
لا طلاق
النور داعب عيونها مرة أخرى.. رمشت واستجابت وفتحت عيونها والضوء تلك المرة لم يضايقها..
لكن..
كان هناك أصوات حولها وعندما حركت رأسها استجاب لها ولم تتألم.. صوت امرأة هو من جذب انتباه الجميع "لقد استيقظت دكتور"
وبلحظة رأت وجوه كثيرة تنظر لها.. رجلان بملابس الأطباء فتاة أو امرأة لم تعرف بملابس التمريض و..
لم تراه..
هل رحل؟
لن يظل بجوار امرأة لا يثق بها ويراها لا تليق به.. وهي لن تقبل بجراح جديدة يكفيها ما كان..
عرفت الطبيب بالطبع "مدام.. هل تسمعيني؟"
أرادت التحدث وسماع صوتها.. أرادت النهوض والعودة لبيتها حيث ابنتها ولكنها لا تعرف ما هو مصيرها الآن؟ "نعم، الجراحة؟"
ابتسم الطبيب وقال "الحمد الآن.. الآن يمكننا القول أنها ناجحة"
فمها جاف.. حلقها يؤلمها والضعف يجتاح كل جزء بها "أريد أن أنهض"
تبادلوا النظرات لحظة حتى عاد لها وقال "ليس بعد مدام.. كل عضلات جسدك شبه يابسة بسبب الغيبوبة.. لابد من علاج طبيعي حتى تستعيدي كل شيء"
أغمضت عيونها وهي لا تعرف متى سينتهي العذاب.. فتحت عيونها وسألته "ومتى سأبدأ؟"
ابتسم مرة أخرى وقال "هذا مؤشر جيد مدام، يدل على عزيمة وإرادة.. ستبدئين من الغد وحتى يقرر طبيب العلاج الطبيعي انتهاء مهمته"
وتراجع الرجلان وقبل أن تلف رأسها رأته.. كان واقفا خلفهم وقد ظنت أنه ليس هنا
الطبيب واجهه وقال "الحمد لله على سلامتها سيد رحيم"
هز رأسه ووجهه متجهم.. سعيد بعودتها ولكن سعادة موقوفة على ما سيكون بينهم "شكرا دكتور"
الأطباء بدت عليهم ملامح الارتياح لنجاح الجراحة وهم يتبادلون النظرات
الطبيب الثاني هو من تحدث "سيتم نقلها لغرفة أخرى وأيضا مجهزة لكن ليس عناية"
لم يرد وعيونه سقطت عليها وهم يرحلون من جواره واتصال العيون ما زال قائم حتى كررت ما كان..
أبعدت عيونها
الممرضة كانت قد انتهت من تجهيز الدواء وساعدتها بتناوله وما زال حلقها يؤلمها "حلقي يؤلمني"
برفق أعادت الفتاة رأس مهرة على الوسادة وقالت "نعم بسبب أنبوب التغذية، سأجلب شيء لحضرتك سوف يزيل الألم"
وتحركت الفتاة للخارج وفرغت الغرفة إلا منه والصمت ثالثهم
بصعوبة اتخذ خطوة تجاها.. ثم أخرى حتى وصل للفراش وهو يدرك أنه سيبدأ الطريق من البداية والأمر لن يكون بسهل
منذ الأمس وتصرفها معه وهو بصراع لم ينتهي.. هل ينهي كل شيء ويرحل ويحررها؟
هل تستحق أن يحاول معها من جديد محاولا إصلاح ما كان؟ بل هل هو يريد ذلك؟
وبالصباح وجد نفسه لا يتحرك.. لا يرحل.. لا يرغب بأن يتركها بل اتخذ قراره
لن يتركها..
رفع يده.. وتلك المرة أكمل طريقه لوجنتها.. لمسها.. يرغب بمنح نفسه راحة "وكأن الدنيا عادت للحياة بعودتك مهرة"
رمشت.. لفت وجهها فرحلت يده بلا قصد والتقت بنظراته وهي لا تصدق كلماته وربما ارتوى قلبها بها لكن..
الجرح أكبر من مجرد كلمات "تعبت نفسك من أجل لا شيء"
تجهم وجهه.. ارتدت يده لجواره ولمعت عيونه..
بريق لا تفسير له سوى الألم لكن هي فسرته بالغضب ولم تمانع فكم يغضبان من بعضهم والشجار يرافقهم..
الصمت لفهما للحظة.. النظرات ظلت متصلة حتى عادت وقالت "أين أيلا؟"
تتعمد منحه اعتقاد أنها لا تُفكر سوى بابنتهم، هذا ما أصبح يربطهم فكل شيء ضاع وانتهى ولا يعلم كيفية استرداده
"بالبيت.. مسلم أعادها فقد كانت هنا لتراكِ"
أغمضت عيونها.. ليس لإنهاء الحديث وإنما.. لأنها تحاول تصديق أنها لم تمت..
صوته خرج ضعيفا.. ظن أنها نامت "مهرة!"
فتحت عيونها الجميلة.. بها نظرات حزينة.. لا سعادة رغم تخطي ما كان.. كابوس عاشته وحدها حتى انهارت تحت ثقله
اقترب أكثر.. تمنى لو أنهى المسافة بينهما وجذبها لأحضانه.. ربت على رأسها الذي طاب وأخبرها أن كل شيء انتهى لكن..
المسافة بينهم لا تكمن بالهواء.. بل بما كان بينهم من مواقف هو يعلم أنها لن تمر بسهولة "لا تُجهدي عقلك بالتفكير، لكن.. فقط ابقي معي ولا تغيبي مرة أخرى"
ظلت تنظر له.. لا تجد كلمات لكن.. ربما وجدت راحة بما قال فهزت رأسها ببطء وعادت تغمض عيونها باستسلام للنوم
الأيام التالية شهدت تعب ومجهود كبير منها لتستعيد عافيتها وقدرتها على النهوض والحركة واندهشت عندما وجدته بجوارها
تقريبا لا يفارقها إلا ساعات يسرقها من اليوم ليتابع عمله ويسرع عائدا لها ..
ومع ذلك لم تمنحه أي نظرات أو كلمات تدل على ما بداخلها من مشاعر.. جمدت مشاعرها داخل قلبها وحفظتها بمكان خفي داخل غُرفه المظلمة ولم تبحث عنها..
أيلا رافقته مرات عديدة وكانت سعيدة بالتواجد مع والدتها التي عادت لها ومهرة نفسها لم تكن تبتسم إلا برؤيتها..
وأخيرا عادت البيت..
حجرتها كما هي.. كل شيء بمكانه لكن هي لم تعد كما كانت.. حتى وجوده معها بالأيام السابقة لم يبدل شيء
ما زال قلبها مجروح وعقلها رافض قبول كل ما يحدث لها..
سيظل الشك بينهما.. لا ثقة ولا صدق.. هكذا هي علاقتهم وهي ترفض تلك الحياة.. لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي تقنع بالألوان الصاخبة
أصبحت تبحث عن العمق..
وقفت.. لأول مرة منذ أفاقت من الجراحة، على قدميها دون مساعدة.. مرت أيام كثيرة بالمشفى ظنت أنها لن تخرج ولكن ها هي هنا..
يدها تستند على حافة الكومود.. ما زالت تبذل مجهود بالمشي ولكنها لا تعترض حتى..
رفعت وجهها لرؤيته عند الباب.. دخل للتو وتوقف مكانه عندما رآها واقفة
كانت تتقدم للأمام بسرعة أذهلت الأطباء ولكنه كان يعلم أنها مهرة مميزة دائما ما تتصدر الجميع
مهرة جامحة
لم يتحرك.. فقط قال بصوته العميق "أين الممرضة؟"
لم ترد..
ظلت لحظة تحدق بالفراغ ثم رفعت عيونها له مباشرة.. بدون تردد ولكن بعد تفكير عميق قالت "أنا أرغب بالطلاق رحيم"
وسقط الصمت.. كالعادة يوقف الكلمات بينهم
جمدت ملامحه.. لم يغضب ولم يحتد فقد توقع ذلك لكن..
عيونه اسودت.. سكنها الغموض واخترقها شعاع غضب أطفأه بالحال.. مهرة لن تلين بالغضب
تحرك للداخل بخطوات بطيئة حتى اقترب منها وصوته كان بارد.. لم يعرف هل كان ناجح بإخفاء نيرانه وراء نبرته الهادئة؟
أم كان ممثل باهر ويستحق جائزة أفضل ممثل؟
"ماذا قلتِ؟"
رفعت ذقنها.. لم تهتم بتعبها أو رجفة جسدها من إحساسها الثقيل بالكلمة فقط أعادت الكلمات "أرغب بالطلاق"
توقف عن التنفس دون وعي حتى زفر عندما كاد يختنق..
نظراتها جعلته يدرك أنها لا تمزح.. لا تتراجع.. لا ترى وجوده معها بالأسابيع الماضية
ثبات نظراتها جعله يفكر قبل أن يتحدث "مهرة هل تدركين ما تقولينه؟"
لم تهتز.. لم تتراجع فقد فكرت وقررت "كنت تعلم بما قلته قبل أن أدخل العمليات"
للحظة ظلت الوجوه متقاربة.. نظرات لا تنفصل وأنفاس متسارعة وهو يميل تجاها وقال "ظننت أنني.. "
قاطعته بلا تراجع "أنت من جعلني أتمسك بقراري"
اشتدت عضلاته.. تحركت تلك التي بوجهه، قبض أصابعه بقوة حتى تألم منها وهمس بصوت مختنق "أنا لم أتركك للموت مهرة"
كانت نبرتها مرتفعة، قوية.. تحمل غضب مكتوم "لكنك من قذف بي للموت رحيم"
وتولى الصمت الزمام مرة أخرى.. لكنه صمت امتلأ بالنيران
تنفس بقوة.. حاول السيطرة كما اعتاد لكن..
فشل..
أمام نظراتها هذه فشل..
تحت وطأة كلماتها فشل..
خرج صوته أخفض.. أخطر.. أكثر عناد وتحدي "لن أمنحك الطلاق مهرة"
وتحرك من أمامها.. منحها ظهره وزاغت عيونه بالفراغ من أمامه..
رمشت..
لم تندهش بل كانت تنتظر هذا الرد.. ما زال هناك ورقة رابحة سيتمسك بها
أيلا..
لم تستسلم له "أنا لا أسألك"
لف وجهه ومنحها ابتسامة باردة.. هزت شيء داخلها وقال "وأنا لا أنتظر رأيك"
وعادت تواجه أكتافه وسقطت عيونها على الأرض "لن يمكنك إجباري على البقاء معك"
قاوم رغبته بالتدخين لأجلها.. ما زال يذكر حالته وقت غيابها عن الواقع "لن أفعل، لكنه القرار الصواب"
أشاحت بيدها دون القدرة على التحرك من مكانها وكأن سلاسل تقيدها بمكانها "ليس من حقك اتخاذ قرار يخصني"
التف، واجه نظراتها القوية، رأى الغضب لكن لم يعترف به "من حقي مهرة لأن الأمر لا يخصك وحدك، هناك أنا و.. أيلا"
كما توقعت سيتلاعب عليها، تحركت ببطء، خطواتها ما زالت بحساب، فقط لم ترغب بمواجهته "أنت قمت بواجبك كزوج وأكثر أمام الجميع وانتهى واجبك بشفائي، وسبق وأخبرتك أن أيلا.. "
مالت رأسه بطريقة جعلتها تتوقف وتحدق بعيونه وهو يقترب منها وعيونه لا تفارق عيونها وصوته كان يحمل نبرة غاضبة "تجعليني ممثل ماهر على مسرح يشاهده جمهور تافه لا يفهم ما يدور حوله"
شحب وجهها أكثر.. ارتجفت قدماها وخطت خطوات أخرى باحثة عن المقعد وهي تحاول التماسك بقوتها للنهاية "الأمر مؤلم أليس كذلك؟"
انتبه لكلماتها فعاد يرفع وجهه وضاقت عيناه وهي تواجهه "أن يشعرك أحدهم أنك ممثل بمسرحية هزلية لا تستحق حتى ثمن التذكرة"
تجهم.. كلماتها تضربه بلا رحمة.. هي تصفعه بنفس أفكاره عنها
اقترب عائدا لها لكنها لم تنظر له.. قلبها يؤلمها ولا رغبة لها بألم جديد "لا تقلبي المائدة بوجهي مهرة، تعلمين أن ما كان يثير شكوك أي أحد"
التفتت له ببطء، تواجه نظراته المحترقة من الغضب وظلت باردة "لأنك ترى أني كذبت بشأن الكنسر لكن لا يهم أن هناك ورم"
زاغت عيونه على وجهها.. لديها حق.. ما الفارق؟
كلاهم مرض مميت، كادت تموت بسبب الورم وهو كان حميد..
ابتعد..
جلست أخيرا.. متعبة.. جسديا ونفسيا..
لا رغبة لها بالدخول بحرب جديدة وصراع آخر "انعدام الثقة لا علاج له رحيم.. هو طعن بالكرامة وأنا لن أغفر لك"
التفت لها، لكنها لم تكن تنظر له ولم يستسلم "والآن أصبحت أنا المتهم؟ هل تصدقين نفسك؟'
شهقت بصوت منخفض، تجذب أنفاسها بصعوبة وهي تعلم أن المعركة بدأت للتو
لم تجيب..
ارتد لها.. وقف أمامها.. غاضبا.. ساخطا.. رافضا الهزيمة " توقفي عن تهورك وجنونك مهرة، لم تعودي تلك الفتاة الصغيرة، حياتنا الآن مختلفة"
لم تنظر له وهي تقول "حياتي اختلفت منذ تخليت عني رحيم، منذ جعلتني أدرك أني لست الزوجة المناسبة لك وحتى عندما منحتك فرصة أخرى صفعتني بعدم ثقتك وشكوكك"
رفعت وجهها له وأكملت "إلى هنا وكفى رحيم.. أنا من لا تثق بك الآن، لا يمكنني وضع حياتي وحياة ابنتي بين يديك لأستيقظ وأجدك تلقي بنا بالشارع بلا سبب"
اسود وجهه مرة أخرى..
كلماتها تثير جنونه وهو لا يمكنه أن يثور بوجهها، أوقف غضبه وقال بصوت جامد كملامحه "لا.. طلاق.. مهرة"
وتحرك خارجا قاطعا عليها أي فرصة للجدال ودون حتى النظر لها
بينما أغمضت هي عيونها وتنفست ببطء لتمنح نفسها هواء وهي ليست راضية عن نفسها
****
لا تعرف كيف استسلمت له ولرفضه للطلاق؟
ربما لأنها تعلم عناده وسيطرته التي لا تنفصل عن شخصيته، وربما لأنها كانت ما زالت تحارب فترة النقاهة فلم تملك قدرة على محاربته..
ولكن النتيجة أنها انفصلت عنه داخل البيت..
وهو لم يحاربها وكأنه اكتفى بأنها بقيت بالبيت ولم تحاربه.. واكتفت برده "لا طلاق"
لم تكن تراه بالأيام.. يظل بالعمل ولا يعود إلا عندما ينهار من التعب ويشتاق لمن يسكنون بيته.. وحياته
كانت تتماثل للشفاء بطريقة مذهلة.. الممرضة كانت جيدة، الطبيب يأتي كل يومين ثم بدأت المسافات تزداد حتى..
تم الشفاء..
ومع انتهاء فترة المرض كانت قد اطمأنت على مكانتها على الانترنت.. لم تتوقف عن العمل.. لم تترك أيلا..
مر ما مر من الوقت.. أيام.. أسابيع .. لا أحد اهتم بالعد
اختارت مدرسة دولية لأيلا.. بحثت كثيرا حتى نالت إعجابها وتحدد موعد المقابلة الشخصية فاستعدت وأيلا لا تتوقف عن الحديث عن الأمر
أمسكت يد ابنتها ونزلت السلم لتراه يقف بالأسفل والسيجارة بيده والهاتف بيده الأخرى يتحدث به..
ارتفع قلبها بدقاته.. منذ متى لم تراه عن قرب؟
توقف الحديث بينهم منذ خروجها من المشفى.. كلاهم اختار تلك الحياة بلا اتفاق
ذلك التوقيت هو لا يتواجد به بالبيت فماذا يفعل هنا الآن؟
أيلا تركت يدها وأسرعت له "بابي"
انحنى.. تلقاها بين ذراعيه ورفعها له وهو ينهي مكالمته وهي تطوقه بذراعيها الصغيرتين "مرحبا أميرتي.. تبدين رائعة بالفستان"
قالت "مامي قالت إنك من أحضره"
رفع عيونه لها ولكنها ابتعدت تمنحه ظهرها.. استردت قوامها الرائع بلا خطأ، شعرها مربوط للخلف بجدية ليظهر ياقة الجاكيت المميزة..
الكعب العالي تناسب مع البنطلون الكلاسيكي.. امرأة تعرف جيدا كيف تدير عقول الرجال ليس فقط بجمالها بل وأيضا بأناقتها
عاد لصغيرته وقال "تعرفين أن لدي من يصمم تلك الملابس؟"
هزت رأسها وقالت "نعم.. مامي أخبرتني"
التفتت بشجاعة لا تعرف من أين واتتها بوجوده "أيلا لابد أن نذهب، ودعي بابا وهيا"
لم يمنح أيلا فرصة للرد وهو يقول "بابا سيكون معكم"
رفعت وجهها له، لمعت عيونه عليها.. جميلة.. فاتنة.. دائما ما تسحره
تحرك وما زال يحمل أيلا حتى وقف أمامها والتقى بنظراتها ووجهها المحترق بلهيب الغضب "المدرسة التي قدمتِ بها تحتاج للوالدين معا"
ومال عليها وهي تراجعت قليلا.. عطره سيقتل أنفاسها لكن.. لم يكن عطره.. بل ..
صوته أوقف أفكارها "ألا تعرفين ماذا تفعلين؟"
ظلت تواجه نظراته بقوة باحثة عن رد لكنها تعرف أنه على حق، فقط لم تكن تعلم أنه يراقب كل خطواتها "من السهل القول أنك لست موجود بالبلد"
ابتسم.. ابتسامة خفيفة.. هزتها من داخلها ولكنها احتفظت بصلابتها "ولكني موجود، هل نذهب؟"
للحظة ظلا متواجهين ثم تحركت هي بغضب واضح بخطواتها وأدركت أنها تخسر أمامه جولة جديدة..
المدرسة كانت رائعة، تقريبا كما كانت تحلم وربما أفضل.. وجودها بالقاهرة هو ما منح ابنتها مدرسة كهذه..
أيلا أجادت الأداء بالاختبار.. مدير المدرسة منح رحيم معاملة مميزة نظرًا لاسم العزايزي المعروف وتقريبا منحهم موافقة مبدئية جعلتهم سعداء..
عادا السيارة الفاخرة التي لفتت انتباه من كانوا يقومون بنفس المقابلة ولكنهم لم ينتبهوا للنظرات والسائق يتحرك بالسيارة وأيلا لا تتوقف عن الحديث عن المدرسة حتى التفتت له وسألته
"بابي أرغب باللعب، منذ تعب مامي ولم أذهب لأي مكان ألعاب"
لم تواجه نظراته المختفية تحت نظارته الشمسية.. ولم تنظر لأيلا فقط تابعت من بعيد وهو يجيب "ولم لا أميرتي.. عم محمود خذنا للكيدز اريا التي بمنطقة.. "
اندهشت أنه يعرف مثل تلك الأماكن وأيلا تصفق بيداها بسعادة وهتفت "شكرًا بابي، أنت أجمل أب بالعالم"
ابتسم وهو يداعب وجنتها ومنح نظرة لها وهو يقول "هل بإمكانك الذهاب معنا أم متعبة؟"
بالطبع عرفت أن السؤال لها، لم تنظر له وهي ترد بصوت منخفض "أنا بخير"
الجمود لا يلين رغم وجودهم معا لكنها تعلم أن مصلحة أيلا هي كل ما يهمها وبالطبع هو الآخر يفعل المثل..
المكان كان فاخر جدا.. شخصيات تبدو من عالم مماثل لعالم زوجها.. سيدات ترتدي ملابس ملفتة.. شبه عارية.. ومجوهرات لا حصر لها تزين صدورهن وأصابعهم
تورد وجهها وشعرت أنها شيء خطأ هنا.. عنان على حق.. هي ليست المرأة المناسبة لرجل مثل ابنها
لمسة على ذراعها جعلتها تفزع.. ترفع وجهها لوجهه الذي لم ينظر لها وهو يهمس لها "تعالي، هناك مكان للانتظار"
استسلمت له كالمخدرة.. تتابع الوجوه التي كانت تنظر لرحيم بإعجاب ثم لها بدهشة.. احترق وجهها من الإحراج وتمنت لو اعترضت على البقاء وطالبته بالرحيل لمكان آخر
الرجل وقف لأخذ الطلبات فابتلعت ريقها ربما ينشط لسانها "نسكافيه بلاك من فضلك"
وهو أشعل سيجارة وطلب قهوته.. نفخ الدخان وتابع نظراتها الحائرة هنا وهناك حتى جذبها له "تنالين الإعجاب بأي مكان تتواجدين به"
رفعت عيونها له.. الدهشة ضربتها، لا تصدق ما يقول بل لم تتوقعه من الأساس.. نفخ الدخان وعاد لها "من الجميل استعادتك نفسك بعد الجراحة"
نفضت حالتها المقيتة التي كانت عليها وزاغت منه بنظراتها وهي تقول "أرغب بالعودة للعمل"
ظلت السيجارة عالقة بأصابعه ونظراته تلفها بصمت وهي ظلت تنتظر الرد حتى وضع السيجارة بالمطفأة وقال "تختبريني مهرة أليس كذلك؟"
وعاد لها بنظراته "تتساءلين هل ما زلت نفس الرجل الذي أراد طمس شخصيتك"
لا.. نعم.. لم تعرف..
كل ما أرادته هو عمل، هي تحب ذلك ولا يمكنها التوقف "لا، الأمر لا يستحق كل ذلك، أنا حقا أريد عمل"
وضع الرجل الطلبات وظلت نظراتهم متقابلة حتى هز رأسه بهدوء وهو يرفع القهوة لفمه "أعلم"
تناول القهوة وهي تتابعه بلا فهم.. هل حقا يعلم ما تريد؟ ولو كان يعلم هل يقبل؟
عاد للسيجارة والدخان ارتفع حوله من جديد "المجموعة بحاجة لخبرتك، عملك يتحدث عنك"
اعتدلت.. تظن أنها لم تسمعه جيدًا.. هل يتحدث عن العزايزي جروب؟ المكان الذي بدأت به وسقطت منه؟
شفتاها رددت "العزايزي جروب؟"
تناول القهوة بهدوء مختلط بالدخان وهو يتابع ملامحها المتجهمة.. يدرك سبب دهشتها لكنه لن يتركها بمكان هو ليس به ووسط رجال يعلم أنها ستدير عقولهم بجمالها
منحها رد مختصر "بالطبع"
الصمت لفهم.. لا كلمات تصف ما بداخلها حتى وضع الفنجان وقطع الصمت "ظننتك ستتوقعين ذلك"
أبعدت عيونها وهي تستجمع نفسها وتجيبه "لم أتوقع أي شيء.. لم لا تتركني لمكان آخر؟ لا أرغب بتقييدك"
اعتدل واقترب من حافة المائدة وتركيزه كله لها "لا شيء يمكن أن يقيدني، وجودك بالشركة شيء لا نقاش عليه طالما ترغبين بالعمل.. وكفاكِ من عمل الانترنت، لم يعد يليق بكِ، متى ترغبين بالبداية؟"
لم تلمس كوب النسكافيه، ظلت يداها مختفية تحت حافة المائدة، تفركهم ببعض وقلبها.. قلبها يصفعها بلا رحمة، وهي تعرف أنه يعرف كل شيء عنها فلم تتفاجأ
"من الغد لو وافقت.. هل لي مكان؟"
ظلت تنتظر له بانتظار الرد وهو منحها إياه "بشركات زوجك؟ هل هذا سؤال طبيعي مهرة؟"
أبعدت وجهها مرة أخرى ولكنه لم يتركها وهي تكمل "ولم لا؟ هل نسيت ما كنت تقوله عني وعن شركاتك التي تختار من يعمل بها و.."
قاطعها بحزم "أنا لا أنسى شيء مهرة، خاصة إذا كان يتعلق بكِ، أنا فقط رأيتك بالطريقة الصواب"
ظلت تنظر له.. لم تواكب حيرتها دموع، بل صمت لم تعرف كيف تقطعه
حتى استوعبت نفسها وقالت بهمس مسموع له "تأخرت"
ارتج من الكلمة..
عيونها ظلت ثابتة عليه، لا تعرف ماذا تقول أو تفعل أكثر مما قالت وهو من بحث عن كلمات بعد أن أنهى السيجارة ولجأ لأخرى طار دخانها بينهم
"مهرة هناك الكثير مما سقط منا، ربما كان خطأ ولكن القدر منحنا فرصة جديدة فدعينا ننتهزها"
أبعدت وجهها وزفرت نفس عميق وهي تقول بسخرية "فرصة ثالثة يا رحيم بيه.. ولكني لا أرغب بفشل ثالث.. نحن لن ننجح بأي فرص رحيم فدعنا ننهي الأمر الآن.. سأعمل بمكان منفصل كما هي.."
ولم تكمل ولكنه استوعب الباقي.. لف وجهه ونفخ الدخان بعيدًا وهو يفكر بالرد "كما هي حياتنا، هذا ما أردته أنتِ وليس أنا، أنا رغبت بحياة طبيعية وأسرة حقيقية لأيلا"
تنفست بعمق وبحثت عن رد لكلماته "كانت حياتنا أنا وهي طبيعية، لم ينقصها شيء"
نفخ الدخان بعصبية وخرجت كلماته حادة "هل تمزحين؟ ألم ينقصها أب؟ مدرسة كالتي كنا بها اليوم؟ كل ما أمنحه لها؟"
اهتز جسدها.. الحقيقة تضيء بأي مكان "المال ليس كل شيء رحيم، لا تضعه بيننا مرة أخرى"
امتص السيجارة دليل على الغضب والكلمات تتراقص على شفاهه ولكنه اختار الرد "لم لا تعترفين أنكِ تعقدين الأمر ولا توقفين غضبك قليلا؟"
هاجمته نظراتها بقوة.. هي الأخرى حاولت انتقاء كلماتها "أنا لا أجد سبب لأفعل.. لا شيء سيتبدل رحيم، سيظل ما بيننا للأبد"
ونهضت مبتعدة.. لا ترغب بأي جدال من هذا النوع.. تنازلها سيأخذها لألم جديد وهي لن تتحمل
انتهت أيلا من اللعب وطالبت بالطعام وهو كان يتوقع ذلك وهو يأخذهم لمطعم قريب ولم يتحدثا معا بالطريق وهو يتابعها تتعامل مع أيلا بطريقة سهلة وبسيطة وكأنهما صديقتان لطالما أعجبته طريقتها مع ابنتهم
المطعم كان بنفس المستوى وتأكدت أنه يتعمد ذلك.. يظهر بهما بتلك الأماكن وكأنه يبثها رسالة وهي لا تفهمها ولكن نظراته تلك المرة قالت الكثير..
حتى أيلا.. جلست هادئة جدا وكأن المكان فرض قوته عليها "بابي هذا مكان غريب"
التقت بعيونه على الفور، تنتظر إجابته "لا حبيبتي، ليس بغريب وعليك الاعتياد على أمثاله لأننا لن نذهب لسواه"
ظلت عيونهم متقابلة.. لا تنفصل، والكلمات منحتها ما كانت تفهمه.. هذا هو رحيم.. وهذا ما عليها أن تكونه وهو يخبرها أن الأمر ليس اختيار..
الطعام كان رائعًا حقا.. هو من طلب لهم وكانت صدمة لها عندما طلب طبقها المفضل.. هل ما زال يذكر؟
لم يتحدثا بوجود ابنتهم لكن بمجرد العودة للبيت سحر حملتها نائمة منها وهو أمسك ذراعها وقال "نحن بحاجة للحديث"
رفعت وجهها له والتقت بالإصرار بنظراته وهو يدفعها برفق للمكتب ويغلق الباب خلفه وهي تنفض ذراعها منه بطريقة ملفتة والسيجارة تشتعل بفمه على الفور نافخا بها غضبه من طريقتها
"هل تخبريني سر غضبك الدائم هذا؟"
لم تلتفت له.. ظلت تمنحه ظهرها.. لا ترغب بأي مواجهة قد تظهرها ضعيفة أمامه "لست كذلك"
صوته الخافت وصلها بسهولة ومعه نسمة حارة على عنقها جعلتها تلتفت بسرعة لتراه خلفها مباشرة "بل كذلك"
حدقت بالرمادية.. سجنتها عيونه بلا مفر وارتفع عدد دقات القلب لأضعاف مضاعفة وتسارعت الأنفاس لتلاحقه بالأكسجين
ابتسم وابتسامته تأسر قلبها وقلبها الآن فريسة سهلة فهل سيسقطها؟
"هل.. تخبرني ماذا تريد مني؟"
تقدم خطوة.. ارتدت هي مثلها للخلف وزاد خطوة أخرى وابتسامته لا تترك فمه وهي ارتدت ولكن.. المكتب صدها.. حبسها..
سقطت بالفخ..
وقف أمامها.. لا مسافة إلا سنتيمترات لا تُذكر ورائحة نفس العطر تختلط برائحة التبغ ترحل لها..
هي تعرف هذا العطر فقط لو كان بعيدا عن التبغ ستتأكد أنه هو.. العطر الذي اشترته له وهما زوجين وهو رفضه..
هل هو نفسه؟ صدفة هي أم ماذا؟
ارتجفت لهذا القرب الغريب، لقد ظنت أن ما بينهم انتهى، مشاعرها تجاهه ماتت، انتهت، تدمرت مع ما تدمر.. ولكن..
همس أمام وجهها الشاحب "تعلمين ما أريده"
وسقطت نظراته على شفاها.. واقترب وهي تتنفس بصعوبة وكأن قربه سرق الهواء من حولها..
أفاقت عندما لمست أنفاسه بشرتها.. دفعت يداها بصدره ليرتد بذهول للخلف وعيونه تقبض على عيونها المليئة بالفزع وأنفاسها لا تكفيها وعقلها لا يقبل ما يحدث.. يتحدث معها
لن نقبل بالإهانة للمرة الثالثة.. لقد اكتفينا
السيجارة انتهت عندما لمست أصابعه فانتبه ولم يتألم فلديه ما يشغل كل مشاعره وتركيزه.. فقط تحرك للمطفأة وتركها بها
بينما هتفت هي "لن تتلاعب بي مرة أخرى رحيم، لقد اكتفيت"
ظل واجما.. لا رد لديه ولم يواجها.. كان يفهم كلماتها.. ومدرك تماما أن طريقها لم يعد سهل لكنه أراد خوض المعركة.. هي لن تهزمه
عندما لم يجيب تحركت لتذهب لكنه التفت وواجها قابضا على ذراعها لتقف بجواره والغضب اعتلى كل ملامحها ولكن نبرته كانت غريبة.. لم تحمل غضب أو اعتراض على موقفها ورفضها
بل كانت نظراته مختلفة.. وصوته خرج أيضا هادئا "وأنا أيضا اكتفيت"
رفعت وجهها له.. هل قرر الطلاق؟ انقبض قلبها..
ألم يكن هذا مرادك يا امرأة؟
لم تتحدث، انتظرته ليكمل وفعل "اكتفيت من الفراق مهرة، أريد حياة مختلفة، أريد أن نبدأ من جديد، سميها ما شئتِ، لكن لن ننال أي فشل"
سكتت.. الكلمات وقعت بينها وبين نفسها قبل أن تصل له.. فقط ظلت تنظر له.. لا تصدق أو ربما لا تريد أن تصدق أنه ما زال يريدها رغم كل رفضها
ثم.. ابتسمت، ابتسامة باهتة.. مؤلمة وهي ترد بصوت مبحوح "نبدأ من جديد؟"
خرجت منها كأنها تعيد الكلمة لتذوقها ثم.. هزت رأسها ببطء "نحن لم نبدأ بداية صحيحة أبدًا كي نبدأ من جديد رحيم"
تجهم وجهه.. لكن لم يقاطعها.. يعلم صحة ما قالت
جذبها.. لكنها أفلتت ذراعها وتراجعت "لا رحيم"
نبرتها لم تكن مرتفعة.. لكن حاسمة "بكل مرة قربك يدمر شيء داخلي، يهز ما يمكن أن يكون بيننا ولم أعد أرغب بذلك"
اشتدت نظراته.. تأملها بصمت حتى قطعه "ولا أنا أرغب بابتعادك"
الرد كان سريع.. كأنه يمنحها تأكيد على ما بدأه وهي تزداد حيرة من موقفه.. فجأة ضحكت.. ضحكة قصيرة.. ساخرة "أنت لا تريد وأنا لا أستطيع"
سقط الصمت لحظة.. ثقيل حتى عادت عيونها له بلا حواجز.. لكن مليئة بالألم "وبينهما فارق كبير رحيم"
شد على فكه.. اقترب خطوة رغمًا عنها وتلك المرة هي لم تتراجع.. ظلت ثابتة "وما الذي يجعلك تستطيعين؟"
صوته خرج أخفض.. أخطر.. وأصدق من أي مرة.. يتمنى لو تصدقه
رمشت.. السؤال أصابها بمكان لم تكن مستعدة له أو لم تتوقعه لذا فتحت فمها.. أغلقت.. ثم عادت وقالت "أن أشعر بالأمان"
انقبض قلبه.. دفعة قوية ضربته.. لكن ملامحه لم تتبدل "وأنتِ لا تشعرين بالأمان معي؟"
بلا تردد أجابت "لا"
ونزلت عليه الصاعقة فلم يتحرك ولم ينطق وهي تكمل بهدوء قاتل "الأمان ليس بالمال ولا بالاسم أو الحماية، الأمان ألا تكون الشخص الذي قد يكسرني"
سكتت لحظة وعادت تضيف "وأنت كسرتني رحيم"
شد نفس عميق، طويل وكأنه كان يقاوم رد فعل داخله "وأنتِ؟"
سؤاله فاجأها.. جعلها تتجمد وتلجلج لسانها "أنا؟"
هزة خفيفة من رأسه مع الرد "نعم.. ألم تكسريني؟"
واقترب أكثر.. عيونه غامت وأظلمت "أم ما فعلتيه كان سهل علي؟"
بالتأكيد عنى أيلا..
اهتزت نظراتها لحظة لكن سرعان ما تماسكت "لا.. أنا لم أخنك، لم أتخلى عنك بأشد لحظات الاحتياج، لم أشك بك بأي وقت"
نبرتها ارتفعت.. لأول مرة "أنا لم أكن عدوتك"
سكتت.. أنفاسها تعلو وتهبط بسرعة وهو.. ينظر لها بحدة وصوته خرج عميقا "وأنا خنتك؟"
حدقت به.. عيونها تلمع.. بلا دموع بل بألم "عندما تركتني وحدي.. نعم"
سكون خيم لثواني طويلة.. حتى قال بهدوء غريب "حسنا، دعينا نجرب ألا نكون أعداء"
رمشت.. لا تفهم وهو يكمل "لن أقول نعود.. ولا ننسى ولا حتى أطلب السماح"
وتراجع خطوة.. منحها مساحة "لكن أطالب بوقف الحرب"
ظهر التردد على وجهها "ماذا يعني هذا؟"
همس "يعني نعيش.. لأجل أيلا لكن.. دون أن نكسر بعض أكثر من ذلك بدون أن نشجع الفراق"
صمتت.. تلاعب بعقلها.. الذي ظل يحلل ما قاله، تحاول أن تفهم إن كان ما قاله حل مختلف عما كانوا يفعلونه
يمكنها التوصل إلى أنه يطالب بهدنة "هل يمكنك ذلك رحيم!؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة.. بها تعب غريب وهو يجيب "لا"
تفاجأت.. لكنه أكمل "لكني أنا من طالبت به ولابد أن أنجح، لأجلك.. ولأجل أيلا"
سكتت. قلبها.. خانها بنبضة زائدة.. لكن عقلها كان أسرع كالعادة "لكن لو وافقت فلا يعني أن كل شيء انتهى"
لم يعترض "لن أفكر هكذا"
أخفضت رأسها لحظة ثم عادت له ولم تتحدث وهي تتحرك للباب.. السكوت سيمنحه القبول بلا كلمات ومع ذلك كانت خائفة من أن تندم لكن.. أيلا تستحق
وصلت للباب وقبل أن تفتح صوته أوقفها "مهرة"
جمدت مكانها وهو يقول "أنا لا أترك ما يخصني"
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت دون أن تلتفت له "وأنا لست شيء يمتلك رحيم"
وفتحت الباب وخرجت..