
رواية عيون الاسد الفصل السادس6 بقلم اميرة خالد
تجمد يعقوب في مكانه للحظة، نبضات قلبه تسارعت بشكل غير مفهوم وهو يرى عينيها اللامعتين بالدموع ووجهها الشاحب من الخوف والجهد. كل الهيبة والجمود اللذين يرتديهما كدرع انهارا أمام نظرة الانكسار في عينيها.
وضع يديه على كتفيها بتلقائية يحاول تهدئتها، وقال بصوت منخفض وعميق فيه نبرة اهتمام غريبة عليه:
— "عين؟ أنتي بتعملي إيه هنا؟ وإيه الدموع دي كلها.. فيكِ إيه؟"
قبل أن تجيب عين، كان فادي قد وصل خلفها لاهثاً ومعه يارا. التفت فادي بتلقائية ووضع يده على كتف عين ليطمئنها قائلًا بنبرة قريبة: "اهدي يا عين، أنا معاكي متخافيش".
في تلك اللحظة بالذات، تراجع يعقوب خطوة إلى الوراء يستعيد وقاره وجديته، لكن عينيه تشنجتا بضيق مبطن وغيرة صامتة لم يستطع إخفاءها وهو يراقب يد فادي المستقرة على كتف عين وقربه الزائد منها. تلاقت نظرات يعقوب مع فادي بنبرة حادة وتساؤل جاف، قبل أن يوجه بصره لـ عين بانتظار إجابتها.
عين بكت بنشيج وهي تجيب:
— "أختي.. إنجي أختي الصغيرة مخبوطة بالعربية وموجودة هنا في المستشفى.. أنا مش عارفة هي فين ولا جرى لها إيه!"
هنا ربط يعقوب الخيوط ببعضها فوراً. تذكر مكالمة جاسر المذعورة عن الفتاة الصغيرة التي صدمها بسيارته، ونقلها إلى هنا. نظر لعين بملامح لانتي تماماً وقال بهدوء يبعث على الأمان:
— "اهدي.. أختك بخير ومفيش فيها غير جروح بسيطة. جاسر صاحبي هو اللي جابها هنا.. تعالي معايا."
داخل الغرفة، كانت إنجي مستلقية على السرير بنصف جلسة، وعلى الرغم من الكدمة الصغيرة على جبهتها، إلا أن عينيها كانت تلمع بشقاوة وهي تتأمل جاسر الواقف أمامها بيأس.
إنجي (بتنهيدة مسرحية مبالغ فيها وهي تسبل عينيها بوقاحة طفولية):
— "يعني يا كابتن.. بذمتك يرضي طموحي العلمي ومستقبلي في الثانوية العامة يطير عشان حتة فرملة مقدرتش تدوس عليها؟ بس الصراحة.. قضا وأخف، والوش السمح ده ينسي الواحد الوجع!"
جاسر (يضحك بيأس ويضع يده في جيبه، محاولاً مداراة حَرَجه من لسانها السليط والمرح وهي تعاكسه علناً):
— "يا ستي والله العظيم هعوضك عن كل حاجة.. تليفون جديد، وكتب جديدة، ودروس خصوصية لحد البيت.. بس قولي يا رب تقومي بالسلامة الأول وبطلي معاكسة!"
فجأة، انفتح الباب بقوة ودخلت عين كالإعصار، وخلفها فادي، يارا، ويعقوب الذي يراقب الموقف بصمت ووقار، وعيناه لا تفارقان حركات عين وقرب فادي المستمر منها لحمايتها، وهو ما كان يشعل في صدره ناراً صامتة.
عين (بصراخ ممزوج بالدموع):
— "إنجي! حبيبتي أنتِ كويسة؟!"
ارتمت عين في حضن أختها وهي تبكي برعب، بينما بادلتها إنجي الحضن وهي تضحك بخفة وتغمز لعين بخبث مشيرة لجاسر:
— "اهدي يا عيون.. أنا زي الفل أهو، لسه عايشة وبأكل وبشرب.. والمز ده قام بالواجب وجابني هنا فوراً، ده أنا حتى شكلي هحب حوادث العربيات بعد كده!"
أشارت إنجي بعفوية لجاسر، الذي احمر وجهه حرجاً وتقدم خطوة نحو عين وفادي وقال بأسف حقيقي:
— "أنا بعتذر جداً يا جماعة.. والله ما شفتها، كانت بتجري فجأة قدام العربية، والحمد لله إن الدكاترة طمنوني إنها مجرد كدمات خفيفة وارتجاج بسيط وهيعدي."
فادي (بضيق وقلق أخوي وهو يقف حائلاً بجسده بين عين وجاسر):
— "الحمد لله إنها جت على قد كده.. بس ياريت بعد كده السرعة تهدى في الشوارع الجانبية يا بشمهندس."
شعر يعقوب بنفور غريب من مظهر فادي وهو يلعب دور الحامي لـ عين، فتدخل بصوت قوي رخيم قطع النقاش، موجهاً حديثه لـ مدير المستشفى الذي دخل خلفهم فوراً:
— "دكتور أسامة.. البنت دي تحت رعايتي الشخصية، مش عايزها تخرج من هنا غير لما يتشيك عليها من كل الدكاترة.. ومفيش مليم يدفع هنا، مفهوم؟"
المدير (بأدب شديد):
— "تحت أمرك يا يعقوب بيه، كل شيء تمام وجاهز."
اقتحام مفاجئ.. والوجه الآخر للعائلة
قبل أن يستوعب الجميع الهدوء، اندفع باب الغرفة مجدداً ودخل والد عين "سعيد" وتتبعه زوجته "عفاف" التي كانت تصرخ بلهفة وتبكي بحرقة.
عفاف (تجري نحو السرير وتلقي بنفسها على إنجي وهي تبكي بنشيج وحنان أمومي دافئ):
— "يا حبيبتي يا بنتي! يا ألف نهار أبيض إنك صاحية.. قلبي كان هيقف من الرعب عليكي يا إنجي!"
أما سعيد، فبدلاً من أن يتجه لابنته المصابة أو يطمئن عليها، وقفت عيناه تتأملان الغرفة الفاخرة، والملابس الأنيقة وساعات اليد الثمينة التي يرتديها يعقوب وجاسر. لمعت عيناه بجشع وطمع فج التقطه يعقوب على الفور بذكائه الحاد.
سعيد (يتنحنح ويدعي الحزن والضيق، متقدماً نحو جاسر ويعقوب بنبرة هجومية مصطنعة):
— "الحمد لله رب العالمين.. بس ده إهمال برضه يا بيه! بنتي كانت هتروح فيها تحت عجلة عربيتكم.. ودي ثانوية عامة ومستقبل وضرر نفسي وجسدي مش هيمر بالساهل كده! إحنا ناس على قدنا بس كرامتنا فوق كل شيء.. والتعويض عن الضرر ده أقل واجب ولا إيه يا بيه؟"
شعرت عين بالخزي الشديد، وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها وهي ترى طمع والدها المفضوح أمام رئيسها في العمل. همست بإحراج قاتل ودموعها كادت تهبط حرجاً:
— "بابا.. أرجوك، البشمهندس ما قصرش ونقلها بنفسه، ويعقوب بيه متكفل بكل حاجة..."
قاطعها سعيد بنظرة حادة غاضبة:
— "اسكتي أنتِ يا عين! ده كلام رجالة وكبار.. الناس الأكابر دول أكيد عارفين الأصول وعارفين يعني إيه أرواح الناس مش لعبة!"
في تلك اللحظة، وبدلاً من أن يغضب يعقوب، شعر براحة غريبة بل بانتصار داخلي أضاء ملامحه ببرود خبيث. فكر يعقوب سريعاً: إذا كان هذا الرجل يثمن كل شيء بالمال، فإن "عين" أصبحت عملياً في قبضته. المال هو أسهل لعبة يتقنها، وطمع هذا الرجل يعني أنه يستطيع شراء ولائهم، وبالتالي، امتلاك "عين" وإبقائها تحت رحمته ورعايته دون عائق من عائلتها.
ارتسمت على شفتي يعقوب ابتسامة هادئة غامضة، وقرر أن يجاري سعيد تماماً في طمعه ليغرقه بالمال حتى لا يملك حق الاعتراض على أي شيء يخص ابنته مستقبلاً. خطى يعقوب خطوة للأمام وقال بنبرة مطمئنة ومستفزة في آن واحد:
— "معاك حق يا حاج سعيد.. الأصول أصول، وإحنا تحت أمرك في أي تعويض يرضيك ويرضي عائلتك الكريمة.. قولي، إيه الرقم اللي يرضيك عشان نقفل المحضر وننهي الموضوع ودي ونبقى حبايب؟"
توسعت عينا سعيد بطمع وجشع سال له لعابه وهو يرى يعقوب يجاريه بهذه السهولة، فبدأ يسرد طلبات مادية مبالغ فيها، بينما كانت عين تبكي صمتًا من فرط الإحراج، تتهرب بعينيها من نظرات يعقوب التي كانت ترمقها من حين لآخر بنظرات واثقة ومسيطرة، كأنه يخبرها صراحةً أنه اشترى صمت عائلتها واشتراها معهم.
في تلك الأثناء، وفي الجانب الآخر من المدينة، كانت الأجواء أكثر ظلمة. في غرفة نوم واسعة، كانت هدير مستلقية على السرير بجانب عادل تحت الأغطية، والشر يملأ عيونهم والخطط تحاك في الظلام.
هدير (وهي تلعب بخصلات شعرها وتنظر لعادل بابتسامة خبيثة):
— "جاسر خلاص بقى في جيب الصغير يا عادل.. مسألة وقت وهيتقدم رسمي، والكل في عيلته وافق."
عادل (يسحب نفساً من سيجارته ويبتسم ببرود):
— "ممتاز.. بس الجوازة دي مش هتكمل غير بشرط واحد، لازم تلعبي على جاسر صح.. تخليه يكتب باسمك حصة في أسهم المصنع الجديد اللي اشتراه مع يعقوب."
هدير (بتردد طفيف وهي تقترب منه):
— "المصنع الجديد؟ بس يعقوب عينه وسط راسه يا عادل، وحاسة إنه بيبص لي بنظرات شك كأنه كاشفنا."
عادل (يضحك بابتسامة باردة ويهمس بفحيح الأفاعي وهو يقبل كتفها):
— "يعقوب ذكي بس يتيم ملوش ضهر، وجاسر مغفل وبيموت فيكي ومستعد يعمل أي حاجة عشان يرضيكي.. بمجرد ما الأسهم دي تتكتب باسمك، هشتريها منك فوراً.. وساعتها هبقى شريك رسمي ليعقوب جوه مصنعه الجديد.. هكسر كبرياؤه في عقر داره وأخرب الشراكة والنجاح اللي تعب عشان يبنيهم، وأدخل بينه وبين جاسر وأوقعهم في بعض!"
قرر يعقوب إنهاء المهزلة في الغرفة ومغادرة المكان ليترك العائلة معاً، بعد أن أعطى سعيد وعوداً مالية سخية جعلت الأخير يبتسم بانتصار غبي ويسكت تماماً. أشار يعقوب لجاسر بالخروج معه.
عند الباب، التفت يعقوب لـ عين، ونظر إليها بلهجة آمرة غارقة في السيطرة والحنان المبطن:
— "عين.. اطلعي ارتاحي النهاردة وبكرة.. مش عايز أشوف وشك في الشركة لحد ما أختك تبقى كويسة تماماً."
عين (باعتراض رقيق وخجل يمتزج بدموع إحراجها من والدها):
— "بس يا فندم الشغل والتدريب.."
يعقوب (يقاطعها بحدة محببة وعين تفيض بالقوة):
— "كلمتي تتسمع يا عين.. مفهوم؟"
أومأت برأسها بخجل شديد، وخرج يعقوب وجاسر خلفه. في الممر، نظر
جاسر ليعقوب بابتسامة خبيثة:
— "أنا عمري ما شفتك حنين كدة يا يعقوب بيه.. من إمتى وإنت بتشيل هم موظفين التدريب؟ ولا الموضوع فيه إنّ؟"
يعقوب (ببرود حاد ونظرة كادت تحرق جاسر، والابتسامة الانتسابية لا تفارق باله):
— "اتلم يا جاسر.. وشوف المصيبة اللي عملتها وطمع الأب اللي وقعت بسببه، وبلاش كلام فارغ لا أدفّعك تمن المستشفى والتعويض من جيبك!"
في هذه الأثناء، داخل غرفة إنجي، كان التوتر يملأ الأجواء. بمجرد خروج يعقوب وجاسر، التفت فادي إلى عين وقال بنبرة مليئة بالغيرة والضيق:
— "عين.. إيه الطريقة اللي يعقوب بيه ده بيكلمك بيها؟ ومين ده أصلاً عشان يتحكم في قعدتك ونزولك الشغل؟"
قبل أن تجيب عين، تدخل سعيد وهو يعد الأموال الوهمية في مخيلته ويسحب كرسياً ليجلس بنبرة متعالية:
— "جرى إيه يا فادي؟ الراجل كتر خيره أكابر وولاد ناس.. وبعدين ده رئيسها في العمل، وأنا وافقت على كلامه. عين مش هتنزل الشغل غير لما أختها تقف على رجليها.. والتعويض اللي هيجي من ورا الحادثة دي هيأمن مستقبلك ومستقبل أختك يا عين!"
نظرت عين إلى والدها بنظرة مليئة بالانكسار والخذلان. التفتت إلى النافذة وهي تخفي دموعها التي تجددت، ليس خوفاً على إنجي هذه المرة، بل خجلاً من وضعها؛ لقد شعرت أن يعقوب لم ينقذ عائلتها فحسب، بل "امتلكها" حرفياً. أصبحت مدونة في دفتر حساباته، وهي تكره شعور العجز هذا، رغم أن نبضات قلبها حين وضع يده على كتفها كانت تقول شيئاً آخر تماماً.
همست يارا لـ عين وهي تحتضنها:
— "معلش يا عين.. أهم حاجة إن إنجي بخير، فكي بقى."
أما إنجي، فكانت تراقب الجميع بذكائها الطفولي، ووجهت نظرتها لـ عين وقالت بهمس غامز:
— "بس قوليلي يا عيون.. يعقوب بيه ده خطير.. هيبته توقف القلب، بس نظراته ليكي وهي مليانة شرار لما فادي حط إيده عليكي.. دي متفوتش على إنجي أبداً!"
احمرّ وجه عين خجلاً وصاحت بأختها لكي تصمت، بينما كان فادي يغلي في مكانة مستشعراً الخطر القادم من هذا "اليعقوب".