رواية غيوم تحجب القمر الفصل الثاني والعشرون 22 والثالث والعشرون 23 بقلم مني السيد
الفصل الثاني والعشرون
اتسعت عينا مريم على آخرهما وهي تراه وتسمعه يردد اسمها الحقيقي...... بضعة سنتيمترات تفصلها عنه ولكنها كانت تشعر وكأنها في مشرق الارض وهو في مغربها. وكأنها تصارع أمواج عاتية تفصل بينهما وعلو صدرها وهبوطه يؤكدان على ذلك. كأنها تنظر إليه من السماء وهو يناديها من الأرض لتهوى إلى هواه أو إلى هوّته ! كلا... بعد كل ما رأته بعينيها لن تدع له الفرصة التي لطالما حلمت بها هي شخصيا لسبع عجاف أن تقابله وتتحدث معه، لا لن تغيثه الآن ببضع كلمات منها أو حتى نظراتها الجائعة التي تنبئه بكل ما يعصف به صدرها وقلبها من شوق وألم. فليتألم مثلما تتألم فلتعد له من العدم حتى تؤرق حياته السعيدة التي يعيشها مع من سحقت مكانها في قلبه واستبدلها بها. فليعش متذكرا تلك اللحظة طوال عمره بأنه خسرها بعد أن وجدها ... خسرها للأبد!!
استدارت ملك بحدة واندفعت خارجة بقوة ثور جريح تنغرز الأسهم في كل انحاء جسده وينزف بغزارة كما دموعها. ظلت قمر تناديها ولكن لا من مجيب لم تكن تسمع سوى حروف اسمها الثلاثة التي افتقدتها من بين شفتيه. لم تكن ترى شيئا سوى نظرته المتلهفة والمصدومة. لم تكن تعي شيئا سوى انها رأته... مع غيرها.. وغادرت إلى منزلها تدفن نفسها بين وسائدها وتُفجِّر نهر دموعها التي بنت فوقه السدود لسنوات عدة.
***************
تجمدت ليلى وهي ترى أكرم يحاول الوقوف متشبثا بكتابها وكأنه قطعة منه. لم يسعها عقلها للتفكير فيما حدث او فيما يحدث الآن أو فيما قد يحدث بعد قليل. ملامحه تغيرت كثيرا أصبح اكبر ولكنه مازال وسيما كعادته مازالت عيناه تأسرها لدرجة أن لا تستطيع ان تحيد بنظرها عنهما ويداه اللتان ترتفعان مشيرة إليها وكأنهما ستلمسانها ... آه من تلك اليدان التي لطالما احتضنتها وضمتها. واسمها الذي افتقدت أن يناديها به وكأنها لم تسمعه من غيره منذ سنين. كادت تذهب إليه لترتمي بين ذراعيه كما كانت تفعل في الماضي السحيق رغم كل ما فعله بها ومعها ولكن هالها تحول تلك النظرات المندهشة المتعجبة إلى نظرات متألمة هلعة ويده التي ما كادت تشير إليها تنحني نحو صدره وعيناه تتسعان وهو لا يستطيع التنفس وارتمى على المقعد مرة أخرى تزيغ عيناه في دوامات لا متناهية، وأنفاس ضائعة يحاول اللحاق بها بألم واضح. أسرعت الممرضة التي كانت تقف مع ليلى لنجدته وهي تنقله بسرعة لغرفته وتضغط زر الإنذار. كل ذلك وليلى مازالت متجمدة لا تتحرك. فقط عيناها تدوران في المكان وتتابعان الداخل والخارج من غرفته في عجلة كمن يحاول اللحاق بقطار بدأ بالفعل في التحرك. وانخلع قلبها لمجرد التفكير بأنه قد يحدث له شيئا ما، وأن ذلك سيكون بسببها!
بعد أن هدأت الأحوال نسبيا في غرفة أكرم وبعد ان استعادت ليلى القليل من وعيها سألت إحدى الممرضات بتردد " هو ماله ايه اللي حصله"
- الممرضة " هو كان عنده أزمة قلبية بسيطة وللأسف رجعتله تاني بس أشد شوية مع ان حالته كانت مستقرة ادعيله"
أرخت ليلى جفنيها في وهن واضطربت قدماها التي أصبحت لا تستطيع حملها ، فأسندتها الممرضة
" مالك يافندم اندهلك دكتور"
- ليلى " لا لا بس وصليني للأسانسير لو سمحتي" اوصلتها الممرضة للمصعد وضغطت الطابق السفلي وخرجت ليلى توقف سيارة أجرة. لا تعرف كيف أوقفتها أو ماذا قالت للسائق كل الذي تعلمه أنها وصلت بيتها بعينيها المثقلتين بدموعها المنهمرة. دلفت مباشرة إلى غرفتها دون ان تطمأن على ابنتها لأول مرة.
***************
ّ غص حلق أدهم وهو يفرك جبينه ويقول" ازاي دا حصل انا سايبه كويس ايه اللي حصل بس"
- الطبيب " يا بشمهندس أدهم هو كانت حالته مستقرة ممكن يكون من التفكير الزيادة مثلا "
ضرب أدهم الحائط بقوة
" انا الغلطان مكانش لازم اسيبه"
- الطبيب " ع العموم احنا كده هانضطر نقعدة مدة أطول عشان نطمن ان حالته استقرت وياريت الزيارات اللي مش بيحبها تقل وتجيبوله الناس العزاز عليه"
تنهد أدهم بحسرة
" ودول أجيبهم منين دلوقتي"
استأذن الطبيب وتركه شارداً. دلف ادهم إلى غرفة والده وهو يرى الاسلاك المنغرزة في جسده بأسى. جلس بجانبه وهو يمسك يده بكلتا يديه
" متسبنيش انت كمان انا مش حمل صدمات تاني، خليك جنبي انا مليش غيرك حتى لو كنت غلطت زمان فأنا شريكك في الغلط وانا اللي قويتك عليه ارجع وفوق وخليك معايا يا بابا متسبنيش"
وأرخى أدهم رأسه بجانب يد والده المتصلة بالأنابيب متمسكاً بها بقوة إلى أن راح في سبات مضطرب يشوبه القلق. يرفع رأسه كل حين ليطمئن ان صدر والده مازال يتحرك ويستمع لأنفاسه المجهدة.
في الصباح الباكر ومع أول خيوط للشمس شعر أدهم بمن يقبض على يده فرفع رأسه مصعوقاً وهو ينظر لوالده الذي رآه مستيقظاً ويربت على يده
" بابا انت كويس الحمد لله الحمد لله انك فوقت، انت ايه اللي حصلك بس مش كنا اتفقنا على حاجات حلوة ايه اللي خلاك تقعد تفكر وتتعب تاني كده"
- أكرم بوهن وصوت يكاد يكون مسموع
" شوفتها يا أدهم شوفتها"
عقد أدهم حاجبيه
" ايه دا هي مديحة جاتلك هنا؟ ازاي وانا كنت سايبها ف البيت؟"
هز اكرم رأسه بضيق وتألم وكأن تلك الحركة البسيطة اتعبته
" مش مديحة يا أدهم ليلى شوفت ليلى"
فغر أدهم فاهه غير مستوعب
" ليلى مين؟؟!"
- اكرم من بين أنفاسه المسموعة بوضوح
" ايه يا ادهم ليلى أمك"
ابتلع أدهم لعابه محاولا السيطرة على مشاعره وضربات قلبه المنقبضة وهو يربت على يدي والده
" طب ارتاح انت بس وكل شيء هيبقا تمام"
- أكرم "انت مش مصدقني طب حتى اسأل الممرضة كانت واقفة معاها وبتكلمها"
- أدهم " طيب يا بابا حاضر هبقا اسألها"
- أكرم " روح اسألها دلوقتي يا أدهم عشان خاطري" كان والده يتكلم بتألم لا يعلم أهو من أثر الأزمة القلبية أم من أثر الأزمة النفسية و الحديث عن حب عمره الذي أضاعه بيده.
" حاضر يا بابا هاطمن عليك واقعد معاك شوية واروحلها"
اكرم من بين أنفاسه الذي يأخذها بصعوبة
" دلوقتي يا أدهم أحسن تمشي، قبل الشيفت ما يتغير يابني"
ربت أدهم على يد والده بخفة
" حاضر حاضر يا بابا هاروح اسألها".
خرج ادهم من الغرفة وهو غير مصدق كيف يسأل عن شخص مات منذ زمن. يعلم ان والده يستحضر ذكرياته مع والدته احساساً بالذنب او افتقاداً. يعلم ان كل ذلك ما هو إلا تهيؤات ،ولكنه سيسأل ليريح والده على كل حال فهو يعلم انه مجرد تحصيل حاصل. سأل أدهم في الاستقبال عن الممرضة التي أنقذت والده بالأمس فحضرت على عجلة
" ايوة يا فندم فيه حاجة حصلت؟"
- أدهم " لا ابدا انا بس كنت عاوز اشكرك انك لحقتي بابا في الوقت المناسب هو مكانش ف الاوضة ومكنش هايعرف يرن الجرس لولا ان انتي لحقتيه"
-الممرضة " يا فندم انا معملتش حاجة دا واجبي والحمد لله على سلامة والدك"
- أدهم " بابا بيقولي انك كنتي واقفة بتتكلمي مع واحدة ساعتها "
- ايوة فعلا كانت واحدة بتسأل على حاجة"
-أدهم "طيب ممكن توصيفهالي لو سمحتي"
-الممرضة " هي كانت طويلة وبيضا ومحجبة"
- أدهم وهو يحاول التماسك
" معلش انا عاوز وصف ادق شوية "
- فكرت الممرضة للحظات
" هي عنيها لونها عسلي فاتح وجميلة وسنها ف اوائل الاربعينات تقريبا كده"
اطمان أدهم فكل المواصفات كانت تنطبق على والدته الا السن فهي اذا كانت موجودة للآن كانت ستصبح في نهاية الاربعينيات وليس بداياتها. لكنه تذكر أن والدته دائما ما كان يبدو شكلها أصغر من سنها بكثير ولكنه نفض تلك الافكار بعيدا عن رأسه حتى لا ينجرف مع تهيؤات والده بالتأكيد هذه السيدة تشبهها كثيرا لذلك تعرض والده لتلك النوبة فاستطرد أدهم ناهياً الموضوع
" تمام متشكر اوي تعبتك معايا"
-الممرضة " لا ابدا يا فندم لا تعب ولا حاجة بعد إذنك"
ومضى ادهم لغرفة والده يؤكد له انه قد شبهها بإحداهن مع الرفض التام من والده وإصراره على انه رآها هي بنفسها، تنهد أدهم وتركه ليرتاح وهو يجلس بجانبه يراقبه ويفكر فيما يقول والده...... هل يا ترى بالفعل هم أحياء؟ خاصة وانهم لم يتسلموا جثتهما مثلهم مثل باقي الضحايا! ولكن أسمائهم كانت من ضمن ركاب الطائرة لم تعمل فكرته اللعينة بمنعهم من السفر بحجة عدم اتمام أخته لسن الثامنة عشر! لو استطاع أن يصل إليهما قبل إقلاع الطائرة لم يكن ليحدث كل هذا. أيعقل ان تكونا مازالتا على قيد الحياة ؟ وإذا كانتا كذلك لماذا لم تحاولا الالتقاء بهم أو حتى بآدم فهو الوحيد الذي لا يعد عدوا لهما !! هز أدهم رأسه وكانما ينفض تلك الأفكار عنها غير مستوعب ان ذلك قد يكون ممكنا، وأنه يعيد فتح ذلك الجرح الغائر في صدره بلا جدوى. شعر أدهم باهتزاز الهاتف في جيبه دون صوت فوجد قمر المتصلة يالتوقيتك الجميل يا قمر بالفعل احتاجك الآن!! تسحب من الغرفة بهدوء وخرج ليتحدث إليها وينفث لها الحريق الذي يدور بصدره
" أدهم عامل ايه انت كويس وباباك كويس"
تنهد تنهيدة حارقة
" ايوة يا قمر كله كويس بابا بس اتعرض لأزمة تانية امبارح بس هو كويس دلوقتي الحمد لله"
- قمر " ياخبر الف سلامة عليه ان شاء الله هيقوم ويخف ويبقا زي الاول واحسن "
- أدهم " يارب يا قمر يارب"
- قمر " صوتك باين عليه التعب خالص يا أدهم ممكن اجيلك"
- أدهم " لا يا قمر متتعبيش نفسك انا لو لقيت فرصة اجي هاجيلك"
- قمر " بس انا نفسي اطمن عليك يا أدهم واشوفك" -أدهم " وانا كمان يا قمر نفسي اشوفك بس متقلقيش انا كويس ... طب قمر معلش سلام دلوقتي عشان آدم بيتصل دولي من ايطاليا"
- قمر" اوكيه خلي بالك من نفسك"
وأغلقت الهاتف وهي تشعر بخطب ما في صوت أدهم هل تغامر وتذهب إليه؟! ولكن لا تعلم كيف ستكون ردة فعله! وماذا إذا قابلت ميرا او مديحة في طريقها كيف سيكون موقفها وموقف أدهم وحزنت لتذكرها انها مجرد محطة في رحلة قطار أدهم وأن ميرا هي المحطة الأخيرة.... محطة الوصول!!!
" أيوة يا آدم عامل ايه" صرخ آدم على الجانب الآخر لدرجة ان من كان يمر بالجوار سمع صوته عبر سماعة هاتف أدهم
" ازاي دا يحصل يا أدهم ازاي متكلمنيش ازاي متقوليش؟؟ اديني بابا اكلمه دلوقتي"
- أدهم " اهدى يا آدم اهدى انت عرفت ازاي؟" آدم وهو مازال يصرخ " هو المهم انا عرفت ازاي ولا المهم ازاي دا يحصل ومحدش يبلغني؟! اتصلت بالبيت يا سيدي بعد ما لاقيت تيلفونه مقفول وهما بلغوني" وتنفس قليلا ليهدئ من وطأة صراخه " اديني بقا بابا اكلمه هما بيقولوا انه بقا كويس وحالته بقت مستقرة
" ضغط ادهم على الهاتف وهو يقضم شفتيه ببعضهما ثم تحدث أخيرا
"للأسف هو تعب تاني امبارح وواخد أدوية ومسكنات مش هيقدر يكلمك"
صرخ آدم " تعب تاني؟!!! انا نازل مصر حالا هاشوف اول طيارة والنهاردة هاكون في مصر يا أدهم"
أومأ أدهم وهو يتنهد
" طيب يا آدم تعالى هو اكيد هيفرح بيك...... " ثم سكت قليلا وأردف مترددا
" آدم انت مشوفتش ماما ولا ملك؟"..... صمتٌ طويلٌ على الهاتف مما أرّق أدهم وبعثر أفكاره أكثر.
" مش فاهم يعني تقصد ايه!! انا كنت كبير يا أدهم لما اتوفوا يعني شوفتهم وفاكرهم، دا هما يدوب سبع سنين يا أدهم مكنتش نونو يعني"
تنهد أدهم مطمئناً ان شكوكه ما هي إلا مجرد تهيؤات وشعور بالذنب تماماً مثل والده!!!
*************
كان ماجد يتمشى على شاطئ النيل كالروح الهائمة. ينظر لظلام الماء الذي يتحد بظلام السماء فلا يستطيع التفرقة بينهما، فقط مشهد لانهائي من الظلام. لا يعلم هل يصدق بالفعل انه رآها؟ أم عساه شبهها بإحداهن لأنه كان يتكلم عنها منذ قليل مع قمر ، واجتّر ذكرياته التي تختبئ في حنايا قلبه وتسكن فيه سكون النائم القلق، سكون المنتظر لللاشيء ، سكون البركان المنطفئ من كثرة الاحتراق!! وفكر هل يخبر أدهم بذلك؟؟ كلا كلا لن يخبره بترهات يتخيلها في عقله ولكن نظراتها الغاضبة عيناها المتورمتان من البكاء هروبها من أمام ناظريه وكأنها تعاقبه بعدم رؤيتها. يكاد يقسم انها هي ولكن كيف كيف؟؟
**************
في المساء حضر آدم متلهفا وهو يبحث عن رقم الغرفة التي أبلغوه بها في الأسفل ودلف إليها بلهفة ووجد أدهم ووالده يجلسان سويّاً دون حديث وكل منهم هائم في ذكرياته!
" بابا"
هتف آدم ثم ذهب إلى جانب والده يمسك بيده وهو يتوق لاحتضانه ولكن يمنعه سريان الأنابيب في جميع أنحاء جسده
" ايه اللي حصلك بس يا بابا الف سلامة عليك يا حبيبي"
ربت أكرم على يده يطمئنه
" اطمن يا آدم انا بخير انت ايه اللي رجعك من شهر العسل "
- آدم " شهر عسل ايه بس وانت تعبان كده ف المستشفى"
ثم نظر إلى أدهم بعتاب واضح
" كده بردو يا أدهم كل دا يحصل ومتبلغنيش"
- أدهم "متزعلش يا آدم كل حاجة حصلت بسرعة وكانت ازمة خفيفة ومرضناش نقلقك انت وعروستك"
- آدم " بردو يا ادهم كان لازم تبلغني ع العموم انا جيت اهو ومش هاسيبك خالص يا بابا"
صاح ادهم معترضا
" لا يا آدم انت هاتروح لعروستك مينفعش تسيبها لوحدها، وكمان انت اكيد تعبان م السفر، وانا اللي هبات مع بابا"
-آدم " انا وديت نور عند مامتها يعني مش هتبات لوحدها ولا حاجة وبعدين انا جاي بطيارة مش على جمل يعني، وانت شكلك تعبان ومنمتش روح ريح ونبقا نبدل مع بعض وكمان عشان تعرف تاخد بالك من الشغل ف الشركة"
هز أكرم رأسه موافقا
ً " اسمع كلام اخوك يا ادهم وروح ريح النهاردة " انصاع أدهم لرأيهما بعد طول جدال ،ثم حيّاهما وخرج في طريقه للمنزل.
كانت قمر تعمل بتركيز شديد على الكمبيوتر المحمول خاصتها إلى ان سمعت نباح الكلاب فعلمت بوصول أدهم فالكلاب لا تنبح بهذه الطريقة الفرحة إلا لأدهم فقط. أسرعت إلى الباب تفتحه وهو يمد يده بالمفتاح إلا أنها كانت أسرع منه. وبنظرات متلهفة كانت تتأمل ملامحه المتعبة. ابتسم لها ابتسامة واهنة ولكنها تكفي لتعلم انه يحاول.
فبادرته بالتحية
" حمدا لله ع السلامة يا أدهم ايه باباك بقا كويس؟" - أدهم " ايوة الحمد لله وآدم جه وهو اللي هيبات معاه النهاردة"
- قمر "معقولة!! بس كويس انه جه عشان يطمن عليه وكمان اكيد باباك هيفرح بحاجة زي دي وعشان تستريح انت كمان شوية"
كان تحدثه وهو يصعد الدرج ويقوم بخلع ملابسه رويدا رويدا بضيق فتحدثت قمر مرة أخرى
" مالك يا ادهم فيه حاجة تانية مضيقاك"
استمر أدهم في التحدث بضيق
" قمر انا تعبان شوية هادخل آخد دش ولما اخرج نتكلم براحتك"
هزت رأسها كالقطة المطيعة وهي تفكر بألف شيء وألف طريقة لتساعده على تخطي تلك الأزمة وفي جزء صغير من عقلها الشرير تتمنى أن يكون مرض والده هذا حجة قوية لتأجيل زواجه من ميرا. نهرت نفسها على تفكيرها المشين ولكن ماذا تفعل هذا ما تتمناه من داخل أعماق قلبها لتحظى معه ببضعة أيام أخرى!
خرج أدهم من دورة المياه وهو يرتدي شورت أسود ويجفف شعره بكسل. يبدو الإجهاد على كل ملامحه وهذا يمزق قلبها وروحها. تابعته بعينيها وهو يمدد قدميه على الفراش ويستند بظهره عليه جالساً. تتمنى لو تستطيع حمل كل همومه عنه، تتمنى لو تستطيع إسعاده بأي طريقة تعلم انها مستعدة لفعل أي شيء فقط لترى ابتسامته الساحرة كما في الماضي. لقد افتقدته كثيرا في الأيام القليلة الماضية فلتعترف لنفسها بحبه فلتدع الإنكار جانبا وتعترف بأنها تعشق تلك العينين اللتان تحدقان بها وكأنه ينظر من خلالهما. فلتعترف له علّ ذلك يخفف عنه! أو قد يزيد ذلك من ثقل همومه أكثر!! كلا لن تعترف يكفي انها اعترفت لنفسها وورضيت بأنها يمكنها ان تحب حتى ولو كان هذا الحب مستحيلا فهي لن تصلح لأن تكون زوجته لا بين بعضهما البعض او حتى امام الناس!!!
" مالك يا أدهم شكلك تعبان وزعلان صدقني باباك قوي وان شاء الله هيرجع كويس متخافش عليه" تنهد ادهم تنهيدة تشق صدرها هي ثم تحدث بهدوء " انا تعبان تعبان أوي يا قمر"
كان صوته يشبه النحيب فاقتربت منه وربتت على يديه
" قولتلك متخافش طول ما انتو حواليه هايتحسن ويبقا احسن متقلقش"
-أدهم بأسى " بابا بيقول انه شاف ماما يا قمر" نزلت الكلمات على أذنيها كالصفعة المدوية وهي تفكر ان والده يرى الأموات مما يعني بقرب أجله كيف تفسر ذلك لأدهم الآن فأردف أدهم
" انا سألت الممرضة اللي اتكلمت معاها وقالتلي مواصفات زي مواصفات ماما بالظبط"
- قمر بعدم استيعاب
" ثانية واحدة ثانية واحدة يعني هو شاف حد فعلا ولا بيتخيل"
- أدهم" ايوة يا قمر شاف واحدة تشبهها أكيد وهو دا اللي عمل فيه كده لكن هو مصمم انها هي ومش واحدة تشبهها ولا حاجة"
تنهدت قمر ارتياحاً
" ايوة اكيد واحدة تشبهها اوي وعشان كده تعب تاني صح"
هز أدهم رأسه ولأول مرة ترى عيناه مغرورقتان بالدموع بل وتنحدر دمعتان منهما على استحياء وهو يسألها
" تفتكري ممكن يكونوا عايشين بجد يا قمر"
نالت دمعتاه من آخر حصونها فضمته إليها بشدة وهي تُهدِئَه
ُ " بس يا ادهم متكملش "
التفت ذراعه هو الآخر حولها وكأنه وجد الملجأ وانفجرت عيناه بالدموع دون ان يصدر صوتاً وشعرت هي بتأوهاته المكتومة فضمته إليها أكثر وهي تقول
" متكتمش دموعك يا أدهم ابكي انا هنا جنبك ومعاك"
دفن وجهه في رقبتها
" انا محتاجلك اوي محتاجلك اوي يا قمر"
ابعدته عنها قليلا ونظرت إلى عيناه الحمراوتان
" وانا هنا مش هسيبك ابداً"
ولأول مرة تترك نفسها لنفسها دون إشارات عقلها البغيضة، دون ذكرياتها وعقدها الدفينة، لاول مرة تأخذ هي الخطوة وتقبّله نعم تقبّله بكل ما في قلبها من حب بكل ما في جسدها من خوف ورهبة ولكنها على استعداد ان تتحدى جسدها لتسعد حبيبها ولو فقط بتلك القبلة.
ويقبلها.... بل يبثها همومه وينقل لها احزانه في قبله كالعناق أكثر منها قبلة عادية. في قبلة متألمة محمومة بمشاعر الخوف والحزن والألم من كلاهما.وازدادت القبلات وازداد العناق وكلا منهما تنفك همومه وتنفك عقد الحبل الفاصل بينهما عقدة تلو الأخرى، ويزداد الإحساس دون أن يشعرا بتشابك أغصانهما وارتفاعها للسماء كنشوتهما. ويذوبان معا ليمد أدهم جذوره في ترابها لتزهر وتزدهر وتصبح زوجته قلبا وقالباً.
**********
في الصباح تململت قمر وهي تفتقد دفئا كانت تشعر به منذ قليل. بحثت بيدها عن أدهم وفتحت عينيها حين لم تجده وتلفتت يمينا ويسارا تبحث عنه فوجدت ورقة صغيرة وخط أدهم يزينها بكلمتين فقط 《أنا آسف》.
قطبت حاجبيها ماذا يعني بذلك أهو يأسف عما حدث بينهما بالأمس؟! أهو يأسف لأنها تخلت عن نفسها وسلمت نفسها بطيب خاطر؟! أهو يأسف عما شعرته معه ولن تنكر انها لم تشعره من قبل ولن تشعره بعد ذلك ابدا ؟ألم يشعر بما شعرته ألم يكن يحبها كما ظنت ؟! أم أنه يأسف لأنه في جميع الأحوال سيتزوج بميرا وما هي إلا استراحة قصيرة في رحلته؟!!!
طوت الورقة بقلب ممزق ولم تفكر لثانيتين فلملمت أشيائها ومتعلقاتها ولم تستطع البكاء بالرغم من أن شهقات البكاء كادت تمزق صدرها ولكنها أبت البكاء كعادتها القديمة وعادت مرة أخرى لقمر القديمة القوية.
أسرعت خارجة دون ان تلتفت لمنزل أحلامها وسعادتها وحزنها! وقررت العودة إلى منبع مأساتها ..... إلى الإسكندرية!! ستبتعد عنه وتتركه لحياته التي اختارها، ستواجه الجميع الآن، ستقاتل كل من أذاها، ستحارب بجسارة فقد انفكت عقدتها على يده وسيظل في قلبها للأبد بالرغم من مرارة احساسها برفضه لها!!
الفصل الثالث والعشرون
مر أسبوع وأدهم يكاد يجن لقد بحث عنها في كل مكان. وكلّف ماجد بالتنقيب عنها ولكن لا جدوى. أعصابه تنهار يوما بعد يوم وهو لا يستطيع رؤيتها أو حتى معرفة اذا كانت بخير. ظل يضرب جبهته ويسب نفسه " غبي غبي انت غبي.. مكانش لازم تلمسها، ماكنش لازم تقربلها يا غبي أهي ضاعت منك اهو حتى اعتذارك مقبلتهوش"
طرقات علي الباب جعلت أدهم يلتفت بسرعة ويسمح للطارق بالدخول وما أن رأى ماجد حتى سأله بلهفة
"هااا يا ماجد فيه جديد"
- ماجد " لا للأسف يا أدهم انا قلبت القاهرة كلها عليها ومش لاقيها وكلمت ظباط معارفي عنها لكن مفيش فايدة خصوصا انها مبتستعملش كرديت كارد او اي حاجة تخلينا نعرف نوصلها حتى تيلفونها قفلاه وحتى كليتها مش بتروحها"
- أدهم بصراخ " امال انت جايلي دلوقتي ليه يا ماجد"
- ماجد " انا كنت بقول ايه رأيك لو اروح اسكندرية ادور هناك ؟"
- ادهم " لا لا لا يمكن تروح هناك خصوصا بعد اللي حصل"
- ماجد " طب هو ايه اللي حصل بالظبط يا ادهم ما تفهمني"
تحدث ادهم محذرا " يوووووه ياماجد... قولتلك ميت مرة متسألش تاني ايه اللي حصل"
- ماجد " طيب طيب خلاص انا كمان حبيت اطمنك اني وديت لأكرم بيه الحاجات اللي طلبها في المزرعة"
- أدهم وقد عاد إلى هدوؤه شيئا ما
" طيب تمام كويس يا ماجد"
تردد ماجد قليلا قبل أن يسأل
" طب.... وال.... "
- ادهم فيه ايه يا ماجد اخلص"
ماجد وقد استجمع شجاعته أخيرا
" طب وبالنسبة لمعاد الفرح هاتأجله ولا زي ما هو"
زفر أدهم وكأنه تذكر شيئا لا يريد تذكره وهو يفرك جبينه بعصبية
" كل حاجة زي ما هي يا ماجد خلينا نخلص م الموضوع دا "
-ماجد مرددا " نخلص م الموضوع دا؟؟؟ لو بس افهم فيه ايه في دماغك بس "
- ادهم " بكرة هاتعرف كل حاجة ، المهم ان انت تسيب شغلك وتسيب كل اللي وراك وتقب وتغطس وتجيبلي عنوان قمر"
-ماجد " حاضر يا أدهم حاضر"
طرقات أخرى على الباب و أدهم يجيب بنفاذ صبر
"ادخل"
انفتح الباب وظهرت ميرا بملابسها الملونة وكذلك وجهها فاستأذن ماجد وتركهما وحدهما وأدهم يزفر ويقول في عقله (مش وقتك خالص)
- ميرا " ايه يا حبيبي انت لغاية دلوقتي مشترتش البدلة بتاعتك مش هاننزل نختارها مع بعض ولا ايه وكمان ورانا شوية رفايع كده لازم نشتريها مش كفاية مجتش معايا وانا بختار الفستان"
- أدهم بنفاذ صبر " ميرا البدلة بتاعتي وانا اللي هلبسها .. تنقيها معايا ليه؟"
ثم استطرد هازئا
" وبعدين هو مش فال وحش بردو اني اشوفك بالفستان ولا ايه؟"
- ميرا وهي تجلس على المكتب بدلال
"ايه دا هو انت بتصدق في الحاجات دي يا أدهم"
- أدهم وهو يزفر " بقولك ايه يا ميرا انا ورايا شغل متلتل ومش فاضي روحي انتي اعملي اللي انتي عاوزاه وخدي دي اصرفي منها براحتك"
أخرج بطاقة بنكية وناولها إياها ففرحت ميرا وهي تلتقطها بسعادة
" اوكيه يا ادهم اوكيه المهم حجزت شهر العسل فين ؟؟"
ابتسم ادهم ابتسامة جانبية ساخرة وبلهجة هازئة قال
" في أكتر حتة تستاهلي تقضي شهر العسل فيها يا ميرا"
صفقت ميرا بفرح
" طيب اسيبك انا بقا لشغلك واروح اعمل شوبنج" خرجت بسرعة وزفر ادهم بحدة.
*************
خرجت ميرا من بوابة الشركة وهي تشير إلى ميمي التي تنتظرها خلف المقود بالبطاقة البنكية وهي تكاد تقفز فرحاً.
" ايه دا أخيرا اتفك النحس وفك كيسه انا مش مصدقه والله"
- ميرا " وانا بردو اول ما ادهالي استغربت بس فرحت اوي معنى كده اننا لما نتجوز هيهصني بقا فلوس وهدايا وفسح"
-ميمي " حيلك حيلك أدهم مش بتاع الحاجات دي انتي المفروض تحمدي ربنا ان خطتنا نجحت ولقيتي حد تلبسيه العِمة بسهولة دا كفاية اوي حتى لو اتطلقتي يبقا كسبتي بردو"
- ميرا " ايه يا ميمي اللي انتي بتقوليه دا، طلاق ايه وبتاع ايه انا ناوية اتنغنغ في فلوسه وعزه مش هاسيبه الا لما آخد كل اللي انا عاوزاه مش زيك بعد ما أخدتي كل اللي عند أكرم لسه لازقاله وقاعدة معاه "
تنهدت ميمي
" عارفة يا ميرا انا كل يوم الصبح باصحى اقرر ان انا امشي واسيبه بس فيه حاجة جوايا من ناحيته مش قادرة اسيبه وبردو في نفس الوقت حاسة اني عاوزة اهرب م الحياة اللي دخلت نفسي فيها دي"
ضحكت ميرا بسخرية
" دا حب بقا ولا ايه يا ميمي"
لوت ميرا شفتيها
" والله مش عارفة يمكن بيصعب عليا انه بسببي بنته وطليقته ماتوا وانه دايما حاسس بالذنب ومش طايقني بسبب كده وساعات بحس انه ميقدرش يستغني عني زي العيل الصغير اللي ماسك في ديل جلابية امه"
- ميرا " والله يا ميمي انتي بقيتي بيئة اوي ايه ديل جلابية امه دي"
- ميمي " والله يا ميرا انتي اللي ناسية أصلك يابتاعة الحواري انتي"
وانطلقتا الاثنتان في الضحك كما انطلقتا تقضيان على كل ما في البطاقة البنكية الخاصة بأدهم.
**************
أسبوع آخر وهي تجلس كعادتها كل يوم على شاطئ البحر والهواء البارد يلفح وجهها ويجعل شعرها وكأنه يتراقص على لحن حزين ! ورائحة اليود تدب في أوصالها روحاً كانت قد تركتها منذ زمن. ووجنتيها وأنفها تحولا للون الأحمر من البرد ولكنها لم تهتم وكأن برودة قلبها كانت أكبر والصقيع بداخلها يجعل العالم حولها كلهيب النار.
سمعت أحدهم يغازلها بكلمات وقحة. كانت قبل ذلك تفرح وتعتز بتلك الكلمات، أما الآن فهي تشعر بأنها تُنتهك.تشعر بتلك الكلمات تكشف وتهتك ستارها بل تجلدها بسوط رفيع يترك آثاره في روحها قبل جسدها. هي الآن ليست ملكا لنفسها .... هي الآن ملكا له بكل جوارحها ولكنها ستعتاد على فراقه. ستعتاد على خروج روحها من جسدها بالبطيء. فتحت هاتفها لتشاهد الفيديو الذي سجلته له وهو يقلدها وظلت تعيده مرارا وتكرارا، فذاك الفيديو هو كل ما تملكه من أدهم،ظلت سارحة وهي تنظر لحركاته وكلماته وصوته وذكراه. وأخيرا أغلقت الهاتف ثم لملمت أشلاء روحها وذهبت إلى المنزل الذي استأجرته لتكمل واجباتها الخاصة بالجامعة فقد كانت تتواصل مع زملائها في الجامعة عن طريق البريد الالكتروني وترسل لهم ولأساتذتها مشاريعها عن طريق الانترنت الخاص بحاسوبها المحمول. وجدت رسالة من مروان 《افتحيها ضروري خاصة بزوجك》 اضطربت أصابعها على لوحة المفاتيح مترددة. تعلم ماذا سترى إذا فتحت الرسالة فميعاد الزفاف اليوم وهي لم تحاول تتبع أخباره لأنها تعلم انه سيتزوجها على كل حال ولكن فضولها وشوقها لمعرفة أخباره المؤكدة جعلها تفتح الرسالة وهي تأمل ان يكون تراجع في اللحظة الأخيرة!! كانت الرسالة عبارة عن خبر في إحدى المجلات:
《يحتفل اليوم المهندس 'أكرم الصاوي' بزفاف ابنه المهندس 'أدهم الصاوي' على الآنسة 'ميرا السيسي' 》 وضحكت هازئة حين وصلت لميرا المدعوة بالآنسة! ثم أكملت 《وسيقام الحفل بقاعة فندق ... مع أطيب التمنيات للعروسين》لم تقرأ تعليق زميلها مروان على الرسالة فقد ظلت الكلمات تتردد في عقلها 《الآنسة ميرا؛ مع أطيب التمنيات للعروسين》 وكأن حياتها تتوقف على هاتين الجملتين. ماذا تفرق عنها ميرا إذن!! إن لم تكن قمر تتميز عنها بأنها على الأقل لم تكن تدرك أو توافق على ما حدث لها! لماذا كل هذا الإصرار على الزواج منها بالرغم من انها تعلم انه لا يحبها.... وفكرت بحسرة ... إنه لا يحبها هي الأخرى. إذن لماذا؟؟ لماذا؟؟ وتذكرت فجأة انها سمعت في التسجيل الخاص بالمناقصةوبصوت ميرا بذاتها أن والده اعطى ميراثه لميمي خالة ميرا. وكأنها حصلت على تبرير مناسب لتساؤلاتها يبدو ان كل ما يسعى إليه أدهم هو المال!!!! تنهدت بأسى وهي التي لم تكن تتوقع هذا الجانب السيء من أدهم لم تكن تتخيل ان يكون بهذه الدناءة! حسناً فلتكف عن التفكير به وتتبع أخباره وتمضي في حياتها قوية غليظة. لا شيء بعد الآن سيجرحها لأنه لم يعد بالإمكان أن يؤلمها شيئا آخر في هذه الحياة.
***************
فتحت ملك هاتفها مترقبة وهي ترى رقم نور لقد عادت إذن لحضور الزفاف العالمي وابتسمت مستهزئة قبل أن ترد
" نووووووور وحشتيني يابنتي فينك انتي وصلتي امتى ولا هو من لقى احبابه نسي أصحابه بقا ولا اييييه "
ضحكت نور بعفوية
" لا والله ابدا يا مريم انا وصلت من اسبوعين كده وكانوا كلهم لعبكة معرفتش اتصل بيكي"
انتبهت مريم
" ليه بس كده لعبكة ايه يابنتي انتي لحقتي"
- نور " لا مش حاجات خاصة بيا حاجات خاصة بعيلة آدم وكده"
وكأن نور ضغطت على زر نبّه حواس ملك جميعا فحاولت الأخيرة الاستفسار دون ان يظهر عليها الفضول
" ليه بس ايه اللي حصل؟"
- نور " ابدا يابنتي احنا أصلا قطعنا شهر العسل وجينا عشان بابا آدم كان تعبان" انقبض قلب ملك رغماً عنها وقالت بصدق وانفاسها تشق صدرها
" لا الف سلامة عليه" فاستطردت نور
" وبعدها بقا دخلنا في فرح استاذ أدهم على ربة الصون والعفاف ميرا مش فاهمة ازاي أصلا يعمل فرحه في ظروف زي دي وباباه لسه في مرحلة النقاهة، كان المفروض يديله فرصة يستريح فيها شوية"
ازداد غيظ ملك اكثر وهي تفكر( للدرجة دي الانانية وصلت بيك يا أدهم مش همك حتى تعب أبوك طبعا وانت من امتى بيهمك تعب حد)
قاطعت نور افكارها حين اردفت
" المهم انا عارفة انه عيب جدا اني معزمتكيش م الاول بس صدقيني كنت مشغولة لشوشتي بس ارجوكي تعالي انا لسه معرفش ناس كتير في عيلة آدم وعاوزة حد جنبي واتصلت بقمر طول الوقت تيلفونها مقفول"
سحبت ملك نفسا طويلا ثم اعتذرت
" انتي عارفة يا نور الحاجات دي لازملها تحضيرات وغير كده كمان ماما تعبانة ومقدرش اسيبها لوحدها وبعدين انتي عارفة انا مليش في شغل الأفراح والهيصة دي" أجابت نور بحزن
"طيب.. خلاص بس انا لازم اقابلك ونقعد مع بعض ونفضل نرغي للصبح اه وكلمي قمر كمان عشان نتجمع كلنا "
- ملك " اه طبعا اكيد هنتقابل قريب انتي وحشاني أوي"
كانت ملك تحب نور بحق فهي فتاة نقية صافية لا تستحق وجودها في تلك العائلة البغيضة. حيّتها وأغلقت الهاتف. نظرت إليها ليلى التي كانت تستمع للمكالمة وسألت مستفسرة علّها تحصل على جواب عن صحة أكرم
" هو مين اللي ألف سلامة عليه؟"
ارتبكت ملك قليلا ثم قالت كاذبة خوفا من أن تضعف والدتها وتحن إلى أبيها أو ألا يتحمل قلبها وتتأثر صحتها
" هه لا أبدا دا آدم جاله شوية برد لما سافر ايطاليا انتي عارفة تغيير الجو بقا وكده "
تنهدت ليلى يبدو ان حالة أكرم تحسنت وإلا لم يكن لأدهم ان يقيم زفافه بكل هذه السهولة فهي متأكده أنه يعشق والده فسألت في حذر
" يعني بردو مش هتيجي معايا نبص على أدهم من بعيد زي ما عملنا في فرح آدم" هبت ملك واقفة
" ولا انا ولا انتي هنتحرك من هنا، انتي نسيتي عمل فينا ايه هو وابوه "
- نهرتها ليلى
" ملك قولتلك ميت مرة متتكلميش عن ابوكي كده"
ضحكت ملك هازئة
" ابويا ههههههه والله ضحكتيني بزمتك انتي مصدقة انه ابويا ولا عشان هو الحب القديم هاتغفري له وتسامحيه لا يا ماما انا مش زيك انا مش هاسكت الا لما اجيب حقي من كل واحد أذاني واتخلى عني فاهمة يا ماما فاهمة"
واستدارت بحدة متوجهة إلى غرفتها تحاول كتم دموعها فعلى الرغم من حقدها الدفين على أدهم إلا انه كان نعم الأخ قبل ان يتبدل حال أبيهم على عكس آدم الذي كان يتشاجر معها باستمرار. كان أدهم دائما ما يمازحها ويستمع إليها في أوقات حزنها، حتى انها في بعض الأحيان كانت تشعر انه يعلم بحبها لماجد بل ويبارك هذا الحب دون ان يُظهر ذلك رأي العين. تتذكر له مواقف عديدة تجلعها تحن إليه ولكن وقوفه إلى جانب والدهم وتهديده لهما ومساعدته على تضييق الخناق عليهما آلمها وجعلها تنسى تلك اللحظات الأخوية الحميمة.
*************
في القاعة المبهرجة اللامعة بكل ما هو مضيء وذهبي، مع الأصوات الصاخبة تدلف ميرا مزهوة متعالية بما حصلت عليه أخيرا. متخيلة حياتها الرغدة من بعد اليوم. وأدهم متجهم بكل وضوح يبحث في وجوه الحاضرين عن وجهها الناعم البريء ولكن هيهات. اقترب أدهم من أذن ماجد
" مشوفتهاش يا ماجد تفتكر ممكن تيجي؟!" مال ماجد على أذنه هو الآخر وهو يرفع من صوته
" يا جبروتك يا أخي كمان عاوز مراتك تيجي تحضر فرحك على ضرتها"
عض أدهم شفتيه مقتنعا بما يقوله ماجد وظل جالسا طوال الحفلة وأحيانا يذهب للجلوس مع المدعوين على طاولاتهم مرحبا بهم، منتظرا أن ينتهي ذلك اليوم الثقيل وميرا تتمايل وتتراقص على أنغام الموسيقى الصاخبة فرحة بما حلمت به كثيرا وقد تحقق حلمها أخيرا!!
**************
فتح أدهم باب شقته وهو يتنفس الصعداء على انتهاء تلك الليلة السخيفة وميرا تدلف بفرحة عارمة ثم تلتفت إليه وتلف ذراعيها حول عنقه
" مبروك يا حبيبي أخيرا اتجمعنا واتقفل علينا باب واحد "
ثم غمزت له بوقاحة
" يالا بقا عشان يجمعنا سرير واحد يا قلبي" فك ادهم ذراعيها من حول رقبته
" ميرا انا تعبان اوي النهاردة وبكرة هنصحى بدري عشان هنسافر يعني هما ساعتين تلاتة اللي هنامهم تصبحي على خير"
وقفت ميرا متسعة العينين لا تصدق ذلك البرود الذي يعاملها به. ثم هزت كتفيها وهمست لنفسها
" احسن بردو انا كمان تعبت من كتر الرقص هههه"
ثم حدثته قائلة
"بقولك ايه يا أدهومي انت ليه مش عاوز تقولي لغاية دلوقتي احنا مسافرين فين" أجابها ادهم بذات البرود:
" بكرة هاتعرفي كل حاجة يا ميرا متستعجليش على رزقك"
مطت شفتيها وحاولت مرة أخرى فاقتربت منه وهو يخلع ملابسه استعدادا للنوم وأخذت ترسم بأصابعها فوق منحنيات عضلاته البارزة
" انت متأكد انك عاوز تنام ؟ طاوعني دنا هابسطك اوي ياروحي"
أبعد يدها عن جسده
" شكلك مش عاوزة تروحي شهر العسل فهتفت وهي تتراجع
" لا لا خلاص اهو"
ثم أردفت بميوعة وهي تستعمل آخر ورقة لديها
"طب ممكن تفتحلي سوستة الفستان" التفت إليها بلا مبالاه وامسك بالسحاب وبحركة عنيفة لم تأخذ من الوقت ثانية واحدة كان السحاب مفتوحا لآخره. توجه أدهم للفراش واضعا الوسادة فوق رأسه آملا ان تفصله تلك الوسادة عما يعيشه الآن وتذهب به إلى جميلته ...إلى قمره!! متنهدا قلقا يرجو الاطمئنان عليها بأي طريقة كانت. مع نظرات ميرا الحائرة ولكنها هزت كتفيها غير عابئة فقد تزوجته أخيرا وانتهت من مأساة عذريتها واطمئنت لسير خطتها طوال سنوات على ما يرام وحصولها على مرادها وعلى شخص مثل أدهم تخدعه وتلصق به تهمة فسوقها !!
**********
في الصباح الباكر كان ماجد متوقفا أمام المطعم الذي قابل فيه شبيهة حبه الأوحد 'ملك' لم يستطع النوم لأيام عديدة وكان كثيرا ما يأتي إلى ذات المطعم في عدة اوقات مختلفة علّه يرى تلك الفتاة مرة أخرى ويتأكد فقط اذا كانت هي بذاتها أم انها فقط تشبهها!! وفجأة خطرت في باله فكرة فأسرع لتنفيذها بسرعة. توجه ماجد إلى النادل وسأله:
" انتو عندكم كاميرات مراقبة جوا المطعم مش كده؟"
- أجابه النادل " ايوة طبعا يافندم"
- طيب انا عاوز اشوف التسجيلات من حوالي اسبوعين كده"
- النادل " ايوة يا فندم بس دا ممنوع"
دس أدهم بضعة مئات في جيب النادل
" بص دي مسألة حياة أو موت وانا هاشوف التسجيلات لمدة دقيقة بس مش أكتر
- النادل" ايوة يا فندم بس دا مش اختصاصي"
- ماجد "طب وديني انت عند اللي اختصاصه وانا هاقنعه"
وفعل مع موظف الأمن مثلما فعل مع النادل فوافق على الفور وأخبره ماجد بالتاريخ بالتحديد والتوقيت بالتقريب"
وبدأ موظف الأمن في استرجاع الصور بسرعة إلى أن وصل إلى اللقطة التي تقابلا فيها عند دورات المياه وقلب ماجد تارة يهوى إلى قدميه وتارة أخرى يندفع الدم كالبركان إلى قمة رأسه
" استنى استنى كده قرب شوية على وشها وهي خارجة "
وحين قرّب الموظف الصورة على وجهها ساءت جودة الصورة إلى حد كبير ولم يستطع الموظف توضيحها. فلم يستطيع ماجد ان يتبين او يتأكد من شيء. زفر ماجد ثم تحدث
" طب ممكن ترجع ورا شوية وتشوف يمكن نلاقي لقطة اوضح لوشها"
واسترجع الموظف اللقطات مرة أخرى إلى ان أوقفها على جلوسها مع قمر وهي تحتضنها وتربت عليها"
ضرب ماجد المكتب بقوة وهو غير مصدق
" قمر.. كانت قاعدة مع قمر "
شعر بفرحة غامرة وكاد أن يرقص من فرط فرحته وشكر موظف الأمن ثم دس في يده مبلغ أكبر من السابق وهو يخرج من المطعم يكاد يقفز فرحا ويحدث نفسه وهو يضرب ساقيه بحماس وبصوت مرتفع كالمجنون
" قمر تعرفها... قمر تعرفها أخيرا هاعرف إذا كانت هي ولا لا"
ثم تجهم وجهه فجأة حين تذكر انه لا يستطيع العثور على قمر. تهدلت أكتافه وشعر ماجد كطفل صغير حصل على لعبته التي كان يحلم بها لسنين وقبل أن يخرج بها من المحل وقعت وتكسرت إلى مائة قطعة. أي خيبة أمل هذه!!
ولكنه عزم على أن يجد قمر بأي طريقة وسيذهب ليبحث عنها في الإسكندرية ولن يأبه لكلام أدهم فالمسألة الآن شخصية.
**************
أدار أدهم موتور سيارته وهو يضغط على 'الديبرياج' مراراً ليطلق صوتا مثل استعداد الأسد للإنقضاض على فريسته. وميرا تبحث في حقيبتها عن نظاراتها الشمسية وهي تتجه للسيارة وتركبها بلهفة
" ايه يا حبيبي امال حطيت شنطنا فين "
- أدهم " متقلقيش على أي حاجة كل حاجة تمام لحد دلوقتي"
ابتسمت ميرا وسع فكيها ميرا:
" طبعا يا قلبي ما دام كل شيء تحت سيطرتك"
وأطلقت ضحكة رقيعة مثلها. هز أدهم رأسه بابتسامة خبيثة موافقا على كلامها لأول مرة وانطلق من فوره. ظلت تتحدث عن أفكارها حول البلد الأوروبي الذي سيزورنه وهي تعقد الأحلام والخيالات وتوقف أدهم أخيرا وأبطل سيارته وهو يتنفس الصعداء. نظرت ميرا حولها
" احنا وقفنا هنا ليه يا أدهم وبعدين صحيح دا مش طريق المطار"
- أدهم " انزلي يا ميرا فيه تصريح امني بس لازم نعمله بسرعة كده م القسم متقلقي" عقدت ميرا حاجبيها
" تصريح امني ايه اللي من القسم دا وقبل السفر بساعات"
- أدهم " انزلي بس يا ميرا مش انتي قولتي كل شيء تحت سيطرتي انزلي يا ماما"
نزلت ميرا مذعنة وهي لا تفهم شيئا، مد لها أدهم يده وهو يقول لها
" باسبورك"
فتحت ميرا حقيبتها تبحث عن جواز سفرها ومن ثم أعطته لأدهم الذي لاحظت في نظراته الفرحة والرضا لأول مرة منذ عرفته.
-أدهم بعد ان دلفا إلى داخل القسم
" استنيني هنا يا ميرا شوية هاخلص واجيلك "
- ميرا " طب وكان لازمتها ايه ما كنت استنيت ف العربية بدل المكان المؤرف دا" نهرها ادهم
"اتكلمي عدل انتي فاكرة نفسك فين دا اقل أمين شرطة هنا يخليكي تعيطي للصبح وبعدين يا فالحة ما هما لازم يشوفوكي شخصيا"
زفرت ميرا وهي تحدث نفسها
" والله انا مش فاهمة منك حاجة تصريح ايه وقسم ايه اللي جايبنا فيه هو انا اول مرة اسافر ولا انت مودينا اسرائيل ولا ايه" سمعها أدهم وحذرها بابتسامة صفراء
" بطلي برطمة يا ميرا اهدي يا ماما"
ثم تركها وتوجه إلى 'علي' المحامي الذي وصل لتوه ودلفا معا إلى مكتب الضابط الذي حياهما باحترام . جلس أدهم في هدوء والضابط يسأله:
" أهلا أهلا أدهم بيه، خير ان شاء الله ميكونش فيه مشكله مع حد ولا حاجة لدرجة انك تيجي بنفسك، 'علي' بيه هو اللي بيخلصلك كل شغلك هنا "
- أدهم " ابدا بس أصل الموضوع حساس شوية " همّ 'علي' أن يتحدث ولكن أدهم استوقفه بإشارة من يده. ثم توجه بنظراته الثاقبة إلى الضابط وهو يخرج قسيمة زواجه بميرا وجواز سفره وسفرها ويتحدث بثبات
" انا عاوز أقدم بلاغ عن تزوير في اوراق رسمية ضد زوجتي ميرا السيسي بأنها أقرت هي ووكيلها في القسيمة أنها بكر رشيد واللي اكتشفت ان دا مش حقيقي بعد الزواج وبطالب بتوقيع الكشف الطبي عليها للتأكد من كده، وان دا حصل من فترة طويلة ومش حاجة جديدة يعني، واني للأسف اتخدعت فيها وكمان بطالب بتعويض عن اللي هيحصل لسمعتي في السوق لو دا اتعرف تعويض مادي يعني كرد شرف!!!!
