رواية غيوم تحجب القمر الفصل العشرون 20 والواحد والعشرون 21 بقلم مني السيد

        

رواية غيوم تحجب القمر الفصل العشرون 20 والواحد والعشرون 21 بقلم مني السيد

الفصل العشرون

ابتعد أدهم بهدوء قليلا وهو يحاول السيطرة على أنفاسه 

" هاااا هاتعمليلنا فطار ايه النهاردة ؟" 

وكأنه أراق دلواً من  الماء المثلج فوق رأسها. كانت على وشك الانهيار والسقوط أرضا لماذا يفعل بها ذلك؟ لماذا يلهو بها كدمية بين يديه؟ لماذا تشعر هي بتلك المشاعر معه وهي التي كانت تنفر من رائحة أي رجل؟ لماذا معه تشعر وترتجف وتريد.... تريد المزيد!!

استجمعت بعثرتها وحاولت أن تظهر برودة في صوتها وكأن كل ذاك لم يؤثر عليها  وأغلقت القميص المفتوح بكلتا يديها وكأنها تحمي نفسها لا منه بل منها هي شخصيا وتحدثت أخيرا بصوت واثق "هاغير هدومي وانزل احضرلك الفطار على طول عشان انا مستعجلة" 

قطب أدهم حاجبيه 

" مستعجلة ليه؟ عندك ايه؟" 

- قمر " عندي محاضرات ولا انت نسيت، انا أصلا أهملت الدراسة السنة دي خالص وشكلي كده مش هاعديها"

- أدهم " لا متقوليش كده انتي قدها وقدود" وربت على كتفها بقوة. انزعجت من تلك اللمسة وهي تنهر نفسها ( يعني كل اللي فات دا مضايقكيش واللمسة دي هي اللي ضايقتك ولا عشان مش زي ما انتي عيزاهااااا؟) هزت رأسها تنفض تلك الأفكار التي تسيطر على عقلها واستغرب هو حركتها تلك " مالك فيه حاجة" 

- قمر " لا ابدا بس ممكن تروح أي حتة كده عشان أعدي واطلع السلم" ابتسم بلهو 

" وان مروحتش هاتعملي ايه هاتفضلي واقفة كده وبعدين انتي مين اللي أذنلك أصلا تلبسي قميصي؟ هاتي قميصي يالا انا عاوزه دلوقتي"

وأمسك بياقة القميص وهي متشبسة به كطوق نجاة وابتعدت بعنف 

" اوعى كده قميص ايه اللي عاوزه هابقا اغسله واديهولك ياسيدي وبعدين انا ملقتش حاجة البسها وهدومي امبارح كانت تقيلة اوي والبيت فيه تدفئة مركزية مكانش ينفع انام كده كنت هافطس"

- أدهم "لا بعد الشر عليكي م الفطسان بس بردو  اقلعي القميص انا عاوزه بجد" 

- قمر " أدهم عيب كده" 

- أدهم "طب انا هاطلع آخد دش تكوني انتي غيرتي وتسيبيلي القميص ع السرير اتفقنا"

ارتبكت قليلا 

" أ...أغير ازاي وانت في الأوضة"

ابتسم أدهم مرة أخرى

" مش معنى اني كانت باصص ف عنيكي اني مشوفتش حاجة، وع العموم يا ستي انا هابقا في الحمام متخافيش مش هابص عليكي بس انا مش ضامنك ما انتي ممكن كمان تبصي انتي كمان اعمل ايه انا بقا ساعتها "  

وغمز لها بإحدى عينيه بصفاقة. ضربته قمر بقبضتها وأسرعت تصعد الدرج وهو يقهقه خلفها. 

بدلت قمر ملابسها وتركت القميص كما طلب على الفراش وانفتح باب الحمام وخرج لا يستره سوى منشفة بيضاء على خصره بالأحرى حافة خصره  وعظام جسده بارزة كما عضلاته.  تلونت وجنتا قمر واستدارت صارخة 

" مش تقول ولا تخبط عشان اخرج م الأوضة" وأسرعت ناحية الباب بسرعة فاستوقفها

" قمر ... انا جوزك على فكرة"

فتحت الباب بعنف وهي ما زالت توجه ظهرها له فاستوقفها بحزم هذه المرة " طب استنيني عشان هاوصلك" قمر بعناد

" لا شكرا انا بعرف اروح لوحدي"

ارتعدت قمر حين علا صوته بشدة

" قمر قولتلك استنيني تحت هاوصلك"

كان يضغط على كل كلمة محذرا إياها من عدم إنصياعها لكلامه ولم يكن منها إلا أن أوصدت الباب خلفها في عنف.

في الحديقة ظلت قمر تداعب الكلاب الثلاثة وهي تقنع نفسها انا لا تنفذ أوامره او تنتظره انها فقط تداعب الكلاب !! ولكن حين رأته الكلاب تركتها وذهبت إليه فمسح على رؤوسهم مبتسما ،ثم توجه للسيارة موجها حديثه إليها

" يالا بينا يا قمر" 

عدّلت ملابسها ثم توجهت للسيارة وتفاجأت حين رأته يرتدي نفس القميص الذي خلعته منذ قليل 

" انت لبست القميص ازاي طب كنت استنى لما اغسله واكويه"

نظر لها نظرة ساحرة 

" لا هو كويس كده عشان تفضل ريحتك ملازماني طول اليوم" 

استسلمت لهذا الشعور المريح الذي يدغدغ احساسها حين يعاملها بتلك الطريقة هل فعلا يشعر برائحتها بذات الطريقة التي تشعر هي بها حين تشم رائحته؟؟ هل تتغير أنفاسه ويشهق قلبه مثلما تفعل حين تتنسم  عبيره الجذاب. ابتسمت فابتسم هو الآخر وظلا ينظران لبعضهما البعض في السيارة وانتفضت قمر حين قال عم عوض بصوت جهوري

" يا أدهم بيه حضرتك خارج ولا ايه؟"

أدار أدهم السيارة وانطلق من فوره. أوصلها إلى جامعتها وودعها بابتسامته الساحرة

" هاتخلصي امتى انا هاجي آخدك"

- قمر " لا متتعبش نفسك انا يمكن اتأخر النهاردة هاحاول اعوض الغياب اللي عملته في الأيام اللي فاتت واشوف ايه فاتني" 

هز رأسه موافقا 

" طيب ع العموم هاكلمك في التيلفون"

وألقي إليها بقبلة في الهواء. احمرت وأسرعت متوجهة لداخل الجامعة وضربات قلبها تكاد تجعلها تقفز ( هو ايه اللي انا فيه دا؟ مالي كده عاملة زي المراهقات كلمة ولا حركة منه بتخليني عاوزة اطير) فكرت وهي تدلف إلى الجامعة فبادرتها زميلة لها 

" قمر انتي فين من كام يوم يا بنتي دكتور ماهر عملنا تيم وانتي موجودة فيه ومش عارفين نوصلك لان محدش فينا معاه نمرتك" 

- قمر " معلش سوري انا مكنتش اعرف بس هاديكي نمرتي عشان لو حصلت حاجة تاني وبعدين تيم ايه احنا هانعمل بروجيكت (مشروع) ايه تاني احنا لحقنا نخلص م اللي قبله" 

وجهتها زميلتها لباقي الفريق وهي تشرح لها أبعاد المشروع المكلفين بإعداده.

بعد مرور عدة ساعات فتحت قمر هاتفها الذي أغلقته حتى لا يشتتها عن التركيز في مشروعها فوجدت عدة رسائل من أدهم يبدو انه اتصل بها كثيرا ووجد هاتفها مغلق. ردت عليه برسالة مقتضبة

《معلش هتأخر النهاردة ورايا حاجات كتير》 وبجانبها وجه ضاحك عينيه عبارة عن قلبان . ثم مسحته ثم عادت ووضعته مرة أخرى ثم... إرسال. لم تكد الرسالة تصل إليه حتى رن الهاتف في يدها فانتفضت وكأنها تراه ثم أجابت بسرعة قبل ان يلاحظ زملائها ارتباكها فابتعدت عنهم قليلا، وبصوت خافت  متردد

" الو انا قولتلك في الرسالة اني هتأخر"

وبصوته العميق 

" ايوة بس انا حبيت اسمع صوتك" 

رفت بجفنيها مثل الدمية البلاستيكية كان ينقصها ان تطلق {زمارة} فقط فرحا بكلماته. 

لحظات من الصمت مرت دون ان ينبس أحدهم ببنت شفة ، إلى أن نطق أدهم أخيرا بهمس وصوت أجش 

" وصوت أنفاسك بردو حلو" 

تنحنحت ثم أخرجت صوتها بصعوبة محاولة تغيير الموضوع 

" انا هتأخر النهاردة عشان احنا بنعمل بروجيكت وكلنا موجودين عند الحداد عشان يخلصلنا الحاجات بالمقاسات وكده" 

لحظات ترقب من كلاهما وتحدث أدهم في النهاية

" هو فين الحداد ده؟" 

وصفت له المكان تقريبيا ثم قال لها

" اوكيه ابقي كلميني كل شوية عشان اطمن عليكي وعشان اجي اخدك لما تخلصي"

- قمر بتلعثم وهي غير معتادة على ذلك الاهتمام " لا مفيش داعي انا هاروح لوحدي ما انت عارف انا بروح متأخر عادي" 

عضت شفتيها بعد تلك الكلمات الغبية وشعرت بمدى حماقتها فهي تذكره حرفيا بمقابلتهم الأولى.  ظل أدهم صامتا قليلا وكانه ينصت إلى شيء ما أو إلى أحد ما ، ثم رد أخيرا باقتضاب

" اوكيه سلام" 

وأغلق الهاتف ظلت تنظر للهاتف ببلاهة وهي لا تصدق كم الغباء الذي ينهال عليها في حديثها معه ولكنها استفاقت على صوت أحد زملائها

" ايه يا قمر عمالين ننادي عليكي من بدري تعالي شوفي ال....." لم تدعه قمر يكمل حديثه 

" من فضلك يا استاذ مروان لما تيجي تناديني تاني تقولي آنسة قمر لو سمحت، وبعدين انا كنت بعمل مكالمة مهمة مأخدتش دقيقة يعني"

ارتبك زميلها قليلا ثم قال 

" انا مش قصدي انا بس ...." قاطعته قمر بحزم

" حصل خير، المهم كنتو بتقولوا ايه؟" 

وأكمل الجميع مهمتهم في جد واجتهاد.

مرت حوالي الساعتين ثم خرج الجميع منهكين متمنين الانتهاء من هذه المهمة بسرعة واتقان كعادتهم. وعند خروجهم استوقفها زميلها مروان الذي حادثها منذ قليل

" آنسة قمر" 

التفتت وهي في عجلة من أمرها فبادرها قبل ان تنهره 

" ممكن اطلب منك طلب" 

اعتقدت قمر انه سيسألها في شيء دراسي باعتبارها الأنشط والأكثر تفوقا ، فاعتدلت واقفة تنتظر طلبه فقال

" تحبي اوصلك" 

و أشار إلى سيارته الحمراء الفارهة يبدو عليه وعلى مظهره الغنى،  كما يبدو عليه الاجتهاد والأدب لكن كل ذلك لن يخدع قمر . فتحدثت باستهزاء

" نعم!!! توصلني انا؟ ليه؟ واشمعنا انا؟ ما فيه بنات كتير معانا والوقت متأخر عليهم بردو" 

فتحدث الزميل مستجمعا كلماته بصعوبة 

" أ .... أصلي كنت عاوز آخد نمرة والدك لو سمحتي" استغربت قمر كثيرا و قطبت  حاجبيها في تعجب 

" نعم!! نمرة والدي!!! ليه بقا ان شاء الله"

-مروان " خير .... موضوع خير إن شاء الله "

هزت قمر رأسها رافعة إحدى حاجبيها

" اااااه تكونش عاوز تخطبني"

ابتسم مروان في أمل  في حين التهبت نيرانها وتأججت كأنها شعلة تصادفت مع كومة من الحطب الجاف

" وانت بقا عاوز تخطبني على أي أساس، تعرفني ؟ اعرفك؟ تعرف عني اييييه انت؟ ولا كل اللي تعرفه اني شكلي حلو وجامدة وانت بقا الواد الغني اللي هينتشلني من الضياع انت حتى متعرفش ان والدي متوفي انت مفيش في دماغك الا الشكل الحلو والمنظر بس؟ تافه زيك زي كل الرجالة" 

تلعثم مروان مرة أخرى وهو يعدل من وضع نظارته الطبية وازدرد كمن يبتلع علقماً 

" انا آسف والله مكنتش اعرف ان والدك متوفي والكلام اللي انتي بتقوليه دا مش صحيح  وانا هاثبتلك ان كلامك دا كله غلط واني مش بتاع لعب عيال ولا تسلية وهاتي نمرة خالك او عمك وانا اثبتلك" 

وحين نطق الأسم الأخير هبت أنفاس بركانها واقتربت تنوي الصراع في حين سمعت صوتا جعلها توجل في لحظة وانطفأت وخمدت كل نيرانها المشتعلة  واضطربت دقات قلبها لا تعلم خوفا أم فرحا

" طب مينفعش نمرة جوزها" 

عدّل مروان من نظارته مرة أخرى في ارتباك 

" ج...جوزها جوزها ازاي حضرتك"

ثم وجه حديثه إلى قمر متسائلا

" آنسة قمر هو..."

قاطعه أدهم بحزم وشدة "

لما أكون بكلمك متوجهش الكلام لحد غيري، ايوة انا جوزها وآنسة قمر هاتبقا مدام قمر قريب جدا أصل فرحنا قرب مش هاتقول مبروك" وابتسم له أدهم ابتسامة صفراء وهو يكاد يعتصر قبضتيه مانعا أياهما من الإلتقاء بوجه ذلك القميء وتفريغ شحنة الغضب التي يشعر بها منذ ان سمعه يناديها في الهاتف. أمسكها أدهم  من ذراعها كالتلميذة المذنبة وأخذ يجرها جراً وهي منصاعة وأفكارها متبعثرة بين تدخله في حديثها مع زميلها وقوله ان زفافهم اقترب!! ماذا يعني بذلك؟؟ هل سيتزوجها هل سيقيم لها عرساً كما لم تحلم أساسا من قبل؟ هل يعني ذلك حقا أم انه قال ذلك من غضبه فقط من حديثها مع زميلها ولماذا يغضب أصلا؟؟ كانت الأسئلة تعصف برأسها وتتآكله كمجموعة نحل طنان يدور برأسها. 

" انت ايه اللي جابك وعرفت مكاني بالظبط ازاي وايه اللي دخلك في الكلام بيني وبين زميلي" 

تحرك أدهم بالسيارة بعنف وصوت صرير المكابح يصم أذن من بداخل السيارة ومن خارجها. وأصابعه تقبض على المقود كمن يريد خلعه وفكه يتحرك بعنف تكاد تسمع صرير أسنانه لولا صوت سرعة السيارة التي بدأت بإخافتها

" أدهم براحة يا أدهم انت اتجننت؟" 

توقف فجأة وكات تطير من مقعدها لولا حزام الأمان الذي تربطه وهي معه خصيصا لمثل تلك المواقف فتلك هي مرتها الثانية معه. صرخ فيها أدهم والشرر يتطاير من عينيه 

" اتجننت؟؟!! لا المفروض كنت اقعد واستنى لحد م الاستاذ يروح يخطبك متجوزة سوسن انتي أصلك"

- قمر " انت ازاي تكلمني كده؟؟"

- أدهم ومازال صراخه يصم أذنيها " 

امال اكلمك ازاي اكلمك زي ما كنتي بتكلمي الأستاذ

" وبدا في تقليدها بترقيق صوته

" انت تعرف عني ايه انت؟ انت عاجبك شكلي بس زي كل الرجالة يا تافه" 

ضحكت قمر بصدق دون إرادتها فقد قلدها بشكل مضحك بحق فصرخ بها غاضبا 

" انتي بتضحكي دا بدل ما تقوليلو انا متجوزة يا استاذ يا محترم"

لم تنقطع ضحكاتها رغم أنفاس أدهم الهادرة  وهو يضرب المقود بغضب ثم تكلمت أخيرا من بين ضحكاتها 

" ممكن اطلب منك طلب "

اعتدل أدهم وهو ينظر لها مستفسراً وأطلقت ضحكة عالية مرة أخرى وهي تتحدث بين ضحكاتها " ممكن تقلدني تاني عشان خاطري " 

وأخرجت هاتفها تفتح الكاميرا  فهدأت شرارات أدهم قليلا وهو يزفر ويفرك جبهته بأصابعه وهي تبتسم وتقول له 

" يالا عشان خاطري يا دومي عشان خاطري " انفكت عقدات حاجبه مع تلك الكلمة فهي ولأول مرة تدلله وتنطق اسمه بتلك الطريقة وأصرت بدلال

" وحياتي وحياتي" 

نظر لها مبتسما

" ماشي بس متصوريش" 

- قمر بدلال أكثر " لأ هاصور عشان خاطري" 

ورسمت وجه طفل بريء على ملامحها فلم يستطع التحمل أكثر من ذلك فتبسم ضاحكا وبدأ بتقليدها مرة أخرى وهي تلتقط له مقطعا وتنظر لها وتكتم ضحكاتها بيدها حتى لا يطغى صوت ضحكاتها على صوته في المقطع. وحين انتهي اطلقت كل الضحكات المكتومة وعيناها تدمعان من فرط الضحك وأخذ برأسها تحت ذراعه وهو يقول

" انا مش عارف انتي بتعملي فيا ايه يا مجنونة انتي".

حين وصلا إلى الفيلا كان الوقت أصبح متأخرا جدا وقمر تتثائب وتقول وهي تفتح باب السيارة 

" انا خلااااص مش قادرة هاموت وانام" 

- ادهم " هو ايه اللي هاموت وانام احنا لسه ورانا شغل"

انتبهت قمر وكانها استيقظت للتو وتراجعت عن النزول من السيارة

" شغل؟؟ شغل ايه؟"

- أدهم بخبث " لا قصدي يعني هناكل ونشرب وكده" تنهدت قمر بارتياح 

" ااااه انا جعانة اوي فعلا بس احنا مجبناش أكل" أخرج أدهم صندوقي بيتزا

" لا متقلقيش انا عملت حسابي بس هي أكيد بردت شكلك ملكيش نصيب تاكلي بيتزا سخنة خالص " قهقهت قمر فآخر مرة أحضر أدهم فيها البيتزا تركتها وذهبت إلى حجرتها تضور جوعا.

" مش مهم انا لو حطولي عيش ناشف بس  هاكله بردو دلوقتي"

- أدهم بنظرات لا نهائية إلى داخل عينيها وكأنه أمام كمنظر طبيعي بديع لا يمل من النظر إليه 

" وانا كمان جعان اوي"

كانت كلماته واضحة ومعناها أيضا واضح فنبرة صوته لم تكن تعني الأكل بالمرة ولكنها تجاهلت تلميحه ودلفت إلى الداخل

" تعالى ناكل في المطبخ انا مبحبش جو السفرة والكلام دا"

- أدهم وهو لازال مصرا على التلميح 

" شكلك حبيتي المطبخ اوي مع انك ملكيش في الطبخ ياترى لييييه يا ترى لييييه ؟؟؟" 

وقهقه ضاحكا في حين احمرت وجنتاها غضبا وخجلا في ذات الوقت وأسرعت تقول 

" اقولك تعالى ناكل ادام التليفزيون احسن" 

أومأ برأسه مجبورا على أمره

" مع ان المطبخ كان حلو والله " 

نهرته بنظراتها الغاضبة التي تحاول التخفي خلفها حتى لا يشعر بما يختلج داخلها. تعلم ان وضعها معه مؤقت فقط ، لا تريد ان تتذوق شهد حبه و عاطفته لتعاني بعد فراقه من الالم والحرمان بعد تذوقها لذاك النعيم. فمذاق شفتيه لم ينمحي بعد من فوق خاصتها وكأنه طبعها بصك ملكية خاصة به هو... هو فقط. وأقسمت هي على ان تحافظ على ملكيته لشفتيها مدى الحياة.

شاهدا بعض لقطات التلفاز ثم نهضت قمر تمدد يديها في كسل وتتثائب 

" انا هاطلع آخد دش بقا وانام مش قادرة" 

فنهض أدهم من فوره " يالا بينا "

- قمر وهي تحاول منعه " لأ لأ خليك انت براحتك اتفرج ع التلفزيون واسهر وخليك على راحتك وكده يعني " 

- أدهم وهو يحاوط خصرها في تملك " 

منا هاخليني على راحتي امال انتي فاكرة ايه" انتزعت نفسها من بين يديه وهي تتهرب من تلميحاته

" طب اطلع نام انت انا هاخد دش في الحمام اللي تحت وابقا اطلع بعدها "

- أدهم طب وليه اللف دا كله اطلعي خدي حمام فوق وانا هنام متخافيش مش هابص عليكي من ورا الباب" 

دفعته بغيظ في صدره 

" انت قليل الأدب" 

ضحك عاليا ثم قال " منا عارف، وبعدين انتي لسه مشوفتيش قلة الأدب الحقيقية انا بسخن بس عشان افك عُقَدِك "

اندفعت على الدرج هاربة منه ومن كلماته التي تدك حصونها. كان كل ذلك فوق طاقة احتمالها فهي تذوب من كلماته ويرف قلبها من نظراته وينعقد لسانها ويضطرب قلبها من لمساته. كيف تحافظ على رباطة جأشها في وسط كل تلك المغريات؟ كيف تصمد أمام أنفاسه اللاهبة وصوته الرخيم الذي يذيب جليدها المتحجر منذ سنوات لم تعد قادرة على عدها.

وصلت إلى الحجرة وأغلقت باب المرحاض عليها وتعمدت ان تتأخر حتى تطمئن تماما انه راح في سبات عميق. خرجت على أطراف أصابعها وهي ترى ظهره العاري يصعد ويهبط في هدوء وانتظام فتأكدت انه خلد إلى النوم وتسحبت تحت الغطاء وتبعثرت دقات قلبها حين تحدث بصوته الناعس 

" اتأخرتي اوي يا أمورتي وانتي عارفة كويس عقابك ايه"

وأشار إلى وجنته . ارتبكت قمر لا تدري هل تنجرف لعقابه اللذيذ الذي لا تأمن عواقبه أم تتمنع وتأبى ذلك العقاب وهذا في حد ذاته هو العقاب. اندست تحت الغطاء وكأنها لا تبالي بما يقول فاعتدل قليلا سانداً رأسه على كفه 

" انتي عارفة انك كده هاتزودي العقاب بتاعك

" اتسعت عيناها فأكمل بلا رحمة " 

"كده عقابك بوستين واحدة هنا وواحدة هنا "

وأشار إلى وجنتيه ثم أردف 

" ولو مقومتيش دلوقتي حالا تديهملي هازود واحدة كمان وانتي عارفة هاتبقا فين" 

نهضت بسرعة وانقضت على وجنتيه بسرعة وكأنها تنهي مهمة صعبة. هز أدهم رأسه وقلب شفتيه امتعاضاً 

" انا قولتلك قبل كده مبحبش السرعة لازم تدي كل حاجة حقها لو سمحتي اعملي العقاب بتاعك كويس يالا"

فركت قمر يديها وهي تكاد تبكي

" كده حرام على فكرة انا اديتك البوستين مينفعش اعيدهم" 

اقترب أدهم منها حد التماس وقبل ان تنطق مرة أخرى طبع بشفتيه على إحدى وجنتيها في قبلة لطيفة مطولة وبصوت هامس وهو يتوجه ناحية وجنتها الأخرى ببطء 

" انا هاعلمك العقاب يكون ازاي" 

وقبل أن يطبع قبلته الأخرى سحب نفساً عميقا من رقبتها كمن أدمن أريجها فتراجعت رقبتها إلى الوراء لا إرادياً وكأنها تسمح له بمزيد من الأنفاس ومزيد من الذوبان بل تسمح له بالمزيد منها...... قبّل رقبتها برقة وابتعد متوقعا ثورتها ولكنها كانت في عالم آخر مغمضة العينين تقنع نفسها أنها تحلم. فتحدث أدهم بجانب أذنها بصوت هامس 

" افتحي عنيكي بصي لي" 

ظلت على حالها وكأنها صنعت لنفسها عصابة وهمية فوق عينيها. لمس أدهم ذراعها بسبابته نزولا إلى كف يدها فأمسكه برقة ووضعه فوق كتفه وهو يردد 

" قمر بصي لي" 

فتحت عينيها ببطء وكأنها تخشى من رد فعلها إذا فتحتهما تسربت يدها دون ان تشعر إلى رقبته من الخلف تداعب شعيراته الناعمة وهو لازال يتنسم عبيرها من رقبتها ومن خلف أذنها وتجرأت يده على التمادي إلى خصرها وضمها إليه بقوة حتى أصبحت ملاصقة له. ارتخت أعصابها فارتخى جسدها كالهلام بعد تصلبه كغصن شجرة يابس، مقطوع وملقى بإهمال. شعر أدهم بنداءها له أنفاسها تناديه ، عيناها الشبه مغمضتان تناديه، يداها التي تداعب شعيراته تحمل نداءاً خفيا بل وتحثه على المزيد. لم ينتظر أدهم أكثر من ذلك فانحنى إليها ممسكا إياها من خصرها  وهو يلتهم شفتيها إلتهاماً ويسمح لها بأخذ أنفاسها لثوانٍ معدودة ثم ينقض عليهما مرة أخرى واعدا نفسه وإياها بالذهاب في عالم آخر ورحلة لن تُنسى ابدا. رحلة ذهاب للسعادة الحقيقية. رحلة ذهاب للأبد ...ذهاب بلا عودة.

انتزعهما رنين جرس الباب المصحوب بالطرقات المدوية مع نداءات عالية فزعة متكررة من عم عوض

" يا بشمهندس أدهم ... يا بشمهندس أدهم"

ازدرد أدهم وأغمض عينيه بغضب لأول مرة يشعر بالغضب على عم عوض زفر حانقا وتحرك من مكانه بعنف وهو يرتدي قميصه القطني المنزلي بسرعة وأمسك بيدها المرتعشة يقبلها 

" انا آسف هاشوف فيه ايه وارجعلك" 

أومأت برأسها واستدارت تحاول إخفاء ما يمكن إخفاؤه من تلك المشاعر الجياشة التي تفتك بها.

فتح أدهم الباب بعنف وصرخ لأول مرة في عم عوض

" ايه يا عم عوض فيه ايه"

كان عم عوض يحاول تهدأة أنفاسه المتلاحقة

" البيه .... أكرم بيه.. في ال.. المستشفى"

أدهم بفزع

" انت بتقول ايه بابا؟؟ في مستشفى ايه قول بسرعة" أخبره عم عوض باسم المستشفى واندفع أدهم صاعدا كل ثلاثة درجات في دفعة واحدة. فتح باب الغرفة لاهثا "

قمر بابا في المستشفى انا هنزل دلوقتي تخافي تنامي لوحدك

" هزت رأسه نافية وهي تهب واقفة في فزع

" يا خبر طب تحب آجي معاك "

- أدهم وهو يكمل ارتداء ملابسه ويأخذ متعلقاته

" لا لا مفيش داعي بس ابقي طمنيني عليكي ف التيلفون" 

قالت في ألم

" ابقا طمني انت عليك" 

وأمسكت بيده تشد عليها وأسرعت تساعده في ارتداء ملابسه بسرعة.

الفصل الواحد والعشرون 

كان الصباح قد ادلى بخيوطه الذهبية منذ وقت طويل وقد قاربت الساعة العاشرة صباحا وأدهم

في المستشفى يتحرك بعصبية في كل مكان وسط هدوء مقيت لمديحة التي تجلس في صمت تتابع شيئا ما على هاتفها وكأنها تجلس في هذا المكان رغما عنها، أو كأنها ملّت من طول الانتظار. وجه أدهم الحديث إليها بعد محاولات عدة ألا يتحدث معها ولكنها تستفزه بهدوئها المقيت " اللي حصل دا حصل ازاي ودي أول مرة ولا حصل قبل كده" كان أدهم يحاول تثبيت الهدوء في صوته المتذبذب بين الصوت المرتفع والخفيض محاولا التحكم في نبرة صوته بصعوبة، في حين نظرت له مديحة ببرود بعد ان رفعت عينيها من هاتفها بصعوبة " اللي حصل حصل ، وأول ما وقع فضلنا نتصل بيك لكن حضرتك كنت قافل تيلفونك وماظنش انه حصل قبل كده، أي اسئلة تانية؟" زفرت مديحة بنفاذ صبر وهي تُقلّب شفتيها امتعاضاً، وأدهم يهز رأسه في غيظ ويتمتم مرددا" متظنيش اه متظنيش" وقبل أن يتطور الوضع بنظرات أدهم النارية خرج الطبيب فهرول إليه أدهم في حين لملمت مديحة حقيبتها ومعطفها ورتبتهم بجانبها على المقعد قبل أن تنهض من مكانها  ثم التقطت هاتفها وتوجهت بالكعب العالي ذو الخطوات البطيئة الرتيبة إلى حيث يقف الطبيب وأدهم.

- الطبيب" الحمد لله عدت على خير ودي أزمة قلبية صغيرة متخافوش بس لازم يستريح شوية بعد ما يخرج م المستشفى ويستحسن يغير مكان او يسافر برا شوية " تدخلت مديحة بفرح في غير محله " أكيد أكيد هنسافر مطرح ما هو عاوز" نظر لها أدهم بضيق بجانب عينه ثم وجه حديثه مرة أخرى للطبيب " يعني الخطر زال كده يا دكتور ؟" - الطبيب " هو ما دام جتله أزمة قلبية حتى ولو كانت بسيطة زي دي فدا إنذار بالخطر ومعناه إنه لازم يبعد عن أي توتر أو ضغط عصبي عموما" هز أدهم رأسه " طيب ممكن ندخله دلوقتي " - الطبيب " هو بعد المسكنات والأدوية اللي أخدها من بالليل احتمال يفوق في خلال نص ساعة تقدروا تشوفوه بعدها" زفرت مديحة فقد كانت تعتقد أن الأمر انتهى وسيأخذونه للمنزل.  سأله أدهم مرة أخرى " طيب يا دكتور هو متوقع يخرج امتى ان شاء الله " - الطبيب" يعني هنحطه تحت الملاحظة ٣ أيام ولو مظهرش جديد تقدروا تخرجوه بس زي ما اتفقنا خلوه يغير جو" تدخلت مديحة مرة أخرى بثقة " أكيد اكيد متقلقش م الموضوع دا خالص يا دكتور" شكر أدهم الطبيب ورن هاتفه فالتقطه من جيبه وهو ينوي رفض المكالمة فهو ليس في حالة تؤهله للتحدث مع أحد ولكن المتصلة كانت قمر فابتعد قليلا ثم تنفس قبل أن يرد " ألو ايوة يا قمر " قمر بلهفة " أيوة يا أدهم انا والله بمنع نفسي اني اكلمك من بدري بس مقدرتش امسك نفسي اكتر من كده" - ادهم " لا عادي يا قمر براحتك" - قمر " طيب باباك عامل ايه وايه اللي حصله؟" - أدهم " أزمة قلبية بسيطة والدكاترة هنا عملوا اللازم وعدت على خير الحمد لله " تنهدت قمر " طب الحمد لله وانت كويس؟" صمت أدهم قليلا " أيوة انا كويس متقلقيش" - قمر " طب ينفع اجيلك" - أدهم " لا يا قمر متتعبيش نفسك بس انا هاقعد معاه هنا ٣ ايام هتعرفي تقعدي لوحدك" - قمر "متقلقش عليا يا أدهم طب تحب اجيبلك حاجات م البيت هدوم او أي حاجة" - أدهم " خلاص ماشي هبقا اخلي ماجد يجي ياخدهم من عندك بس ابقي حضرهيهم ، انتي فين دلوقتي؟" - قمر " احنا عند الحداد بنكمل شغل امبارح وهيخلص النهاردة إن شاء الله" تنهد أدهم ثم تحدث وفي صوته نبرة تحذيرية " طب خلي بالك من نفسك" أغمضت قمر عينيها وهي تتنفس بحرارة " حاضر وانت كمان خلي بالك من نفسك" خرجت الممرضة تخبرهم باستيقاظ أكرم فاستأذن أدهم من قمر "  انا لازم اقفل دلوقتي بابا فاق وهادخله " - قمر " طيب سلام ابقا طمنّي" أدهم بسرعة " اوكيه سلام" وأغلق الخط وتوجه مسرعا نحو غرفة والده قبل دخول مديحة بخطواتها المتعالية وأغلق الباب خلفه " ايييه يا أكرم بيه انت بتدلع وتشوف غلاوتك عندنا ولا ايه " أكرم بصوت مجهد " زمن الدلع عدى خلاص" - أدهم " لا لا انا مش متعود على اليأس دا منك امال فين أكرم بيه اللي بيحب الحياة وبيحب الهلس " - أكرم بندم " ما هو الهلس دا اللي ضيعني وضيع أغلى ما عندي" ترقرقت دمعتان من عينيه وكادت أن تنفرط الدموع من عيني أدهم أيضا على حال والده وعلى من يذكرهم بأغلى من عنده ثم حاول أدهم تغيير دفة الحديث " بس بقا الدكتور كتبلك على حتة روشته انما ايه هاتعجبك اوي وتهيص يا عم هاتسافر برا وتتفسح بأمر الطبيب " وحاول الضحك كذبا ليخفف من وطاة حديث والده على نفسه، فرد أكرم بإجهاد وهو يشير بسبابته " لأ لأ سفر برا لأ ، كده مديحة ما هتصدق تيجي معايا وتهريني شوبينج" فكر أدهم مليا " اممم يعني انت عاوز تهرب منها هي بالذات بقا " أومأ أكرم بتعب" فمال أدهم إليه " طب ايه رأيك انا عندي بيت صغير كده دورين جنب مزرعة واحد صاحبي في الأرياف ايه رأيك تروح تغير جو هناك وسط الطبيعة والخضرة " أومأ اكرم موافقا مرة أخرى. دخلت مديحة دون ان تطرق ويبدو عليها نفاذ الصبر " مش كفاية كده يا ادهم عشان منجهدوش" ثم وجهت كلامها لأكرم " ايه يا أكرم عامل ايه دلوقتي شوفت يا سيدي الدكتور قال لازم نسفرك برا ونفسحك انا بدات بتحضير البرنامج من دلوقتي ايه رأيك نروح...." قاطع ادهم حديثها بابتسامة صفراء " لا خلاص هو قرر هيروح فين والبرنامج اتعمل خلاص متتعبيش نفسك، هو هيروح يقعد في مزرعة واحد صاحبي في الارياف" قلبت مديحة شفتيها بتقزز " ايه ...مزرعة؟! و أرياف ؟!!لا لا لا مليش انا في شغل الفلاحين دا روح انت غير جو وانا هاستناك هنا" هز اكرم رأسه في ارتياح وكأنه حصل على مراده أخيرا ثم وجه حديثه لأدهم " الشركة أمانة في ايدك بقا يا أدهم مش هاوصيك " هز أدهم رأسه في حين انقلبت شفتا مديحة امتعاضاً " متقلقش ع الشركة وانا هابقا أساعده  ما هي شركتي انا كمان " لم تفت أدهم النبرة المهددة والمحذرة في لهجتها ولكنه آثر الصمت. " طيب انا هاروح بقا اجيبلك شوية هدوم ومستلزمات يا أكرم عاوز حاجة تانية من البيت" - أكرم " أيوة في كتاب في المكتبة اسمه 《انت لي》 ياريت تجيبهولي معاكي لو سمحتي"  تحفز أدهم لسماع اسم الكتاب لأنه يعرف انه كان هدية من والدته لوالده.  - مديحة " كتب ايه بس اللي عاوز تتعب عينك فيها ما تتفرج ع التيلفزيون ولا الموبايل احسن" - اكرم بإجهاد ونفاذ صبر " يعني هما الموبايل والتليفزيون اللي مش هيتعبولي عيني هاتيه يا مديحة واسمعي الكلام" رددت اسمها  وهي تقلب شفتيها بامتعاض "مديحة !!! ....  طيب" وخرجت وكانما أفسحت مجالا للهواء في الغرفة بعد خروجها. 

               ******************

-ليلى " بقولك ايه يابنتي ما تسيبك من موضوع الانتقام دا ونعيش حياتنا هنا وخلاص أو حتى نرجع انجلترا" - مريم " انتي بتقولي ايه يا ماما بعد كل اللي عشناه دا بتقولي نعيش حياتنا وخلاص" نهضت ليلى وهي تصرخ" هو ايه اللي عشناه انا عيشتك أحلى عيشة في انجلترا واتعلمتي احسن تعليم واشتغلتي احسن شغل ليه عماله تكبري موضوع الانتقام دا في دماغي مع ان انا اللي المفروض ابقا عاوزه كده بس انتي عندك غيظ وغل غريب" نهضت مريم وصرخت بدورها هي الأخرى " ايوة عندي غيظ وغل عشان قضوا على بنت  صغيرة ورقيقة وف عز شبابها هي وأحلامها وخلوني امشي واسيب بلدي زي الهربانة  واصحابي وحياتي وأغلى ما عندي عرفتي ليه انا متغاظة وزعلانة " - ليلى " هو ايه اللي بلدي واصحابي انتي كنتي بنت مفعوصة مكملتيش ١٨ سنة هو ايه اللي اغلى ما عندك دا كنتي بتحبي مثلا" صرخت مريم بهستيريا " ايوة كنت بحب وهما ضيعوه مني وحتى لو حاولت ادور عليه دلوقتي هيكون خطب ولا اتجوز ومش بعيد يكون عنده ولاد كمان" - ليلى " يا سلام كنتي بتحبي مين وازاي وانتي مكنتيش بتخرجي م البيت الا عشان الدروس وحتى دي كان موظف عند ابوكي هو اللي بيوصلك ليها" -مريم بارتباك " مش مهم مين وازاي المهم انه ضاع مني للأبد وهما السبب" اقتربت ليلى من ابنتها وربتت على كتفيها وهي تحتضنها " يابنتي استهدي بالله وفكري ف اللي بقولك عليه احنا كده كده هانستنى اسبوعين تقريبا لحد ما نور تيجي من شهر العسل وتتواصلي معاها لان قمر زي ما بتقولي قطعت علاقتها بيهم من بعد الفرح وانقطعت اخبارها مع سفر مراد. خلي الوقت دا فرصة تفكري ف الكلام اللي بقولك عليه، واذا كان ع الحب انتي صغيرة وجميلة والف مين يتمناكي" ارتمت مريم على المقعد " مش المشكلة مين اللي يتمناني المشكلة انا بتمنى مين" واغمضت عينيها ثم  نهضت هاربة إلى خارج المنزل وهي تقول " هاتمشّى شوية ومش هتأخر" نبهتّها والدتها " طيب انا هانزل اشوف نتيجة التحاليل واعرضها ع الدكتور و....." لم تتم كلامها لأن الأخيرة لم تسمعها وتنهدت ليلى هذه أول مرة ترى فيها ابنتها بهذه الحالةالغريبة، وتلك أيضا أول مرة ستذهب للطبيب بمفردها!!! 

                    ****************

" الو ايوة يا ماجد ممكن اطلب منك طلب معلش" - ماجد " اتفضل يا ادهم انا تحت أمرك " - أدهم " عاوزك تروح العنوان اللي هاديهولك وتاخد قمر من هناك وتوصلها للبيت الكبير انا عارف انها مش شغلتك بس انت عارف انا مبثقش في حد غيرك" -  تنهد ماجد " اكيد طبعا يا بشمهندس وبعدين دا  اول شغل اشتغلته قبل ما ابقا hr manager اد الدنيا " تنهد أدهم بدوره وهو يتذكر مهنة ماجد الأولى ومع من كانت ثم طرد أفكاره الحزينة بسرعة واستطرد " معلش يا ماجد انت هتعمل كده لحد ما ارجع الشركة هما ٣ ايام بس ولو فيه اي امضاء ولا حاجة مطلوبة مني انت او ريم تيجوا هنا المستشفى تجيبوها ليا اي حد تاني لأ،  وانا هابلغ ريم بالكلام دا" -ماجد  " حاضر يا أدهم متقلقش انا هاعملك كل اللي انت عاوزه" شكره أدهم ثم أغلق الخط وتوجه إلى غرفة أبيه " ايه يا حاج انت هاتعملهم عليا انا كمان ولا ايه مبلاش شغل قلبي قلبي بتاع أفلام زمان دي" ابتسم أكرم ابتسامة مرهقة " ياريت الزمان يرجع يا أدهم" انتبه أدهم للنبرة الجادة المريرة التي تخرج من صوت والده " فيه ايه يا بابا مالك انا اول مرة اشوفك كده هي مديحة دي عملتلك حاجة" - أكرم " أبدا يا أدهم هي مديحة نفسها اللي اتجوزتها من سبع سنين، بس انا بقيت بحلم بأمك كتير أوي يا أدهم، انا من ساعة ما اتوفت وانا بحلم بيها بس دلوقتي تقريبا كل يوم .. كل يوم يا أدهم" ردد كلماته الأخيرة بألم مبرح وكأن تلك الكلمات تطعنه وتؤلمه كما تفعل به أحلامه. تنهد أدهم وهو يحاول تهدئة والده " طب ايه رأيك لما تخف وتشد حيلك كده تروح تعمل عمرة وتعملها هي كمان عمرة" رفع أكرم حاجبيه فهو ليس من ذلك النوع المتدين ولكن الفكرة اعجبته للغاية " بجد بجد يا أدهم انا ممكن ربنا يقبل مني حاجة زي دي" - ادهم " طبعا يا بابا ان شاء الله ربنا هايتقبل منك" - أكرم " متتصورش انت ريحتني باقتراحك دا اد ايه " - أدهم " شوفت بقا يبقا انا مغلطتش لما قولتلك يا حاج ف اول الكلام بس كل دا هايحصل لما تبقا كويس وتسترد صحتك ولو عاوزني آجي معاك كمان انا موافق هاجي انا ومراتي" تجهم وجه أكرم " هي ميرا هتوافق أصلا على حاجة زي دي؟ دي نسخة من خالتها ان مكانتش ألعن انت بردو لسه مصمم تتجوزها العقربة دي" ربت أدهم على كتفه " ريح انت بس يابابا دلوقتي ومتفكرش في اي حاجة تعكر دمك خالص. وتفاصيل  موضوع العمرة دا سيبها عليا انا هاظبط كل حاجة " أومأ له أكرم في تعب وهو يغمض عينيه. خرج أدهم وتركه ليرتاح ثم اتصل بقمر مرة أخرى يطمئن لوصول ماجد معها.

" ايوة يا قمر ماجد جالك؟" - قمر " ايوة يا ادهم جه بس مكانش فيه داعي لكل دا انا كنت هاروح لوحدي عادي" - ادهم " لا انا كده هابقا مرتاح ومتطمن عليكي أكتر" - قمر "خلاص يا أدهم تمام انا هبعت مع ماجد شوية هدوم وحاجات تحب ابعتلك حاجة تانية" - أدهم "لا يا قمر  متشكر اوي" وأغلق الهاتف وهو يتنهد ارتياحا. 

على الجانب الآخر كانت قمر تجلس بجانب ماجد في السيارة فتبادر إلى ذهنها سؤاله " واضح ان أدهم بيثق فيك جدا يا ماجد بدليل انك كنت شاهد على جوازنا" هز ماجد رأسه " احنا اصحاب أصلا من اول ما بدأت اشتغل عندهم" - قمر " وانت بقا بتشتغل معاهم من زمان ؟" - ماجد وهو يحاول الحساب " يعني من حوالي ٩ سنين كده" - قمر بلهفة" يعني شوفت والدته وأخته تقدر تقولي كانوا عاملين ازاي" ارتبك ماجد ارتباكا واضحا ثم تنهد وهو يحاول التركيز في الطريق بصعوبة " يعني ايه عاملين ازاي بني آدمين عاديين يعني" - قمر وهي تقطب حاجبيها " منا عارفة انا قصدي شخصيتهم  احلامهم افكارهم اصلي بفكر اعمل هدية لأدهم بس تكون الهدية خاصة بيهم" توقف ماجد على جانب الطريق بهدوء ثم أخذ نفسا عميقا " هدية ايه اللي عاوزة تعملهاله انتي مش عارفة ان أدهم حساس اوي للموضوع دا بالذات" - قمر " ايوة عارفة بس انا نفسي يفك شوية ويحاول يتخطى حادثة موتهم دي" زفر ماجد وهو يتمتم " اذا كان انا متخطيتهاش" قطبت قمر حاجبيها مرة أخرى " واضح انك كنت قريب اوي منهم" هز ماجد رأسه وهو يتحدث كمن يتكلم عبر الأثير وكأنه في عالم آخر لا وجود لسواه فيه وتمتم " انا كنت السواق بتاعها ... قصدي بتاعهم" -قمر بتعجب " سواق!! معقول انت اشتغلت سواق " ابتسم ماجد بعفوية "  انا أصلا كنت بتدرب في الشركة وفي يوم سواق أكرم بيه تعب فملقيوش غيري أوصله فوصلته وانا مروح بقا قالولي اوصل  ملك للدرس بتاعها ومن ساعتها بقيت بين الشركة وبين العربية وكده يعني " كان يبتسم ابتسامة بريئة كطفل يحكي عن أول زيارة له للشاطيء كانت. عيناه مليئتان بالحماس والحنين والتوتر والحزن. كل ذلك تجمع في عينيه وابتسامته اللطيفة الحانية. وكأنه يعود أدراجة لمكان وزمان مغايرين، لحقبة محببة لقلبه رغم تغيره وتغير منصبه لأحسن مما كان! " طيب ممكن اطلب منك طلب انا هاموت م الجوع وقفنا عند اي مطعم انزل اشتري منه أكل وهنمشي على طول مش هأخرك" - ماجد " انا واخد كارت بلانش من ادهم اني اعملك اي حاجة انتي عاوزاها" ابتسمت قمر كوحيدة والدها المدللة واغمضت عينيها وهي مزهوة بتلك المكانة الجديدة التي تتسلق فيها لقلب أدهم. توقفت السيارة عند أحد المطاعم وتأهبت قمر للنزول في حين استوقفها ماجد " ايييييه استني استني رايحة فين قوليلي انتي عاوزة ايه وانا اجيبهولك خليكي انتي مستريحة " - قمر " لا يا عم انا مش متعودة ع الدلع دا انا هانزل اجيب حاجتي بنفسي' -  ابتسم ماجد على بساطتها في الحديث معه ثم تحدث مازحاً " انتي عاوزة أدهم يرفدني ولا ايه خليكي انتي ف العربية وانا هانزل اجيبلك اللي انتي عاوزاه" - قمر " خلاص ماشي انا بردو ميرضينيش قطع الارزاق " ضحك الاثنان وابلغته بطلبها ومضى ماجد إلى داخل المطعم موجهاً أنظاره نحو اللافتات المعروضة للطعام غير شاعر بتلك التي فغرت فاهها عن آخره وارتعدت فرائصها، وتراقصت ضربات قلبها بين فرحة برؤيته بعد طول السنين، وبين رد فعله إذا رآها الآن. ظلت تحدق فيه وهي لا تستطيع التحرك فقدماها تيبست. وذراعها تشنجت وأبى صوتها حتى أن يخرج من حنجرتها. وكأن جسدها شُل تماماً في حين أن عقلها وقلبها يعملان كالدينامو بكامل جهدهما حتى أوشكا على الإحتراق. كل ما استطاعت ان تحركه كان رأسها الذي يميل مع كل حركة او لفتة منه كأنها تستعيد حفظ ملامحه التي لم تتغير كثيرا بل ازداد وسامة وأناقة. وفكرت حزنا يبدو أن لديه من يهتم به وبأناقته. وهبت واقفة في شغف  وضربات قلبها تركلها ركلا خوفا من ان يمضي دون ان تتحدث معه ولهثت خلفه وهي تراه يخرج من المطعم حاملا أكياس الطعام متوجهاً نحو سيارة حمراء تركن على مسافة بعيدة نسبيا. وجرجرت قدميها عبثا محاولة اللحاق به إلا أنها توقفت حين رأته يضع الطعام في المقعد الخلفي للسيارة التي تقبع فيها إحداهن بشعرها المنسدل ولكنها لم تتبين ملامحها لأن الأخيرة التفتت للطعام بسرعة وانطلقت السيارة!!!

                    ***************

في المستشفى طلب أكرم من ادهم أن يحضر له بعض حاجياته من المنزل حتى لا تضطر مديحة للحضور بنفسهامجددا، فهو يريد الإسترخاء قليلا دون وجودها أمامه. فخرج إلى البهو الخارجي لحجرته وجلس بجانب الشرفة وهو ممسكاً كتابه المفضل بيده. الكتاب الذي يذكره بزوجته السابقة وكيف كانت حلم حياته التي حولها بنفسه إلى كابوس وتنهد عميقا حين عادت ذكرياته إلى رقتها .... وغلظته، إلى حنوّها .... وقسوته ، إلى وفائها وتفانيها في حبه .... وخيانته وخسته معها!!

                        ************

دلفت ليلى إلى المستشفى وحيدة وتوجهت للمصعد تضغط على أزراره دون ان ترى لأي طابق تتوجه وهي سارحة في ابنتها وما حدث لها منذ قليل. لم تكن تعلم ان ابنتها قد أحبت من قبل!!  كيف ؟ومن؟ ومتى؟؟ كل تلك الأسئلة كانت تعصف برأسها وادركت انها حتى حينما كانتا في بلاد الغربة لم تستغرب ان ابنتها لم تعشق او تحب أحدهم وبررت ذلك باختلاف الدين والعادات والتقاليد لذلك قررت العودة إلى مصر لتتيح لابنتها فرصة للحياة والسعادة التي لم تجدها هي نفسها أو قد نقول أنها وجدتها ولكن لوقت قليل واستيقظت من حلمها الجميل على كابوس مضني صادم!!  

                     *************

كانت قمر في السيارة تلم شعرها في ذيل حصان في عجلة لتقضم الشطيرة بنهم وماجد ينظر لها بتعجب فتحدثت بعد ان ابتلعت لقمتها " متبصليش كده انا مأكلتش حاجة م الصبح ميغركش اني رقيقة وامورة وكده بس انا ف الأكل معرفش ابويا " ضحك ماجد " لا ما هو واضح ربنا يستر على دراعي" -قمر " لا متخافش انت جايب أكل يكفي وزيادة، متاخدلك ساندويتش" - ماجد " لا شكرا منا لو كنت عاوز كنت جبت لنفسي" وقاطع كلامه رنين هاتف قمر التي فتحت بسرعة " ايه يابنتي فينك من يوم نور ما اتجوزت ماسمعتش صوتك ولا شوفتك" لم يسمع ماجد بالطبع رد الطرف الآخر ولكن لم يفته تحول صوت قمر المرح إلى القلق والتوتر " فيه ايه طب ايه اللي حصل ؟؟ طب انتي فين دلوقتي؟ طب خلاص خلاص اهدي انا هاجيلك انا قريبة منك أصلا سلام" ثم توجهت بالحديث إلى ماجد ترجوه " معلش يا ماجد انا آسفة  جدا والله بس ممكن ترجعني ع المطعم اللي كنا فيه دلوقتي" - ماجد مستفهماً " ليه الأكل فيه حاجة ولا ايه اللي حصل" - قمر " لا ابدا واحدة صاحبتي هناك ومحتجاني اوي، انت ممكن توصلني وتروح ، انا هبقا اركب تاكسي واروح معلش تعبتك معايا" - ماجد " لا مينفعش انا هاوديكي المطعم تقعدي مع صاحبتك اكون انا خلصت مشوار قريب ولما تخلصي تكلميني آجي اروّحك، أدهم هيزعل متي جامد لو سبتك" نظرت له ممتنة " انا متشكرة اوي يا ماجد بجد انا مش عارفة اقولك ايه " أومأ لها ماجد وأوصلها للمطعم مرة أخرى وانطلق مغادرا المكان.

قمر بلهفة وهي تقبل مريم " فيه أيه يا مريم خضتيني ايه اللي حصل" - مريم ومازالت عيناها غائمتان  وآثار الصدمة تبدو على وجهها " اقعدي بس وانا هاحكيلك كل حاجة انا مصدومة مش قادرة اصدق لغاية دلوقتي" - قمر " فيه ايه بس احكيلي" مريم ودموعها قد تجمعت في مقلتيها وهي غير مصدقة " شوفته ياقمر شوفته  " - قمر " هو مين دا اللي شوفتيه ومالك مخضوضة كده تحبي انده لحد  يساعدنا" اغمضت مريم عينيها فانفلتت دمعتان وكأنهما تهربان من سجن مقلتيها " استني بس انا هاحكيلك م الاول انا كنت بحب واحد قبل ما نسافر، وهو كمان كان بيحبني انا كنت طفلة صغيرة وزي ما تقولي كده رباني على ايديه. وكان بيجهز نفسه ويصلح من نفسه عشان يليق بيا لكن انفصال ماما وبابا لخبطني وخصوصا ان بابا حرفيا أخد مننا كل حاجة حتى موبايلتنا اخدها وخلانا ع الحديدة ولولا خالو بعتلنا دعوة وحجزلنا تذاكر الطيران مكناش هنعرف حتى نسافر وحتى دي وقفلنا فيها ومنعنا من السفر  بعد ما كنا خلاص عملنا  (check in) بحجة اني مكملتش ١٨ سنة المهم يعني احنا بعدها سافرنا وانقطعت اخباره عني ومعرفتش اوصله ولا هو حتى حاول  مع انه عارف اني اكيد هاروح لخالي في انجلترا، ودا قهرني اوي وحسسني اني كنت لعبة او تسلية او انه مكانش بيحبني حقيقي ولما رجعت كان نفسي اشوفه اوي لكن للأسف انا حتى معرفش اسمه ثلاثي وفجأة من شوية وانا قاعدة كده هنا لقيته داخل اشترى أكل بسرعة وخرج وكان معاه واحدة ف العربية يا قمر بس ملحقتش اشوف شكلها الدنيا كانت ضلمه و العربية كانت بعيدة ، لا وكمان الحيوان جايب عربيته حمرا عشان انا كنت بقوله اني بحب العربيات الحمرا" وانهارت مريم في البكاء وهي تقول من بين نحيبها " سبع سنين يا قمر معرفتش اخرجه من قلبي ولا من دماغي وهو خلاص عاش حياته ومش بعيد يكون عنده اولاد كمان، كنت بكدّب نفسي واقول انه اكيد مستنيني وحتى حاولت ادور عليه ع السوشيال ميديا لكن مفيش فايدة والنهاردة شوفته يا قمر شوفته وهو عايش حياته وبيحب ويتحب وانا اللي حياتي ضاعت وانتهت" انتقلت قمر للجلوس بجانبها وضمتها بقوة " متزعليش يا مريم انتي بنت حلوة وزي القمر  ومحترمة وكتير يتمنوا يقعدوا بس معاكي، واكيد هاتنسيه لما تقعدي هنا اكتر ويبقا عندك أصحاب ومعارف وتبطلي تعيشي على أمل حبه دا وبعدين متزعليش مني سبع سنين فترة طويلة اوي خصوصا ان مكانش فيه ما بينكم اي اتصال وهو بردو حقه يعيش حياته ف متلوميهوش وبصي لمستقبلك وحياتك انتي كمان" ظلت قمر تحاول الترويح عن مريم قرابة النصف ساعة حتى رن هاتفها وكان ماجد المتصل " الو ... ايوة تمام ... خلاص ماشي انا مستنياك ف المطعم اوكيه" وأغلقت الهاتف في حين سألتها مريم " انتي خلاص مروحة " - قمر ايوة يا مريم للأسف اتأخرت اوي وورايا حاجات بالهبل تعالي معايا يالا عشان نوصلك" لم تكن مريم في حالة تسمح لها بسؤالها او حتى التفكير فيمن سيُقلّهما فاستأذنت قبلاً للذهاب لدورة المياه حتى تغسل وجهها وعينيها المتورمتين، وجلست قمر في انتظار ماجد الذي توجه إليها في عجلة " قمر معلش انا هادخل الحمام بسرعة واطلع أروحك على طول هه" لم تسنح لقمر الفرصة حتى تطلب منه ان يقل صديقتها في طريقهم لأنه توجه مسرعاً نحو دورات المياه.

                         ************

خرجت ليلى من المصعد وهي تنظر حولها مستغربة. ليس هذا هو الطابق المخصص لطبيبها. ظلت تمشى في الردهة  وهي تبحث علّها تجد أحدهم لتسأله وتوقفت وظهرها مواجه للشرفة حين وجدت إحدى الممرضات فسألتها " لو سمحتي عيادة دكتور رشدي المسيري فين لو سمحتي" التفت أكرم بسرعة على صوت ليلى وهو ممسكا كتابها بيده غير مصدق وهو مقتنع تماما انه يتخيل أو أنه يستحضر صوتها في صوت أي امرأة وحاول الوقوف عبثاً ثم ارتمى على المقعد مرة أخرى متشبثاً بالكتاب الذي في يده وهو مشدوها محاولا التنصت والاستماع والاستمتاع بهذا الصوت الذي يشبه صوتاً كان قد افتقده كثيراً والتفتت ليلى نحو الشرفةوهي تتأكد مما تقوله الممرضة وتشير إلى الردهة المقابلة لها وتوقفت يدها حيث أشارت، وعينيها حيث هو!! وهربت الدماء من وجهها حين رأت الكتاب الذي أهدته إليه بين يديه وهو يردد اسمها في صدمة " ليلى" !!!

                  **************

في الردهة المؤدية لدورات المياه كان ماجد يسرع لدخول الحمام ولم يلتفت لتلك الرقيقة الباكية  التي تخرج من حمام السيدات مما أدي لاصطدامه بها فالتفت ليعتذر ولكن الكلمات توقفت في حلقة واتسعت عيناه على آخرهما فقد عرفها رغم حجابها لا لا لا يمكن ان تشبهها إحداهن لهذه الدرجة إنه يحفظ ملامحها عن ظهر قلب، وصورتها لا تفارق مخيلته أو حتى محفظته وهاتفه. إنها هي... هي بشحمها ولحمها بجمالها الأخاذ ورقتها. بتورد وجنتيها المحببتان إليه. وردد مشدوها وهو غير مصدق "ملك" !!!!

             الفصل الثاني والعشرون من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>