رواية اليك ياوئ الفواد الفصل الثامن8 بقلم ملك محمد
فتح أحمد باب المصنع بحذر، وقلبه يكاد يقف من صوت سيارات الشرطة التي كانت تقترب.
همس لنفسه:
= يا رب... دي تكون فرصة تظهر الحقيقة.
لكن قبل ما يتحرك...
سمع صوت جاي من آخر المخزن.
= أحمد...
لف بسرعة.
واتسعت عيناه.
كانت... بيان.
واقفة قدامه.
مرهقة، ووشها شاحب، لكن سليمة.
جري عليها من غير ما يفكر.
= بيان!
نظرت له وابتسمت ابتسامة خفيفة.
= متخافش... أنا كويسة.
وقف أحمد مذهولًا.
= إنتِ... إنتِ عايشة؟!
خرج الرجل الغامض من الظلام، ورفع إيده بهدوء.
= أيوه... هي عايشة.
قبض أحمد على هدومه بعصبية.
= يعني كل اللي حصل ده كان إيه؟!
قال الرجل بحزن:
= تمثيلية... بس كانت الطريقة الوحيدة.
نظر أحمد إليه بغضب.
= تمثيلية؟! خلت الناس كلها تعيش في جحيم!
نزل الرجل رأسه.
= عارف... لكن لو معملناش كده، أبو بيان عمره ما كان هيعترف.
بصت بيان لأحمد وقالت:
= أول ما صحيت بعد ما خدرتني، لقيته قدامي.
كنت فاكرة إنه هو اللي خطفني.
لكنه حكالي كل حاجة.
حكالي إن أبويا هو السبب في مقتل والدك ووالدتك، وإنه كان بيساعده زمان، لكنه تاب وبقى عايز يظهر الحقيقة.
أخرج الرجل هاتفًا صغيرًا من جيبه.
وقال:
= وكل خطوة حصلت كانت متسجلة.
أنا كنت عارف إن أبو بيان مش هيعترف إلا لو افتكر إن كل حاجة انتهت.
وقبل ما أحمد يرد...
بدأ أبو بيان يفتح عينيه ببطء.
كان لسه متأثر بالمخدر.
بص حواليه، ولما شاف بيان واقفة قدامه، اتسعت عيناه.
= بيان...!
جريت ناحيته بسرعة، ودموعها نزلت.
= بابا...
حاول يقوم وهو بيبكي.
= الحمد لله... إنتِ عايشة!
قالت بصوت ثابت:
= أيوه... عايشة.
لكن عايزة أعرف الحقيقة.
سكت.
نظر إليها، ثم إلى أحمد.
ثم قال وهو يحاول يهرب بعينيه:
= أنهي حقيقة؟
رد الرجل:
= الشرطة جاية دلوقتي.
ولو لسه عندك ذرة ضمير...
اعترف.
فضل أبو بيان ساكت.
وبعدين بص لبيان.
شاف الدموع في عينيها.
وشاف نظرة الخذلان اللي عمره ما شافها قبل كده.
انهار فجأة.
وقع على ركبته.
وحط وشه بين إيديه.
وبكى.
بكى لأول مرة من سنين.
ثم قال بصوت متقطع:
= أيوه...
أنا غلطت.
رفعت بيان رأسها بصدمة.
أما أحمد فتجمد مكانه.
أكمل أبو بيان وهو يبكي:
= أنا كنت شغال مع مدير الشركة...
ولما مرات أبو أحمد عرفت الحقيقة، خفت كل حاجة تتكشف.
أنا استدرجتها...
وعملت الحادث.
ولما جوزها عرف، قابلته فوق سطح المستشفى.
اتخانقنا...
ودفعته...
وقع ومات.
شهقت بيان وهي ترجع خطوة للخلف.
= لا...
قال وهو يضرب كفًا بكف:
= وكل ده كان بسبب الطمع...
وبسبب خوفي.
أما آدم...
فنزلت دموعه بغزارة.
= أنا مخطفتوش علشان أقتله...
أنا سلمته لواحد أعرفه يهربه بعيد، عشان ميبقاش شاهد عليا.
لكن بعد كده...
اختفى الولد.
ومعرفتش وصله تاني.
ساد صمت ثقيل.
وأحمد واقف، دموعه نازلة في صمت.
بعد عشرين سنة...
أخيرًا سمع الاعتراف بنفسه.
وفي اللحظة دي...
انفتح باب المصنع بقوة.
ودخلت المقدم ليلى ومعاها قوة من الشرطة.
رفعت سلاحها وهي تقول بحزم:
= محدش يتحرك!
نظر الرجل إلى أحمد، ثم سلّم الهاتف للمقدم ليلى.
= كل الاعتراف متسجل بالصوت والصورة.
أخذت ليلى الهاتف، ونظرت إلى أبو بيان.
وقالت:
= انتهى الهروب.
هتنال جزاء كل اللي عملته.
أغمض أبو بيان عينيه، ومد إيديه في استسلام.
كانت الدموع بتغرق وش بيان، لكنها مسحتها بسرعة، وبصت لأبوها نظرة كلها انكسار.
اتكلمت بصوت مرتجف:
= ليه يا بابا...؟
سكت.
فنزلت دموعها أكتر.
= ليه تعمل فينا كده؟
أنا كنت فاكراك السند... كنت فاكراك أكتر واحد هيحميني.
إزاي أكتشف إن اللي كنت بخاف الدنيا كلها علشانه... هو أكتر واحد خوّفني من الدنيا؟
خفض أبو بيان رأسه، وعجز عن الرد.
اقتربت منه خطوة، وهي تهز رأسها بعدم تصديق.
= كنت بقول للناس إن أبويا راجل شريف...
كنت بدافع عنك قدام أي حد.
حتى لما كنت بتقسى عليا... كنت بقول أكيد بيحبني.
لكن النهارده...
أنا مش عارفة أبصلك إزاي.
ارتجف أبو بيان، ودموعه نزلت بغزارة.
= سامحيني يا بنتي... والله ندمان.
هزت رأسها والدموع لا تتوقف.
= الندم دلوقتي مش هيرجع ناس ماتت...
ولا هيرجع سنين ضاعت...
ولا هيمحي من قلبي إن أبويا كان سبب في يتم أحمد، وضياع آدم، وكل الوجع ده.
أنا عمري ما كنت أتمنى أشوفك بالشكل ده...
كنت نفسي أفضل فخورة بيك طول عمري.
لكن إنت كسرت الصورة دي بإيدك.
ثم ابتعدت عنه ببطء، وهي تقول بصوت مخنوق:
= هدعيلك إن ربنا يغفرلك لو توبتك صادقة...
لكن الجرح اللي سبتُه في قلبي...
هيحتاج عمر كامل علشان يخف.
أما أحمد...
فرفع رأسه إلى السماء، وهمس والدموع في عينيه:
= الحمد لله...
حق أبويا وأمي بدأ يرجع.
لكن سؤالًا واحدًا ظل معلقًا في الأذهان...
إذا كان آدم لم يمت...
فأين هو الآن؟
