رواية غيوم تحجب القمر الفصل السادس عشر 16 والسابع عشر 17 بقلم مني السيد
الفصل السادس عشر
كانت قمر تخرج من جامعتها حاملة ادواتها وعينيها متورمتين من أثر بكاء البارحة لم تلحظ مراد الذي كان ينتظرها بنفاذ صبر " قمر يا قمر .." التفتت قمر مندهشة " مراد؟ انت ايه اللي جابك هنا فيه حاجة حصلت؟" - مراد " لا ابدا انا بس قولت اجي اطمن عليكي عشان يعني.... عشان اللي حصل امبارح" هزت قمر رأسها متفهمة " محصلش حاجة يا مراد وبعدين ما هو دا اللي كنا عاوزين نوصله" كانت الغصة في حلقها تجعل كلماتها متمزقة كنياط قلبها. - مراد " طب حتى خليني اوصلك للبيت "-قمر " لا انا رايحة شقة نور خلاص بقفلها عشان اسلمهالها" - مراد " طب خلاص اوصلك هناك وبعدها اوصلك للبيت" - قمر " لا يا مراد متشكرة انت ممكن توصلني لحد هناك وخلاص متتعبش نفسك انا لسه ورايا شغل كتير" - مراد " طب تمام ياللا اركبي" فتح لها باب السيارة الخلفي لتضع أدواتها ثم باب السيارة الامامي لتجلس بجانبه وفكرت ( اد ايه مراد دا محترم وجنتلمان بس للاسف عيني مش شايفاه خالص عيني مش شايفة غير واحد بس !! " وتنهدت تنهيدة حارقة ولم تتحدث طوال الطريق. إلى أن أوصلها مراد لبناية نور شكرته بجفاء وأخذت متعلقاتها وذهبت. زفر مراد وهو ينظر لأثرها الذي اختفى خلف الجدران الصلبة وكأن تلك الجدران تفصل بينهما في كل مكان !! حتى في قلبها الذي لم يستطع النفاذ إليه. لقد احبها بالفعل كيف لا يحب جمالها وأنوثتها ورقتها كيف يقاوم كل ذلك كيف ؟؟؟ كان يعلم انه سيحبها لكنه لم يكن يدرك انه سيحبها بذلك الشغف والجنون وقرر انه سيحارب من أجل هذا الحب سيجعلها تحبه بأي ثمن !!
*************
انتهت قمر من الاشراف على آخر اللمسات في شقة نور ونظرت للنهاية وهي فخورة بنفسها وتتمنى أن تنال إعجاب كل من يراها وبالتحديد هو !! رن هاتفها ليخرجها من أحلامها الجوفاء " الو ايوة يا نور ..... ايوة خلاص كله تمام...... لا يا نور لازم تيجي النهاردة تستلميها مني بنفسك ... تمام خلاص انا هستناكي تعالي بسرعة بقا " أغلقت الهاتف وانتظرت نور التي أتت وتسلمت الشقة في رضا وانبهار " يااااااااه ياقمر الشقة تحفة بجد تسلم ايدك وكمان خلصتيها ف وقت قياسي متتصوريش انا بحس براحة نفسية ازاي لما بدخلها عقبال ما تعملي شقتك كده وتفرحي بيها زي ما فرحتيني" ثم أردفت " صحيح يا قمر انا حولتلك الفلوس على حسابك اللي اديتيني رقمه وبجد انا مبسوطة اوي باللي عملتيه فزودت زيادة بسيطة كده عن اللي اتفقنا عليه " نظرت إليها قمر معاتبة " ليه كده يا نور هو مش احنا كنا متفقين" - نور " يابنتي انتي ليه مش مصدقة انك وفرتيلي فولس كتير جدا انا لو كنت اتفقت مع شركة ولا مهندس مشهور كان زماني دافعة دم قلبي وبعدين انتي لازم تتعودي تاخدي ارقام كبيرة كده عشان تليق بشغلك ومجهودك دنا كويس اني لحقت في اول مشوارك الفني قبل ما تتشهري بقا وتغلي علينا " اومأت قمر ضاحكة فاستطردت نور " يالا بينا بقا يا قمر عشان اوصلك " - قمر " لا يا نور روحي انتي انا لسه ورايا مشوار مهم وانتي اكيد وراكي ستين حاجة دا بكرة الحنة وبعده الفرح" - نور " والله عندك حق يا قمر انا مشغولة ومسحوله خالص" لملمت قمر أشيائها وودعت نور. ودون ان تفكر ذهبت إلى أمام شركة أدهم علّها تراه اذا لم يكن في أحد المواقع ظلت واقفة تتتبع الداخل والخارج بعينيها إلى ان رف قلبها معلنا وصوله أطلقت تنهيدة هادئة وكأنها تودعه بها إلى ان لمحت ميرا تركن سيارتها أمام خاصته وتمشي بدلال ناحيته وتقبله من وجنتيه لم تستطع سماع ما يدور بينهما لكن يبدو على ميرا الفرحة العارمة وعلى أدهم اللامبالاه أو قد تلمح بعض الحزن في عينيه التي تنظر باتجاهها الآن فاختبأت بسرعة وهي تفكر.... لا لا لن تضعف كان من الجيد رؤيتها لهذا المنظر لتختم على قلبها بختم أبدي ألا يرف له هذا القلب مجددا!!
وصلت لحجرتها وهي تجر ساقيها مرهقة جسديا ونفسيا فبادرتها تحية " إزيك يا جمر مالك ؟" - قمر " لا ابدا يا تحية انا بس تعبانة انتي عارفة شغل وكلية وكده" -تحية " ربنا يجويكي يارب على فكرة يا جمر اني مسافرة البلد بكرة" التفتت إليها قمر متفاجئة " ليه يا تحية هاتمشي وتسيبيني دي سفرية البلد دي بتقعدي فيها كتير اوي" - تحية " والله يا جمر امي وحشتني جوي جوي جوي" ابتسمت قمر " هاتوحشيني والله يا تحية انتي والمقاريد بتوعك بس ابقي اتصلي بيا لما تبقي فاضية طمنيني عليكي ماشي؟" - تحية " اهييييه طبعا اومال ايه اني مجدرش استغني عنك ابدا وهاسلم عليكي الصبح بدري جبل ما امشي كمان" هزت قمر رأسها وقبلتها متمنية لها رحلة سعيدة لتتدخل إلى غرفتها وما كادت تفعل حتى سمعت طرقات تحية على الباب تستطيع معرفة طرقاتها من بين الف شخص. فتحت لها الباب فبادرتها تحية " صحيح يا جمر نسيت اديكي دي وصلتك النهاردة" التقطت قمر الظرف منها مستغربة فاسمها مكتوب بالاحمر وبجانبه قلب. فتحته وياليتها ما فعلت كانت دعوة زفاف أدهم وميرا بعد شهر من الآن ومعه هدية صغيرة عبارة عن بروش على شكل قلب مقسوم مزين وملون بألوان جميلة ولكن جماله انطفأ بالدعوة المرسل معها ألقتهما بجانب السرير واستلقت لا لتنام بل لتسقط في هاوية غائبة عن وعيها بإرادتها.
**************
اندهشت ريم كثيرا حين رأت قمر " قمر حبيبتي وحشتيني اوي " ونهضت لتعانقها وبادلتها قمر العناق " وانتي كمان يا ريمو وحشتيني اوي وحشتني قاعدة النم بتاعتنا " ضحكت الأخيرة " بس خير يعني ايه سبب الزيارة الجميلة دي" - قمر " جاية اقابل بشمهندس أدهم ف حاجة مهمة هو موجود؟؟" - ريم " ايوة موجود هادخل ابلغه ولما تخرجي نبقا نقعد مع بعض شوية اكون انا خلصت اللي ورايا" هزت قمر رأسها وهي تفرك أصابعها في بعضها في حين ذهبت ريم لتخبر أدهم وخرجت لتسمح لها بالدخول.
ورأته .... مستندا على مقعده بطريقته المعهودة وأصابعه تغطي وجنته وفمه. كان ينظر لها نظرة مطولة دون ان تفهمها كالعادة عيناه لم تفارق خاصتها قلبها يدق ككل مرة حين تراه تحاول تهدئته ولكن دون جدوى وأخيرا استجمعت شجاعتها وتنحنحت عدة مرات ليخرج صوتها بصعوبة مبحوحا " مساء الخير يا بشمهندس أدهم" تحرك فكه تحت أصابعه ولكنها استطاعت رؤيته تعلم ان صوتها المبحوح يحرك فيه شيئا ما ولكنها لم ترد هذا ولكن حين حدث استمتعت بذلك ! ابتسمت ابتسامة مصطنعة " مبروك وصلتني دعوتك امبارح" هز رأسه ولم يتحدث إلى الآن ولكن نظراته لم تترك فيها إنشاً إلا ومرت عليه. فأكملت قمر في اضطراب " انا جيت اجيبلك الفلوس " ثم أخرجت المبلغ من حقيبتها ووضعته أمامه على المكتب. أشار ببرود " ايه دا ؟؟" -قمر " دي الفلوس اللي انت دفعتها للحاج سعيد صاحب البيت جيت ارجعهالك واشكرك واباركلك ٣×١" حاولت الابتسام على مزحتها لكنه لم يعطها الفرصة بتقطيبة حاجبيه " انتي مش ناوية تيجي الفرح ولا ايه مش لازم تشوفيني وانا عريس" سكتت برهه ثم تحدثت بجمود " للدرجة دي فرحان بالجواز على العموم لما اشوف ظروفي انا ومراد مش عارفة هيكون فاضي ولا لأ" وكأن كلماتها أشعلت فتيلا تحته فهب واقفا ثم توجه لمقعدها واستند عليه بيديه وحدثها واقفا وكأنه يفرض سيطرته عليها وهو ينحني نحوها ويقترب منها ويلفظ اسمه بتقزز " مراد؟؟ انتي مش ناوية تنهي التمثلية السخيفة دي؟" - قمر بدلال" تمثلية ايه؟؟ مش خطيبي ولازم يكون معايا في كل حتة!" زفر أدهم بحنق ثم جلس على المقعد المقابل لها وأمسك مسندي مقعدها ذو العجلات وجذبه إليه بعنف لتصبح محاصرة بين يديه وساقيه المفتوحتان ووجهه الذي يكاد يلامس وجهها "وهاتتجوزيه ازاي بقا بعُقدك دي" رفعت حاجبها بغرور " وانت هاتتجوز ميرا ازاي بسفالتها دي ولا أكيد دي الحاجة اللي عاجباك فيها ماهي رخيصة وبتسمحلك تعمل اللي انت عاوزه فيها" جزّ أدهم على أسنانه " قولتلك مليون مرة متغلطيش فيها وبعدين ميرا مش موضوعنا دلوقتي انتي موضوعنا" كان حصاره وقربه لها يذهب بعقلها وانفاسها معاً وهي تحاول السيطرة عليهما حتى لا يشعر بتأثيره عليها ولكن هيهات. رفع سبابته ليزيح خصلة هاربة من شعرها الطويل عن وجهها ويريح تلك الخصلة خلف أُذنها وهو يتأملها ولكن سبابته لم تكتفي وتسحبت في هدوء لتلامس خلفية أذنها وهو يقترب أكثر ويحدثها في نفس الأذن التي يلهبها بأصابعه وبصوت متحشرج قال" بتسيبيه يلمسك كده؟" وسبابته تستمر في النزول إلى جانب رقبتها بهدوء وهي تحاول ابتلاع اللاشئ فقد جف حلقها تماما من أثر لمساته وأكمل بذات الصوت الهادئ المتحشرج" بيأثر فيكي زي ما انا بأثر فيكي كده" اقترب اصبعه من منتصف رقبتها وقد خارت قواها واغمضت عينيها وهو لا يتوقف عن كلامه " قلبك بيدق لما بتشوفيه او لما بيلمسك زي ما بيدق دلوقتي" وانتهى الامر بأصبعه في تجويف رقبتها بين عظمتي ترقوتها في المنطقة التي تظهر دقات قلبها المجنونة بوضوح وعانت كثيرا لتفتح عينيها و تبتعد عنه وهي تستجمع كلماتها وكأنها نسيت اللغة واختفت الكلمات من قاموسها وهبت واقفة وهي لا تستطيع السيطرة على ارتجاف أصابعها بل وجسدها كله " ايه الكلام اللي انت بتقوله دا انا ماشية" واستدارت مسرعة نحو الباب تحاول اخفاء ارتباكها ولكنه لحق بها قبل ان تصله وأمسكها من ذراعها " اتحداكي انك تستحملي لمسه واحدة منه وساعتها هاتعرفي ان انتي ليا انا انا وبس" كان ذلك اول تصريح منه بوجود شئ بينهما لم تعرف هل تفرح لذلك التصريح ام تحزن لتحديه لها وزواجه من ميرا! دائما ما يرهقها عقلها بالتفكير ولكن قلبها الآن يسيطر على الموقف ويكاد يرقص فرحاً من تصريحه الأخير. أسرعت تفتح الباب هاربة وسط نداءات ريم عليها ولكنها لا تسمع سوى جملتين فقط (انتي ليا انا أنا وبس).
*****************
استعدت قمر لليلة الحناء فاليوم رقص وغناء، وهاتفت مراد لتؤكد عليه موعد حفلة الزفاف في الغد.
كانت قمر متحمسة للغاية لأول حفلة حناء ستحضرها في حياتها لأول مرة ستقضي قمر وقتا ممتعا مع فتيات في مثل عمرها لأول مرة هي مستعدة للإستمتاع واللهو. هي لا تعرف الرقص ولكنها بالتأكيد ستستمتع.
استقبلتها نور بالعناق وهي تقفز وترقص على أنغام الموسيقى الصاخبة وجذبتها من يدها الى الحديقة وهي تتمايل على انغام الموسيقى وتقول " يالا يا قمر دورك " ولفت حول خصرها وشاح مطرز بالخرزات الذهبية يصدر صوتا كلما تحركت " ايه دا يا نور ايه دا انا مبعرفش ارقص" - نور " مليش دعوة النهاردة لازم كله يرقص" خلعت قمر عنها الوشاح " صدقيني يا نور بجد مبعرفش ارقص" صاحت نور في الفتيات " يالا يا بنات النهاردة كلنا هانعلم قمر الرقص" وظلت الفتيات تتمايلن وتضحكن وقمر حقا مستمتعة ولأول مرة تضحك من قلبها واكتفت بالتصفيق والانبهار بالحركات الراقصة لهؤلاء الفتيات البارعات.
************
رن هاتف أدهم وهو في شقته " الو ايوة يا آدم " - آدم " ايوة يا أدهم يا حبيب اخوك يا اخو العريس" ابتسم أدهم" اخلص يا آدم قول عاوز ايه على طول " ضحك آدم" على طول فاقسني انت، انا عاوزك تروح البيت تاخد الطقم الالماظ من اوضتي وتوديه لنور عشان نسيته معايا لما كنا بننقل حاجاتنا في الشقة وطبعا هاتلبسه بكرة مش معقول يعني عروسة مش هاتلبس شبكتها " - أدهم ما تروح انت يا آدم انا مالي انا وبعدين انت عارف انا مبحبش اروح عند اللي اسمها مديحة دي" - آدم عشان خاطري يا أدهم انا صحابي عازميني ومقدرش اسيبهم دي آخر ليلة ف العزوبية يا شقيق" - أدهم " شقيق !! وبعدين هي آخر ليلة في عزوبيتك دي تيجي على دماغي انا، قولي يا سيدي شايله فين" أخبره آدم بمكان الطقم وأغلق الهاتف وكان أدهم يزفر لأنه سيقابل تلك المديحة ولكنه حين ذهب حمد الله أنها لم تكن موجودة أخذ ما جاء من أجله ثم توجه إلى منزل نور لينتهي من تلك المهمة .
دلف أدهم إلى الصالون في منزل نور وهو يسمع الأصوات الصاخبة الآتيه من الحديقة ويبتسم متمنيا لهما السعادة ولكنه انتفض حين سمع صيحات الفتيات " قمر..قمر..قمر" وكأنهم يشجعونها على شئ ما وسمع صوتها وهي تقهقه وتقول " خلاص خلاص ماشي هاجرب بس محدش يضحك عليا انتو كلكوا موهوبين وانا الوحيدة اللي حوسة" لفت نور الوشاح على خصر قمر مرة أخرى وبدأت قمر في محاولة الرقص وياللدهشة استطاعت ان تفعلها وتتمايل بخفة وبحركات بسيطة هي نفسها لم تصدقها. ولم يستطع أدهم تمالك نفسه وكأنه مراهق ينظر لبنت الجيران من خلف النافذة فلينظر إليها نظرة واحدة فقط وقف خلف النافذة وأزاح الستائر بخفة حتى لا يظهر و رآها وكأنها حورية، لم تكن ترقص حرفيا ولكنها كانت تتمايل بخفة وكأنها تسبح في الفضاء وشعرها الحريري الطويل يتطاير ليعلن مدى نعومتها ورقتها و.... " أهلا أهلا يا أدهم معلش تعبناك معانا" أخرجته نور من خيالاته وحاول الحفاظ على رباطة جأشة " أهلا يا نور الف مبروك تعبك راحة يا ستي " سمع الأثنان تصفيق حاد مما يعني ان قمر انتهت من وصلة التحليق في أحلامه كم كان يتمنى ان تتأخر نور ولو لحظات قليلة " اتفضلي الطقم اهو وانا هاروح بقا عشان..." قاطع كلامه دخول قمر لاهثة وهي تبحث عن نور " نور يا نووور انا اتأخرت هامشي بق...." توقفت عن الكلام حين رأته والتفتت نور ناحيتها " طب عظيم اوي أدهم بقا يوصلك عشان الوقت اتأخر ولا ايه يا أدهم " رد بسرعة " اه طبعا طبعا " ولكن قمر اعترضت " مفيش داعي يا جماعة انا هاركب تاكسي يوصلني على طول" - نور بإصرار " تاكسي ايه لوحدك بالليل كده أدهم هايوصلك يعني هايوصلك" رمشت بعينيها ونظرت إلى الأرض وكانها مغلوبة على أمرها ولازالت كلماته ترن في أذنها ( انتي ليا أنا أنا وبس) أشار لها ادهم ان تتقدمه وفتحت باب السيارة بسرعة وجلست في المقعد الأمامي وهي تتذكر أول يوم تعرفت عليه فيه بركوبها في سيارته التي تطغى عليها رائحته المحببة إليها وانطلق بهدوء وكانه لا يريد للطريق ان ينتهي " بس على فكرة بترقصي حلو" ابتسم ادهم باستمتاع - قمر " لا والله دي اول مرة أجرب فيها....... قطعت كلامها ونظرت إليه بغضب وبنبرة عالية سألته "ايه دا انتي شوفتني ازاي؟" - أدهم " صدفة والله كنت واقف في الصالون لما الجماهير نادتك" احمرت وجنتاها وابتسم لرؤيتها هكذا يشعر بمدى براءتها حين تتلون وجنتاها بلون الفراولة أكثر فاكهة محببة إليه " انا مبعرفش ارقص والله ومش هاكررها تاني أصلا دا بس عشان نور متزعلش" ابتسم بجانب فمه وقال في هدوء " لأ هاتكرريها" - قمر بمحاولة استيعاب مرتاب "نعم؟؟!!" أدار أدهم المذياع وكأنه يهرب من تساؤلاتها وبادرها هو بالسؤال " ايه اكتر حاجة نفسك فيها في الدنيا دي يا قمر " فكرت قمر كثيرا غير متوقعة هذا السؤال وأطلقت تنهيدة " عاوزة اسافر نفسي ألف الدنيا هاخد شهادتي واحاول اسافر بإذن الله" هز أدهم رأسه " وأيه كمان؟" - قمر " لا دا دوري انا ف السؤال انت ايه اكتر حاجة نفسك فيها" نظر إليها مطولا ولم يجب واقتلعه نفير إحدى السيارات من تحديقه بها ونظر للطريق امامه وهو يقول " اتمنى تكوني عرفتي الإجابة" قالها وهو يحاول ان يركز في الطريق. حاولت قمر السيطرة على انفاسها التي تكشفها في كل مرة وصدى كلماته تتردد في حنايا قلبها ( انتي ليا أنا أنا وبس) تنحنحت وخرج صوتها متحشرجا كالعادة " هو انت جاوبت عشان اعرف وبعدين بص أدامك لحسن تخبط حد وتجبسله رجليه" ابتسم أدهم متذكراً إياها وهو يحملها بين يديه وهي تقاومه كقطة شرسة وابتسمت هي الأخرى لتذكرها ذات اللحظة وكأنهما يلتقيان في ذكرياتهما بتلك الأيام العشرة. حاولت قمر تغيير الموضوع " ياريت تنزلني بعيد عن البيت شوية عشان الوقت اتأخر وميصحش " - أدهم " لا طبعا انا مش هامشي الا لما اطمن انك طلعتي البيت وترني عليا كمان " أعجبها ذلك ودغدغ اعماقها فابتسمت وخرجت بهدوء من السيارة وفعلت كما قال لها وقلبها يرقص كما رقصت هي منذ قليل. وتحدثت بنعومة وهي تخفض صوتها " انا وصلت أهو يالا روح بقا " تنفس أدهم في الهاتف " هاروح ازاي وانتي بتكلميني بصوتك دا" - قمر " يالا يا أدهم بقا تصبح على خير" - أدهم " وانتي من أهله يا قمر" قاله اسمها وكأنه يغازلها لا يناديها. كانت تلك أحلى مرة سمعت فيها أسمها على الإطلاق. أغلقت الهاتف وهي تشعر انها تطير وتحلق في سماء نجومها أزهار برائحة عشقها ومعشوقها الوحيد أدهم.
***************
بعد أن أوصلها غادر أدهم مسرعا والابتسامة لم تترك شفتيه ولكنه لاحظ كشافات احدى السيارات خلفه تومض له بشدة فهدّأ من سرعته قليلا ليرى ماذا يريد ذلك البغيض وحين توقف لم يكن ذلك البغيض إلا..مراد... زفر أدهم وهو ينزل من السيارة ويستند عليها ويعقد ساعديه امام صدره " افندم ان بتراقبني ولا ايه " - مراد والشرر يتطاير من عينيه " انا مش براقبك انت" رفع أدهم احدى حاجبيه " امال بتراقب مين ... خطيبتك" قال كلمته الأخيرة باستهزاء مما أشعل نيران مراد أكثر فأكثر " انا مكنتش براقبها أصلا انا كنت جاي اوصلها بس انت عامل زي الدبانة الرزلة ومش سايبها ف حالها ابعد عنها يا أخي خلي عندك دم" - أدهم محذرا " لأ لأ لأ كلو الا الغلط هاتغلط هتاخد على دماغك وبعدين مش شايف يعني انها غريبة ان خطيب واحدة واقف مهزوز كده وبيقول لواحد تاني ابعد عنها لا لا لا عيب في حقك دي " مراد وهو يجز على أسنانه " ولما انت عارف ان انا خطيبها وانها مخطوبة بتتقرب منها ليه يابني آدم دا انت كمان خاطب يعني بتتسلى بيها بقا ولا ايه"- أدهم " اااااه انت بتسمي الخاتم الفضة والدبلة الفالصو اللي هي اديتهملك دول خطوبة ولا يمكن عشان الشو العبيط اللي انت عملته في المطعم" بُهت مراد ورجع للخلف غير مصدق انها صارحته باتفاقهما هذا يعني انها تخلت عنه هذا يعني انها لن تكون له مضى مراد إلى سيارته دون ان ينبس ببنت شفة وهو يهز رأسه يمينا ويسارا غير مصدق وغادر مسرعا وهو يضرب المقود بقوة وعينيه تطلق شررا" انتي فاكراني ايه يا قمر كوبري ولا دلدول عشان تعملي فيا كده، انا هاوريكي انتي وهو، انا هاعرّفكوا مين هو مراد هاخليكي تندمي ع اليوم اللي عرفتيني فيه"
الفصل السابع عشر
تجهزت قمر بفستانها الاحمر الناري وكانت تود لو ان تحية كانت موجودة لتريها جمالها الأخاذ كانت تتعمد ان تكون بارعة الجمال ان تطغى بجمالها على ميرا وكل من تسول لها نفسها الاقتراب منه ( انتي هاتجنيني يا قمر انتي عاوزاه ولا بتبعديه عنك ما ترسيلك على حل) هكذا فكرت وهي تتأمل في المرآة فستانها الضيق بفتحة الصدر على شكل قلب وشعرها المنسدل بسلاسة ويغطي ظهرها بالكامل مع سلسلة رقيقة تطوق رقبتها بعناية على شكل قمر كان والدها قد أهداها إليها وفكرت سارحة ( انا عاوزاه يفضل فاكرني طول عمره زي ما انا هافضل فكراه طول عمري) وبالأخير وضعت البروش الصغير بشكل قلب منفصل نصفين الذي جاء هدية مع دعوة زفاف أدهم وكأنها بذلك تتحداه بعدم اهتمامها بموضوع زواجه بل وتزين نفسها بهديته وليكتمل مشهد فتحة الفستان القلب بذلك القلب المنكسر اللامع. تنهدت ونظرت ف الساعة لقد تأخر مراد كثيرا فالتقطت هاتفها لتتصل به " الو ... ايه يا مراد اتأخرت كده ليه ؟"
- مراد " هو انتي لسه عاوزه تكملي اللعبة دي بعد ما قولتيله الحقيقة؟"
- قمر " حقيقة؟؟ حقيقة ايه يا مراد انت بتتكلم عن ايه؟ وهو مين دا اللي قولتله؟ مفيش حد خالص يعرف حقيقة الاتفاق اللي بينا"
- مراد " يعني مروحتيش لحبيب القلب وحكيتيله ع الممثل اللي مأجراه"
- قمر " ايه يا مراد انت ازاي تتكلم معايا كده وبعدين يعني لو كنت انا قولتله هاتصل بيك ليه دلوقتي عشان نكمل الحكاية؟ انت جاي ف آخر وأهم يوم وتعمل كده "
انتبه مراد " يعني عاوزة تقوليلي انك مش هاتشوفيه تاني ؟؟"
زفرت قمر " هو انا مش قولتلك اني هاقطع علاقتي بنور بعد الفرح على طول واساسا هي كده كده هتسافر شهر عسل مع جوزها يعني مش هاشوفها ولا هاشوفه أصلا وما دام انت زعلان اوي كده يبقا خلاص اتفاقنا انتهى وهاروح لوحدي واقولهم ان عندك شغل ولا اي حجة"
- مراد بتلهف " لا لا خلاص استني انا جاي معاكي ما دام آخر يوم في اللعبة انا كنت مستنيه من زمان مينفعش اضيع فرصة زي دي من ايدي" قطبت قمر حاجبيها" فرصة؟!! فرصة ايه يامراد؟"
-مراد " هه ولا حاجة ولا حاجة انا جاهز نص ساعة وهاكون عندك سلام" أغلقت الهاتف مستغربة كلام مراد المتضارب ( هو منين مش عاوز يجي ومنين بيقولي انا جاهز انا مش فاهمة حاجة من كلامه ده وفرصة ايه اللي مستنيها) زفرت وجلست تنتظره وبالفعل وصل في الوقت المحدد وانطلقا الاثنان نحو الليلة الموعودة.
****************
دلفت قمر الى القاعة الفخمة في الفندق المشهور وتتابعت العيون تنهل من جمالها ولكنها كانت تبحث عن عيناه هو فقط. ( هو راح فين دا معقول مختفي حتى في فرح اخوه) أشارت لها نور وهي ترقص فذهبت إليها تُحيَّيها هي ومراد ثم جلسا على إحدى الطاولات وهي مازالت تبحث عنه بعينيها ومراد يراقبها بعيون كالصقر ويكاد يحطم الكأس الذي في يديه " مراد انا هاروح التواليت وجاية " هز رأسه وهو يعلم انها تكذب ولكن عقله كانت تشغله خطط أخرى لها. حاولت قمر البحث عن أدهم في بهو الفندق ولا جدوى ثم نظرت نحو الحديقة وجدته يجلس وحيدا واضعا ساقاً فوق الأخرى ويعقد ساعديه امام صدره ويحدق في الفراغ. لم يعمل عقلها في تلك اللحظة ولكن قلبها أعطى إشارة لساقيها لتتجه نحوه " فيه حد يقعد لوحده كده في فرح أخوه" التفت إليها بشدة ورأت عيناه مغرورقتان وكأن دموعه تأبى ان تريحه وتخرج من محبسها. رمش بعينيه كثيرا ليبتلع عبراته داخلها وابتسم ابتسامة متألمة " وفيه حد يسيب صاحبته في يوم زي ده" كانت ابتسامته على قدر جاذبيتها الا انها مزقت قلبها من الألم الواضح الذي يتخللها.
جلست بجانبه على المقعد " لا بجد ايه اللي مزعلك في يوم زي ده" تنهد أدهم تنهيدة عميقة وكأنه يشحذ أنفاسه " كان نفسي يكونوا موجودين معانا النهاردة لولايا أنا كان زمانهم موجودين" ربتت على كتفه وأمسكت بساعده وكأنها تمده بالقوة" قولتلك ميت مرة متحملش نفسك فوق طاقتها دا عمرهم ولو كانوا قاعدين ف البيت حتى كان هايحصل كده بردو" كانت تود لو انها تقول له انها بجانبه ولن تتركه أبدا بل أنها ودت لو تعانقه في تلك اللحظة. تنهد أدهم مرة أخرى
" المهم سيبك انتي م الكلام دا انتي ايه اللي انتي لابساه دا شكلك جاية وناوية تتباسي" انتفضت مبتعدة عنه " لم نفسك ايه قلة الأدب دي"
- أدهم " احنا متفقين يا رورو " ابتسمت دون إرادتها تلك أول مرة يدللها بهذا الشكل فاردف وهو يتمتع بحمرة وجنتيها " طب مفيش شال ولا أي حاجة تغطي كده" ثم أمسك بشعرها المنسدل على ظهرها ونثره على ذراعيها وصدرها " كده ارحم شوية مترجعهوش لورا تاني بقا" هزت رأسها منصاعة وهي تشعر انها تريد ان تلبي له كل طلباته اليوم فاليوم هو يوم الوداع. هب أدهم واقفاً وهو يشعر انه لن يكتفي من النظر لعينيها طوال الليل وستضيع عليه حفلة زفاف أخيه " يالا ندخل بقا قبل ما حد م العوازل يطب علينا " ابتسمت من كلماته هي تعلم من يقصد بذلك ولكنها لم تكن تعلم بتلك العيون المتَقِدة التي تراقبها وتتوعد لها.
هرعت ميرا إليهما حين دخولهما إلى القاعة
" ايه يا دومي كنت فين يا حبيبي تعالى عشان الرقصة ال slow جاية انت عمرك ما رقصت معايا slow يالا عشان نتمرن عليها ياحبيبي فرحنا قرب" وكأن ميرا انتشلتها من خيالها لتردي بها إلى واقعها المؤلم، فأسرعت تقول دون تفكير
" اه وانا ومراد كمان عاوزين نلحقها" نظر لها أدهم بعيون متجهمة ولكنها حدثت نفسها ( متنسيش نفسك يا قمر انتي جاية هنا لمهمة محددة) وأسرعت إلى مراد " تحب نرقص؟" ابتسم مراد ابتسامة عريضة وأومأ برأسه" وهو انا اطول ارقص مع القمر بذات نفسه" وشعر بسعادة وهو يمسك بيدها لأول مرة لقد واتته الفرصة على طبق من ذهب. لف ذراعه حول خصرها وضمها إليه بقوة. تحدثت قمر وانفاسها تضيق " لا مراد ارجوك مش اوي كده بتخنق" فابتعد قليلا ثم حاول ان يقترب بوجهه من وجهها ولكنها ابتعدت في اشمئزاز "ايييييه يا مراد اللي انت بتعمله دا"
- مراد " ايه بسبك الدور عشان صاحبنا يختشي على دمه ويبعد عنك وصدقيني النهاردة هايبعد عنك خالص" لم تفهم قمر معنى كلماته ولكنها اعتقدت انه يوثق اتفاقهما لان تلك هي آخر ليلة فيه. " ماشي يا مراد بس لو سمحت بلاش تقرب مني كده" كانت تريد ان تكمل ( انا مستحملة لمسة أيدك بالعافية ومش قادرة آخد نفسي) ولكنها فضلت الصمت. كان أدهم جالسا يراقبها بعيون متوهجة كالأسد الذي ينظر لغريمه. شعرت قمر بيد مراد الأخرى تصعد لأعلى ظهرها صعودا ونزولا في هدوء مقزز فأغمضت عينيها ودفعته بقوة صارخة" مش قادرة مش قادرة استحمل" ثم تركته وهرعت الى الحديقة مرة أخرى تلهث وكأنها تستنشق آخر انفاسها . ولمحت من بعيد مريم نعم مريم ومعها امرأة أخرى يبدو انها استطاعت ان تأتي بعد ان اعتذرت لنور بسبب مرض والدتها ولكنها لم تتبين من التي كانت معها ووجدتها تتوجه لناحية أخرى بعيدة عن القاعة المخصصة لحفلة الزفاف فنادتها " مريم يا مريم...." ولكن يبدو انها لم تسمعها بل أنها أسرعت تعدو هي ورفيقتها كمن لسعتها نحلة فاستغربت قمر بشدة ( يمكن انا شبهت عليها بس مش معقول هي مريم انا متأكدة يمكن مسمعتنيش) وذهبت ورائها لتُدلها على مكان الحفلة ولكنها اختفت تماما لا يوجد لها أثر لا هي ولا رفيقتها . هزت كتفيها متعجبة واستدارت لتعود فاصطدمت بشخص ينظر لها بغلاظة " انا آسفة" ومضت في طريقها ثم استوقفها هذا الشخص " ايه يا قطة مش فكراني ولا ايه بس انا بقا فاكرك عشان الجمال دا ميتنسيش" نظرت له قمر بغرابة وهي تحاول تذكره " أنا آسفة بس حقيقي انا مش فاكرة حضرتك" ارتعبت من مجرد فكرة ان يكون هذا هو أحد زبائنها المغفلين وحاولت الهرب بسرعة فاستوقفها بكلماته" يظهر ان شغلك عجب أدهم أوي لدرجة انه معاكي لغاية دلوقتي من يوم الليلة اياها لا وكمان عازمك على فرح اخته بكل بجاحة " تأكدت الآن انه هو ذاك الشخص الذي كان السبب في معرفتها بأدهم ولكن كيف ستبرر الآن فحاولت كاذبة وهي تستجمع رباطة جأشها" حضرتك انا مش فاهمة ليلة ايه ومعايا ايه، انا فعلا شغلي عجبهم والعروسة بالذات لأني انا اللي عملالها ديكورات شقتها لكن غير كده انا مش فاهمة حضرتك بتتكلم عن ايه بالظبط ولا فاكرة أني قابلت حضرتك قبل كده " -سيف " معقولة مش فكراني انا سيف بتاع ال ٥٠٠ جنيه بتاع شارع البطل يابطل بقولك ايه ما تسيبك من أدهم وتعالي معايا وانا هانعنشك انا اغنى من أدهم بكتير وكمان هابسطك ع الآخر" لم تستطع الرد بلسانها فأسرعت بيدها على وجنته تصفعة بقوة " لولا ان احنا في فرح أعز أصحابي كنت جبتلك البوليس وكسرت عضامك بإيدي كمان قبل ما يجي البوليس ثم اندفعت هاربة لتنتهي من ثقل هذه الليلة بأحدثها الموترة والمتواترة.
ووجدت مراد يخرج من القاعة باحثا عنها وهو يقضم في شفتيه بغيظ فتلعثمت محاولة إخفاء ما يظهر عليها من ارتباك مما حدث للتو وحاولت أصلاح ما فعلته معه بالداخل فمراد إنسان جيد ولا يستحق منها الا المعاملة الجيدة فتكلمت بلطف وهي تحاول الا تتكلم فيما حدث حين رقص معها " مراد انا شوفت مريم هي قالتلك انها جاية ولا ايه" مراد بهدوء "لا مريم قاعدة مع مامتها عشان حالتها ساءت أكتر" - قمر " معقولة متكونش هي وكان معاها واحدة تانية بس ملحقتش اشوفها محجبة بردو انت تعرفها؟" تحدث مراد بعصبية " منا بقولك انها مش مريم مريم قاعدة مع مامتها عشان تعبانة" ثم أردف " مش يالا بينا بقا " هزت رأسها موافقة فلتنتهي هذه الليلة العصيبة " طيب هادخل اسلم على نور ونمشي على طول " وضع يديه في جيبي بنطاله " اوكيه مستنيكي هنا" أسرعت للداخل وفتح مراد هاتفه " الو ايوة يا احمد جهزتلي كل حاجة انا لازم اكون ف المطار قبل الفجر عشان متحصلش مشاكل ..... لا لا انا ورايا حاجة مهمة جدا هاعملها الأول وبعدين أسافر وانا مرتاح... هههههه ايوة يا و**خ موزة هاخلص عليها الاول وبعدين أخلع .... هههههه تمام سلام" وأغلق الهاتف وهو يضغط عليه بكل أصابعه ويهز رأسه متوعدا.دلفت قمر الى القاعة تبحث عنه للمرة الأخيرة واستغربت لأنها وجدته يدلف من باب القاعة خلفها وكأنه دخل للتو مثلها " أدهم انا ماشية" قالتها بألم واضح" - أدهم بخشونة"ماشية مع مراد؟" تلعثمت قليلا وهي تتعلق بنظراته وتجوب بعينيها على ملامحه وكأنها تحفظها " أيوة سلام" ومدت له يدها بالسلام لأول مرة ، مد يده هو الآخر ولاحظ ضغط يدها على يده وكأنها تحتضن يده لا تلقي مجرد سلام. " انا هاروح اسلم على نور وامشي بقا" لم تترك يدها ولم يتركها هو أيضا وكأنها لا تريد لعناق ايديهما ان ينتهي. حاولت أخيرا أن تسحب يدها ولكنه تمسك بها أكثر " ممكن تيجي معايا النهاردة الفيلا بلاش تروحي البيت" رفعت حاجبيها " ايه الكلام اللي انت بتقوله دا ، وخطيبي اللي مستنيني برا دا اقوله ايه سوري اصلي هبات عند أدهم النهاردة " ودار في رأسها ما حدث منذ قليل مع ذلك الأخرق سيف فجذبت يدها بعنف واستدارت ( عمره ما هيبطل يفكر فيا كده عمره ما هينسى انه جابني من الشارع .... حيوان.. كويس انه عمل كده عشان مفكرش فيه تاني) كانت تحاول السيطرة على اعصابها وهي تسلم على نور حتى لا تلاحظ مدى غضبها ودعتها بعناق طويل لم ترد ان ينتهي هو الآخر ثم انسحبت في هدوء فهي الليلة تودع إثنان قريبان من قلبها وروحها إن لم يكونا الأقرب وأحدهما يمتلك كامل قلبها بالفعل.
خرجت لمراد قائلة بهدوء" يالا بينا يا مراد"
- مراد " يالا يا قمري"
- قمر بلهجة حزينة " خلاص يا مراد مش محتاج تمثل تاني كل حاجة خلصت، آخر يوم وآخر ليلة" وتنهدت بأسى. لم يفُته الألم الواضح في نبرة صوتها ولكنه تجاهله وقال " آخر ليلة هتبقا أحلى ليلة" لم تسمعه قمر فأفكارها وقلبها وأذنها كلٌ يدور في دوامة مرهقة تكاد تفتك بأعصابها وجملة أدهم المحببة تطن في أذنيها مرارا ( انتي ليا أنا، انا وبس).
اقتربت سيارة مراد من مكان سكنها وحاولت التحدث بلطف لتودعه " مراد انا حقيقي مش عارفة اشكرك ازاي انت بجد عملت معايا جميل محدش يقدر يعمله بس انا بشكرك بجد ومش عارفة اجازيك بأيه"
- مراد وهو يسرع بالسيارة في ذلك الشارع الضيق وكأنه متعجلا لتوديعها" لا متقوليش كده انا اعمل عشانك اي حاجة" توقفت السيارة وهرعت قمر منها مسرعة بعد ان حيّت مراد في سرعة واقتضاب لتُنهي تلك الليلة بأي شكل.
يجب ان تصعد غرفتها لتلقي بنفسها في بئرها السحيق وتهوي بنفسها في ظلامه المقفر.
أغلقت باب غرفتها وما كادت تجلس فوق حافة فراشها حتى سمعت طرقات على الباب ( مش ممكن تكون تحية دي ملحقتش تروح عشان ترجع) وهبت تفتح الباب فوجدت مراد يقف أمام الباب مباشرة " نسيتي شنطتك ف العربية" مدت يدها وهي تشكره " اه معلش شكلي مش اد السهر" ولكن مراد تمسك بالحقيبة وكأنه لن يفلتها فنظرت إليه مستغربة ولم تكد تفتح فمها حتى كان مراد دافعا الباب بقوة و دفعها هي الأخرى وهو يكتم فمها بيده واتسعت عيناها غير مستوعبة ما يحدث " انتي مش أد السهر ومش اد اللعب معايا انا مش طرطور ولا دلدول عشان تلعبي بيا انتي وسبع البرمبة بتاعك انا هاخد حقي منك دلوقتي وابقي وريني بقا سي أدهم دا هايبص في وشك ازاي بعدها" اتسعت عيناها على آخرهما لا تصدق ما يقوله مراد وهي تحاول دفعه بكل ما تملك من قوة ولكنه تمكن منها بعد أن القى بها إلى الفراش وارتمى بثقله فوقها وهي تحاول الصراخ دون جدوى بسبب يده التي تمنعها من الصراخ او حتى من التنفس وبدأت يده الأخرى بالزحف فوق جسدها واعتصاره في تملك كثعبان أرقط، وهي تحاول دفعه وأنفاسها تذهب وعيناها تزوغ وفوران صدرها يعيد إليها ذكريات مشابهة تمر أمام عينيها. أصابع مثل تلك فوق شفاهها تكتمها وتكتم صراخها، جسد مقزز مثل ذلك يجثم على انفاسها ،عيون مثل تلك متسعة بالرغبة السوداء تنهش فيها ببشاعة، شفاه قميئة تحوم وتحاول الفتك بما ظهر من جسدها، يدٌ مثل تلك تقبض بقبضة من حديد على جسدها وروحها معاً، ودوامة سوداء تطوف بها إلى هاوية حالكة تحاول مقاومة السقوط فيها حتى لا تُنتهك مرة أخرى، ولكن السواد يشتد وأنفاسها تضيق وعيناها تزوغ والظلام يسود المكان!!!!
