رواية جامحه بقلبه الفصل العاشر10 بقلم داليا السيد

رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد
رواية جامحه بقلبه الفصل العاشر10 بقلم داليا السيد


الصحافة .. صفعة
توقفت خطواتها عند حافة الضوء.. 
ورفع هو رأسه.. ولم يتحرك.. أو يتحدث
السيجارة بين أصابعه ظلت تحترق.. والدخان تصاعد وحده.. 
عيناه ثبتت عليها.. بشكل لم تره منه من قبل.. ولا حتى وهي زوجته.. 
تحرك لها.. لن تتحرك هكذا وحدها.. رجلان حراسة كانا خلفها ولكنه لم يرى سواها.. 
عيونها تنبض ببريق حيوي.. بريق جعله يتحرك وكأنه بلا وعي، مشدود لامرأة سلبت عقله بجمالها.. 
كيف لم يكن يدرك المرأة التي كانت زوجته بيوم ما؟ كيف تركها تخرج من حياته هكذا بسهولة؟ 
وقف أمامها وكأنه لا يرى سواها.. نسى كل ما يدور حوله وهو يرفع يدها لفمه ويضع قبلة على ظهر يدها ونظراته لا تترك نظراتها 
"مهرة عربية أصيلة"
لم تجيب بكلمة بل أطلقت أنفاسها لتستعيد حياتها.. 
اهتز جسدها وهو يضع يدها على ذراعه ووجه ما زال لا يترك وجهها " كنت أعلم أنه لن يليق سوى بكِ"
ظلت عالقة بعينيه.. لا تهتم باين يأخذها ولا من ينظرون لهم.. فقط هو.. 
وسؤال واحد لا يتوقف عن التردد بعقلها "لماذا الآن؟" والإجابة واحدة "لأجل أيلا"
انتبهت لفلاش كاميرا لمع بعينيها فأغلقتها بانزعاج وعندما فتحت عيونها صدمت بزحام من الرجال وبعض النساء والكل يحمل كاميرات أو آلات تسجيل وتصوير والضوضاء بدأت والأسئلة انهالت 
الصحافة.. 
"سيد رحيم هل عدتم لبعضكم البعض؟" 
"مدام مهرة هل عاد لكِ بعد النجاح الذي وصلتِ له؟" "هل تركت خطيبتك لأجل زوجتك السابقة"
رجال رحيم لفتهم.. صنعت لهم ممر ليخرجوا به من ساحة الفندق والزحام لا ينفض والاسئلة تدوي برؤوسهم 
الجنون ارتفع داخله.. من الذي دفع الصحافة لطريقه بتلك الطريقة؟ 
كانت ترتجف وهي تجلس داخل السيارة.. تلك الأمور لم تعتاد عليها.. لم يكن يصحبها معه بأي مكان، يوم الزفاف لم تتمكن الصحافة من حضوره.. 
صوته جعلها تنتفض.. هي بالأساس تنتفض من كل جزء داخلها.. 
"اللعنة إياد، كيف تسرب الخبر لهم؟"
أبعدت وجهها الجامد.. بلا دموع واجهت نفسها بالحقيقة.. لقد انفضح الأمر وأصبحت كالمطاردة وامرأة تسرق رجل من زوجته.. 
رفعت أصابعها المرتجفة لرأسها تفرك جبينها والصداع ارتفع بلا مقدمات.. 
ما الذي فعلته بنفسها؟ 
لم تهتم لما كان يقوله.. بل بنفسها والحفرة المخيفة التي سقطت بها.. 
فزعت وصوته العميق موجه لها "لم أعتد بكِ هذا الخوف"
يده الدافئة امتدت ليدها، سحبتها بهدوء.. لكن الحدة كانت واضحة "ليس خوف رحيم.. "
أبعدت وجهها للنافذة.. الأنوار تمر أمام عيونها بسرعة.. لكن هي لم تكن ترى شيء 
"أنا فقط تذكرت من أنا"
تجمد.. كلماتها ضربته أكثر من أي صراخ.. "ومن أنتِ؟"
سؤاله كان بنبرته الهادئة.. لكن أخطر 
ضحكت ضحكة خفيفة.. تحمل ألم خفي "أنا من يراه الناس بالخارج رحيم.. امرأة عادت لرجل كاد يتزوج غيرها من يومين"
شد على عجلة القيادة بيديه.. الغضب ينبض ليس منها.. بل ممن حوله ممن تسببوا بتلك الفوضى "هؤلاء الناس لا قيمة لهم عندي مهرة"
التفتت له أخيرا.. نظرة مباشرة.. قوية رغم تعبها الداخلي "لكن عندي أنا.. لهم قيمة"
لف وجهه لها.. التقى بالألم بنظراتها.. 
الصمت كان الرد.. فلا كلمات ستزيل أي أثر لما كان.. فقط دخان سيجارته سيطر على المكان
المطعم كان رائعًا حقا.. هادئ، فخم.. الموجودين ظهر عليهم ثراء واضح كما هو المكان.. 
هذا هو رحيم الذي تعرفه.. يحب التفاخر بنفسه وإمكانياته ولكن هي الآن بمكان آخر.. 
النظرات تحركت لهم.. لم تفهم معناها.. 
هل إعجاب؟ أم سخرية؟ 
ربما غضب وسخط عليها لأخذها مكان ليس مكانها
المسؤول دفع الكرسي لها باحترام مبالغ فيه، وكأنه كان يحاول جذب انتباه رحيم الذي لم تلين ملامحه.. 
لم يخطط لكل ذلك.. أراد ليلة لهما وحدهما.. يفهم ما الذي يدور داخله، ومنذ تلك القبلة بشقتها وهو لا يستوعب الجنون المسيطر عليه.. 
يريدها.. زوجة.. وليس فقط بحياته كأم لابنته
صوته خرج عميق "مشروبي المعتاد.. عصير للمدام والعشاء بعد نصف ساعة"
السيجارة اشتعلت بلحظة ونظراته تلف على وجهها الذي تلون بلون أحمر من الشمس وهي لم تهتم بالمساحيق كعادتها.. 
عاد لها وهي تسأله "هل عرفت من وراء ما حدث الليلة؟"
نعم عرف ولكن هل سيتبدل شيء؟ 
للحظة ظل يواجه نظراتها ثم لف وجهه لبعيد محاولا تفادي أي غضب بنبرة صوته أو ملامح وجهه 
عندما ارتد لها لم تنتظر الرد بل قالت "نارا"
كان إقرار وليس سؤال وأيضا لم تنتظر منه رد بل أكملت بهدوء وثبات تناسب تماما مع شخصيتها التي عرفها مؤخرا 
"هذا حقها رحيم، نارا هي من تستحق التواجد هنا، معك.. أنا.. "
قاطعها بصوت خافت.. لا ضجيج به من أي نوع "أنتِ أم ابنتي.. ابنتي التي أنتظر حتى أستعيد ثقتها وبعدها سأعلنها للجميع"
اهتزت.. شيء ما داخلها ارتاح.. لن تكون قلقة على ابنتها لو رحلت والمرض ابتلعها.. 
أبعدت وجهها والرجل يضع الطلبات وسكب له بعض المشروب وتحرك مبتعدا وهو يرفع الكوب ويتناول رشفة بنفس الكبرياء 
هي لا تفهم أنه ليس كبرياء بقدر ما هو اعتياد على تلك الحياة.. 
هو ولد وبفمه ملعقة من ذهب.. ولد لعائلة كبيرة جدا الثراء بها أمر واقع.. جلد من جلودهم
ابتلعت ريقها.. صفعت نفسها بقوة كي ترتد للواقع وتستعيد نفسها "أنت والدها وحقك أن تكون بحياتها لكن أنا.."
للمرة الثانية يقاطعها بنفس الهدوء "لي، أنتِ لي مهرة ولن تكوني لسواي"
غروره، ثقته يثيران جنونها وغضبها لذا حاولت ضبط نفسها وهي ترد "أنا لست لأحد سوى نفسي رحيم، لن أعيد المأساة مرة أخرى واليوم كان دليل جديد على أني لا مكان لي بحياتك"
أطفأ السيجارة ببرود استفزها أكثر ثم رفع عيونه لها.. سمح للغضب بأن يتملكها ولكن هو لا 
"اليوم لا شيء بالنسبة لي، وهذا ما سبق وقلته، مهرة هل تدركين من أنتِ اليوم؟ هل للنجاح الذي وصلتِ له حاليا، اعتبار عندك؟"
سكن الغضب داخلها.. ارتد لزاوية ضيقة داخل عقلها وحلت الحيرة مكانه.. 
هل رأى نجاحها حقا؟ هل اعترف به!؟ 
صوتها لم يهتز "أنت لم ترى نجاحي بأي يوم ولم تعترف بأي شيء مما كنت أقوم به"
زاغت عيونه بعيدا.. ربما لماضيهم معا.. لم يفعل بالفعل.. لم يرى حتى عملها
فقط رفضه ورأى أنها لا تصلح لأي شيء
عاد لوجهها الذي كان ثابت عليه.. تنتظر كلماته وهو أجاب "ولكني أفعل الآن مهرة، نجاحك يفرض نفسه بكل مكان يذكر به اسمك ولا يمكنني تجاوزه بأي شكل"
لم تتفاخر ولم تتعالى بنفسها بل لم تفهمه ولم تصدق أنه هو رحيم العزايزي "ماذا تريد مني رحيم؟"
لم يتحرك من مكانه.. تعاليه واضح بجلسته لكن معها لم يتفاخر كعادته ولم ينظر لها من أعلى بل كانت نظرته تحمل الكثير مما لم تصدقه 
"أريدك، أريد أيلا، أريد أسرة لم ننجح بها بالماضي وربما ننجح الآن"
صراحته أوقفت الكلمات بحلقها.. عجز عقلها عن التفكير وقلبها يرقص طربا.. 
الطعام وصل بطريقة ملفتة للنظر أيضا، المكان كله يثير للفزع فهي لم تعتاد تلك الحياة.. فقدتها بالانفصال 
هي بالأساس لم تعيش معه شيء منها سوى اسبوعين العسل ومعظمهم كان بغرفتهم بالفندق.. 
الفراش كان متعته الكبرى كما كان يخبرها ولم يمنحها أي فرصة للاستمتاع بالحياة الجديدة بينهما
تناولا الطعام بلا كلمات.. فقط الاسئلة تدور بالعقول دون إجابات 
نظراته كانت تتحرك لها.. ما زال يرى تبدل كل شيء بها.. حتى طريقة تناولها للطعام اختلفت.. بلا همجية ولا طفولية
امرأة ناضجة ومع ذلك افتقد لحظات جنونها وقت زواجهم "لم تكوني بهذا الهدوء"
رفعت رموشها والبنفسجية ارتفعت له "أصبحت أم لو كنت نسيت"
ابتسم وقال "مما جعلك أكثر جمالا"
توقفت يدها بالشوكة قبل الوصول لفمها.. عيونها تجمدت على وجهه الذي لم يواجها وهو يدرك تماما ما قال لذا أكمل "نعم مهرة أنا أغازلك"
والتقى بعينيها القاتمة من التيه الذي دفعها له 
"أنا لا أتوقف عن التفكير بكِ منذ التقينا.. أنتِ من جهة وأيلا من جهة أخرى حتى كدت أفقد صفقة أقمشة هامة جدا بالأمس.. أنا حتى لم يمكنني الإمساك بالقلم منذ رأيتك"
ارتدت بالمقعد، تركت الطعام وتورد وجهها ولم تعرف ماذا تقول أو تفعل.. فقدت حتى شهيتها وكأن حلقها انغلق فجأة 
هو الآخر انتهى.. تراجع بالمقعد وظل ينظر لها بلا تراجع "كل ما أريده فرصة، لكلانا مهرة، نضع الماضي خلفنا وننظر للأمام"
رمشت.. 
خصلاتها شبكت برموشها فأبعدتها بأصابع مرتجفة لا تعي ماذا عليها تفعل أو تقول "فقط دعنا نترك الأمور تسير بلا ضغوط منك"
لا تعرف كيف قالت ذلك؟ هل منحته أمل؟ 
اللعنة على قلبها المتخاذل.. يدفعها للجحيم
ابتسم.. 
الرجال أبعدت الأطباق بمهارة
وعادت النظرات 
حتى.. 
دفع يده بجيب جاكته وأخرج علبة صغيرة، فتحها ومدها لها.. خاتم ماسي رائع.. 
بزواجهم نالت مثله لكن أصغر.. تركته له مع كل ما منحه لها، حدقت به والذكريات تحاول اختراق لحظتهم 
"هدية الهدنة"
رفعت عيونها له "كنت.." قاطعها "كنت أتمنى.. أن توافقي"
لا تصدق كل ذلك.. هي منحته حق رؤية ابنته.. أن يفعل معها كل ما يريد بلا حاجة لارتباط بينهما لكنه يصر عليها
مد يده الأخرى على المائدة وهي ما زالت تنظر لعينيه حتى سقطت عيونها على يده الممدودة لها.. 
ترددت.. خافت
قلبها يدق بقوة.. الماضي يزعجها.. هو لم يفعل ذلك بالماضي.. لم يطلبها للزواج بل فتحت باب شقتهم لتراه والمأذون خلفه ورجلان للشهادة 
وتم الزواج 
أما الآن فالأمر غريب.. غير مفهوم.. 
هزة من رأسه وصوته هادئ "أعدك ألا أتعجل الأمور"
عيونها استقرت على الرمادية التي تعدها بالأمل وببطء رفعت يدها ليده وهو دفع الخاتم بها وذلك الفلاش مرة أخرى يفزعهم 
جذبت يدها من يده من المفاجأة، لفت وجهها للرجلان الواقفان بعيدا وأحدهم يبتسم بزهو لنفسه ومسلم يتحرك له 
لكن هو لم يهتم.. 
انخفض صوته "اهدئي" نظرت له بفزع ولكن هدوءه كان غير مفهوم "بالنهاية لابد أن يعرف الجميع أن ما بيننا لا يمكن أن ينتهي"
الكلمات ترددت داخلها.. ما بيننا.. وقبل أن تسأل توقفت.. الاجابة واضحة
أيلا.. 
أيلا هي كل ما بينهم ولا شيء فعلا يمكن أن ينهيه.. 
**** 
اليومان التاليان كانا رائعين.. ثلاثتهم استمتعوا حقا.. أيلا ارتبطت به بشكل أكثر مما توقع هو نفسه 
لكن.. بالمقابل هو الآخر أصبح مدمن على الفتاة 
خروجهم كان أكثر مما توقعت.. رفض ابتعادهم عنه لذا ملأ يومهم بالزيارات والخروج والحفلات حتى أيلا لم يقبل بألا تكون معهم
الصغيرة نفسها تعلقت به جدا.. نست ما كان واختارت الرجل الجديد وهذا منح مهرة راحة أن العلاقة استقرت بينهما
هي وهو أيضا اختلفت علاقتهم.. النظرات، اللمسات.. حتى الضحك والحديث.. كل شيء اختلف.. أصبح رائع وجميل
أحبت كل لحظة لها معه.. يده التي لم تترك يدها.. وربما يلفها بذراعه وهو يحمل أيلا بحنان واهتمام.. 
راحة ملأت قلبها وهي تمنحه الراية.. يحمل عنها تعب سنوات وهي وحدها.. الآن ليست وحدها
الجميع ممن يراهم كان يظنهم عائلة، وهذا كان حلم لم تناله.. 
حتى الآن.. 
أمام غرفتها أراد قبلتها لكنها كانت تفر منه.. لم تمنحه شيء.. ما بينهم لم يصبح مكتمل بعد وعندما يكتمل لن يمكنها التراجع وهي تعلم ذلك جيدا
اليوم الرابع والأخير كان مختلف.. انتهى لأيلا مبكرًا برغبة منه.. 
لم يجعله أمر مباشر لكن الألعاب التي نالتها الصغيرة جعلتها ترفض الخروج بالمساء ككل ليلة وبقيت معها تلك المرأة
وكان من السهل أن تصبح المهرة له وحده فهي نجحت بألا تجعله ينفرد بها منذ العشاء والذي ظهر أثره باليوم التالي على الميديا.. 
صورهم كانت تتصدر كل الصفحات، ونالت أعلى المشاهدات وانتظرت وصول نارا وصب غضبها عليهم..
لكن لم يحدث
ببساطة رجال رحيم أوقفوها عن فعل ذلك، منعوها من اتخاذ أي رد فعل.. 
والدته لم تهاتفه.. كما أخبرته.. لن تمنحه الأمومة لمجرد أنه انتقى من أرادها ومع ذلك لم تسافر لابنتها
تلك المرة العشاء كان بخيمة بدوية يقيمها المنتجع بالجوار.. المكان رائع أخذ عقلها كما أخذت هي عقله.. 
أصبح مهووس بها ونسى عمله ومن هو ولم يذكر إلا هي وابنته.. 
الجلسة كانت عربية.. العشاء كان من لحم الخروف الذي يتم شوائه بالخلاء أمام الجميع.. المشروبات متنوعة، السلطات مفتوحة.. 
كل ما تشتهي النفس موجود 
حتى القمر كان ينتصف السماء بكامل هيئته وجماله.. نجومه تنتشر من حوله.. تزين السماء وكأنها ليلة من ليال ألف ليلة وليلة
لم يختار مكان بعيد بل جلس بجوارها.. عطرها يفقده تركيزه.. أناقتها جعلته يدرك أنه بحاجة لامرأة مثلها ليس فقط ببيته بل وبعمله 
"سنبدأ حملتك الجديدة بمجرد عودتنا"
رفعت وجهها له.. الليلة تركت شعرها حرا طليقا.. تهاوى حول وجهها كشعلة نيران متوهجة.. ولا رجل لم ينظر لها.. 
الجنون كان يضربه من نظراتهم ولكنه كان يتحكم بنفسه
لم تصمت "أنت لم تخبرني أنك وافقت عليها، فقط تحدثت عما يخص الجروب خاصتك"
تناول اللحم الشهي وقال "ولم أخبرك أني رفضته" ورفع عيونه لها "وأنتِ لم تسألي"
نعم.. خشيت أن تسأل
لم تمنحه لمحة عن أفكارها وهو أكمل "يمكنك اختيار عارضة من المجموعة، لديهم إمكانيات جيدة"
لم تعود للطعام بل ظلت تنظر له وهي ترد "سأرى عملها أولا وبعدها أحكم، أخبرتك أني أحضر جلسات التصوير"
لم يمنحها نظراته فالطعام حاز على اهتمامه ولكنه منحها الرد "أعلم"
ابتلع الطعام ومنحها تركيزه " وأعلم أن اختياراتك تكون صائبة"
لا تصدق أنه يفعل ذلك معها.. "رحيم لو كنت تظن أنك تستطيع خداعي بكل ذلك فأنت مخطئ"
جفف فمه وجذب سيجارته وأشعلها قبل أن يجيبها "لم تعودي تلك الفتاة الصغيرة التي يمكن خداعها مهرة، أعرف مع من أتعامل"
تجهمت.. لا تفهمه حقا "لماذا تفعل معي ذلك؟ لم تؤمن يوما بعملي"
تناول كوب المشروب وأخذ رشفة ثم قال بصوت عميق "لأني لم أكن أرغب بتصديق قدراتك.. لم أرغب بمنحك مكان غير البيت"
تراجعت لحظة قبل أن تعود له وقد اكتملت الصورة "وما الذي تبدل رحيم؟ هي نفس الفتاة التي لا يمكنك وضعها بمواجهة الكاميرات"
وكادت تنهض، مدركة أنهم يعودون لنفس البداية، لكن..
يده قبضت على يدها.. أوقفها عن الحركة والتقت العيون.. 
الغضب بالهدوء.. الشك باليقين.. الجنون بالسكينة 
"لقد فعلت مهرة، وضعتك معي أمام الكاميرات ولم أمحو شيء، متى ستتوقفين عن كل ذلك؟"
سكنت.. 
لحظة إدراك.. هو فعل حقا، هنا.. 
بتلك الليلة والصور تؤكد صدق كلماته "لم لا تتوقفين عن إشعاري بالذنب بكل مناسبة؟ لم لا تعترفين أن كلانا أخطأ وفشلنا بسببنا نحن الاثنان"
منعت الدموع.. لا ترغب بها "ربما أكون ساهمت بالفشل رحيم لكني حاولت إيقافه لكن أنت لم تفعل.. أنت اخترت إلقائي خارج حياتك بلا تفكير"
ظل متجهما.. يستوعب الحقائق "عدنان لم يكن أمر سهل تجاهله مهرة"
لم تغضب بل أجابت بهدوء "ولكنك لم تحقق به رحيم، أنت صدقته هو ولم تصدق أني لم أمنحه أي شيء.. ألم تسأل نفسك لماذا لم أرتبط به بعد طلاقنا؟ ألم يجعلك تصدق أن ليس بيننا شيء؟"
كان قد سأل نفسه ذلك مرارا ولكنه ظن أن بالأمر سر "أنتِ اختفيت وظننت أنه هو من أخفاكِ، كنت غاضب ولم أبحث"
هزت رأسها بلا وعي وقالت "اختفيت خوفا على الحمل.. عدنان حاول معي قبلها وطردته وكدت أهاتف الشرطة ليذهب، أنا كنت مخلصة لك"
الصدق هو كل ما رآه بنظراتها.. بكلماتها.. بنبرة صوتها.. 
أبعد وجهه.. كلمات نارا وقتها ترن بأذنه.. هي من جعلته يظن بها كل الظنون ونفخت بالنيران حتى توهجت وأكلت كل شيء
تلك المهرة كانت تمطره بكلمات عن الحب وهي زوجته لكن كل ذلك توقف.. انتهى.. مات وهو من صنع التابوت
توقفا والموسيقى تعزف فنهض وقال "لنرقص"
نظرت له بدهشة والجنون ليس من طباعه وعندما مد لها يده ظلت تنظر لها ولا تعرف متى منحته يدها ولا كيف استجابت له.. 
لكن.. 
ما عرفته حقا أنها استمتعت جدا وعندما تحولت الموسيقى لأخرى هادئة ظلا واقفين متواجهين.. بلا حركة رغم أن كل من حولهم كونا ثنائي 
لحظة.. اثنان.. والعيون لا تفترق
باللحظة الثالثة كان يتحرك لها ببطء ويده تمسك يدها ليرفعها على كتفه ثم ذراعه تلفها وتجذبها له وهي تخدرت.. 
فقدت القدرة على أي شيء سوى الاستسلام.. 
حرارتها ارتفعت.. العرق بلل جسدها.. عطرها ارتفع له فجعله يغمض عيونه لحظة وهي تضع رأسها على صدره.. 
هل حقا هي هنا؟ 
مع الرجل الذي أحبته ولم تظن أن الأيام ستجمعهم مرة أخرى؟ 
لماذا لا تدفعه بعيدا؟ تخبره أن ذلك خطأ؟ 
لماذا تشعر بالسعادة لأن ذراعه تضمها بتملك وهي لا ترفضه؟ 
تسمع نبضات قلبه القوية كموسيقى تطرب الآذان.. أنفاسه تسقط على رأسها كنسمة رقيقة تداعبها بحنان
الهمس وصلها "سعيدة؟"
لم يعد بإمكانها الهروب "نعم، شكرا لكل ما فعلته لنا"
لم يبعدها بل زاد ضغطه عليها "ما زلتِ ترفضين وجودي؟"
كان عليها الاعتراف بعد كل ما فعله لهم "لم تمنحني فرصة لأفعل.. أنت ملأت حياتي.. أقصد حياتنا"
ودق قلبه من كلماتها.. أخيرًا تفتح له الباب وهو لن يترك الفرصة تضيع 
صوته خرج همسا، يخترج جدران الماضي ويفتتها "أنا لم أعد أستطيع تركك تبتعدين عني مهرة.. لابد أن نتزوج"
لم ترد.. هي الأخرى لا ترغب بالفراق.. تعبت.. قاومت كثيرا لكنها تتهاوى والزواج هو الحل و.. 
ابتعدت فجأة.. 
المرض الذي دمر حياتها.. لقد نست
رأى الفزع بالعيون البنفسجية.. همس باسمها بحيرة والدموع هو كل ما واجهه 
"مهرة..!؟"
تراجعت ببطء.. خطوة.. اثنان والدموع تهبط.. 
وأخيرا التفتت.. 
قدماها تتعثر ولكنها قاومت الضعف..
أسرعت.. 
لم تعرف هل كانت تجري أم تسابق المصير، ولكن عندما وضعت يدها على باب غرفتها كانت يده تمسك بها
كلاهم كان يلهث من الجري.. 
هي دموعها ومخاوفها تسيطر عليها وهو.. الحيرة والتساؤلات تثير جنونه 
كانت طيعة بين ذراعيه.. تمنحه ما أراد أن يسمعه فما الذي تبدل بلحظة؟ 
لفها بقوة فالتصق ظهرها بالباب ورأت الغضب يطل من مقلتيه ومع ذلك احتفظ بنبرة صوته هادئة "ما الذي حدث؟ لماذا هربتِ هكذا؟"
هزات رأسها كانت بلا وعي.. دموعها منحته غضب فوق غضبه لعدم إدراكه سببها "مهرة لماذا تبكين؟ كنتِ تعلمين أني أصر على الزواج فما الجديد اليوم؟"
أظافرها حفرت بالباب.. جسدها يرتجف وكأنها بالقطب الشمالي.. 
قلبها يدق بفزع وجنون ولا يمنحها لحظة لاستنشاق هواء كافي
تعبت.. 
تعبت من ضياع الأمل بحياة سعيدة 
"مهرة أجيبي، حالتك هذه تثير جنوني، هل هناك رجل آخر؟"
كان متأكد من الرد وهي تهز رأسها بالنفي فانحنى عليها دون أن يفلتها "إذن ما سبب كل ذلك؟ حالتك هذا تصيبني بالجنون"
بيد مرتجفة رفعت الهاتف فحرر ذراعها وهي تعبث به ثم منحته إياه.. عيونه ظلت تلاصق عيونها حتى تحركت نظراته ببطء للهاتف
حاول استيعاب ما يراه.. ما تلك الأرقام والكلمات و.. 
استوعب بالنهاية أنها نتائج تحاليل، مثل تلك التي يقوم بها كل عام كنوع من أنواع السلامة الصحية 
خفت قبضته على ذراعها وهو يأخذ الهاتف محاولا فهم معنى التحاليل حتى عاد لها "ما هذا؟ أنا لا أفهم شيء"
دموعها الغزيرة لم تمنحها أي سكينة فهي لا تزيل السبب "لدي تاريخ مرضي بعائلتي.. ماما وخالتي ماتا ب.. كانسر"
ومرت رعشة قوية داخله.. حاول ألا يفكر بطريقة تؤدي للهاوية "وماذا؟"
لا يمكنها التراجع الآن "الصداع كان يؤرقني دائما والطبيب طلب مني فحوصات بسبب تاريخ عائلتي و.. النتيجة بيدك"
عاد للهاتف.. هل ما يسمعه حقيقي؟ 
لا.. 
صوته كان عميق "لا.. لا يمكن أن يكون ذلك صحيح"
لكنها كانت تبكي وهي تحاول منحه رد "بلى، التحاليل إيجابية"
هتف بقوة "كذب، سنجري سواها، هذا غير صحيح"
 ثم ارتد لها.. 
أحاط وجهها الباكي براحتيه، الألم بعيونها يضاهي ألم قلبه.. 
صريخ من داخله تصاعد من فمه "أنتِ بخير هل تسمعيني؟ أنتِ لن يصيبك شيء، سنجري الفحوصات مرة أخرى وأخرى.. ستسافرين لأفضل البلاد ولكنك لن تتركيني هل تفهمين؟"
وجذبها له.. وهي تركت نفسها تنهار بأحضانه.. الآن بإمكانها الانهيار، الضعف، الحزن على نفسها 
الآن تجد من تضع رأسها على صدره وتعلن عن سقوطها.. 
**** 
عندما جلست على طرف الفراش كانت متعبة.. البكاء أعاد الصداع وقلبها متعب هو الآخر.. 
تنهدت وعيونها تسقط على ابنتها النائمة.. الحقائب بجوار الفراش وبعد ساعات قليلة سترحل من هنا حيث عاشت أسعد أيام حياتها وربما لن تعيش مثلها مرة أخرى .. 
هو طلب أن ترافقه لبيته وهي لم تعرف ماذا تفعل
ليس قبل الزواج والزواج نفسه ليس قبل أن تعرف أيلا الحقيقة وهي لا تعرف كيف تخبرها؟ 
الألم مزقها وهي تمرر أصابعها على وجنة ابنتها.. من حقها أن تعرف أن لها أب وهو من يسعى الآن لأن ينال محبتها
كما لا تعرف كيف يمكنها تقبل اختفاء أمها من حياتها؟ 
فتحت الصغيرة عيونها والتقت بعيون أمها الباكية "مامي، أنتِ تبكين؟"
مسحت دموعها ومنحتها ابتسامة حب "لا حبيبتي"
اعتدلت أيلا جالسة "مامي هل لابد أن نذهب؟ أريد البقاء"
أبعدت شعر ابنتها المتناثر حول وجهها بحب "لا يمكننا ذلك حبيبتي، الرحلة انتهت ولا تنسي أن العمل ينتظرنا"
الطفولة هي ما تتملك ابنة الثلاث سنوات وقلب الطفلة هش "مامي هل أبيه سيأتي لرؤيتنا مرة أخرى؟"
توقفت يدها على شعر ابنتها بلا حركة وقد فكرت أن الوقت حان لإعلان ما تم إخفائه "هل ترغبين بوجوده معنا؟"
هزة خفيفة من رأسها الصغير منح مهرة الإجابة ثم قالت "نعم"
لم ترد.. 
**** 
تقريبا صراعاتهم لا تنتهي وهو يسيطر على كل شيء حتى أيلا.. كل طلباتها أوامر له وتنفذ على الفور واعتراضها يذهب مع الريح.. 
السيارة أخذتهم من المطار وهاتفه لم يتوقف.. 
اعتراضها على الذهاب لبيته لم يفيد.. وهي توقفت عن جدالها معه أمام أيلا.. لن تفسد ما تم إصلاحه
البيت كما كان.. كانت تحبه حقا لكن ما زال يحمل أحزانها عندما انهار زواجهم 
أيلا التصقت بها وهي تتأمل الفيلا الرائعة ولم تفهم شيء "مامي لماذا نحن هنا؟ ألن نعود لبيتنا"
كانوا قد دخلوا وأيلا تنظر لها تنتظر الرد ولكنه هو من أجاب "هنا بيتك فتاتي الجميلة"
التفتت أيلا له من بين يداي أمها دون أن تفلتها.. وهي ظلت ثابتة بمكانها.. لا تنظر له ولا تنطق بكلمة.. 
هما لم يتفقا على شيء بخصوص أيلا لكن.. العقل يفرض نفسه.. 
توقف أمامهم وثبتت عيونه على مهرة للحظة ومهرة كانت صامتة.. ثقل خاتمه بإصبعها يذكرها أن ما يفعلونه هو الصواب.. 
عدم تخليه عنها عندما عرف بمرضها جعل مشاعرها مرتبكة
نزل لمستوى الفتاة وعيونها تقف عليه بتساؤل يليق بعمرها "أخبرتني أن صديقتك بالحضانة لها أب أليس كذلك؟"
لم يكن ليتراجع.. هو يرغب بذلك.. جمع شتات أسرته التي كان سبب بضياعها 
الفتاة هزت رأسها بالموافقة بلا كلمات وهو ظل ثابتا أمامها "وأنتِ؟ ألا تتمنين أب مثلها؟"
سؤال الفتاة التالي ضربهم بمقتل.. جعلهم يتساءلون عن تلك الصغيرة ومدى قدرة عقلها على الاستيعاب "هل أنت والدي!؟"
رفع وجهه لمهرة التي كانت تقاوم الدموع.. لم تتحدث.. لم تعلق على سؤال ابنتها فما كان يفعله هو مع الفتاة لا يصدر سوى من أب عاشق لابنته وقلب الصغيرة أدرك ذلك
لم يفكر وهو يجيب "هل ستغضبين لو كنت والدك"
هزت رأسها الصغيرة بتردد… عيونها بينه وبين مهرة… كأنها تبحث عن الإجابة بينهما هما الاثنين معًا
"لا أعلم"
الكلمة خرجت بريئة… لكنها كانت كفيلة بأن تزلزل الاثنين
مهرة تنفست أنفاس عميقة بصمت، قلبها انقبض، لا تعلم هل ستتحمل طفلتها شيء كهذا؟ 
هذه هي اللحظة اللي كانت تخاف منها طول الوقت
أما هو، فكان ثابتا… لأول مرة يفقد سيطرته الكاملة، لكن رغبته بإكمال الأمر كانت أقوى من أي تردد
مد يده بهدوء وأمسك كفها الصغير بين كفه الكبير وخرج صوته خافتا لكن يحمل حنان الأب ورجاء من رغب بشيء وتمنى تحقيقه 
"أنا أتمنى أن أكون، لو وافقتِ أنتِ"
رفعت عيونها الحائرة له، تدقق في ملامحه بطريقة عفوية تناسب عمرها الصغير وكأنها تحاول تفهم الإحساس الذي يسكنها
ثم همست بتردد "هل هذا يعني أنك ستبقى معي؟ لن ترحل مرة أخرى؟"
السؤال كان سكين في قلب مهرة و.. قلبه.. كلاهم السبب بما حدث لتلك الفتاة.. كلاهم يحمل ذنبها
قبل أن يفتح شفاهه ليرد، خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، لكنه حاسما "أيلا.."
رفعت لها الصغيرة رأسها فورًا وكأنها تنتظر منها المساعد على تخطي الأزمة التي تمر بها
ومهرة أدركت ما تمر به ابنتها، ولن تتركها وحدها، نزلت لمستواها، أمسكت وجهها الشاحب بين يديها وعيونها ترتجف "هل تذكرين اسمك؟"
اهتزاز رأسها بخفة عنى نعم فعادت مهرة تقول "أيلا رحيم.. " 
وأكمل هو بصوت مرتجف "هو أنا رحيم أيلا، أنتِ ابنتي"
لفت وجهها له، هي فيما بينهم حتى ثبتت على والدتها التي هزت رأسها بالموافقة "نعم حبيبتي، هو والدك"
عادت أيلا له.. عيونها التي تشبه عيونه، تحدق به ملامحها لا تمنحه أي شيء ولا تُطمئن قلب الأم الخائف على ابنتها
بصوتها الصغير سألته "حقا أنت بابي؟"
لم يتحرك وكأن جسده تخدر، فقد القدرة على الحركة أو ينتظر من صغيرته الإذن بالحركة "نعم"
صمت ثقيل مر والطفلة لا تتحدث ثم فجأة قطعته بنفس الصوت "مامي بائع اللعب بابي؟ هذا يعني أنني سيكون لدي لعب كثيرة أليس كذلك؟"
تراجع الاثنان من تفكير الصغيرة ومهرة تمسح دموعها وتبتسم لابنتها "هو ليس بائع لعب حبيبتي"
هو من تحدث "لكن سأشتري لكِ كل الألعاب التي ترغبين بها وسنلعب بها سويا"
صفقت بيديها فجأة وهي تضحك "رائع، ونذهب الملاهي التي أراها بالهاتف؟ ونعود للألعاب المائية؟"
هز رأسه وهو يتنفس بقوة متجاوزا تلك اللحظة التي كاد يفقد فيها أنفاسه "كما تأمرين أميرتي"
التفتت لمهرة "مامي سيكون لي أب مثل كل البنات وسيأتي معي النادي ويضعني على الألعاب"
التفتت له بعيونها الجميلة "أنت طويل جدا يا أبيه.. "
رفع أصابعه على شفاها الصغيرة "بابا.. أنا بابا أيلا"
نظرت لمهرة وسألتها "مامي هل أناديه بابي؟"
دموعها لا تتوقف.. الأحزان لا تتركها رغم أنها سعيدة بسعادة ابنتها "نعم أيلا، ناديه بابي"
التفتت له "حسنا بابي، أنا أرغب بدبدوب كبير بهذا الحجم" وفتحت ذراعيها على آخرها وأكملت "وبيت العروسة بكل ما به وفساتين كثيرة لي، مامي لا تشتري لي سوى البنطلونات، كما أرغب بهاتف مثل هاتف مامي ليكون لي، هل لديك مال يكفي كل ذلك أم ستخبرني العكس؟"
للحظة ظل جامدا يستوعب طلباتها ثم ضحك فجأة "لدي ما يكفي طلباتك أميرتي"
صفقت بيداها وهتفت "رائع، أنت أجمل بابا بالدنيا"
وتراجع من جسدها الذي اندفع له بلا مقدمات وهو أصيب بالجمود لوهلة قبل أن يلفها بذراعيه وعيونه تلتقي بعيون مهرة التي ارتاحت لتقبل ابنتها الأمر هكذا
وشد على طفلته بذراعيه وهو يغمض عيونه.. يستنشق عطرها اللطيف، ذراعيه لا تفلتها وكأنه خائف من أن تضيع منه لو أفلتها
لا يمكن وصف رد فعل الفتاة بالغرفة التي أصبحت لها.. رجاله أعدتها وهم بالغردقة، بها كل ما يناسب فتاة بعمرها وهي ظلت تقفز هنا وهناك تفحص الألعاب المرصوصة
ترتد لخزانة الملابس التي ازدحمت بكل ما حلمت به.. قفزت فوق الفراش الرائع وهي تضحك وعروسة رائعة بين ذراعيها
هو وقف عند الباب، مستندا بكتف على حافته ويداه بجيوبه وابتسامة جذابة ملأت فمه لسعادة ابنته التي كانت تهتف بسعادة "كل هذا لي؟ مامي سأنام هنا؟ هل رأيتِ كتب التلوين؟ والألوان؟ بابي عرف أنني أحب الرسم"
سعادتها جعلتها تنسى كل أحزانها وهي تراقب فرحة ابنتها "نعم حبيبتي ربما تكونين مثل والدك فهو يرسم ببراعة"
ورفعت عيونها له ولمعت عيونه لها وأيلا تقول "حقا بابي"
تحرك للفتاة التي ظلت واقفة على الفراش "أرسم ملابس فقط أيلا"
جلس على طرف الفراش فجلست مثله بمنتصف الفراش وقالت "ستعلمني إذن؟"
أبعد خصلات شعرها الطائشة "إذا رغبتِ سأفعل بالطبع"
وافقت برأسها وهي تنظر لمهرة "مامي هل بابي سيعيش معنا هنا؟"
لم تجد فرصة للرد وهو يجيب "بالطبع.. مامي وأنا وأنتِ سنعيش معا للأبد، وسيكون لديكِ مربية خاصة وكل ما تتمنين كما اتفقنا"
دقات على الباب جعلتهم يلتفتوا لمديرة المنزل، مهرة تعرفها بالطبع "آسفة للإزعاج ولكن.. "
لم ينهض ونظراته ترحل لها ومهرة المثل "حضرتك لا تجيب الهاتف ومسلم يبحث عنك، يقول الأمر هام"
نهض واقفا "الهاتف بالجاكيت بالأسفل، أميرتي هل تسمحي لي بالذهاب" ومنحها حركة مسرحية
نهضت واقفة تتجاوب معه "نعم، سأسمح لك لكن بشرط"
أحنى رأسه "أميرتي تأمر وأنا أنفذ"
رفعت جسدها بحركة كالأميرة "أنت من عليه قصة اليوم وليس مامي"
لف وجهه لمهرة التي تحركت لها "حبيبتي ألم تسمعي أن هناك عمل هام ينتظره؟ لنمنحه اليوم سماح"
لانت ملامحها ولكنها عادت وقالت "أحتاج لهدية"
ضحك من قلبه وقال "أمرك مطاع، هل لي بقبلة"
هزت رأسها فانحنى لها ولكنها لفت ذراعيها الصغيرة حول عنقه ورقص قلبه وهو يضمها له 
ما أن نزل حتى توقف بمنتصف البهو عندما رأى والدته تلتفت لتواجهه وملامحها تنم عن سبب وجودها وهي نادرًا ما كانت تفعل 
"ماما!؟"
تحركت بخطوات تعبر عما داخلها لتقف بمواجهته وعيناها تنبض بجمرة نيران مشتعلة "كيف تجرؤ على فعل ما فعلته بالغردقة؟ أنت تتحداني رحيم؟ تظهر بها هكذا على الملأ وتضع خاتم بيدها؟ تبقى أن تخبرني أنك.. "
قاطعها بصوته العميق والهادئ "نعم.. سأتزوجها"
وابتعد لجاكته وجذب منه السجائر وهي تتبعه "رحيم هل تدرك ما تفعل؟ أخبرتك أني لا أقبل بها"
نفخ الدخان ولم ينظر لها وهو يجيب "وأنا أخبرتك ألا تعيدي الأمر مرة أخرى" والتفت لها وأكمل "لأن قراري لن يتغير"
الغضب زاد أضعاف، دفعها للجنون، صوتها ارتفع والاعتراض يظهر بكل نفس من أنفاسها "تلك الفتاة عرفت جيدا كيف تخدعك، لديك المئات من بنات العائلات اللاتي يلقن بنا، لا تنزل بنا لهذا المستوى"
رفع رأسه ليرى مهرة تقف بمنتصف السلم ونظراتها جامدة وصوت أمه يعود ليكمل "تلك الفتاة.. "
عاد لأمه "تلك الفتاة هي من اخترتها، لماذا تكررين نفس الكلمات وأنتِ تعرفين النهاية؟"
أشاحت بيداها "لأنه لابد من أحد يوقف جنونك هذا؟ أنت كبير عائلة العزازيري وعليك مسؤولية الحفاظ على مكانة الاسم"
لم يعود لمهرة وهو يجيب "ومكانة الاسم لن تهتز لأني أعيد زوجتي التي أريدها ماما"
وابتعد راغبا بإنهاء ذلك الأمر والتفتت أمه لترى مهرة فهتفت "هو أنتِ سبب كل ذلك، أنتِ من يرغب بهد عائلتنا، هل عدتِ لتنتقمي؟"
نزلت لتواجه فلم تعتاد الهروب وتوقفت أمامها "أنتقم بماذا مدام؟"
رفعت عنان رأسها وهتفت "بتدمير اسم رحيم عندما يلتصق اسم فتاة من الشارع باسمه"
هي من أجابت بقوة "أنا لست من الشارع، كان لي أب وأم وأنا نفسي صنعت نجاحي بنفسي ولم أحتاج لأحد، توقفي عن تلك الأوهام مدام"
أشاحت المرأة "ليست أوهام، كل ما أنتِ عليه لا شيء بجوار اسم العزايزي، أنتِ لا شيء، مجرد نكرة، طامعة، متسلقة، هل تسمعيني؟ أنتِ لا شيء، لا شيء"
صراخ أيلا أوقف المرأة "توقفي.. لا تصرخي بمامي"
والتصقت أيلا بمهرة التي انتفضت لرؤية حالة ابنتها فحملتها "أيلا حبيبتي اهدئي"
عنان تراجعت والمفاجأة ألجمت لسانها ومهرة تهدأ أيلا وعنان تهمس "مامي.. "
باللحظة التالية كان يطفئ السيجارة ويتحرك لهما "أيلا لم يحدث شيء"
بكاء الطفلة كان يؤلمه ويؤلمها وعنان لم تظل صامتة "من.. من تلك.. الفتاة؟"
انتبه لأمه "كفى ماما، ليس الآن؟"
هتفت بلا تراجع "بل الآن؟ ستأخذ طفلة لا أصل لها لمجرد أنك تريد أمها؟"
الغضب انتصر عليه وصوته خرج مخيف "قلت كفى"
الطفلة انزعجت من الأصوات "بابي أنا خائفة"
التفت لابنته.. ربت عليها وهي بأحضان مهرة وهمس بحنان "لا تخافي أميرتي، بابي هنا"
عنان تراجعت خطوة وهي تردد بأنفاس متقطعة "بابي؟ هي.. لا.. لا يمكن"
يده ربتت على الصغيرة ومهرة تمنحها كلمات تهدئ منها "حبيبتي اهدئي، نحن هنا معك"
صوت عنان وصله، ضعيف، متخاذل "رحيم أجبني؟ هل هي ابنتك"
التفت لها والتقى بنظراتها الفزعة وأجاب "نعم ماما، أيلا ابنتي، وأنتِ جدتها"
انتبهت الصغيرة ونظرت لعنان ودموعها كثيرة "بابي هل لديك ماما مثلي؟"
التفت لطفلته "نعم أميرتي، الجميع لديه ماما وهي أمي، جدتك"
لكن عنان هتفت بلا تفكير "لا، أنا لست جدة أحد"
تراجعت مهرة، تقبض على ابنتها التي حدقت بعنان وقالت "والدتك جميلة بابا لكن ليست أجمل من مامي، مامي هل يمكن أن أمنح جدتي قبلة؟"
تجهم وجه مهرة، رحيم حدق بابنته بلا وعي وعنان جمدت مكانها أمام مهرة فضاعت منها الكلمات.. 
لم تعرف بماذا تجيب سؤال ابنتها التي تملصت بين ذراعيها "مامي من فضلك دعيني أمنحها قبلة ربما تكف عن الصياح"
تركتها.. 
عنان لا تتحرك بل ثلاثتهم ثبتوا بمكانهم.. ينتظرون الصغيرة التي تسقط سحرها على كل من يراها 
نزلت نظرات عنان على أيلا.. عيونها تنتمي لابنها.. شعرها.. هي تحفظ ملامح ابنها عندما كان بعمرها والفتاة تكاد تكون نسخة منه لكن.. 
تظل ابنة مهرة.. 
الفتاة هي من هزم الصمت "تاتا، من فضلك انزلي كي أمنحك قبلة"
تلك دموع حقيقية التي ظهرت بعيون عنان.. هل حقا ابنها الذي تعيش لترى أولاده لديه طفلة بالفعل؟ وهي من تناديها تاتا؟ 
عاد الصوت الصغير "تاتا هل تنزلي؟"
لكن عنان تراجعت وقلبها يدق بقوة لكن عقلها يأبى عليها الاستسلام "ابتعدي عني أنا لست تاتا، أنا لست جدتك"
ورفعت وجهها لهم والقسوة اختلطت بالحيرة "اسمعي أيتها المخادعة، لعبتك هذه لن تمر على امرأة مثلي، لو ظننتِ أن بإظهار طفلة يمكنك الحصول على رحيم وعلينا جميعا فأنتِ مخطئة، رحيم كيف تصدقها؟ تلك الفتاة ليست ابنتك"
أيلا من تحدث وهي تحاول أن تفهم "لا تاتا، بابا هو بابا.. ماما أخبرتني أنه بابا وأنا اسمي أيلا رحيم وأنتِ تاتا"
وبدلا من أن تربت الجدة على حفيدتها التي تمنتها، أو تتراجع أمام طفولتها البريئة، كان الجنون هو رد فعلها.. 
صفعت الفتاة.. 
وصرخت مهرة.. 
وانتفض قلب رحيم.. 
وبكت الفتاة.. 
 
تعليقات



<>