رواية عذبة النخيل الفصل السابع7 بقلم حنان أحمد ماهر

رواية عذبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر 
رواية عذبة النخيل الفصل السابع7 بقلم حنان أحمد ماهر 

جلست همس على الكنبة الصغيرة الملاصقة لشباك غرفتها، وأسندت رأسها إلى إطار النافذة، بينما كانت عيناها سارحتين في الامتداد الأخضر الواسع الذي يحيط بالعزبة.
الحقول بدت هادئة... ونسيم الليل كان يحرك سنابل القمح برفق، لكن داخلها لم يكن هناك أي هدوء.
كانت تستعيد ما حدث منذ قليل...
نظرات الوقح  التي بثت الرعب في قلبها... ووقوف فارس أمامها كأنه سور يحميها... وغضبه الذي لم ترَ مثله من قبل.
همست لنفسها بحيرة: ـ ليه عمل كده؟... وليه كل الغضب اللى كان جواه بالشكل ده؟
تنهدت وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، ثم أعادت نظرها إلى الحقول، تحاول أن تهرب من أفكارها، لكن ملامح فارس لم تغادر ذهنها.
وفي الخارج...
كان فارس يمتطي حصانه الأسود، يركض به بين الغيطان بسرعة، وكأن الريح تفسح له الطريق.
كان يحاول أن يفرغ ما بداخله من غضب...
كلما تذكر نظرات عباس البغيض إلى همس، شد على اللجام أكثر، فانطلق الحصان يعدو بقوة.
لكن فجأة...
رفع رأسه نحو بيت الحاجة خديجة.
وقعت عيناه على نافذة غرفتها.
رآها جالسة خلف الزجاج، تنظر إلى الأرض الخضراء بشرود، ولم تكن تشعر به.
خفف سرعة الحصان تلقائيًا، ثم اتجه نحو البيت حتى توقف أسفل النافذة.
ظل يتأملها للحظات...وجهها كان هادئًا، وشعرها الكريستال 
الذى يتطاير مع نسيم الهواء وكأنها لوحة فانيه مرسومة 
بإتقان.
ابتسم دون أن يشعر، وتمتم بصوت منخفض:  أول مرة أشوف واحدة بالجمال ده... كأنها واخدة حلاوتها من الجنة .
وفي تلك اللحظة...
شعرت همس وكأن أحدًا يراقبها.
رفعت رأسها ببطء، لتلتقي عيناها بعيني فارس.
تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها بدهشة.
أما فارس...
فاكتفى بابتسامة صغيرة، وقرب بحصانة يبطئ.
ارتبكت همس، وأسرعت تُخفض بصرها، لكن ابتسامة خجولة تسللت إلى شفتيها رغمًا عنها.
ابتسم فارس باتساع وهو يراها تبتسم، وشعر أن ضيق صدره قد اختفى في لحظة.
اقترب بحصانه خطوة واحدة فقط، ثم قال وهو يثبت عينيه عليها:
ـ كيفك ياهمس عاملة إيه دلوقتي؟... لسه خايفة؟
هزّت همس رأسها نفيًا، ثم قالت بابتسامة خجولة:
ـ لا... الحمد لله ازيك انت .
تنهد فارس براحة وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره.
ـ الحمد لله... لما شفت خوفك وانتى فى حضن الحاجة خديجة وأنا مش مرتاح. كان نفسي اشوفك وأطمن عليكي بس الحمد لله أن الصدفة خلتنى أشوفك ماكنتش هعرف 
انام وانا قلقان عليكى.
رفعت همس عينيها إليه، وقد لمست الصدق في نبرته، فقالت برقة: شكراً بجد يا فارس أنا مش عارفه لو ماكنتش 
جيت كان ممكن إيه يحصل 

ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، ثم قال بجدية وصدق وكلام نابع من القلب:
ـ أنا مش عايزك تخافى طول ما انا موجود.
خفضت بصرها وهي تبتسم في حياء 
سكت لحظة وهو يتأملها، ثم سألها بهدوء:
ـ هو انتي... منين يا همس؟
أجابت بعد تردد:
ـ من الاسكندريه.
رفع حاجبه بإعجاب وقال:
ـ كنت حاسس .
نظرت إليه باستغراب.
ـ حاسس  إزاى يعنى ؟
ابتسم وهو يقول:
ـ من كلامك... ومن طريقة لبسك... وحتى طريقة بصتك للبلدنا. واضح إن العزبة وكل اللي فيها جديد عليكي.
ضحكت همس بخفة لأول مرة أمامه.
ـ للدرجة دي باين عليا؟
هز رأسه مبتسمًا وهو سرحان فى ملامحها:
ـ اوى.
ثم أضاف وهو ينظر إلى الحقول من حولهما:
ـ بس الغريب... إنك رغم إن المكان غريب عليكي... حسيته لايق بيكي.
ارتبكت همس، وشعرت بحرارة وجنتيها تزداد، فقالت وهي تحاول الهروب من نظراته:
ـ يمكن علشان المكان هنا هادي وانا بطبعي الهدوء.
نظر إليها فارس طويلًا، ثم قال بصوت خافت خرج دون أن يشعر:
ـ يابوى ......... إيه الرقة و الحلاوه دى .
تجمدت همس مكانها، ولم تستطع الرد، بينما ازداد خجلها حتى احمر وجهها بالكامل.
وحين رأى فارس ارتباكها، ابتسم ابتسامة دافئة وقال:
ـ خلاص... مش هحرجك أكتر من كده.
ثم أمسك بلجام حصانه، وقبل أن يتحرك قال وهو ينظر إليها للمرة الأخيرة:
ـ تصبحى على خير يا فرسة. 
بقيت واقفة مكانها خلف النافذة، تتابع ابتعاده بعينيها، حتى بدأ يختفي بين الحقول.
رفعت يدها المرتجفة إلى قلبها، تشعر بخفقاته المتسارعة، وهمست بصوت بالكاد يُسمع:
ـ تصبح على... جنة.
بعد ما عاد حمزة إلى بيته، لم يدخل إلى الداخل، بل اتجه إلى الدكة الخشبية القديمة أمام الباب، وجلس فوقها في صمت.
أسند مرفقيه إلى ركبتيه، وشبك أصابعه وهو يحدق في الأرض بشرود، وكأن الدنيا كلها انكمشت فوق كتفيه.
خرجت والدته من البيت وهي تحمل صينية صغيرة، فوقها كوب شاي ساخن، وما إن رأته على تلك الحال حتى انقبض قلبها.
اقتربت منه في هدوء، وجلست بجواره، ثم ناولته كوب الشاي وهي تربت على كتفه بحنان.
ـ مالك يا ضنايا؟... من ساعة ما رجعت وإنت ساكت، شايل الدنيا فوق راسك ليه ياحمزه؟
تنهد حمزة تنهيدة طويلة، وأخذ الكوب من يدها، لكنه لم يشرب منه.
قال بصوت يملؤه الحزن: ـ مش عارف أعمل إيه يا أمى.
نظرت إليه بقلق وقالت: ـ خير يا ولدي... حصل إيه تاني؟
هز رأسه ببطء وقال: ـ قرأت أنا والحاج عبد الرحيم الفتحة و وافق على جوازى من آيات ... بس حط شرط.
عقدت حاجبيها وهي تسأله: ـ شرط إيه؟
أجاب وهو يزفر بضيق: ـ قال قدامي شهرين... أكون مجهز نفسي بالكامل، والشقة تكون جاهزة، وأقدر أفتح بيت. غير كده  معندوش بنات للجواز.
سكت لحظة، ثم أكمل بألم:
ـ وإنتِ عارفة يا أمه... لسه خارج من جهاز أختي وجوازها، وكل اللي كنت محوشه راح. حتى القرش اللي في جيبي بقيت أحسب له ألف حساب.
تنهدت الأم وهي تنظر إلى ابنها بحنان.
ـ الرزق على الله يا حمزة... وربنا عمره ما بيضيع تعب حد.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال: ـ الكلام سهل يا أمى... لكن الشهرين هيعدوا بسرعة، وأنا مش معايا المبلغ اللي يخليني أجهز نفسي.
وضعت يدها فوق يده، وقالت بثقة وهى تحول بث الطمأنينة فى قلبه:
ـ اسمع مني يا ولدي... طول عمرك جدع، وواقف جنب اخواتك البنات وجوزتهم وسترتهم بعد ما ابوك ما مات الله يرحمه ،صدقنى ياضنايا ربنا مش هيسيبك وهيبعتلك اللي يقف جنبك. يمكن الشرط ده ربنا جعله سبب علشان يفتحلك باب رزق ما كنتش تتوقعه.
هز رأسه وهو يقول: ـ خايف تضيع مني يا أمى... آيات تستاهل كل خير، وأنا وعدتها إنها مش هتكون لحد غيرى، ومش عايز أخلف وعدي.
ابتسمت الأم وربتت على كتفه.
ـ وانا حاسه أنها مش هتكون غير ليك ياحبيبي. قوم صلّي ركعتين، وادعي ربنا، وسيبها عليه.
هز حمزة رأسه بطاعة، ونهض وهو ينوي الدخول خلف والدته.
لكن قبل أن يخطو خطوة واحدة، اهتز هاتفه في جيبه.
أخرجه بتعجب، وما إن وقعت عيناه على الاسم المضيء على الشاشة حتى اتسعت ابتسامته دون إرادة.
آيات...
نظر حوله سريعًا، ثم أجاب وهو يحاول إخفاء فرحته.
ـ ألو... أخيراً سمعت صوتك وحشتيني.
جاءه صوتها الرقيق، يحمل فرحة لم تستطع إخفاءها:
ـ أنت اللى وحشني اكتر أعمل إيه ياحموزى عقبال ما عرفت أكلمك بعد ما الكل نام.
ابتسم حمزة وهو يشعر أن كل همومه نزلت من على كتافه.
ـ وأنا كنت مستني مكالمتك من ساعة ما رجعت.
ضحكت بخجل، ثم قالت بصوت هامس:
ـ مبروك يا حمزة...
أغمض عينيه وهو يستمع إلى صوتها.
ـ الله يبارك فيكي يا نبض قلب حمزة.
ساد صمت قصير، لم يقطعه إلا صوت أنفاسهما.
ثم قالت بخجل شديد:
ـ أخيرًا... بقيت من نصيبي.
ابتسم ابتسامة واسعة، وأسند ظهره إلى جذع الشجرة المجاورة للدكة، وقال بصوت دافئ:
ـ لا... قولي أخيرًا بقينا من نصيب بعض.
سكتت لحظة، ثم ضحكت ضحكة خافتة جعلت قلبه يخفق بقوة.
ـ تعرف... أول ما بابا وافق، كنت نفسي أجري عليك واقرء
معاك الفاتحة.
قال وهو يبتسم:
ـ وأنا من فرحتي كنت عايز ألف البلد كلها وأقولهم إن آيات بتعتى هتبقى مرات حمزة.
ازداد خجلها، وهمست:
ـ إنت بتكسفني ياحموزى.
ابتسم بحنان وقال:
ـ هو أنا عملت حاجة؟ ده أنا لسه حتى ما بدأتش.
ضحكت مرة أخرى، ثم سألته بقلق:
ـ بس...أنا عارفه الشرط اللي قاله بابا... مضايقك وقاصد يعجزك ؟
تنهد حمزة، لكنه أخفى ألمه حتى لا يسرق منها فرحتها.
ـ مش هكدب عليكي... يا آيات هو صعب لكن مش مستحيل.
ـ انا مستحيل أسيبك. لو هشتغل ليل ونهار... هعملها. وهيجي اليوم اللي أخدك فيه من بيت أبوكي لدارى، والكل يشهد أنك بتاعت حمزه إبن الشيخ طه.
شعرت آيات بدمعة ساخنة تنزل على خدها، وقالت بصوت مرتعش:
ـ وأنا مستحيل انى أكون لغيرك ياحمزه مستعدة أستناك العمر كله ... والله لو قالوا سنة ولا اتنين هفضل مستنياك. المهم ماحد  هيكون راجلى وساندى وأسمى على إسمه غيرك انت يا حمزه .
أغمض حمزة عينيه، وتأثر بكلامها، ثم قال:
ـ ربنا يخليكي ليا... إنتِ نعمة كنت بدعي ربنا بيها كل ليلة.
ابتسمت وهي تمسح دموعها.
ـ وأنا كمان... كنت كل ما أصلي، أدعي وأقول: "يارب... اجعل حمزة من نصيبي." ربنا يخليك ليا يارب .
ابتسم وهو ينظر إلى السماء المليئة بالنجوم.
ـ الحمد لله.
ثم قال بمشاكسة خفيفة:
ـ بس في حاجة.
سألته باستغراب:
ـ إيه؟
ـ من النهارده ممنوع تناديلي يا حمزة وبس.
ضحكت وقالت:
ـ أمال أناديك بإيه؟
ابتسم وهو يغمض عينيه مستمتعًا بصوتها.
ـ ناديني زي ما قلبك يحب.
ساد صمت قصير، كانت تسمع فيه دقات قلبها قبل أن تهمس بخجل شديد، حتى كاد صوتها لا يُسمع:
ـ حاضر... يا حبيبي.
شعر حمزة وكأن الزمن توقف عند تلك الكلمة، واتسعت ابتسامته حتى أضاءت ملامحه، وقال بصوت اختلطت فيه الفرحة بالحنان:
ـ أعيديها... عشان أحس إني مش بحلم.
ضحكت وهي تغطي وجهها بكفها، ثم قالت بخجل أكبر:
ـ تصبح على خير... يا حبيبي.
وقبل أن يغلق الخط، همس من أعماق قلبه:
ـ وتصبحي وانتى فى بيتى وحضنى يانبض قلب حمزه...

استدار ببطء عن النافذة الزجاجية الضخمة التي كانت تطل على البحر، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة لا تبشر بخير.
كان يقف بكل شموخ، واضعًا إحدى يديه داخل جيب بنطاله، بينما اليد الأخرى تمسك بكوب قهوته.
في تلك اللحظة، طرق سالم الباب طرقات خفيفة، ثم دخل وأغلقه الباب خلفه.
رفع مصطفى عينيه إليه وقال ببرود: ـ عملت إيه؟... عرفت مكانها؟
هز سالم رأسه باحترام وقال: ـ حصل يا باشا... البنت موجودة في الصعيد.
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم ارتسمت على جانب شفتي مصطفى ابتسامة واسعة، وقال وهو يقترب منه: ـ متأكد؟
ـ متأكد يا باشا... رجالتنا راجعت كاميرات محطة القطار اللي اختفت منها البنت.. هي مستخبية في عزبة اسمها "عزبة النخيل"....
ظل مصطفى صامتًا للحظات، ثم قال بصوت هادئ يخفي وراءه الكثير:
كمل بتكبر  ـ والأمانة... وصلت؟
ابتسم سالم ابتسامة خبيثة وأجاب بعملية: يا باشا... وصلت الفيلا زي ما أمرت بالظبط.
رفع مصطفى حاجبه باهتمام. ـ وهدية عز ؟
ـ و كمان وصلت... مخصوص لعز باشا، ومحدش فتحها لحد دلوقتي.
ابتسم مصطفى بخبث وهو يتمتم: ـ ممتاز...
اقترب من مكتبه، وأخرج من أحد الأدراج جهازًا لوحيًا صغيرًا، فتح عليه صورًا عديدة لهمس التقطها رجاله من بعيد.
ظل يتأمل صورتها للحظات، ثم قال بنبرة باردة:
ـ كنت فاكرة إنك هتهربي مني يا بنت رائفت؟.
رفع عينيه نحو سالم وقال: ـ اسمعني كويس... من النهارده مراقبة البنت تبقى أربع وعشرين ساعة.
ـ حاضر يا باشا.
ـ من غير ما حد يحس بوجودكم... ولو حتى شعرت إن في حد بيراقبها، يبقى فيها رقبتكم.
ـ مفهوم.
توقف مصطفى لحظة، ثم أضاف وهو يبتسم ابتسامة مرعبة:
ـ وسيبوا عز يدور عليها... أنا عايزه يتعب... ويقرب منها بنفسه.
قطب سالم حاجبيه باستغراب. ـ ليه يا باشا؟
ضحك مصطفى ضحكة قصيرة، ثم قال:
ـ لأن عز هيوصلنا ليها من غير ما نخسر راجل واحد... ولما يطمن إنها بقت في أمان...
ساعتها...
هنضرب الضربة اللي عمره ما هينساها.
ابتلع سالم ريقه وهو يرى ذلك البريق المخيف في عيني رئيسه.
ثم سأل بتردد: ـ ولو أهل العزبة وقفوا قدامنا؟
اتسعت ابتسامة مصطفى أكثر، وقال بصوت يحمل ثقة وغرورًا:
ـ اللي يقف في طريقي... نشيله من طريقنا ياسالم ولا ايه
انا لسه هعلمك....

تعليقات



<>