رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل التاسع9 بقلم هاجر سلامة

رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل التاسع9 بقلم هاجر سلامة
 

أشرقت شمس الصباح على مصنع المحاصيل الجديد في البندر، ليعلن بداية عهد جديد في حياة لِيال المهندسِة، ولكن القلوب في قصر "الحاج عبد الرحيم" لم تكن لتصفو بالكامل؛ فنيران الصعيد إذا اشتعلت، تترك خلفها دماراً يحتاج لسنوات كي يلتئم، والمعاناة التي ظن الأبطال أنها انتهت بطرد شذى، كانت كالأفاعي التي تبدل جلدها لتلدغ من جديد. 

وقفت لِيال في منتصف صالة التصميم الكبيرة بالمصنع، تراجع المخططات الهندسية بتركيز شديد، بينما كان همّام يقف على مقربة منها، يتابع حركاتها ويسجل بكل فخر نظرات الإعجاب التي يبديها العمال وشيوخ القبائل لذكاء زوجته وشطارتها. 
كان يبدو كالحارس الشخصي الذي يحمي جوهرته الثمينة من عيون العالم.

ومع انتهاء ساعات العمل وعودتهما إلى القصر في المساء، بدأت خيوط مؤامرة جديدة تنسج في الخفاء. 
لم يكن العم منصور ليسكت على عزله وحرمانه من الميراث والأراضي التي ذهبت لصالح وابنته. 
التقى منصور بعمتهم رسمية في بيت قديم على أطراف البلدة، وكان الغل يعمي بصريهما.
نظر منصور لرسمية وهو بيخبط كف بكف وقال بصوت كلو غل:"شايفة يا رسمية؟ أخوكي صالح وبنته لِيال كلوا عقل الحاج عبد الرحيم، والبت بقت تدير المصنع الجديد، وهمّام ولد عامر بقى كيف الخاتم في صباعها لجل سحرها وعلامها إحنا عاد لو سكتنا، مش هنطول مليم واحد من طين عبد الرحيم، والبت دي لازم تتدمر هي وجوزها واصل!"
عدلت رسمية شالها الأسود وقالت بهسيس أفعى:"اصبر عليا يا منصور.. شذى عاودت للبندر صوح بس بعتتلي مكاتيب عتقول إن الواد التركي زميل لِيال لساته عيسأل عليها وجاي مصر لجل شغل في شركة هندسة في البندر إحنا عاد هنرتب مع الواد ده ونخليه يظهر في طريق لِيال قدام همّام في مواقع الشغل، وهمّام صعايدي ودمه حامي، والغيرة المرة دي مش هتنتهي بحبس في الأوضة، دي هتنتهي بـــــدم وقتــــــل والكل هينشغل بالفضيحة وإحنا نرجع ناخد الأرض!"

وفي نفس الليلة، صعد همّام ولِيال إلى جناحهما بالدور الثالث. 
كان التعب ينال من جسد لِيال، فتحركت نحو طاولة الزينة لتخلع شالها وتترك شعرها الأسود ينساب كشلال من الليل على ظهرها. دخل همّام وأغلق الباب، وتوقفت خطواته خلفها تماماً، ليلتقي وجم ملامحه بانكسار حبه في المرآة. 
لم يعد قادراً على تحمل هذا البعد وهذا الصمت والبرود الذي تفرضه عليه؛ فالشوق إليها والندم على ما فرط في حقها كان يمزق صدره.
انحنى همّام ببطء، ووضع كفيه العريضتين برقة متناهية على كتفيها، فشعرت لِيال برعشة خفيفة تسري في جسدها، وتلاقت عيناهما في المرآة. 
تحدث همّام بصوت منخفض ومتحشرج تملؤه عاطفة تذيب صخور الصعيد :"لِيال.. أنا صبرت كتير، ونشفت دمي بعنادك وبرودك ده عاد. أنا خابر إن الظلم اللي شفتيه مني ومن عمايل شذى وفهيمة كان واعر ويقطع الرقبة وخابر إن شكي في شرفك كان طعنة في جلبك بس ورب العزة يا لِيال أنا من يوم ما دخلتِ الدار دي وبقيت مش شايف في دنيتي غيرك.. عنادك وشطارتك وجمالك دخلوا جلب همّام وولعوا فيه نار مستحيل تطفي واصل!"

التفتت لِيال إليه ببطء، ورفعت عينيها الملونتين المليئتين بعتب قديم وجرح لم يندمل بعد، وقالت بصوت هادئ :"الاعتذار لا يمحو أثر الكرباج يا ولد عمي والحديث الحلو في عتمة الليل لا يعيد كرامتي التي دستها بأقدامك أمام جدي وناسك. إنت أحببت تملكي وحبسي لجل ترضي كبرياءك الصعيدي، ومش لجل خاطري أنا!"
خطى همّام خطوة سريعة، ولأول مرة جثى على ركبتيه أمامها، وأمسك بكفيها الصغيرتين ورفعهما إلى فمه يقبلهما بندم حارق، ونظر في عينيها وعروق رقبته تنبض بشدة، وهتف بنبرة تقطر عشقاً واعترافاً كاملاً :"مش تملك واصل يا بت صالح أنا همّام ولد عامر، اللي رجالة الصعيد بتعمل لحسابه ألف حساب، واجف وراكع تحت رجليكي الليلة لجل بطلب سماحك أنا بعشقك يا لِيال.. بعشق تراب الأرض اللي بتمشي عليها، وغيرتي عليكِ في المصنع وإمبارح والنهاردة دي غيرة راجل جلبة اتخطف ومش مستحمل مخلوق في الدنيا يلمح حتة من دنيته وعشقه سامحيني يا لِيال، وابدأي معايا صفحة جديدة، ورب العزة هكون ليكي الضهر والسند والأمان اللي يعوضك عن كل وجع شفتيه!"

نزلت دموع حارة من عيني همّام فوق كفيها، وصعقت لِيال من هذا المشهد؛ فأن يركع همّام الشديد، كبير أحفاد عبد الرحيم، ويبكي نادماً وعاشقاً تحت قدميها، كان كفيلاً بتحطيم جدران عنادها الصلبة. 
شعرت برقة شديدة تجتاح قلبها، وبكت هي الأخرى، وانحنت لترفعه بيديها وتقول بنبرة امتزج فيها العناد بالاستسلام:"قوم يا همّام.. قوم واجف لجل الراجل الصوح ميركعش واصل. أنا مسمحاك يا ولد عمي، وقلبي تاه في غرامك من الليلة اللي نضفت فيها اسمي وجبتلي شهادتي.. بس افتكر كويس، إن الدار دي مليانة عقارب، والمعاناة والمشاكل لساتها مخلصتش، والجماميع برة مش هيسيبونا نتهنى بعشقنا ده!"
احتضنها همّام بقوة وعنف شوق سنين، ودفن رأسه في عنقها وهو يتنفس عبير شعرها، حامداً ربه على هذا الاعتراف الطال انتظاره، ومقسماً في سره أن يحمي هذا الحب بدمه وروحه.
ولكن، كما قالت لِيال، المعاناة لم تكن لتنتهي بلمسة حب.

في صباح اليوم التالي، انطلقت الشرارة الأولى للمأساة الجديدة. دلف أحد الحراس مسرعاً إلى المصنع حيث كانت لِيال تباشر صب القواعد الخرسانية برفقة همّام. وقف الحارس بارتباك وقال:"يا باشمهندس همّام.. في راجل خواجة واصل من برة، وبيجول إنه مهندس كبير ومندوب من الشركة التركية اللي متعاقدة مع المصنع، وعايز يقابل الباشمهندسة لِيال بالاسم لجل شغل قديم بيناتهم."تغيرت ملامح همّام فوراً وعادت عيونه لتسود بنيران الغيرة الشرسة، بينما اتسعت عينا لِيال بصدمة حقيقية وهي ترى من بعيد خطيبها القديم وزميل دراستها التركي "جان" يخطو داخل عتبة المصنع بملابسه الأنيقة، ومعه عمتها رسمية التي كانت تقف في الزاوية بابتسامة نصر خبيثة تتأمل وقوع الكارثة.
التفت جان ونظر إلى لِيال بلهفة وقال باللغة التركية ما ترجمته: "لِيال! أخيراً وجدتكِ، لقد جئت إلى مصر لأجلكِ ولن أترككِ في هذا المكان المتخلف!"
نزلت الكلمات كالصاعقة على مسامع همّام ورغم أنه لم يفهم اللغة التركية بالكامل إلا أن لهفة الرجل ونظرته لزوجته ووجود عمتها رسمية، كان كفيلاً بإشعال بركان الغضب الصعيدي الذي أقسم أنه لن يهدأ إلا بالدم. 
قبض همّام على مقبض عصاه وسحب سلا...حه الناري من جيب جلبابه وتحرك بخطوات وحش كاسر نحو المهندس التركي بينما صرخت لِيال برعب وهي تحاول الوقوف بينهما لمنع المجزرة لتعلن ليلة جديدة من المعاناة والمشاكل التي فتحت أبواب الجحيم على عشق لِيال وهمّام في قلب الصعيد.

                  الفصل العاشر من هنا


تعليقات



<>