكمال حديثه قبل أن يترك له مجالًا للتفكير طويلًا، فقال:

مدحت: أعلم أن الأمر قد يبدو مفاجئًا، لكنني لم أتقدم إليها عبثًا، ولم أفكر في الأمر إلا بعدما علمت بأصلها وتربيتها، وبما سمعته عنكم وعنها، وأنا رجلٌ أبحث عن زوجةٍ من عائلةٍ أتشرف بمصاهرتها، ولا أرى أن هناك بيتًا أفضل من بيتكم، ولا عائلةً أكرم من عائلتكم.

ثم أخذ يعدد ما ظن أنه سيطمئن إبراهيم إليه.

أخبره أنه يعمل في إحدى الشركات، وأنه يتقاضى راتبًا محترمًا يكفيه ويؤهله لتحمل مسؤولية بيتٍ وأسرة، ثم أضاف أنه يمتلك شقةً مستقلة مجهزة بكل ما تحتاج إليه الزوجة من راحة واستقرار.

كان يتحدث بثقةٍ هادئة، وكأنه رجلٌ جاء يحمل مشروع حياةٍ واضحًا، لا رجلًا يخفي في قلبه رغبةً قديمة في الانتقام ممن رفضته يومًا.

وبعد أن انتهى حديثه، لم يتعجل إبراهيم في إعطائه جوابًا.

فمثل هذا الأمر لا يُحسم بكلماتٍ عابرة، ولا سيما حين يتعلق الامر بشيء مهم كالزواج. 

لذلك أخبره إبراهيم بأنه سيستخير الله ويسأل عنه، ثم ينظر في الأمر.

لم يعترض مدحت، بل أظهر تفهمًا كاملًا، وانصرف وهو يوقن أن نصف الطريق قد قُطع.

كان يعلم ان إبراهيم سيسأل عنه ابناء الحي فأعد عدته لذلك.

وفي الأيام التالية، بدأ إبراهيم يسأل عنه في الحي.

وكانت الإجابات التي تصله مطمئنة، لان مدحت لم يغفل عن أي تفصيل قد يعيق خطته.

فقد قالوا له في الحي من سألهم عنه، إنه شاب هادئ ومسالم، لم يُعرف عنه سوء، وإنه عانى طويلًا حتى حصل على وظيفة محترمة، وإنه يجتهد في عمله ويعيش حياة مستقرة.

كل كلمة سمعها إبراهيم كانت تدفعه خطوة أخرى نحو القبول.

ولم يكن يعلم أن الرجل الذي يسأل عنه لم يكن يكذب في كل ما قاله؛ فقد كان يعرف كيف يختار من الحقيقة ما يخدم غايته، وكيف يخفي خلف صورة الشاب الهادئ نوايا أخرى لم يرغب في أن يراها أحد.

وهكذا، وجد إبراهيم نفسه أمام شابٍ بدا له مناسبًا من كل جانب؛ عملٌ مستقر، ومسكنٌ مستقل، وسمعةٌ حسنة بين أهل الحي، والأهم من ذلك كله أنه أظهر احترامًا كبيرًا لإبنته ولعائلتها.

فاطمأن قلبه إليه.

ولم يخطر بباله، ولو للحظة، أن مدحت لم يأتِ إلى بابه بحثًا عن امرأةٍ يبني معها حياةً جديدة...

بل جاء وفي قلبه حسابٌ قديم، ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يردّ الصفعة التي تلقاها يومًا، ولكن بطريقةٍ أشد قسوة.


لم تكن دنيز تتوقع أن ينقلب الأمر بهذه السرعة.

فالرجل الذي كانت تظنه مجرد أداة في مخططاتها أصبح الآن يطالبها بأن تدفع ثمن ما فعلته.

حاولت التملص، ورفضت، وبدأت تبحث عن الأعذار لرفض هذا الزواج، لكن مدحت لم يمنحها مجالًا للمراوغة.

كان يعرف الكثير...

ويملك ما هو أخطر من المعرفة.

كان يملك الأدلة.

وعندما عاد إلى منزله، أخرج هاتفه، وأرسل إليها رسالة واحدة كانت كفيلة بأن تسلبها كل ذرة من غرورها.

📨 مدحت:

«إذا لم تقبلي الزواج مني، فسأكشف جميع خططك، منذ البداية.»

ثم أتبع رسالته بتسجيل صوتي قديم...

تسجيل يعود إلى أول اتفاق دار بينهما، قبل زواج ديلان من مراد.

ضغطت دنيز على التسجيل...

وما إن سمعت صوتها القديم يتردد في الهاتف، حتى تجمد الدم في عروقها،

اختفت ابتسامتها،

اتسعت عيناها، وبقيت تحدق في شاشة هاتفها وكأنها ترى أمامها نهايتها المحتومة.

لقد كان مدحت يحتفظ بكل شيء.

كل كلمة...

كل اتفاق...

كل خطوة خططا لها معًا.

وللمرة الأولى، شعرت دنيز أن اللعبة التي ظنت طويلًا أنها تتحكم بخيوطها، بدأت تنقلب عليها.

وضعت يدها المرتجفة فوق فمها، بينما ظل التسجيل يتردد في أرجاء الغرفة...

وعندها فقط أدركت أن السر الذي استخدمته لإيذاء الآخرين، أصبح الآن سيفًا مسلطًا فوق رأسها.

أما مدحت، فكان قد اختار هذه المرة أن يجعلها تتذوق الخوف نفسه الذي عاشه ضحايا مخططاتها...

وكان الزواج بالنسبة إليه مجرد بداية لحساب طويل لم يُغلق بعد.

باك......

توقفت صفية أمام باب غرفة دنيز، ثم طرقته قبل أن تدخل.

كانت دنيز جالسة على طرف سريرها، شاردة تحدق في نقطة مجهولة أمامها، وكأنها تحاول أن تهرب من واقع لا تريد مواجهته.

اقتربت منها صفية وقالت:

صفية: هيا يا دنيز، انهضي وارتدي ملابسكِ، لنلحق بالنهار منذ بدايته.

لم تلتفت دنيز إليها، وأجابت ببرود:

دنيز: إذا كنتِ ستقولين لي إننا ذاهبون إلى المستشفى لزيارة تلك الحمقاء، فأنتِ تحلمين، وكفى ما تفعلونه بي! كل يوم أنتِ وروني ووالدي عندها، ولا أحد منكم يراعي مشاعري أو يفكر فيما أشعر به.

رمقتها صفية بنظرة مستنكرة، ثم قالت باستخفاف:

صفية: وما الذي يؤلم مشاعركِ إلى هذا الحد؟، وماذا فعلت لكِ ديلان حتى تحملِي كل هذا الغضب تجاهها؟.

التفتت دنيز إليها أخيرًا.

كانت عيناها ممتلئتين بالحنق، لكنها لم تجب.

فهمت صفية أن ابنتها لا تريد الحديث، فتنهدت بضيق وقالت:

صفية: اطمئني، لسنا ذاهبتين إلى المستشفى اليوم.

صمتت لحظة، ثم أردفت:

صفية: سنذهب أنا وأنتِ إلى وسط المدينة لنشتري مستلزماتكِ يا عروس.

وكأن الكلمة الأخيرة أشعلت النار في صدر دنيز.

نهضت من مكانها فجأة، وصاحت بانفعال:

دنيز: أنا لست عروسًا! لست عروسًا، ولن أشتري شيئًا، لأنني لن أتزوج أصلًا! هل فهمتما؟.

تغير وجه صفية في لحظة، واقتربت منها وهي تضربها على كتفها عدة ضربات غاضبة قائلة:

صفية: كفى! اخفضي صوتكِ ولا ترفعيه عليّ مرة أخرى، والآن هيا، اذهبي وارتدي ملابسكِ، وإلا أقسم بالله أن أذهب إلى والدكِ وأخبره بكل ما تفعلينه.

ما إن سمعت دنيز تهديد والدتها حتى انكسرت مقاومتها.

انهمرت دموعها بغزارة، وقالت بصوت مختنق:

دنيز: لماذا تفعلون بي هذا؟، لماذا؟، ألست ابنتكم أيضًا؟، لماذا لا تريدون أن تفهموا أنني لا أريد هذا الزواج؟.

تطلعت صفية إليها، وكان الغضب لا يزال في ملامحها، إلا أن شيئًا من الشفقة تسلل إلى عينيها.

قالت بنبرة أقل حدة:

صفية: نحن لا نفعل بكِ شيئًا سيئًا يا ابنتي، نحن نريد أن نفرح بكِ، هذا كل ما في الأمر، لقد كبرتِ، والعمر يمضي سريعًا، فلا تضيعي فرصتكِ في تكوين بيت وأسرة.

ثم تنهدت وأردفت بصوت خافت، وكأنها تخشى أن تؤذي ابنتها بكلماتها:

صفية: يا ابنتي... لقد قاربتِ الثلاثين، فلا تظلمي نفسكِ أكثر من ذلك.

كانت كلماتها كالسهم في قلب دنيز.

قاربت الثلاثين...

وكأن عمرها أصبح تهمة تطاردها في كل مكان.

خفضت دنيز رأسها، ومسحت دموعها بظهر يدها، لكنها لم تجد ما تقوله.

وبعد جدال طويل، أدركت أن لا جدوى من مقاومتها، فاستسلمت لرغبة والدتها، وذهبت لتبديل ملابسها.

وبعد قليل، غادرت الاثنتان المنزل متوجهتين إلى وسط المدينة.

لكن دنيز، منذ أن دخلتا أول متجر، لم تبدِ أي اهتمام بما حولها.

كانت تقف صامتة، بعينين زائغتين، بينما تتحرك صفية بين الرفوف وتختار ما تراه مناسبًا لابنتها.

فستان هنا...

وأغراض هناك...

وأشياء أخرى تراها صفية ضرورية لعروس مقبلة على الزواج.

أما دنيز، فكانت تحدق في كل شيء بوجه خالٍ من التعبير.

لم يكن ما تراه أمامها يشبه فرحًا يقترب منها...

بل كان يشبه بابًا يُغلق عليها ببطء.

وفي الوقت الذي كانت صفية تختار لها مستلزمات خطوبتها بحماس، كانت دنيز غارقة في أفكارها، وقد اشتعل في صدرها ذلك الشعور القديم نفسه...

الغيرة.

والحقد.

والخوف من أن تتغير حياتها بطريقة لا تريدها.

وكان أكثر ما يؤلمها أن الجميع كانوا يتحدثون عن فرحتها القادمة، بينما لم يكن أحد يعلم أن قلبها لم يكن يحتفل بها أصلًا.


داخل المستشفى الذي ترقد فيه ديلان...

كان باران يقف إلى جوار الطبيب المشرف على حالة زوجته، وقد ارتسمت على ملامحه سعادة لم يستطع إخفاءها، بعدما أخبره الطبيب أن ديلان تعافت بصورة جيدة، وأن بإمكانها مغادرة المستشفى في هذا اليوم.

كان الخبر بالنسبة إليه أشبه بنفَسٍ عاد إلى صدره بعد اختناق طويل.

لم يعد يستطيع الانتظار حتى يخبرها.

استأذن الطبيب، ثم اتجه إلى غرفتها بخطوات سريعة، ووجهه يفيض بذلك الفرح الذي افتقدته ملامحه منذ يوم وجدها ملقاة أمامه فاقدةً للوعي على سرسرها في غرفة العناية الفائقة.

وما إن دلف إلى الغرفة حتى رفعت ديلان عينيها نحوه.

تأملته للحظات، فوجدته يبادلها النظر بتلك الابتسامة الجانبية التي لا تظهر إلا عند زاوية فمه، ابتسامة لطالما كانت قادرة على أن تثير في قلبها عاصفة كاملة دون أن ينطق بكلمة واحدة.

كانت ابتسامته الجانبية وحدها كفيلة بإرباك نبضاتها، وإحداث ذلك الاضطراب الخفي في روحها، أما عيناه العسليتان، فقد كانتا حكاية أخرى.

ذلك اللون العسلي الذي ينعكس فيه الضوء بطريقة آسرة، والبريق الذي أسر قلبها منذ اللحظة الأولى التي التقت فيها به، حتى أصبحت نظراته قادرة على بعثرة خفقات قلبها دون استئذان.

شردت للحظات في عينيه، قبل أن ينتشلها من شرودها صوته العذب، وهو يقترب منها بملامح لا تخفي فرحته:

باران: لديّ مفاجأة جميلة من أجلكِ، يا روحي.

ارتسمت على شفتي ديلان ابتسامة تلقائية، وعلقت كلمة "يا روحي" في قلبها قبل أن تجيب:

ديلان: يبدو واضحًا من ملامحك أنك تحمل إليّ خبرًا سعيدًا.

اقترب باران أكثر، ثم جلس قبالتها على حافة السرير.

مد يده برفق، ورفع النقاب عن وجهها، ثم قال بسعادة صادقة:

باران: اليوم، يا عمري وحياتي، سيعود بيتنا ليتنفس من جديد بوجودكِ.

شهقت ديلان بفرحة لم تستطع إخفاءها، واتسعت عيناها وهي تسأله:

ديلان: أحقًا؟! هل سأغادر المستشفى اليوم؟.

ابتسم باران، ثم مد أنامله بحنان وداعب وجنتها الوردية برفق شديد، وقال:

باران: الحمد لله، لقد طمأنني الأطباء جميعًا على حالتكِ، وقالوا إنكِ أصبحتِ بخير، ولم يعد هناك ما يستدعي بقاءكِ هنا.

تنفست ديلان براحة، ثم ألقت نظرة متذمرة إلى ذراعها المثبتة داخل الجبس وقالت:

ديلان: وماذا عن هذا الجبس؟، لقد بدأت أشعر بالضيق منه، وكأنني لن أتخلص منه أبدًا.

ضحك باران بخفة، وقال بحنان:

باران: اصبري يا قلبي، لم يبقَ سوى أسبوع واحد، وبعدها ستتخلصين منه بإذن الله، ولكن أريد منكِ أن تهتمي بغذائكِ جيدًا، حتى يلتئم الكسر سريعًا.

ابتسمت ديلان بخفة، وقالت بمزاح:

ديلان: أكثر من هذا؟!، ألستَ أنت من لا يتركني إلا بعد أن تتأكد أنني تناولت طعامي، بل وتصر على إطعامي بيدك أيضًا؟، حتى إنك أهملت عملك من أجلي.

اتسعت ابتسامة باران، وقال بنبرة عاشق وجد في رعاية محبوبته متعة لا يريد التخلي عنها:

باران: نعم، لأنني أريد أن أدلل حبيبتي ونور عيني كما ينبغي، لكن احذري... ما إن تتعافي تمامًا حتى سأجعلها تطهين لي السمك.

ضحكت ديلان بشدة، ثم قالت وهي تنظر إليه بمكر لطيف:

ديلان: أهذا انتقام إذن؟، وأظن أنني سأكون أيضًا من سيقشّره لك، وينزع عنه شوكه، ثم أضعه أمامك جاهزًا لتتناوله!.

اقترب باران منها حتى أصبح وجهه مقابلًا لوجهها، وتعلقت عيناه بعينيها الرماديتين طويلًا، ثم قال بصوت خافت يحمل شيئًا من الدلال:

باران: وهل لديكِ مانع؟.

شعرت ديلان بحرارة تتسلل إلى وجنتيها، فضمت شفتيها بخجل، وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ثم قالت دون أن تنظر إليه:

ديلان: لا... ليس لديّ مانع.

مد باران يده وأمسك بذقنها برفق، وأعاد وجهها نحوه، ثم نظر مباشرة إلى عينيها وقال بصوت أكثر هدوءًا وصدقًا:

باران: أنا أحبكِ.

توقفت أنفاسها للحظة.

ارتجف قلبها تحت وقع الكلمة، وكأنها لم تكن مستعدة لسماعها بهذه البساطة، وبهذا الصدق.

خفضت عينيها بخجل شديد، ثم تمتمت:

ديلان: شكرًا...

حدّق بها باران لثوانٍ، قبل أن ينفجر ضاحكًا:

باران: والله إنكِ عجيبة!.

ثم قال وهو يرفع حاجبه:

باران: شكرًا؟! هذا هو الرد المناسب في رأيكِ عندما أقول لكِ إنني أحبكِ؟.

ازداد خجلها، ورفعت يدها السليمة إلى وجهها محاولة إخفاء حمرة وجنتيها، ولم تجد ما تقوله.

اقترب باران منها ومد يده يداعب وجنتيها بحنان، ثم قال ضاحكًا:

باران: أموت أنا في هاتين الوجنتين... تصبحان أكثر جمالًا حين تخجلين، وكأن الخجل أشعل فيهما وردًا لا يليق إلا بكِ.

لم تستطع ديلان سوى أن تبتسم، بينما أخذ قلبها يخفق بعنف.

وفي تلك اللحظة، تعالت عدة طرقات على باب الغرفة.

تراجع باران قليلًا، ثم أسرع إلى إنزال النقاب على وجه ديلان، قبل أن يقول:

باران: تفضل.

انفتح الباب، ودلفت عائشة برفقة عزت.

وما إن رأتهما ديلان حتى أشرقت ملامحها، وقالت بفرح صادق:

ديلان: أمي عائشة... لقد اشتقت إليكِ كثيرًا.

اقتربت عائشة منها بابتسامة واسعة، وقالت بحنان:

عائشة: وأنا أيضًا اشتقت إليكِ يا ابنتي، يا قطعة من قلبي.

مدت يدها نحو نقاب ديلان لتكشف عن وجهها وتحتضنها، إلا أن باران استوقفها قائلًا:

باران: انتظري يا أمي، دعيني أغلق الباب أولًا.

ابتسمت عائشة وأومأت برأسها.

أغلق باران الباب، ثم عادت والدته إلى ديلان، وانحنت نحوها ورفعت النقاب عن وجهها، قبل أن تطبع قبلة حانية على جبينها وتضمها إلى صدرها.

قالت بأسف:

ديلان: سامحيني يا ديلان، لم أستطع المجيء إليكِ بالأمس.

ثم تابعت وهي تربت على كتفها:

عائشة: كانت مَلَك متعبة قليلًا، فذهبت إلى هازان وبقيت معها طوال اليوم.

تغيرت ملامح ديلان على الفور، وقالت بقلق:

ديلان: لماذا؟، ماذا حدث لمَلَك؟!، أسأل الله أن يحفظها من كل سوء.

تدخل باران سريعًا ليطمئنها:

باران: لا تقلقي يا حبيبتي، لقد اتصلت بهازان قبل قليل، وطمأنتني عليها، لقد انخفضت حرارتها والحمد لله، وأصبحت حالتها أفضل.

تنفست ديلان براحة، ثم قالت:

ديلان: الحمد لله... حفظها الله لكم.

اقترب عزت منها، وكانت ملامحه تحمل ذلك الحنان الأبوي الذي اعتادت أن تجده منه، وقال:

عزت: المهم أنتِ يا ابنتي، كيف تشعرين الآن؟، هل ما زلتِ تعانين من الألم؟.

ابتسمت ديلان له وقالت بامتنان:

ديلان: أنا بخير الآن، والحمد لله، لقد لطف الله بي كثيرًا، ثم إنني ما كنت لأتعافى بهذه السرعة لولا رعايتكم واهتمامكم بي، أسأل الله ألا يحرمني منكم أبدًا.

ابتسم عزت بحنان وقال:

عزت: ولا نحن نريد أن نحرم منكِ يا ابنتي، فأنتِ أصبحتِ واحدة من أهل هذا البيت.

نظرت عائشة إليها بحب، ثم سألتها:

عائشة: وكم ستبقين هنا؟، ألم ينزع الأطباء الجبس عن قدمكِ؟.

ابتسمت ديلان وقالت:

ديلان: بلى يا أمي عائشة، وقد أخبرني الطبيب أنني سأغادر اليوم.

شهقت عائشة بسعادة:

عائشة: اليوم؟!، ومن أخبركِ بذلك؟.

أشارت ديلان بعينيها إلى باران:

ديلان: الطبيب أخبر باران منذ قليل.

التفت عزت إلى ابنه بنظرة عتاب محبة:

باران: ولماذا لم تخبرنا يا بني؟.

ابتسم باران وهو يمرر أنامله بين خصلات شعره، وقال:

باران: كنت أريد أن أفاجئكما بها عندما تجدونها قد عادت إلى البيت، لكن يبدو أنكما سبقتما مفاجأتي وجئتما إلينا.

ضحكت عائشة، ثم سألت بحماس:

عائشة: وهل تستطيع المشي الآن؟، أم ستحتاج إلى من يساعدها؟.

أجاب باران مبتسمًا:

باران: تستطيع، بإذن الله، سيأتي الطبيب بعد قليل ليفحصها مرة أخيرة، وبعدها سيكتب لها الخروج.

رفعت عائشة يديها إلى السماء وهي تبتسم بفرح، ثم ضمت ديلان إلى صدرها قائلة:

عائشة: الحمد لله الذي أعاد إليّ ابنتي سالمة، اللهم لك الحمد والشكر... ستعود ابنتي وقطعة قلبي لتنير بيتها من جديد.

أغمضت ديلان عينيها للحظات وهي بين ذراعي عائشة.

كانت تلك الكلمات وحدها كفيلة بأن تذيب شيئًا قاسيًا في داخلها.

ابنتي... بيتها...

كم كانت تشتاق إلى أن تشعر بأنها تنتمي إلى مكان ما دون خوف، ودون أن تضطر إلى إخفاء نصف حقيقتها.

لكن ذلك الدفء لم يمنع السؤال القديم من العودة إلى أعماقها.

فهي تعرف أن سعادتها هذه ما زالت معلقة بخيط رفيع...

خيط قد ينقطع في أي لحظة إذا ظهرت الحقيقة التي مازالت تخفيها عن باران.

وبعد قليل، حضر الطبيب وأجرى الفحص الأخير لديلان، واطمأن إلى استقرار حالتها وتحسنها الملحوظ، ثم أخبرهم بأنها أصبحت قادرة على مغادرة المستشفى.

وبعد أن أنهى إجراءاته، قال لها:

الطبيب: يمكنكِ العودة إلى المنزل مساء اليوم، ولكن عليكِ الالتزام بالراحة، وتجنب إجهاد ذراعكِ اليمنى، وسنراكِ في الأسبوع المقبل لننزع الجبس عن ذراعكِ بعد التأكد من التئام الكسر بصورة جيدة.

أومأت ديلان برأسها، بينما لمعت السعادة في عيني باران.

وأخيرًا...

بعد أيام طويلة قضتها بين الألم والخوف والقلق، كانت ديلان على وشك أن تعود إلى البيت.

البيت الذي لم تكن تعرف بعد...

هل سيكون لها فيه مستقبل؟،

أم أن الحقيقة التي تخفيها ستجعل عودتها إليه مجرد لحظة قصيرة تسبق العاصفة؟.

تعليقات



<>