رواية اليك ياوئ الفواد الفصل السادس6بقلم ملك محمد


رواية اليك ياوئ الفواد الفصل السادس6بقلم ملك محمد


وقف حذيفة أمام الباب، وقلبه يخفق بعنف.
تبادل النظرات مع أحمد، ثم مد يده إلى المقبض وفتحه ببطء.

كان يقف أمامهما رجل في منتصف الأربعينيات، يرتدي جلبابًا بسيطًا، وملامحه هادئة بصورة أثارت الريبة.

قال الرجل بهدوء:

= السلام عليكم.

رد حذيفة بحذر:

= وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

نظر الرجل إلى أحمد مباشرة، وقال:

= الأستاذ أحمد؟

تقدم أحمد خطوة.

= أيوه... خير؟

أخرج الرجل ورقة مطوية من جيبه، ومدها إليه.

= دي أمانة... وكان لازم توصلك.

فتح أحمد الورقة بسرعة، لكنه وجدها خالية.

رفع رأسه باستغراب.

= إيه ده؟ان بتهزر

قال الرجل وهو ينظر حوله:

= الورقة دي مجرد علامة... أما الحقيقة، فمش هينفع تتقال هنا.

عقد حذيفة حاجبيه.

= قصدك إيه؟

تنهد الرجل وقال:

= الحقيقة اللي مستنيها بقالك عشرين سنة... عن أخوك آدم.

تسمرت قدما أحمد في مكانهما.

وشحب وجهه.

= أنت تعرف آدم؟

هز الرجل رأسه بهدوء.

= أعرف عنه أكتر مما تتخيل.

خرجت بيان من الداخل بعدما سمعت الحديث.

نظرت إلى الرجل باستغراب، ثم إلى أحمد الذي كانت ملامحه قد تبدلت تمامًا.

قال أحمد بسرعة:

= لو عندك حاجة قولها دلوقتي.

أجاب الرجل:

= مينفعش... في ناس بتراقب المكان.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال الرجل:

= لازم تيجوا معايا.

نظر حذيفة إليه بحدة.

= مين؟

= أحمد... والأستاذة بيان.

قال حذيفة باستغراب:

= وبيان مالها؟

ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.

= هتعرفوا لما نوصل.

تقدم حذيفة خطوة.

= وأنا هاجي معاكم.

هز الرجل رأسه.

= لا... المطلوب هما الاتنين بس.

اعترض حذيفة فورًا:

= مستحيل أسيب مراتي تروح مع واحد معرفوش.

قال الرجل بهدوء:

= القرار ليكم... لكن لو ضيعتوا الفرصة دي، يمكن عمركم ما تعرفوا الحقيقة.

نظر أحمد إلى حذيفة، ثم قال:

= أنا لازم أعرف... يمكن يكون عنده أي خيط عن آدم.

ظل حذيفة صامتًا لثوانٍ، ثم قال وهو ينظر إلى الرجل:

= أقسم بالله... لو حصلهم أي حاجة، مش هسيبك.

هز الرجل رأسه في هدوء.

= مش هيحصل.

خرج أحمد وبيان معه.

ركب الثلاثة السيارة.

وانطلقت بهم في طريق طويل.

مر أكثر من ساعة...

حتى توقفت السيارة في مكان خالٍ لا يسمع فيه سوى صوت أمواج البحر.

نزل الرجل أولًا.

ثم قال:

= اتفضلوا.

نزل أحمد وهو ينظر حوله.

= إحنا جينا هنا ليه؟

رد الرجل:

= استنى... كل حاجة هتعرفها.

ظل أحمد ينظر إلى البحر، محاولًا فهم ما يحدث.

وفجأة...

شعر بدوار شديد يهاجمه دون مقدمات.

حاول أن يلتفت خلفه...

لكن الرؤية بدأت تضطرب.

تمايل جسده، ومد يده محاولًا التوازن.

نظر للرجل أمامه، لكنه لم يعد يراه بوضوح.

آخر ما سمعه...

كان صوت الأمواج.

ثم...

ابتلع الظلام كل شيء.

...مر الوقت...

لا يعلم كم مر من الساعات.

فتح أحمد عينيه بصعوبة، وهو يشعر بصداع يكاد يشق رأسه.

أغمضهما مرة أخرى، ثم فتحهما ببطء.

أول ما وقعت عيناه على المكان حوله، عقد حاجبيه.

كان داخل سيارته.

أخذ نفسًا متقطعًا، ثم همس:

= أنا... هنا إزاي؟

اعتدل في جلسته وهو يحاول يستوعب ما حدث.

مد يده إلى رأسه، ثم إلى رقبته، وشعر بألم خفيف.

ضغط على المكان وهو يحاول يتذكر.

آخر حاجة فاكرها...

البحر...

وصوت الأمواج...

وبعدها...

لا شيء.

تنفس بعنف.

= مستحيل... فين الباقي؟

حاول يجبر نفسه يفتكر.

لكن كل ما يحاول...

يحس برأسه هتنفجر.

فتح باب العربية ونزل بسرعة.

لف حواليه.

المكان فاضي تمامًا.

لا عربية.

ولا أي حد.

ولا حتى الرجل اللي جابه.

وقف مكانه وهو بيلف بعينيه في كل الاتجاهات.

= فييييه حد؟!

ماحدش رد.

رجع يبص لعربيته...

وفجأة...

اتجمد مكانه.

وقعت عينه على قميصه.

بقع دم...

منتشرة على صدره وعلى كمه.

رفع إيده ببطء ولمسها.

فضل يبص لدمه على صوابعه وهو مش مستوعب.

همس بصوت خرج بالعافية:

= دم...؟

رجع خطوة لورا.

وقلبه بدأ يدق بعنف.

= لا... لا يا رب...

فتح باب العربية بسرعة، وقعد يدور فيها بجنون. 
وينادي بعلو صوته بيان بيان.......بياااان

لكن...

مفيش.صوت 

مسح وشه بإيده، وركب العربية.

وهو بيسوق، كانت صورة الدم قدام عينيه.

وكل سؤال بيخبط في دماغه:

"أنا كنت فين؟"

"إيه اللي حصل؟"

"مين عمل فيا كده؟"

وصل البيت بعد دقائق.

---

دخل أحمد البيت بخطوات متعثرة.

كان وجهه شاحبًا، وقميصه ملطخًا بالدم.

أول ما شافه الجميع، وقفوا في صدمة.

شهقت أم حذيفة.

= يا ساتر يا رب... الدم ده إيه يا أحمد؟

رفع أحمد عينيه إليهم، وصوته كان مهزوزًا.

= والله... معرفش.

جري حذيفة عليه.

= فين بيان؟

فضل أحمد يبصله ثواني، وكأنه بيحاول يفهم السؤال.

= ...بيان؟

صرخ حذيفة:

= أيوه بيان! خرجتوا سوا... هي فين؟

ضغط أحمد على رأسه بألم.

= والله... مش فاكر.

أمسكه حذيفة من هدومه بعنف.

= يعني إيه مش فاكر؟!

أنا بسألك مراتي فين؟!

تدخل الجد بسرعة.

= سيبه يا حذيفة.

لكن حذيفة كان فقد أعصابه.

= مش هسيبه غير لما أعرف مراتي فين!

نزلت دموع أحمد لأول مرة.

وقال بصوت مكسور:

= أقسم بالله... لو أعرف كنت قولت.

أنا آخر حاجة فاكرها... البحر.

وبعدها...

ولا فاكر أي حاجة.

ساد الصمت.

ثم جلس أحمد على الكرسي وهو يضع رأسه بين كفيه.

وقال:

= يمكن جه الوقت تعرفوا كل حاجة...

رفع الجميع أنظارهم إليه.

وأخذ يحكي...

عن مقتل والده.

وحادثة أمه.

وكيف خُطف أخوه آدم أمام عينيه

وكيف ظل عشرين سنة يبحث عن أخيه، حتى قابل والد بيان وعرف أنه نفس الرجل الذي دمّر حياته.

انتهى من كلامه، ثم قال وهو يبكي:

= والله العظيم... دي كل الحقيقة.

لو مصدقنيش...

أنا مش هقدر ألوم حد.

لكن والله... معرفش إيه اللي حصل بعد البحر.

وقف حذيفة، وأخرج هاتفه.

وقال بحزم:

= كفاية.

أنا هبلغ الشرطة.

رفع أحمد رأسه بسرعة.

= حذيفة...

قاطعه وهو ينظر إليه بحزن وغضب في نفس الوقت.

= سواء أنت مذنب أو بريء...يمكن قتلتها عشان تنتقم

الشرطة هي اللي هتثبت الحقيقة.

ضغط على رقم الطوارئ.

وبعد أقل من نصف ساعة...

توقفت عدة سيارات شرطة أمام المنزل.

نزلت منها ضابطة في منتصف الثلاثينيات.

ملامحها حادة، وخطواتها ثابتة، وهيبتها فرضت الصمت على الجميع.

كانت تُعرف بين زملائها بأنها لا تغلق قضية قبل أن تعرف الحقيقة كاملة.

دخلت المنزل، ونظرت إلى الجميع بهدوء.

ثم ثبتت عينيها على أحمد.

وقالت بنبرة حازمة:

= أنا المقدم ليلى منصور.

ومن اللحظة دي...

القضية دي بقت مسؤوليتي.

وأوعدكم...

مش هسيب فيها تفصيلة واحدة من غير ما أعرفها.

---

نظرت المقدم ليلى إلى أحمد نظرة ثابتة، ثم قالت:

= من دلوقتي... أي كلمة هتقولها هتكون مهمة في التحقيق.

رد أحمد بصوت مبحوح:

= والله يا فندم... أنا بريء.

قالت بهدوء:

= ده اللي هيثبته التحقيق.

ثم التفتت إلى أحد الضباط.

= هات فريق الأدلة الجنائية، وابعتوا قوة على المكان اللي قال عليه... البحر.

هز الضابط رأسه.

= حاضر يا فندم.

...

ما إن خرجت الشرطة من المنزل، حتى انهارت سارة في البكاء.

= يا رب... تكون بخير.

كانت أم حذيفة تبكي بصمت، بينما جلس الجد يردد:

= حسبي الله ونعم الوكيل.

أما حذيفة...

فكان واقفًا كالصخرة، لكن عينيه امتلأتا بالدموع.

همس بصوت مكسور:

= يا رب... رجعهالي سالمة.

في تلك اللحظة...

رن هاتف أم بيان.

ردت بيد مرتعشة.

وما إن أنهت المكالمة...

سقط الهاتف من يدها.

قالت وهي تبكي:

= بيان... اختفت.

وصل الخبر سريعًا إلى أبرار.

ما إن سمعت، حتى شهقت ووضعت يدها على فمها.

= لا... مستحيل.

أخذت حجابها بسرعة، وخرجت مع أم بيان إلى منزل حذيفة.

أما أبو بيان...

فلم يكن موجودًا.

ولم يعرف أحد أين ذهب.

...

في أثناء انشغال الجميع...

لاحظ أحد الضباط أن أحمد لم يعد في مكانه.

قال بقلق:

= يا فندم... أحمد اختفى.

التفتت المقدم ليلى بسرعة.

= إزاي اختفى؟شوفوا بسرعه

بدأ أفراد الشرطة يبحثون عنه في أنحاء المنزل...

لكن لم يجدوا له أثرًا.

...

في الوقت نفسه...

كان أحمد يقود سيارته بلا هدف.

دموعه لا تتوقف.

وكل ما يدور في رأسه سؤال واحد:

= إيه اللي حصل؟

وفجأة...

استدار بعربيته...

متجهًا إلى البحر.

وقف في نفس المكان الذي يتذكر أنه كان فيه آخر مرة.

نزل من السيارة، وبدأ يسير بخطوات متعثرة.

ينظر إلى الرمال...

وإلى الصخور...

علّه يتذكر أي شيء.

وفي الناحية الأخرى...

وصلت المقدم ليلى مع فريق الأدلة الجنائية وحذيفة إلى المكان نفسه.

بدأ رجال الأدلة يمشطون المنطقة بدقة.

وفجأة...

صاح أحد أفراد الفريق:

= يا فندم... لقينا أداة حادة مدفونة بين الصخور!

تقدمت ليلى بسرعة.

أخرج خبير الأدلة سكينًا داخل كيس الأدلة، وكانت عليها آثار دماء.

ساد الصمت.

نظر حذيفة إلى السكين، وشحب وجهه.

قالت المقدم ليلى بحزم:

= محدش يلمسها.

هتتحفظ عليها فورًا، وتتبعث للمعمل الجنائي.

ثم رفعت نظرها إلى المكان من حولها، وقالت:

= الحقيقة موجودة هنا...

ومش هنمشي غير لما نعرف إيه اللي حصل فعلًا.

---

أخذ خبير الأدلة السكين بحذر، ووضعها داخل كيس الأدلة.

ثم قال للمقدم ليلى:

= يا فندم... هنبعتها المعمل الجنائي حالًا.

هزت رأسها وقالت بحزم:

= عايزة النتيجة في أسرع وقت.

...

مر اليوم كله...

والبيت غارق في الصمت.

حذيفة لم يغادر مكانه.

كان ينظر إلى هاتفه كل دقيقة، ينتظر أي خبر.

أما أم بيان...

فكانت تبكي في حضن أبرار، وهي تردد:

= يا رب رجعهالي... يا رب.

وأبرار كانت دموعها تنزل في صمت، وهي تحاول تهدئتها رغم أن قلبها كان يرتجف خوفًا على صديقتها.

أما أحمد...

فكان  يطالع الأرض في صمت في مكان بعيد، ولا يكف عن ترديد:

= والله... مش فاكر.

...

في مساء اليوم نفسه...

دخل خبير الأدلة الجنائية إلى مكتب المقدم ليلى، وهو يحمل ملفًا في يده.

وقف أمامها وقال:

= يا فندم... ظهرت نتيجة تحليل الدم الموجود على السكين.

رفعت ليلى رأسها بسرعة.

= اتفضل.

فتح الملف، ثم قال بجدية:

= تمت مطابقة العينة...

وساد صمت ثقيل داخل المكتب.

ثم أكمل:

= والدم...

مطابق لدم الأستاذة بيان.

تجمدت ليلى في مكانها.

وأغلقت الملف ببطء...

وهمست:

= يبقى القضية بدأت بجد.

تعليقات



<>