رواية غيوم تحجب القمر الفصل الرابع والعشرون 24 والخامس والعشرون 25 بقلم مني السيد

        

رواية غيوم تحجب القمر الفصل الرابع والعشرون 24 والخامس والعشرون 25 بقلم مني السيد

الفصل الرابع والعشرون

ظلت ميرا جالسة بنفاذ صبر وهي تنظر حولها بتأفف إلى أن رأت أدهم يتجه إليها فاعتدلت واستعدت للنهوض وهي تبتسم لابتسامة أدهم الغريبة لها. فوجئت بأحد أمناء الشرطة يضع الأصفاد حول رسغيها فبدأت بالسباب وقد احمرت وجنتاها من الغضب:

" ايه اللي انت بتعمله يا حيوان انت، انت اتجننت ولا ايه، الحق يا ادهم شوف الخروف دا بيعمل ايه"

همّ أدهم بالتحدث ولكن أمين الشرطة جذبها بشدة من الأصفاد يسحبها للداخل

" انا خروف هاتشوفي بقا الخروف دا هايسويكي ع الجنبين ازاي"

وبعينين متسعتين من الهلع نظرت لأدهم 

" هو ايه اللي بيحصل يا أدهم انت سايبهم يعملوا فيا كده" 

هز أدهم كتفيه وهو يقترب من أذنيها 

" معلش بقا يا ميرا للأسف مطلعتش العبيط اللي في دماغك وعاوزه تدبسيه وتشيليه ليلتك المهببة سوري يا حياتي" 

اتسعت عينا ميرا على آخرهما وتلعثمت وبدأت دموعها بإفساد زينتها

" أ... أنت تقصد ايه؟؟ تقصد ايه يا ادهم بكلامك دا؟"

-أدهم بتجهم وهو يهمس في أذنها

" اقصد يا حلوة روحي شوفي انتي نمتي مع مين وجاية فاكرة نفسك ضحكتي عليا ونيمتيني في العسل واني صدقت التمثلية العبيطة اللي عملتيها وشوية الدم الزفر اللي معرفش جبتيه منين ولطختي بيه الملاية عشان اصدق لعبتك الدنيئة واصدق ان انا اللي عملت فيكي كده، انتي متعرفنيش يا ميرا وصدقيني هاتفضلي تدعي بقية عمرك وتقولي ياريتني ما عرفتك يا أدهم" 

هزت ميرا رأسها بهستيريا 

" لا لا أدهم انت مش ممكن تعمل كده، ادهم انا ميرا انت ازاي تقول كده، صدقني يا ادهم انت اللي نمت معايا محدش غيرك صدقني" ضحك أدهم باستخفاف ثم تعالت ضحكاته أكثر فأكثر

" حلّي عني بقا عشان اخلص منك انتي وخالتك وافوق للي أهم منك"

تنبهت ميرا وظلت تردد صارخة بجنون

" خالتي اه خالتي... هي السبب اتصلولي بيها انا عاوزة اعمل تيلفون انا عاوزة اعمل تيلفون انا من حقي اعمل تيلفون"

تركها أدهم لجنونها ثم حيّا الضابط وخرج من القسم وهو يتنفس الصعداء فسأله المحامي

" ها يا أدهم ايه خطتك اللي بعد كده ؟" ارتدى أدهم نظارته الشمسية

" ابدا هاسيبها تتسوى على نار هادية شوية في ال١٥ يوم اللي اخدتهم لحد ما مديحة بنفسها تجيلي وتترجاني وساعتها اقولها شروطي"

هز علي رأسه ثم قال ناصحا

" بس خلي بالك يا ادهم الست دي دماغها سم" 

- أدهم " والسم دا هاتبلعه هي قريب ان شاء الله"

**************

فتحت مديحة باب مكتب أدهم بعنف وعينيها كالجمرات المشتعلة

" ايه اللي انت عملته دا يا ادهم ورحمة ابويا لهتندم ع اللي انت عملته دا" 

ابتسم ادهم مستهزئا وهو يرتاح على مقعده للخلف

" حلفتي بالغالي ؟؟ لا لا لا كده انا خوفت، بس عندي سؤال يا طنط انتي تعرفي والدك معرفة شخصية يعني ولا مسبقلكيش انك قابلتيه؟؟!"

وتعالت ضحكاته ومديحة تضغط على أسنانها ولم تشعر بنفسها إلا وهي تقبض على ياقة قميصه وهي تصرخ

" مش هاسيبك تتهنى باللي انت عملته دا ، وبنت اختي هاتخرج مش هاسيبها ف الحبس يوم واحد كمان، انت لازم تروح تتنازل فاهم ولا لا" 

- أدهم وهو يزيح يديها بقوة

" طب والتنازل دا مش ليه تمن يا.. يا طنط" 

تصاعدت انفاس مديحة وهي تتآكل من الداخل 

" عاوز ايه؟ عاوز كام؟ انطق" 

-أدهم " بصي هو انا لسه مقيمتش الموضوع، هابقا افكر واقولك"

صاحت مديحة صارخة 

" أدهم انا ممكن اعمل حاجات كتير اوي انت متتخيلهاش صدقني اتقي شري احسن"

- أدهم " انتي بتهدديني وانتي اللي صبعك تحت ضرسي، وبعدين مش لما تتقي شري انتي الأول انا ممكن بتيلفون واحد مني اخلي فضيحة بنت اختك على كل لسان بس انا وصيت الظابط ياخد باله م الموضوع دا عشان انا مش ندل للدرجة دي ، مع ان من حقي اعمل اي حاجة، انتو كنتم عاوزين تأكلوني طبخة بايظة من غير ما احس وفاكرني عبيط وهابلعها"

- مديحة " قولي انت عاوز ايه بالظبط يا أدهم"

-أدهم " طيب ما دام انتي مصممة بقا انا عاوز كل حاجة ابويا كتبها باسمك كل حاجة اخدتيها منه ترجعيهاله تاني وانا هاطلع جدع معاكي واخليكي تاخدي الهدايا والمجوهرات اللي جبهالك لكن كل حاجة تخص أمي هاترجعاله هو تاني" 

ضحكت مديحة ضحكات متتالية وهو مازال ينظر لها بنظراته الثاقبة

" انت عاوزني اديلك تمن السنين اللي عيشتها مع ابوك دي كلها ببلاش كده ، هه لا انت غلطت في العنوان يا استاذ أدهم"

- أدهم " أظن ان السنين اللي عيشتيها مع ابويا دي عيشتيها كلها فسح وخروج وفلوس بتتصرف من غير حساب وانا قولتلك أي حاجة مش خاصة بأمي هاسيبهالك شوفتي انا حقاني ازاي وبعدين دي مش ببلاش دي تمن سمعة وحياة بنت اختك اللي كانت مقضايها وجاية فاكراني عيل صغير هاتضحك عليا بتمثلية رخيصة، وبعدين يا طنط دا بدل ما تقضي أحلى سنين عمرها في السجن ولا ايه رأيك" 

قال جملته الأخيرة ببرود مغيظ لم يسع مديحة إلا أن جمعت قبضتها في وجه أدهم وهي تمنع نفسها من توجيه ضربة عقيمة له أو التعلق بياقته مرة أخرى أنزلت يدها في غضب ثم خرجت وصفقت الباب خلفها بعنف.

*************

صباحاً ، كان أكرم يجلس في راحة وهدوء في الشرفة الواسعة للمنزل الريفي الذي يقيم فيه منذ فترة بعيدا عن أي توتر، خاصة التوتر الخاص بزوجته مديحة التي ما إن جالت بخاطره حتى سمع صوتها وهي تنهر الخادم الشاب

" اوعى يا حيوان انت وإلا مش هايحصلك كويس"

زفر أكرم وهو يقول للشاب بقلة حيلة

" سيبها يا فتحي سيبها تدخل" 

دلفت مديحة كعاصفة تفتك بكل ما يقابلها

" عاجبك اللي ابنك عمله دا"

- أكرم " فيه ايه بس يا مديحة ماله ادهم ايه اتخانق مع ميرا من اول كام يوم كده" استهزأت مديحة 

" انت باين عليك عجزت وبقيت زي قلتك ومنتش عارف ابنك بيلعب ازاي من وراك" 

- أكرم بغضب

"ما تتكلمي عدل يا مديحة ايه فيه ايه؟ " 

- مديحة" الاستاذ بعد ما نام مع البت وهما مخطوبين جاي يقدم فيها بلاغ بالتذوير ووداها القسم وحبسينها هناك ١٥ يوم. عدى منهم ٣ ايام والبت هتموت امال بعد ال ١٥ يوم هايحصل لها ايه"

رفع اكرم حاجبيه دهشة فاستطردت مديحة " هو دا كل اللي قدرت عليه ترفعلي حواجبك ، انت عارف ابنك بيعمل كل دا ليه؟ عاوز كل حاجة انت اديتهالي وكتبتها باسمي. بيحط دي قصاد دي"

ثم أردفت كاذبة " عاوز كل حاجة لنفسه عاوز يورثك بالحيا يا أكرم"

هز أدهم رأسه وهو يبتسم ابتسامة إعجاب وكأن أدهم فعل ما لم يستطع فعله ثم قال

" والله يا ميمي دي حاجة بين واحد ومراته انا ماقدرش اتدخل فيها"

صرخت مديحة بقوة 

" انت بتقول ايه ، لاااااا دا انتو اتفقتوا علينا بقا انت وابنك ومطبخينها سوا بس انا مش هاسكت يا أكرم مش هاسكت، وابنك اللي انت فرحان بيه دا انا هاحزِنك عليه ومش هاتطولوا حاجة مني فاهم يا اكرم انا استحملت كتير اوي في العيشة معاك ومش هاطلع م المولد بلا حمص يا حبيبي" 

-أكرم " ايه مطبخينها دي ومولد ايه وحمص ايه بس الكلام البيئة دا يا مديحة انتي اتغيرتي خالص" 

دبت بقدميها في الأرض ثم انصرفت وهي تتمتم متوعدة بكلمات غير مفهومة.

***********

" الو.. ايوة مريم انا لازم اشوفك النهاردة ضروري عندي بلاوي عاوزة احكيها لأي حد مش قادرة امسك نفسي أكتر من كده"

- ملك " طب اهدي بس يا نور ايه اللي حصل لدا كله" 

- نور" لااااا مينفعش في التيلفون لازم اقابلك دا كلام كبير اوي" 

-ملك " طب خلاص نتقابل في النادي بعد ما اخلص شغل ايه رأيك"

-نور " اوكيه اوكيه هاستناكي هناك" 

وبالفعل كانت نور تنتظرها وهي تنظر للساعة كل حين حتى وصلت ملك فنهضت نور تحتضنها " وحشتينيييي وحشتيني اوي اوي يا مريم" 

بادلتها ملك العناق وهي تقول يصدق 

" والله وانتي كمان وحشتيني اوي يا نور وقمر كل شوية بكلمها الاقي تيلفونها مقفول هي غطست فين البنت دي"

- نور " اه والله وانا كمان كل ما اتصل بيها الاقيه مقفول انا بدأت اقلق عليها فعلا"

-ملك " يمكن غيرت تيلفونها بس حتى لو غيرته أكيد كانت هاتتصل بحد فينا تديله الرقم" 

وافقت نور " ايوة فعلا عندك حق وتلاقيها مشغولة في كليتها عشان اكيد امتحاناتها قربت" 

هزت ملك رأسها ثم قالت:

" ها بقا ايه البلاوي اللي حصلت احكيلي" 

-نور " بصي ياستي" 

وبدأت في سرد ما علمته من أن أدهم اكتشف في ليلتهما الأولى أن ميرا ليست بعذراء وكيف ذهب بها إلى القسم وقدم فيها بلاغا وجعلهم يلقون القبض عليها. لاحظت نور الضيق في نظرات ملك 

" فيه ايه يا مريم شكلك اتضايقتي" 

- ملك " لا ابدا بس حاسة انها مش حركة رجولة يعني منه كده" 

- نور " ايه يا مريم الكلام اللي انتي بتقوليه دا يعني عاوزاه يكتشف انها كانت بتلعب بديلها وعاوزة تضحك عليه وانتي تقوليلي مش حركة رجولة، دي هي دي عين الرجولة يابنتي دا كويس انه مقتلهاش بذمتك انتي لو ليكي أخ وحصل معاه كده كنتي هاتقولي كده بردو

" اضطربت ملك وتلعثمت ثم قالت

" عادي يا نور دي وجهات نظر ووارد اننا نختلف يعني. بس انا شايفة انه مش من حقه يعمل كده كان طلقها من سكات وخلاص"

- نور " ماهي كده يا فالحة كانت هتبقي حصلت على مرادها بردو انها بقت مطلقة يعني مشكلتها اتحلت بردو"

- ملك" خلاص يا نور بقا بلاش نتكلم على الناس وبعدين انا افتكرت حاجة مهمة خاصة بالشغل ولازم امشي دلوقتي حالاً" 

- نور " ايه يا مريم احنا لحقنا نقعد مع بعض" 

- ملك " معلش يا نور أصلها حاجة مهمة اوي اشوفك بعدين.. اه ولو وصلتي لقمر ابقي بلغيني" هزت نور رأسها وودعتها وجلست تفكر في وجهة نظر مريم التي لم تقتنع بها حتى الآن.

**************

كانت قمر تشتري بعض احتياجاتها المنزلية وقاربت على الوصول لشقتها حين سمعت صوت رجولي يحدثها 

" ما تجيبي عنك يا أبلة"

لم تعره اهتماما وظلت تمشي في طريقها فتقدمها الشاب

" مالك يا أبلة بس، دنا عاوز اساعد" 

نظرت إليه بحدة

" وانا مطلبتش منك مساعدة ممكن تبعد عني بقا"

- الشاب وهو يقف امام البوابة يمنعها من الصعود للشقة التي استأجرتها

" مالك بس يا أبلة دحنا جيران والجار للجار"

زفرت قمر " ياسيدي انا لا عاوزة مساعدة ولا عاوزة جيران ممكن بعد أذنك تعديني بقا عشان اطلع"

انزاح الشاب قليلا ليسمح لها بالمرور وهو يهز رأسه لجهة واحدة وينظر لها نظرة متفحصة لجميع انحاء جسدها وهي تصعد الدرج. انضم إليه أحد الشباب الآخرين

" ايه بردو اديتك الوش الخشب منا قولتلك يابني محدش في الحتة كلها قدر ياخد منها كلمتين على بعض، حتى الستات مبترضاش تتكلم معاهم. محدش يعرف عنها حاجة ولا حد قادرلها على حاجة"

- الشاب الأول " الكلام دا ليكوا انتو يا شوية نسوان، انما انا حاجة تانية انا متعودتش حد يقولي لأ. عافية ذوق هاجيب دماغها الأرض مبقاش انا وليد ان ما خليتها تنخ " ربت الأخير على كتفه " هه لما نشوف يا وليد هنشوف مين اللي هينخ".

****************

" الو ايوة يا استاذ محسن انا كنت عاوزاك في استشارة قانونية كده"

كانت ملك تتحدث مع المحامي الكبير ذي الصيت 'محسن الفولي' المعروف عنه أنه يستطيع كسب أي قضية تقع تحت يده وبأي طرقة كانت. قصت ملك القصة كاملة على المحامي وفي النهاية قالت

" انا عاوزة حضرتك تتكفل بالقضية دي وتطلع ميرا باقل الخسائر وتخلي أدهم يدفعلها تعويض كبير .. كبير اوي اكتر تعويض تقدر تخليه يدفعه واتعابك عندي متقلقش" 

- أجابها المحامي المشهور على الطرف الآخر " طيب بس انا هاروح اقول لأهل المتهمة انا جاي منين" 

- ملك " عادي ممكن تقولهم انك متطوع عشان صعبت عليك او حتى انك على خلاف مع أدهم ومستعد تقدملهم الخدمة دي"

- محسن " وتفتكري هما هيصدقوني كده على طول يعني اكيد هيشكوا فيا " 

- ملك " حضرتك لو ذكرتلهم مبلغ محترم كتعويض مش هايعرفوا يفكروا في أي حاجة غيره وممكن تقولهم انك هتاخد نسبة من التعويض اللي هاتجيبهلهم فكده شكهم هيقل خالص"

وافق المحامي على كلامها ثم طمأنها انه سينفذ ما تريد وسيذهب إليهم في الغد.

****************

طرقات مترددة على النافذة الزجاجية الصغيرة لباب منزل والدة قمر ففتحت السيدة علية على إثرها الباب ونظرت بتعجب لذلك الشاب ذو الهيئة المرتبة لا يبدو عليه انه محصل الكهرباء او المياه فملابسه وهيئته توحي بانه ميسور الحال ووسامته جعلتها تتيقن أنه ليس بشخص عادي فسألته بفضول" ايوة يابني اتفضل"

- ماجد بتردد " أ..أنا كنت جاي أسأل عن البشمهندسة قمر"

انعقد حاجبا الحاجة علية

" قمر!!! ايوة يا بني بس قمر في القاهرة بتدرس أصل كليتها هناك"

حاول ماجد التصرف بأي طريقة

" ايوة ايوة منا عارف بس أصلها بتتدرب عندنا في الشركة وبقالها فترة متغيبة وملقناش الا العنوان دا نسأل فيه" 

وهنا ظهر رجل ضخم خلف الحاجة علية

" فيه ايه يا حاجة مين دا وبيسأل على قمر ليه"

تلعثمت الحاجة علية وتلجلجت فهي تعلم حساسية أي موضوع متعلق بقمر بالنسبة لزوجها 

" أصل يا حاج حمدي دا... دا"

لاحظ ماجد ذلك فأسرع يعيد حديثه الأخير مرة أخرى فأجابه حمدي

" بقا بتدرب عندكم وانتو استعوأتوها فجيتو تسألوا عليها هنا"

هز ماجد رأسه إيجاباً. فأردف الحاج حمدي :

" يعني هي مضربتكش مثلا معورتش أخوك مديتش حد من معارفك بوكس خليته يخنف"

ابتسم ماجد ابتسامة حقيقية فهو على علم بما فعلته قمر مع هذا الرجل في الماضي

" لا والله يافندم محصلش أي حاجة م الكلام دا. دا حتى البشمهندسة قمر رقيقة ومهذبة"

استهزأ الحاج حمدي بكلام ماجد بابتسامة صفراء 

" طب اتفضل اتفضل ادخل جوا نتكلم على رواقة"

دلف ماجد والأمل يحدوه بأنه سيجد قمر وبدوره سيجد ملك!! أو شبيهتها! وبعد تحقيق طويل من الحاج حمدي تأكد ماجد من أنهم لا يعلمون عنها شيئا، وأن زيارته تلك باءت بالفشل وخرج بخفيّ حُنين.تنفس ماجد بحرارة وكأنه ينفث لهيب صدره في الهواء وهو جالساً على رصيف البحر يائسا يشعر بخيبة أمل كبيرة. مفكرا كيف ستكون الخطوة التالية وأين وكيف سيبحث عنها؟؟!

***********

كانت قمر في شقتها الصغيرة ذات الحجرة الواحدة تعمل على حاسوبها وقد انعزلت تماما عن العالم لا هاتف، لا تلفاز، ولا تحاول حتى الدخول إلى شبكات التواصل الاجتماعي عبر حاسوبها. لقد قررت أن تبتعد عن كل ما له علاقة بأدهم من قريب أو من بعيد، وتركز في دراستها لتنهي هذه السنة وتحاول السفر خارج البلاد. وضعت كفها على وجنتها وهي تفكر ثلاثة أسابيع مرت الآن دون رؤية وجهه.. وعيناه، دون أن تشعر بأنفاسه اللاهبة، دون ان تلمس يداه التي تشعرها بالطمأنينة لأول مرة في حياتها. كيف عساها تستطيع نسيان كل ذلك؟؟ كيف تبتعد عن كل ما يتعلق به وهي نفسها أصبحت تتعلق به فهي زوجته! اسمها على اسمه حتى وإن أبى هو ذلك او أبت هي التسليم بذلك. كانت قديما تشعر انها حبيسة جسدها الذي تكرهه وحين عرفت أدهم أصبحت حبيسة قلبها الذي يعشقه، وسرحت أفكارها في ليلتهما الوحيدة. تلك الليلة التي لم تكن تتخيل أنها ستمر بها في حياتها أو أنها ستشعر بتلك المشاعر المتأججة يوما ما!! والأدهى أنها ستفتقد تلك المشاعر، وتلك الليلة، وذاك الساحر الذي أمسك بتلابيب عقلها وخيوط قلبها.

************** 

في ردهة القسم كانت مديحة تفرك يديها ببعضهما وقد ظهر التعب والإرهاق على ملامحها لقد مر أسبوع كامل على ميرا وهي في محبسها تكاد تجن. لقد أتاها هذا المحامي المشهور المسمى 'محسن الفولي' كنجدة من السماء يبدو ان أدهم ليس بالشخص الطيب المسالم كما يبدو عليه وأن لديه أعداء يتمنون له سقطة واحدة، فليكن إذا كان هذا في مصلحتها! خرج إليها المحامي من مقابلته مع ميرا مبتسماً 

" متقلقيش يا مدام مديحة انا اتكلمت مع ميرا وفي شوية حاجات كده اكيد هتنفعنا بس محتاج آخد إذن النيابة عشان اعملها ودا هيبقا بكرة الصبح بإذن الله وانا طلبت انها تخرج بضمان محل إقامتها لكن موافقوش وهتخرج بس بكفالة ١٠ آلاف جنيه"

- مديحة بتلهف " مش مهم مش مهم، المهم تخرج من المكان المقزز دا انا مش متخيلة حالتها عاملة ازاي دلوقتي، ولا شكلها شوفت يا أستاذ محسن شكلها بقا عامل ازاي"

هز المحامي كتفيه بلا اهتمام 

" طيب لو تقدري تجيبي فلوس الكفالة دلوقتي اتفضلي ادفعيها عشان المدام تروح تستريح وانا بطمنك متقلقيش"

دفعت مديحة مبلغ الكفالة وخرجت ميرا تترنح وعيناها تشبه دب الباندا ويشرتها الصفراء ظهرت دون المساحيق المعتادة.

" متخافيش يا ميرا انا هاجيبلك حقك من أدهم دا، إن ما كنت اخليه يشحت مبقاش انا"

هزت ميرا رأسها في وهن وهي تتحدث بعفويتها القديمة دون تصنع أو تمثيل

" روحيني يا خالتي روحيني".

************

في مكتب أدهم كان الأخير يتكلم بعصبية ممزوجة بألم

" يعني ايه يا ماجد ايه فص ملح وداب مش عارف تلاقيها بكل معارفك وشغلك يا مدير ال hr" 

- ماجد " والله يا أدهم انا عاوزة الاقيها زيك بالظبط انا بس مستني تستخدم بطاقتها او الكريديت او حتى التيلفون، لكن يظهر ان هي اللي مش عاوزانا نلاقيها" 

صرخ أدهم بصوت يشبه النحيب:

" ما هي لو كانت عاوزاني الاقيها مكنتش مشيت أصلا"

أخذ أدهم نفسا عميقا يهدئ من روع نفسه ثم أردف في رجاء 

" اتصرف يا ماجد اتصرف انا مش قادر استحمل،انا مش عارف اتنفس، انا عاوز حتى اطمن عليها بس ومش هاجي جنبها مش هالمسها بس اطمن عليها"

طرقات عنيفة على الباب جعلت كلا منهما يلتفت إليه بعنف في حين لم ينتظر الطارق الإذن بالدخول ودلف يتحدث بغلظة

" مين فيكم أدهم الصاوي"

كان المتحدث ضابطا بالزي الرسمي محاطاً ببعض مساعديه. عقد ادهم حاجبيه 

" ايوة يا فندم أنا"

- الضابط " اتفضل معانا حضرتك مطلوب القبض عليك"!!!

الفصل الخامس والعشرون

- أدهم " ممكن أفهم يافندم انا ليه مقبوض عليا بالظبط" 

- الضابط " فيه أدلة جديدة ظهرت بتثبت كدبك وانك بتدعي على زوجتك عشان تساومها على فلوس" 

- أدهم وايه الادلة الجديدة اللي ظهرت بقا" - الضابط " تسجيل من كاميرات المراقبة بتاعت فيلتك بتثبت ان ميرا جتلك وباتت عندك كمان وانتو مخطوبين ودا بيوضح ان العلاقة ما بينكم كانت عادي يعني وممكن تعملوا اي حاجة" 

- أدهم باستنكار" ممكن!!!! انت قابض عليا عشان ممكن؟ يعني ايه ممكن نعمل حاجة ما هو ممكن بردو تبات عندي ومنعملش حاجة، انا اول مرة اشوف قانون كده بصراحة، بيعتمد على ممكن!" 

- الضابط " والله يا بشمهندس أدهم احنا بنفذ القانون والنيابة هي اللي تقدر تحدد مصيرك وانصحك تشوف محامي كويس عشان محامي الخصم تعلب جامد وكمان طالب تعويض مهول يعني احتمال تدفع وتتحبس كمان" 

هز أدهم رأسه متفهما وهو يضغط على أسنانه بشدة

" علي المحامي بتاعي انا بثق فيه وهو شوية وهيكون هنا " 

- الضابط " وانا تقديرا مني لظروفك مش هادخلك الحبس انا هسيبك هنا في مكتبي لحد لما نشوف آخرة الموضوع دا " 

شكره أدهم بصدق، وقضى ليلته متأرقاً، مفكرا في كل ما يحدث قلقا على قمر بالأخص. يشعر انه مقيد بالفعل وأن يداه مكبلتان دون أصفاد حقيقية يتآكله القلق عليها وعلى ما تفعل وكيف شعرت بعد ما حدث بينهما. يبدو أن ما فعله كان خاطئا للغاية. ولكنه شعر بها وهي بين يديه وبأنفاسها المتلهفة، شعر بيديها تطوقانه كالمسحورة ، شعر بعينيها التي كانت لا تفارق خاصته وكأنها تتشبث به بعينيها وتتعلق به بل وتضمه وتعانقه بهما أيضا. فلماذا رحلت إذن لماذا؟؟

                      **************

لماذا رحلت؟؟

كانت تفكر في ذلك وهي تعود لشقتها من نزهتها المعتادة على الشاطئ وهي تشعر بالإرهاق الشديد. تنهدت مفكرة أنه لولا رسالته المهينة التي يعتذر فيها عن أجمل ليلة قضتها في عمرها لكان حالهما الآن حالا آخر. لأول مرة في حياتها شعرت أنها بحق فتاة ليل!! وأنه قضى وقتا لطيفا معها وانتهى كل شئ. وما كان من نصيبها إلا هذا الاعتذار المهين على تلك  الورقة الباهتة كلون حياتها بعده. شعرت بالدوار الشديد فتوقفت تستند على الحائط وفوجئت بصوت مألوف يحدثها 

" مالك يا أبلة فيه حاجة" 

نظرت لمحدثها بغضب واهن، ونهرته قائلة

" ابعد عني انت عاوز مني ايه" 

حدثها وليد بقلق 

"انا أصلي لقيتك شكلك تعبان تحبي اوصلك ولا اجيبلك كرسي تستريحي شوية " 

شعرت قمر بالخوف فهي تتذكر هذا الشخص وهو يغازلها بفجاجة وتشعر بنفسها ليست على ما يرام لتقاومه أو تصده الآن! أخذت نفسا عميقا بصعوبة وبدأت تتحدث بحدة محاولة إخفاء ضعفها والدوّار الشديد الذي تشعر به

" مش عاوزة كرسي ولا زفت ابعد عني بقولك" 

وابتعدت عن الحائط محاولة الوقوف باستقامة واغمضت عينيها وابتلعت ريقها في محاولة لشحن قوتها وما إن خطت أولى خطواتها انطفأت أنوار عينيها وفقدت السيطرة على جسدها. كل ما تستطيع تذكره هو يدي ذلك الشاب التي تحملها قبل وقوعها على الأرض!!

                      ************

-ماجد" الو.. ايوة يا صالح بيه ازيك ايه اخبارك.."

- صالح" الحمد لله تمام انت ازيك وأدهم عامل ايه دلوقتي لسه في ال...."

- ماجد " ايوة للأسف  أدهم لسه زي ما هو بقاله اسبوع اهو من ال ١٥ يوم اللي أخدهم.."

- صالح " ان شاء الله تعدي على خير ويخرج بالسلامة" 

- ماجد بتنهيدة حارة وهو يشعر باليأس يدب في أوصاله" يارب يارب يا صالح بيه "

-صالح " طيب انا عندي أخبار كويسة بخصوص الموضوع اللي كنت موصيني عليه" تنبهت كل حواس ماجد واعتدل في جلسته" موضوع ايه.. قمر؟؟!

- صالح" ايوة هو فيه موضوع غيره انت موصيني عليه دنا كل ما اكلم حد من معارفنا الاقيك مكلمهم في الموضوع دا بردو" - ماجد " طيب ايه لقيتوها يعني ولا ايه" - صالح " ايوة ياسيدي بطاقتها ظهرت في مكان واحنا عرفنا على طول" 

- ماجد طب قولي بسرعة هي فين دلوقتي" -صالح "هي موجودة دلوقتي في مستشفى حكومي في اسكندرية" 

ماجد بلهفة " طيب اديني العنوان واسم المستشفى بسرعة".


فتحت قمر عينيها ببطء وهي تحاول تذكر ما حدث كل ما تتذكره انه سقطت مغشيا أمام ذلك المدعو وليد وحين وصلت بذاكرتها إلى تلك النقطة هلعت ونظرت إلى نفسها وملابسها والمكان الموجودة به.ضربات قلبها النافرة تخبرها انه  لابد وان يكون فعل بها شيئا لابد انه ... واتسعت عيناها هلعا وحاولت النهوض في حين استوقفتها احداهن وهي تدخل الحجرة

" استني استني فيه ايه مالك عاوزة تقومي ليه" 

نظرت إليها قمر بنفس ذات النظرات الهلعة انا فين وانتي مين

" مطت السيدة شفتيها " 

يعني انا لابسه ابيض ف ابيض والاوضة ابيض ف ابيض هتكوني فين يعني في الجنة" 

وضحكت بسماجة ثم أردفت

" وبعدين ياستي هنقول انك مش شايفة عشان الدوخة وكده كمان مش حاسة بالكانيولا اللي في ايدك" 

نظرت قمر إلى يدها وزفرت في ارتياح إذن هي في المستشفى فسألت مستفسرة مرة أخرى

" طب هو مين اللي جابني؟"

- الممرضة " شاب بيقول انه من منطقتك ومعلش احنا فتحنا شنطتك بقا عشان نسجل دخولك 

" هزت قمر رأسها وارتاحت مرة أخرى على الفراش. وسمعت طرقات على الباب فأذنت بالدخول ودلف وليد وهو مطأطئ الرأس

" ألف سلامة عليكي يا أبلة جت سليمة الحمد لله" 

اعتدلت قمر وجلست على الفراش 

" انا متشكرة جدا والله ع اللي انت عملته معايا"

-وليد " على ايه بس احنا جيران وولاد حتة واحدة واتمنى يعني انك متزعليش مني اني ضايقتك قبل كده وعاكستك يعني" 

- قمر " لا ابدا خلاص حصل خير المهم متعملش كده تاني مع أي حد من حتتك" هز وليد رأسه موافقا

" حاضر يا ابلة، طيب هما بيعملولك شوية تحليلات تطلع النتيجة وهاوصلك للبيت إن شاء الله" 

- قمر" لا لا متعطلش نفسك، انا هاخلص المحلول وهاوقف تاكسي واروح"

-صاح وليد " ودي تيجي بردو انا كده كده اجازة النهاردة"

- قمر " معلش انا متشكرة جدا منك بس من فضلك اتفضل انت مش عاوزة اتعبك معايا اكتر من كده"

-وليد " طب مفيش حد من قرايبك تكلميه يجي ياخدك"  تنهدت بحزن

" لا انا كل قرايبي في القاهرة" 

شعرت بعمق الكلمات تتردد في صدرها فبالفعل هي تشعر أن أدهم هو قريبها الوحيد بل هو كل اقربائها بالفعل " خرج وليد وارتاحت هي تحاول ألا تفكر به وفيما عساه يفعل الآن مع زوجته.... ميرا !!!! 

                     *************


ما إن أخذ ماجد العنوان حتى طار إلى سيارته يسابق بها الطريق وهو يشعر بأنه يريد الجري على ساقيه امام السيارة لأن سرعة السيارة لا تكفيه.

طرق ماجد الباب بلهفة وسمحت له بالدخول اعتقادا منها انه وليد مرة أخرى.  فزعت لرؤيته واعتدلت وهي تحاول النهوض 

" استني استني متقوميش ارجوكي انا محتاجلك في حاجة ضروري" 

عقدت قمر حاجبيها وتحدثت باستغراب 

" محتاجلي انا!! محتاجني ف ايه" 

- ماجد وهو يحاول مساعدتها على الجلوس مرة أخرى بالرغم من رفضها المساعدة

" ارتاحي بس الأول وهاقولك كل حاجة، انا اصلا مستعجل اكتر منك وأدهم هايتجنن عليكي من ساعة ما مشيتي" 

قلبت شفتيها بامتعاض

" والله!!"

-ماجد "ايوة طبعا خصوصا في حالته اللي هو فيها دلوقتي"

انتبهت قمر والتفتت إليه بحدة 

" حالته؟! مالها حالته هو ماله ايه اللي حصله" 

- ماجد " مانتي لو كنتي فاتحة تيلفونك كنتي عرفتي ايه اللي جراله"

تحدثت قمر بفزع

" ما تتكلم يا ماجد ايه اللي حصله" 

قصّ عليها ماجد كل ما حدث وانهمرت دموعها وسط شهقات نحيبها 

" يعني هو كان عاوز يتجوزها عشان كده يا حبيبي يا ادهم"

رفع ماجد حاجبيه مندهشا لهذا الاعتراف الصريح منها. ثم هبت واقفة فجأة وهي تنزع الكانيولا بعنف غير مهتمة بالدماء التي تنزف من ذراعها 

" يالا بينا دلوقتي حالا يالا انا لازم اطلعه يالا" 

- ماجد وهو يمسك بيديها فنظرت له نظرة حارقة فأبعد يديه بسرعة

" استني بس هاطلعيه ازاي انتي فاكرة نفسك هركليز ولا هاتروحي تقوليلهم طلعولي جوزي عشان خاطري"

- قمر " انا عارفة انا بقول ايه، هاتوصلني ولا اروح انا المشوار بتاعي"

- ماجد " طبعا هاوصلك بس فين" 

- قمر " عند ماما هاوصفلك العنوان واحنا ماشيين"  

  -ماجد " لا مفيش داعي انا عارفه كويس" وحكى لها زيارته لمنزل والدتها والتحقيق الذي أجراه زوجها معه"

ثم سألها فجأة " هو انتي عادي تروحي بيت والدتك كده"

ارتبكت قمر وهي تفرك يديها " هاتصرف هاحاول اخليه يدخلني بأي طريقة"

- ماجد " بس انا بردو مش فاهم انتي هاتعملي ايه في بيت والدتك" 

- قمر هافهمك كل حاجة بعدين" 

كان ماجد يتحرق شوقا لسؤالها عن ملك ولكنه لم يستطع وسط هذه الجلبة. خاصة ان الممرضة لحقت بها وهي تناديها " 

استني استني خدي التحاليل بتاعتك" التقطتها قمر على عجلة ولم تنظر بها، وانطلقت إلى الطريق بمرافقة ماجد. 

حين وصلا أسفل منزلها نظرت له قمر بتوتر " ممكن تستناني هنا، إن شاء الله مش هتأخر"

كانت تأمل أن تتحقق آمالها وان يدخلها زوج والدتها إلى المنزل بأقل الخسائر الممكنة. طرقت الباب بهدوء عكس ما يشعر به جسدها الذي ينتفض بتوتر. فتح زوج والدتها الباب ووقف مندهشا للحظات ثم تجهم قائلا بصوت جهوري 

"عاوزة ايه يابت انتي، امشي غوري من هنا، قولتلك آخر مرة مشيتي من هنا مش عاوز اشوف وشك هنا تاني انا مش ناقص مصايب"

وهمّ بغلق الباب ولكنها حاولت دفعة بصعوبة " 

ارجوك ياعم حمدي دخلني ٥ دقايق بس وهاخرج" 

اندهش حمدي لرجائها فهو ما اعتاد ذلك منها ابداً اين عجرفتها وغطرستها بل وكرهها له وهي تنظر له بتلك العينين المتوسلتين واستطردت " انا باعترف اني غلطت في حقك كتير وكمان كنت قليلة الادب معاك ارجوك انا بتأسفلك عن كل حاجة عملتها معاك بس دخلني ٥ دقايق بس وهاخرج" 

وصلت دهشة الحاج حمدي إلى أوجها وهو غير مصدق ان تلك التي تستعطفه الآن بضعف واستكانة هي نفسها قمر الشرسة التى لم تتردد في طعنه حين انفلتت منه سبة غير مقصودة بأنها غير شريفة في أوج غضبه منها ذلك اليوم. 

انحنت قمر على يده تقبلها فسحبها بسرعة في دهشة متأثرا بما تفعله وسط دهشة أخرى من ماجد الذي كان يقف في الزاوية تحسبا لأي ظروف. فتح الحاج حمدي الباب على وسعه وهو يقول في تأثر

" اتفضلي يابنتي ايه اللي جرالك بس"  خطت قمر للداخل بلهفة ووالدتها خلف الباب تستمع لكل ما يحدث وهي تضع يدها على قلبها في خوف ولكنها فردت ذراعيها حين سمعت زوجها يسمح لها بالدخول ورأتها تدلف فأخذتها بين ذراعيها وكأنها عادت لأحضانها بعد سنين. 

أشار الحاج حمدي إلى ماجد ايضا بالصعود فقد كان يراه رغم محاولته عدم الظهور. بعد ان انتهت قمر من عناق والدتها التفتت إلى الحاج حمدي مرة أخرى

" انا متشكرة اوي يا عم حمدي وبتأسفلك مرة تانية واوعدك مش هضايقك تاني" ضرب الحاج حمدي كفاً بكف وهو غير مصدق التغير الذي حدث بها. استأذنت قمر للانفراد بوالدتها في حجرتها وجلس ماجد مع الحاج حمدي 

" يعني لقيتها اهو يا استاذ ماجد"

- ماجد بإحراج " ايوة اصل كان فيه ورق مهم بتاع الشركة معاها وكان لازم نلاقيها"

- الحاج حمدي " يعني مش انت سبب التغيير دا" 

ابتسم ماجد " لا يافندم مش انا والله" 

انفردت قمر بوالدتها في حجرتها وهي تهمس لها " فاكرة يا ماما التيلفون اللي عم حمدي كسره وقولتيلي انك شايلاه ليا وكمان الميموري بتاعته "

- الحاجة علية " ايه المموري دي يابنتي؟" - قمر " الكارت يا ماما الكارت اللي نورهان قالتلك عليه انه مهم " تذكرت الحاجة علية

" اااااااااه ايوة ايوة انا شايلاهم ليكي هنا " وفتحت أحد الأدراج وهي تحاول تذكر في أيهما وضعته 

" اهو اهو يابنتي التيلفون والكارت والمموري وكله" 

احتضنتها قمر " شكرا يا ماما متشكرة اوي اوي يا حبيبتي " 

وهمّت بالخروج واستوقفتها والدتها 

" قمر يابنتي شكلك مش عاجبني وشك اصفر وعينك محلقة خدي بالك من صحتك يابنتي ولا انتي واقعة في مشكلة ولا ايه طمنيني عليكي" 

- قمر وهي تطمأن والدتها " مفيش حاجة يا ماما متقلقيش دول شوية إرهاق من المذاكرة ابوسك بقا عشان امشي"

- الحاجة عليه " هو انتي لحقتي يابنتي ما تباتي معانا وبكرة ابقي امشي ما دام الحاج حمدي دخلك"

- قمر " والله يا ماما مستعجلة اوي انتي متتصوريش الحاجات دي مهمة أد ايه" ربتت والدتها على كتفها " 

طيب يابنتي خلي بالك من نفسك يا حبيبتي" خرجت قمر من حجرتها واستأذنت في الذهاب وسط دهشة الحاج حمدي التي مازالت تكسو ملامح وجهه. 

في السيارة " ممكن بقا تفهميني انتي روحتي عند والدتك تعملي ايه؟ وكان ايه سببها الزيارة دي؟ دا الراجل كان بيبصلك وكأنك عفريته" 

- قمر "كنت بجيب دليل براءة أدهم" رفع ماجد حاجبيه " نعم دليل براءة ادهم معاكي انتي؟ طب ازاي؟" 

-قمر " سوق بس انت بأسرع سرعة عندك وانا هافهمك كل حاجة في الطريق" بعد ان قصّت عليه القصة كاملة هتف ماجد وهو ينظر لقمر " يابنت الكاااااااالب" نظرت له قمر بغضب وانتفخت وجنتاها وأنفها واستعدت للانقضاض على ماجد كالنمرة وحين لاحظ ذلك اعتدل وهو يقول

" مش قصدي انتي والله انا قصدي على ميرا" 

تنفست قمر الصعداء وهي تقول 

" انت عارف انك كان ممكن تتسبب في حادثة ونروح فيها احنا الاتنين انا كنت لسه هاديك بوكس في نص وشك على طول"

- ابتسم ماجد " لا وعلى ايه الطيب احسن الله يكون في عونك يا أدهم"

احمرت وجنتاها خجلا. وانتهز ماجد الفرصة " قمر انا كنت عاوزة اسألك على حاجة"

- همهمت قمر " همممم"

-ماجد " فاكرة يوم ما كنتي قاعدة في المطعم مع صاحبتك وانا جيت اخدك"

- قمر في فضول " ايوة ؟!" - مين صاحبتك اللي كنتي قاعدة معاها دي "

- قمر " ايوة بس انت مشوفتهاش أصلا دي كانت في الحمام لما انت جيت" 

- ماجد " خلينا من التفاصيل دلوقتي انا عاوز اعرف هي مين وعرفتيها ازاي

" عقدت قمر حاجبيها 

" انا على فكرة مبحبش اجاوب على حاجة من غير ما افهم لكن واضح ان الموضوع مهم أوي بالنسبة لك وعشان كده هاقولك بس توعدني تفهمني ايه الموضوع"

- ماجد " حاضر اوعدك بس افهم انا الاول" أومأت قمر وبدأت في سرد ما تعرفه عن مريم " ابدا ياسيدي اسمها مريم وكانت عايشة في انجلترا  عند خالها تقريبا وجت مصر من قريب وبتشتغل هنا كمان ها أي معلومات تانية " 

سرح ماجد بأفكاره قليلا وهو يردد 

" مريم!! انتي متأكدة ان اسمها مريم " فكرت قمر قليلا 

" هي قالتلنا ان اسمها مريم لكن احنا طبعا مشوفناش بطاقتها يعني وبعدين دي بنت طيبة خالص ومش معقول هاتكدب علينا في اسمها يعني وهتكدب ليه أصلا" 

- ماجد بتعجب " قالتلكوا؟؟ قالتلكوا مين يعني انتي ومين؟"

أجابت قمر " أنا ونور ما هي صاحبة نور بردو" فكرت قمر قليلا ثم أردفت

" استنى استنى هو انت تعرفها او بتشبه عليها مثلا" 

- ماجد " يعني مثلا!" لم ترحها تلك الكلمات وفكرت بأن يكون ماجد هو نفس الشخص الذي تحبه مريم ورأته حين جلب لها بعض الطعام ورأتها هي معه وظنت انه قد تزوج!! " هي دي كانت حبيبتك الاولانية ولا ايه يا ماجد"

ارتبك ماجد وهو يضغط على المقود ولاحظت قمر ارتباكه فتأكدت شكوكها وحاولت تجميع الخيوط مرة أخرى في عقلها فقد اشتبكت كل الخيوط بشدة 

" أصلها قالتلي يومها انها شافت حب عمرها بيجيب أكل ومعاه واحدة لا تكون شافتني انا وانت وافتكرت اني... انا... " 

ضغط ماجد على المكابح بقوة فاندفعت قمر للأمام وهي تصرخ

" الله يخربيت دي حركة هتموتوني فيها في مرة انت وصاحبك"

تحدث ماجد وهو غير مهتم بما قالته للتو 

" يعني هي شافتني انا وانتي وبعدين طلبتك انتي عشان تتكلمي معاها ولا ايه انا مش فاهم"

- قمر وهي تزفر " لأ هي قالتلي انا مشافتش البنت لأن العربية كانت راكنة بعيد يعني مشافتش انها كانت انا وافتكرت ان حبيبها دا نسيها وعاش حياته واتجوز او خطب.... ااااه وكمان قالتلي ان عربيته حمرا  لان هي قالتله انها بتحب اللون الاحمر في العربيات وانت عربيتك حمرا يا ماجد معقولة تكون هي"

- ماجد "انا كده هاتجنن اكتر كل اللي بتقوليه معقول بس هي مش مريم مش مريم!!"

- قمر بقولك ايه انت ممكن تعرفها من صوتها ؟!"

  - ماجد بلهفة " اه طبعا طبعا " 

- قمر وهي تخرج هاتفها وتضع شريحة الخط به

" وكمان شايلة الشريحة من التيلفون خالص والله دوختينا عليكي دا أدهم لما يشوفك هاينفخك" 

ألقت إليه نظرة نارية وهي تقول

" دنا اللي هاوريه بس لما يطلع م اللي هو فيه كان فيها ايه يعني لما يقولي انه هيتجوز ميرا عشان يرجع ورث مامته" 

وعلى كلمة 'ورث' تذكر ماجد أن أصحاب هذا الإرث قد ماتوا وطرق قلبه في صدره من أثر تلك الكلمة وكأنه يذكره حتى لا يتعلق بأمل كاذب. 

اتصلت قمر بهاتف مريم وهي تفتح مكبر الصوت 

" الو ايوة يا مريم"

هتفت الأخيرة في فرح

" قمر انتي فين يا وحشة باتصل بيكي انا ونور وتيلفونك مقفول على طول"

نظرت قمر لماجد لتطمئن اذا كان قد تعرف على صوتها أم لا فوجدت دموعه منهمرة لا يستطيع إيقافها وهو ينظر للهاتف وكأنه يريد ان يحتضنه فتأكدت شكوكها فأجابت

" معلش كنت عند ماما في اسكندرية وتيلفوني كان بايظ، المهم انتي عاملة ايه دلوقتي؟ آخر مرة شوفتك كنتي منهارة " تنهدت مريم تنهيدة حارقة وصلت أصدائها عبر الهاتف

" والله انا تعبانه أوي من يومها يا قمر ومش عارفة افكر غير فيه وازاي هو هان عليه حبنا كده" 

ثم انتقل صوتها إلى الحدة وهي تقول

" ومتغاظة ومغلولة وعاوزة اشوفه تاني هو والزفتة بتاعته دي عشان أنزل فيهم ضرب" ابتسم ماجد رغم دموعه ، وضحكت قمر ثم قالت بخبث

" بس انتي خرجتي بسرعة وقفش كده يامريم حتى مسمعتنيش وانا بنادي عليكي دا حتى ماجد زميلي في الشغل اللي كان هيوصلنا يومها كان عاوز يتعرف عليكي بس خرج م الحمام متلخبط هو كمان ومشينا على طول"

لحظات صمت طويلة فاستطردت قمر

" اييييييه يابنتي روحتي فين؟"

- ملك" معلش يا قمر انتي قولتي مين اللي كان معاكي؟"

- قمر بلؤم مرة أخرى " بقولك ماجد صاحب أدهم اللي حكيتلك عنه اخو آدم جوز نور يا مريم ايه نسيتي؟" 

- ملك وهي تتلعثم " يعني انتي اللي كنتي مع ماجد؟ يعني هو ماتجوزش ولا خطب" 

-قمر " لا ياستي عايش حب أفلاطوني من أيام شبابه" 

وفجأة انقطع الخط وقمر تنظر للهاتف بحمق ثم انتقلت بنظراتها الحمقاء نحو ماجد الذي غطا وجهه بكفيه 

" ممكن افهم ايه الهبل اللي بتعملوه انتو الاتنين دا ولما هي مش اسمها مريم قالتلنا ليه ان اسمها مريم؟"

فرك ماجد عينيه وهو يتنهد وعقله يكاد ينفجر من التفكير. حثته قمر قائلة

" ماجد معلش انا عارفة اني غلسة بس ممكن تسوق عشان نلحق أدهم ونتكلم في الموضوع دا وانت سايق" 

هز ماجد رأسه وهو ينظر للفراغ وكأنه لا يرى شيئا أمامه ، ولا يستمع إلى شيء مما قالته قمر للتو فأردفت 

" ماجد انت سامعني طب خليني انا اسوق لو مش هتقدر واحكيلي مين مريم دي وليه مقلتلناش اسمها الحقيقي وهو ايه أصلا اسمها الحقيقي" 

ردد ماجد ونظره مازال معلقا باللاشيء

" ملك اسمها ملك وعارفة تبقا مين؟؟ تبقا أخت أدهم يا قمر"

            الفصل السادس والعشرون من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>