رواية عذبة النخيل الفصل الثامن8 بقلم حنان أحمد ماهر

رواية عذبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر 
رواية عذبة النخيل الفصل الثامن8 بقلم حنان أحمد ماهر 

"ليس كل سقوط يُسمع صوته... فبعض الانهيارات تنتهى بصمت ثقيل .
كان عز غارقًا في مراجعة بعض الملفات، وعيناه لا تفارقان الأوراق المكدسة أمامه، حتى قاطعه طرق خفيف على الباب.
ـ اتفضل.
انفتح الباب ببطء، ودخلت السكرتيرة بخطوات هادئة، تتمايل في مشيتها بثقة، وعلى شفتيها ابتسامة تحمل الكثير من الدلال.
اقتربت من مكتبه، وانحنت قليلًا وهي تضع بعض الملفات أمامه، ثم قالت بنبرة ناعمة:
ـ صباح الخير يا عز بيه... شكلك تعبان النهارده.
رفع عينيه إليها، وقال ببرود:
ـ عندي شغل كتير ياميس مش فاضى ... خير؟
ابتسمت وهي تعبث بخصلات شعرها:
ـ كده برده ياعز شكلى ما وحشتكش .
زفر عز وهو يترك القلم من يده، ثم نظر إليها نظرة ذات معنى وقال بصوت منخفض:
ـ إنتِ عارفة إن ده مكان شغل... بلاش دلع دلوقتي واتفضلى على مكتبك دلوقت .
اقتربت خطوة أخرى، وهمست بابتسامة ماكرة:
ـ حاضر... بس أوعى تنسى وعدك ليا بعد ما تخلص شغلك.
ابتسم عز ابتسامة خفيفة، ثم أشار إليها أن تخرج.
ـ امشي دلوقتي... وهبقى أكلمك بعدين.
أومأت برأسها، ورمقته بنظرة مليئة بالثقة قبل أن تستدير 
 لتغادر، لكنها توقفت قبل أن تصل إلى الباب، وكأنها تذكرت شيئًا.
التفتت إليه مرة أخرى، ثم رفعت الظرف الأبيض الذي كانت تخفيه بين الملفات، وقالت بابتسامة خفيفة:
ـ آه... صح، كنت هنسى. الظرف ده وصل لحضرتك من شوية، والشخص اللي جابه أصر إنه يتسلم ليك إيد بإيد.
رفع عز رأسه إليها باستغراب، ومد يده يأخذ الظرف.
ـ مين اللي بعته؟
هزت كتفيها بدلال وهي تجيب:
ـ معرفش... هو سالمه فى رسبشان الشركه ، ورفض يقول اسمه، وسابه ومشي على طول.
قلب عز الظرف بين يديه، فلم يجد عليه اسم مرسل، ولا أي عنوان أو حتى كلمة واحدة تدل على صاحبه.
عقد حاجبيه في حيرة، ثم قال:
ـ تمام... تقدري تتفضلي انتى.
ابتسمت له ابتسامة ذات مغزى قبل أن تقول:
ـ لو احتجت أي حاجة... أنا في مكتبي.
أومأ لها دون أن يرفع عينيه عن الظرف، فخرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
ساد الصمت أرجاء المكتب.
ظل عز يحدق في الظرف لثوانٍ، ثم فتحه بحذر، لتتسع عيناه قليلًا عندما وجد بداخله فلاشة إلكترونية صغيرة لا تحمل أي علامة أو اسم.
تمتم باستغراب:
ـ فلاشة... بتاعت إيه الفلاشه دى!
نهض من مقعده، واتجه نحو الحاسب المحمول، وأدخلها في منفذ الـUSB، ثم انتظر حتى ظهر الملف الوحيد الموجود بداخلها...
اتسعت عينا عز وهو يضغط على زر التشغيل.
في البداية، ظهرت شاشة سوداء لثوانٍ... ثم بدأت الصورة تتضح تدريجيًا.
ظهر هو... داخل جناح بأحد الفنادق الفاخرة، والسكرتيرة تجلس بجواره في لقطة توحي بعلاقة خاصة بينهما، وهي تقترب منه بشكل يسيء إلى سمعته. كان الفيديو مصورًا من زاوية خفية، وكأن كاميرا صغيرة زُرعت داخل الغرفة دون علمه.
وقف عز فجأة من مكانه حتى ارتطم الكرسي بالأرض خلفه.
ـ إيه ده؟!
تسارعت أنفاسه، وأعاد المقطع مرة أخرى بعينين لا تصدقان ما تريان.
قبض على حافة المكتب بقوة حتى برزت عروق يده، وهمس بصدمة امتزجت بالغضب:
ـ مين... مين اللى إتجراء قدر يعمل كده ويصورنى مين اللى بيرقبنى وعايز ايه  ؟!
بدأت الأفكار تتلاحق داخل رأسه بسرعة.
ذلك المكان كان مغلقًا... ولم يكن يعلم بوجوده سوى عدد محدود جدًا من الأشخاص.
أغلق الفيديو بسرعة، ونزع الفلاشة من الحاسوب بعنف، ثم أخذ يدور في المكتب ذهابًا وإيابًا، والغضب يشتعل في عينيه.
تمتم بين أسنانه:
ـ لو الفيديو ده وقع في إيد منافسيني... أو وصل للإعلام... سمعتي هتنهار، وكل اللي بنيته في سنين ممكن يضيع في لحظة.
صمت للحظات، ثم عاد ينظر إلى الفلاشة بين أصابعه.
لم تكن مجرد رسالة...
بل كانت تهديدًا واضحًا.
وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفه فوق المكتب معلنًا عن وصول رسالة من رقم مجهول.
فتحها بسرعة، فوجد عبارة قصيرة جعلت الدم يتجمد في عروقه:
".  يارب تكون الهديه عجباك ياعز باشا حبيت أقولك بلاش تنسى نفسك وتنسى أنت بتلعب مع مين ."
اشتعلت عينا عز بالغضب، وسحق الهاتف بين قبضته وهو يزمجر:
ـ وحيات امى يا مصطفى الكلب ...لهدفعك حق اللى انت عملته غالى اوى... وهخليك تندم على اليوم اللي فكرت تهديدنى فى وتقف فى وشى.
أما عند مصطفى...
كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، يضحك وهو ينظر إلى شاشة هاتفه، يتخيل ملامح عز لحظة تشغيل الفلاشة، ويتمتم بسخرية:
ـ ولسه 
قطع شروده صوت السائق وهو يقول باحترام:
ـ وصلنا يا باشا.
رفع مصطفى رأسه، ثم ترجل من السيارة بخطوات واثقة، واتجه نحو الفيلا.
ما إن دخل حتى استقبلته الخادمة، فانحنى إليها قليلًا وسأل:
ـ الست اللي جابها سالم... في أنهي أوضة؟
أشارت الخادمة إلى الطابق العلوي وهي تقول:
ـ آخر أوضة على اليمين يا فندم... وده المفتاح، سالم قال محدش يطلع لها.
ابتسم مصطفى ابتسامة خبيثة، وأخذ المفتاح، ثم صعد الدرج ببطء.
توقف أمام الباب للحظة، أدار المفتاح بهدوء، ثم فتحه ودخل.
كانت فاطمة تجلس على طرف السرير، وما إن سمعت صوت الباب حتى انتفضت واقفة، واتسعت عيناها بالصدمة.
ـ إنت مين؟! وجيبنى هنا ليه....وعايز مني إيه؟!
تأملها مصطفى للحظات في دهشة حقيقية، ثم قال وهو يهز رأسه:
ـ سبحان الله... اقترب خطوة، ثم تمتم دون أن يشعر:
ـ بقى عز مخبي الجمال ده كله... طبيعي همس تطلع بالجمال ده.
ازدادت فاطمة خوفًا، وتراجعت حتى اصطدمت بالحائط، وقالت بصوت مرتجف:
ـ انت تعرف همس بالله عليك... قول لي بنتي فين؟ هي كويسه؟ حصل لها حاجة؟
نظر إليها مصطفى طويلًا، ثم تغيرت ملامحه، وقال بهدوء:
ـ اطمني... بنتك لسه كويسه.
شهقت فاطمة، وانهمرت دموعها وهي تردد:
ـ الحمد لله... الحمد لله يا رب.
ثم رفعت عينيها إليه برجاء:
ـ بالله عليك... لو عندك ذرة رحمة، قول لي هي فين؟
تنهد مصطفى وهو يفكر في كل ما يعرفه عن عز، ثم قال:
ـ قبل ما أجاوبك... لازم أعرف منك الحقيقة كلها. عز مخبيك ليه؟ وإيه حكاية همس معاه؟
ساد الصمت داخل الغرفة، بينما تشبثت فاطمة بطرف ثوبها، وقد أدركت أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، وأن أسرار سنوات طويلة أصبحت على وشك أن تنكشف.

في الإسطبل، كان الهدوء يلف المكان، لا يُسمع سوى صوت الخيول وهي تتحرك بين الحين والآخر، ورائحة التبن تعبق في الأجواء.
وقف فارس بجوار حصانه الأسود، يربت على عنقه بحنان، ثم بدأ يضع له اللجام، بينما كان حمزة يقف بجواره شاردًا، ينظر إلى الفراغ دون أن ينطق بكلمة.
التفت إليه فارس، ولاحظ الشرود الذي يكسو وجهه، فقال بقلق:
ـ مالك يا حمزة؟... من ساعة ما جيت وإنت سرحان. بتفكر في إيه؟
تنهد حمزة تنهيدة طويلة، ثم قال وهو يحك مؤخرة رأسه:
ـ بفكر في الاتفاق... وفي الشرط التعجيزي اللي حطه الحاج عبد الرحيم علشان جوازي من آيات.
ترك فارس اللجام من يده، واستدار إليه بالكامل.
ـ متشيلش هم يا صاحبي.
ابتسم حمزة ابتسامة باهتة.
ـ أعمل إيه بس؟ شهرين... والشقة ناقصها حاجات كتير، والفلوس اللي معايا ما تكفيش نص اللي مطلوب.
اقترب فارس منه، ووضع يده على كتفه.
ـ بصلي يا حمزة... إنت عمرك ما قصرت مع حد، ولا يوم خذلت حد لجألك. ربنا مش هيضيع تعبك.
هز حمزة رأسه بحزن.
ـ عارف... بس خايف يضيع مني حلم عمري.
ابتسم فارس بثقة وقال:
ـ وآيات بتحبك؟
رد حمزة بسرعة:
ـ أكتر من نفسها.
ـ وإنت؟
ابتسم حمزة لأول مرة.
ـ دي روحي أنا حاسس انى بتنفس بس على شان هى موجودة.
ربت فارس على كتفه وهو يبتسم.
ـ يبقى خلاص... اللي ربنا جمعه بالمحبة، البشر عمرهم ما يقدروا يفرقوه. الشرط ده مش علشان يمنع الجوازه... ده علشان يطمن على بنته وده حقه.
تنهد حمزة وقال:
ـ يمكن... بس هجيب الفلوس منين ياخوى وانا كل قرش معايا جوزت بيه اختى الصغيرة؟
ساد صمت قصير...
وفجأة ابتسم فارس ابتسامة جانبية، وقال وكأنه اتخذ قرارًا:
ـ الشقة ناقصها كام؟
رفع حمزة عينيه إليه باستغراب.
ـ ليه؟
ـ جاوبني.
قال حمزة بتردد:
ـ حوالي ميتين ألف جنيه... يمكن أقل بشوية.
أطلق فارس صفيرًا خفيفًا، ثم قال ببساطة:
ـ بسيطة.
قطب حمزة حاجبيه.
ـ بسيطة إزاي يعني؟
أخرج فارس دفتر شيكاته من جيب سترته، وفتح إحدى الصفحات، ثم أمسك القلم وبدأ يكتب.
اتسعت عينا حمزة وهو يراقبه.
ـ إنت بتعمل إيه؟
أنهى فارس الكتابة، ثم نزع الشيك ومده إليه.
ـ اتفضل.
نظر حمزة إلى الشيك... وما إن وقعت عيناه على المبلغ حتى شهق بقوة.
ـ نص مليون جنيه!
رفع رأسه إلى فارس بذهول.
ـ إنت اتهبلت يافارس؟!
ابتسم فارس بهدوء.
ـ خدهم وجيب عفشك وجهز شقتك.
أعاد حمزة الشيك إليه بسرعة.
ـ مستحيل... أنا عمري ما آخد منك المبلغ ده.
عقد فارس حاجبيه وقال بجدية:
ـ وليه بقى إن شاء الله؟
ـ علشان ده كتير... وأنا معرفش هرده إمتى.
ابتسم فارس، ثم قال بثبات:
ـ و مين قالك إنك هترده دلوقتي؟ سدده وقت ما ربنا يوسعها عليك... بعد سنة، بعد خمسة، بعد عشرة... مفيش استعجال.
هز حمزة رأسه بعناد.
ـ لا يا فارس... كفاية إنك صاحبي وسند ليا. إنما فلوس بالشكل ده... لا.
اقترب فارس منه خطوة، ثم أمسك الشيك ووضعه في جيب قميصه بالقوة.
ـ اسمعني كويس يا حمزة... الفلوس دي لو فضلت في البنك مش هتزودني حاجة... لكن لو كانت سبب إنك تتجوز البنت اللي بتحبها، يبقى والله دي أحسن عندى من كنوز الدنيا 
إنت اخوى ياحمزة ولو موقفتش فى فرح اخوى هقف ميتى.
اغرورقت عينا حمزة بالدموع، لكنه ظل يهز رأسه رافضًا.
ابتسم فارس وربت على كتفه.
ـ فاكر يوم ما أبويا اتوفى... مين اللي وقف جنبي؟ فاكر لما كنت بقع من فوق الحصان وإنت اللي كنت تشيلني؟ فاكر وقفتك في ضهرى فى اى مشكلة انت طول عمرك اخ وسند 
خفض حمزة رأسه وهو يبتسم وسط دموعه.
ـ أنساها إزاي انت اخوى يافارس وروحي فداك؟
قال فارس بابتسامة صادقة:
ـ يبقى بلاش بينا كلمة فلوس. إحنا إخوات... والأخ وقت الضيق بيبان.
لم يتمالك حمزة نفسه، فاحتضن فارس بقوة، وهو يقول بصوت مخنوق:
ـ ربنا يخليك ليا يا صاحبي... والله ما شوفت منك غير كل خير.
ربت فارس على ظهره وهو يضحك.
ـ خلصنا بقى من العياط ده... وفرحني بيوم فرحك.
ابتعد حمزة عنه وهو يمسح دموعه، وقال بابتسامة واسعة:
ـ عقبالك ياصاحبى نفرح بيك وتدخل القفص الذهبي.
ابتسم فارس،وهمس في داخله:
"يمكن جه الوقت اللي أنا كمان أحارب علشان اللي قلبي اختارها."
كانت همس تقف داخل مطبخ بيت الحاج عبد المجيد، وقد رفعت أكمام عباءتها قليلًا، تساعد الحاجة خديجة في إعداد الطعام.
كانت تقطع الخضراوات بابتسامة هادئة، بينما الحاجة خديجة تراقبها بين الحين والآخر بإعجاب.
قالت وهي تضحك: ـ يا بخت اللي هتبقى من نصيبه يابتى... إيدك خفيفة ما شاء الله اتعلمتى بسرعة.
ابتسمت همس بخجل.
ـ شكراً يا حاجة البركه فيكي.
وقبل أن تكمل كلامها، دخلت الحاجة أمينة إلى المطبخ وهي تمسح يديها في طرف ثوبها.
ابتسمت عندما رأت همس، ثم قالت بحنان:
ـ يا همس يا بتي... ممكن تطلعي تروقي أوضة فارس؟ الواد خرج من بدري على الأرض الزراعية وسايب الأوضة مقلوبة، وأنا مش هقدر أطلع السلم دلوقتي.
هزت همس رأسها بسرعة.
ـ حاضر يا حاجة... من عيني الاتنين انتى تأمرى.
ابتسمت الحاجة أمينة بامتنان. ناولتها مفتاح الغرفة، فمسكته همس، ثم صعدت الدرج بخطوات هادئة.
وقفت أمام الباب للحظات...
لا تعرف لماذا تسارعت دقات قلبها فجأة.
وضعت المفتاح في الباب، وأدارته ببطء...
ثم دفعت الباب ودخلت.
توقفت مكانها للحظة...
كانت الغرفة واسعة، يغمرها ضوء الشمس القادم من النافذة الكبيرة، وكل شيء فيها مرتب بطريقة تعكس شخصية صاحبها.
على أحد الجدران عُلقت مجموعة من السروج ولوازم الخيل بعناية، وعلى المكتب الخشبي كانت توجد بعض الكتب وأوراق مبعثرة وساعة يد، بينما تنبعث من المكان رائحة عطره الرجولي المميزة.
ابتسمت همس دون أن تشعر...
وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
بدأت ترتب الفراش، ثم مررت كفها برفق فوق الغطاء لتزيل أي تجعد.
بعدها وقعت عيناها على إطار صورة قديم فوق الكومود.
رفعته برفق...
كان فارس يقف في الصورة بجوار والده، يبتسم بعفوية، وملامحه ما زالت تحمل نفس الدفء الذي تراه كلما نظر إليها.
تأملت الصورة طويلًا، وابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيها.
همست لنفسها:
ـ حتى وانت صغير... كنت وسيم.
ثم وضعت الصورة في مكانها بحذر، وأخذت تمرر أطراف أصابعها فوق الكتب المرتبة، وكأنها تحاول أن تتعرف إلى عالمه من خلال أشيائه.
لم تكن تشعر بنفسها...
ولا انتبهت لذلك الظل الذي وقف عند باب الغرفة يتأملها في صمت.
كان فارس.
عاد منذ دقائق، وصعد إلى غرفته بعدما أخبرته والدته أن همس بالأعلى ترتبها.
لكنه ما إن وقف عند الباب ورآها تتجول بين أشيائه بذلك الانبهار البريء... حتى عجز عن مقاطعتها.
ظل يراقبها بصمت...
والابتسامة لا تفارق شفتيه.
كانت تلمس كتبه بحذر... ثم تزيح خصلة من شعرها خلف أذنها، وتنظر حولها بعينين تلمعان بفضول طفولي.
تحرك خطوة إلى الداخل كالمسحور.
صدر صوت خافت من الأرض الخشبية.
انتفضت همس بفزع، واستدارت بسرعة، واتسعت عيناها.
لكن ما إن وقع بصرها على فارس... حتى تنفست الصعداء، ووضعت يدها فوق قلبها.
ـ يا ساتر... خضتني!
ابتسم فارس وهو بيقرب منها.
ـ للدرجة دي؟
أخفضت رأسها في ارتباك، وقالت بسرعة وهي تشير إلى الغرفة:
ـ أصل... الحاجة أمينة طلبت مني أطلع أروق الأوضة... والله ما كنت بعمل حاجة تانية.
اقترب منها فارس بخطوات هادئة، وعيناه لا تفارقان وجهها.
ـ وأنا قلت إنك عملتي حاجة؟
ازدادت ضربات قلبها، وتراجعت خطوة صغيرة للخلف.
ـ لا... بس حبيت أوضح.
توقف أمامها، ولم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة.
كانت نظراته مليئة بإعجاب والحب لم يعد يستطيع إخفاءه.
قال بصوت منخفض:
ـ تعرفي...
ارتبكت وهي ترفع عينيها إليه.
ـ إيه؟
ابتسم ابتسامة دافئة، وقال وهو يتأمل ملامحها:
ـ أول مرة أدخل أوضتي وأحس إنها منورة بالشكل ده وكأن الروح دبت فيها.
احمر وجه همس بشدة، وأسرعت تخفض بصرها.
أما فارس... فلم يستطع أن يبعد عينيه عنها، وكأنه يخشى أن تختفي إذا رمش للحظة.
رفع يده ببطء، ثم تردد قبل أن يزيح خصلة شعر أفلتت على وجهها، وقال بصوت خرج من قلبه قبل لسانه:
ـ همس هو إنتِ عملتى فيه ايه ...وقعتينى فى شباكك ... ومش قادر أبعد ...انا بحبك ياهمس ؟
تجمدت همس في مكانها، وشعرت أن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها، بينما اختلطت أنفاسهما العاليه في صمتٍ لم يقطعه سوى صوت الريح القادمة من النافذة... وكأنها تبارك بداية قصة حب لم يُعلَن عنها بعد..... 

تعليقات



<>