رواية قيود من حرير الفصل السابع والثلاثون37 بقلم سيليا البحيري

رواية قيود من حرير بقلم سيليا البحيري
رواية قيود من حرير الفصل السابع والثلاثون37 بقلم سيليا البحيري
صوت الباب الحديدي انغلق خلفها بقوة.كانت ميار تمشي بخطوات ثابتة...لكن كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها
الحارس أشار لها:
- من هنا
هزت رأسها بصمتلم تقل شيئًا...لم تكن هنا للحديث...
جلست على الكرسي المعدني... يداها متشابكتان أمامها
ثواني مرت...
ثم-
فُتح البابو دخلت ولاء ....نفس الملامح...نفس البرود...
نفس النظرة التي لم تتغير... أبدًا جلست أمامها ....نظرت لها....ثم ابتسمت ابتسامة بطيئة... ساخرة و صاحت قائلة 
- بصراحة... افتكرتكِ مش هتيجي
لم ترد ميار فقط... نظرت نظرة ثابتة... باردة... خالية من أي شيء
رفعت ولاء حاجبها:
- إيه؟ ساكتة ليه؟
ثم مالت للأمام قليلًا، تبتسم بسخرية:
"ولا جاية تبكي زي آخر مرة؟"
شدّت ميار يدها تحت الطاولة... بقوة لكن وجهها...لم يتغير.
"خلصتي؟"
قالتها بهدوء توقفت ولاء لحظة... ثم ضحكت بخفة:
"لا والله... لسه."
نظرت لها من أعلى لأسفل... بنظرة احتقار واضحة:
"بس إنتِ واضح إنك اتغيرتي..."
ثم أضافت بنبرة أخف... لكنها أشد قسوة:
"بقيتي شبهها أكتر."
تجمدت ميار لجزء من الثانية لكنها تماسكت
"أنا مش جاية للكلام ده."
رفعت ولاء كتفيها بلا مبالاة:
"أمال جاية ليه؟ وحشتك؟"
نظرت لها ميار مباشرة...ثم قالت ببطء:
"وقفي"
توقفت ولاء و صاحت باستهجان 
"إيه اللي بتعمليه ده..."
نبرتها كانت منخفضة... لكنها حادة
"بلاش تقربي من غزل و ابعدي عنها احسنلك"
الصمت...هذه المرة... كان مختلف ولاء لم ترد فورًا
فقط... نظرت لها
ثم-
ضحكت ضحكة خفيفة... بطيئة... مستفزة
"غزل؟"
كررت الاسم وكأنها تتذوقه
" مالي و مال غزل؟"
عينا ميار اشتعلتا... لكن صوتها بقي ثابت:
"الرسايل"
توقفت ضحكة ولاء تدريجيًا.
"التهديد."
مالت ميار للأمام قليلًا:
"أنا عارفة إنك ورا ده."
صمت ثانية...ثانيتين...
ثم-
ابتسمت ولاء لكن هذه المرة...الابتسامة كانت مختلفة
"بجد؟"
همست بها
"إنتِ شايفة إني لسه بلعب في حياتهم؟"
لم ترد ميار فقط... تنتظر وفجأة انفجرت ولاء ضاحكة
ضحك حقيقي... عالٍ... غير متوقع
"يا خسارة!"
قالتها وهي تهز رأسها.
"كنت أتمنى"
تجمدت ميار.
"إيه؟"
مسحت ولاء دمعة من طرف عينها:
"كنت أتمنى أكون أنا."
قالتها بوضوح ثم مالت للأمام، عيناها تلمعان بشيء مظلم:
"بس للأسف... المرة دي مش أنا."
تراجعت ميار قليلًا.
"بتكدبي."
"لا."
قالتها ولاء ببساطة.
"وإنتِ عارفة إني لما بكدب... بكون أذكى من كده."
سكتت ميار...تحاول تقرأها لكن ولاء كانت صادقة وهذا... أسوأ.
ابتسمت ولاء ببطء:
"بس مبسوطة."
همست بها.
"إن في حد بيوجعها."
تجمدت ملامح ميار.
"إنتِ-"
قاطعتها ولاء فورًا، ببرود:
"متتكلميش كأنك مختلفة عنهم."
ثم أضافت بنظرة حادة:
"إنتِ منهم."
شدّت ميار يدها بقوة... أظافرها انغرست في جلدها...لكنها لم تسمح لدمعة أن تسقط ولا واحدة
وقفت ببطء ثم نظرت لوالدتها... للمرة الأخيرة...لا حب...لا حنين...فقط... فراغ
"أنا غلطت لما جيت."
قالتها بهدوء.
ابتسمت ولاء، وكأنها انتصرت:
"أخيرًا فهمتي."
ثم أضافت ببرود قاتل:
"وما تجيش تاني."
توقفت ميار.
"أنا مش عايزة أشوفك."
قالتها ولاء بدون تردد.
"ولا أفتكرك."
صمت ثانية...ثانيتين...ثم استدارت ميار ومشت خرجت من الغرفة...الباب أُغلق خلفها لكن هذه المرة...لم تتحرك...وقفت في الممر...جسدها ثابت...لكن أنفاسها... بدأت تضطرب
"مش هي..."
همست بها داخلها.
لكن بدل الراحة...
شعرت بشيء أسوأ.
"يبقى مين؟"
رفعت رأسها ببطء...وعيناها لم تعد باردة فقط...بل مليئة بشيء أخطر قلق حقيقي ولأول مرة...ميار لم تعد تعرف من عدوها
**************************

في فيلا الجمال ، اوضة غزل و غيث على السرير الأبيض، جلست غزل، شعرها الأسود منسدل على كتفيها بتلقائية، وجهها العاري من أي تصنع يشع بجمال طبيعي لا يحتاج إلى حيلة. أمامها، على بطنه الممتدة، ياسين - ابنها الصغير - يضحك بصوت متقطع يشبه قرقرة الماء الصافي، يحاول بإصرار أن يمسك بيدها.

«لا لا لا... كده مش هتوصل.»

قالتها وهي تبعد يدها قليلًا، ابتسامة حانية ترتسم على شفتيها. مدّ الصغير يده الناعمة مجددًا، ثم أطلق صوتًا طفوليًا مضحكًا لا يشبه أي كلمة، لكنه يحمل كل معاني الفرح.

ضحكت غزل بحرقة: «آه كده... عايز تمسك؟ طب تعال.»

اقتربت منه برقة، حملته بخفة بين يديها، رفعته قليلًا في الهواء - فانفجر ضاحكًا كأنها منحته العالم بأكمله. ضحكته البريئة ملأت الغرفة، دوّت في جدرانها كأجمل نغم.

توقفت غزل للحظة. نظرت إليه. إلى ملامحه الصغيرة التي تحمل منها ومن غيث، إلى عينيه البراقتين، يديه الصغيرتين التي تلوح في الهواء. تنفست ببطء، وكأنها تستنشق هذا المشهد لتحتفظ به إلى الأبد.

«إنت أحلى حاجة حصلت لي.»

همست بها، وكأنها تبوح بسر لا تريد لأحد غيره أن يسمعه.

فجأة، صرخ باب الغرفة وهو يُفتح.

رفعت رأسها. دخل غيث.

توقف عند العتبة... لم يتكلم. فقط... نظر. نظر إلى زوجته وابنه يضحكون معًا في مشهد بسيط عابر، لكنه - بطريقة ما - كان كاملًا. كأن الحياة تلخصت في هذه اللحظة فقط.

ابتسم دون أن يشعر.

«أنا داخل في فيلم... ولا إيه؟»

قالها بصوته الهادئ الذي لا يخلو من دهشة خفيفة.

التفتت إليه غزل، ابتسمت فورًا كأن وجهها كان ينتظره: «تعالى شوف ابنك بيضحك عليك.»

اقترب ببطء، عيناه لا تفارقان الصغير الذي أصبح محور العالم الآن. جلس بجانبها على السرير، نظر إلى ياسين وكأنه يسأله سرًا:

«بيضحك عليّ؟ ليه بس؟»

مدّ إصبعه إلى ابنه، فأمسكه ياسين فورًا بقبضة صغيرة قوية.

«آه... عرفت.»

قالها وهو يبتسم: «ده عارف إن أبوه غلبان.»

ضحكت غزل بخفة: «جدًا كمان.»

نظر إليها بطرف عينه، ذلك النظرة التي تحمل دعابة وحبًا: «لا والله؟»

«آه والله.»

سكت لحظة، ثم قال وهو ينظر إليها مباشرة، كأنه يتحداها بهدوء: «طب ما نشوف.»

اقترب فجأة، وسحب ياسين منها بحركة سريعة ماكرة -

«بابااااا!» قالها بصوته الطبيعي لكنه مقلد صوت الصغير.

ضحك ياسين بصوت أعلى، وكأنه يعلن انتصاره.

«شوفتي؟ بيحبني أكتر.»

ابتسمت غزل: «حلمك كبير.»

اقترب منها أكثر، خفض صوته لدرجة أنه لم يعد يسمعه إلا هي: «مش أكبر من إني بحبك.»

توقفت.

نظرت إليه. ابتسامتها خفتت قليلًا، لكنها - في هدوئها الجديد - أصبحت أعمق، أصدق. كأنها ابتسامة تعرف شيئًا لا يعرفه.

«غيث...»

«همم؟»

«أنا...»

توقفت. عضت شفتها للحظة، ثم سكتت.

عاد ياسين للعب بهدوء بينهما، يمسك بطرف البطانية ويمططه بعبقرية طفل لا يعرف غير اللحظة الراهنة.

غزل نظرت إلى غيث... ثم قالت فجأة، كأن الكلمة انفلتت منها دون أن تخطط:

«لو عرفت إني مخبية عليك حاجة...»

توقف غيث.

لم يتحرك. جسده أصبح ساكنًا كمن ينتظر قذيفة لا يعرف متى تنفجر.

«حاجة مهمة.»

أكملت بصوت أخفض، كأنها تخشى أن يسمعها حتى الجدران.

رفع عينيه إليها. نظرة هادئة لكنها مركزة، كأنه يقرأها لأول مرة.

«هتعمل إيه؟»

صمت.

لم يكن صمتًا طويلاً، بضع ثوان فقط. لكنه كان كافيًا ليشعرها بثقل ما لم تقله.

نظر إليها ثم قال بهدوء مرعب:

«هزعل.»

انقبض قلبها قليلًا.

«بس مش علشان خبيتي.»

سكتت. لم تفهم.

«علشان حسيت إنك لوحدك.»

قالها ببساطة شديدة، كأنها أوضح حقيقة في العالم.

«وإنك ما وثقتيش فيا كفاية.»

انخفضت عيناها إلى البطانية. لم تتوقع هذا الرد. كانت تتوقع غضبًا، صراخًا، انفعالاً - أي شيء إلا هذا الفهم الهادئ الذي يؤلم أكثر من الصراخ.

«بس -»

رفع يدها بلطف، أوقفها بحركة أبوية حانية.

«في الآخر...»

اقترب قليلًا، حتى كاد أنفاسهما تختلط.

«أنا جوزك.»

نظر في عينيها مباشرة، كأنه يريد أن يصل إلى ما وراءهما: «مش خصمك.»

سكتت. الكلمات وصلت إلى مكان لم تكن تعرف أنه موجود في داخلها. أكثر مما كانت تريد. أكثر مما تستطيع تحمله الآن.

ابتسم بخفة، محاولًا أن يخفف من ثقل اللحظة: «وبعدين... أنا مش غبي.»

رفعت حاجبها بدهشة: «آه؟»

«آه.» قالها بثقة الرجل الذي يعرف ما يعرف. «عارف إن في حاجة.»

تجمدت.... شعرت كأن الأرض تحت قدميها تهتز.

«إيه؟»

ابتسم ابتسامة مكر هادئ: «بس مستنيكِ تقولي.»

نظرت إليه. ثانية. ثم ثانية. ثم ابتسمت. ابتسامة خفيفة لكنها تحمل شيئًا مختلطًا بين الخوف والراحة.

«ممكن أقول.»

همست به. «وممكن لا.»

ضحك بخفة «طب أنا هستنى.»

اقترب أكثر، صوته أصبح همسًا في أذنها: «بس متطوليش عليّ.»

نظرت إليه هذه المرة بنعومة واضحة، كأنها تستسلم لشيء لم تقرره بعد.

«حاضر.»

************************

ابتسامتها لم تفارق وجهها، ونظراتها كانت تبحث عن كلمات لم تنطق بعد. وفجأة، قطع رنين الهاتف اللحظة، فرفعت غزل عينيها نحو الشاشة، ثم ضحكت فورًا:
-طبعًا...
رفع غيث حاجبه بتساؤل:
-مين؟
-المصيبة، قالت وهي تفتح المكالمة.
ظهر صوت شغف سريع ومليء بالحماس:
-إنتِ فين؟!
ضحكت غزل، محاولةً تهدئة الحماس:
-صباح الخير الأول؟
-مفيش صباح خير... إلبسي وتعالي!
نظرت غزل لغيث مبتسمة:
-على فين إن شاء الله؟
-المقهى... أنا وأوس هنكون هناك... وجايبين تاج.
سمع صوت طفلة صغيرة في الخلفية:
-مامااا!
ضحكت غزل أكثر:
-واضح إن تاج مستعجلة.
ردت شغف بسرعة:
-طبعًا مستعجلة تشوف ياسين! هاتيه معاك... وإوعي تيجي لوحدك.
-طيب طيب... قالت غزل، ثم أضافت شغف بحماس أكبر:
-واسمعي! كلمي غيث ييجي... وقولي له أوس مستنيه.
رفع غيث حاجبه وهو يشير لنفسه:
-أنا؟
غطت غزل الميكروفون بيدها قليلًا، بابتسامة:
-أيوه إنت... عندك استدعاء رسمي.
ابتسم بخفة:
-شرف كبير.
عادت للمكالمة، بصوت لطيف:
-طيب... ومين كمان؟
-هكلم ميار... وسليم أكيد هييجي معاها.
-جلسة كاملة يعني... قالت غزل في سرّها.
-طبعًا! قالت شغف بحماس، ثم أكملت: عايزين يوم طبيعي... بلاش دراما شوية.
توقفت غزل لثانية، ثم ابتسمت بخفة:
-تمام... جايين.
-مستنياكِ! وأغلقت شغف المكالمة.
نظرت غزل لغيث، ثم ضحكت:
-نجينا.
-من إيه؟ سأل وهو يبتسم.
-من القعدة الثقيلة اللي كنا داخلين عليها.
رفع غيث حاجبه:
-آه... دي كانت هتطلع اعترافات شكلها.
رمقته غزل بنظرة خفيفة:
-متفائل أوي.
-جدا، قال وهو يبتسم. ثم أشار لياسين:
-نلبس العريس بقى؟
نظر لياسين بحماسة، يلوح بيديه بسعادة، فاقتربت غزل وحملته بين ذراعيها بحنان:
-هنخرج يا حبيبي... تشوف تاج.
أصدر ياسين صوتًا صغيرًا، كأنه متحمس، وضحك غيث:
-شايفة؟ ده مستني أصحابه.
وقفت غزل، متجهة نحو الخزانة:
-يلا بسرعة بقى... قبل ما شغف تيجي تاخدنا بنفسها.
ضحك غيث:
-لا دي كارثة.
بدأ الاثنان يتحركان في الغرفة، بين تحضيرات بسيطة وضحك خفيف ونظرات دافئة، وكأن العالم قد عاد طبيعيًا للحظة قصيرة.
لكن خلف هذا الهدوء، كان كل واحد منهما يحمل شيئًا لم يُقال بعد، شيء يختبئ في زوايا القلب، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر.
**************************

أضواء الفلورسنت في مركز الشرطة كانت قاسية، تعكس على كل شيء لونًا باهتًا، وكأن المكان يرفض الاعتراف بالمشاعر. جلست لارين على الكرسي المعدني، ظهرها مستقيم ويداها متشابكتان بهدوء، ورغم ملابسها غير المرتبة قليلًا، ظل حضورها باردًا ومسيطرًا.
على الجانب الآخر، وقف ريان أمام مكتب الضابط، يتحدث بصوت منخفض:
-الإجراءات تخلص بسرعة.
نظر له الضابط، ثم هز رأسه:
-تمام يا فندم.
لم يحتاج ريان لشرح أكثر، نظرة واحدة كانت كافية.
بعد دقائق عاد إليها:
-خلصنا.
رفعت عينيها نحوه:
-بالسرعة دي؟
رد بلا تعبير:
-في حاجات بتتعمل أسرع من كده.
نظرت له لثوانٍ، ثم قالت بهدوء:
-إنت مش شخص عادي.
لم ينكر...
-ولا إنتِ، رد بنفس البرود.
سكتت لحظة، ثم قالت:
-مش هقدّم بلاغ.
اجابها بهدوء 
-عارف.
رفعت حاجبها:
-عارف؟
-اللي زيك مش بيحب يبقى ضعيف قدام حد.
نظرت له، ثم قالت بهدوء حاد:
-واللي زيك بيحب يفترض كتير.
تردد قليلاً، ثم قال:
-مش افتراض... ملاحظة.
صمتت، ونظرت للأمام:
-حتى لو قدّمت بلاغ... معنديش اسم.
-ولا وصف كفاية، أكمل عنها.
هزت رأسها:
-بالضبط.
صمت قصير، ثم قال فجأة:
-اسمها ممكن يكون مهم.
نظرت له بتركيز:
-إنت عرفت؟
توقف لحظة، ثم قال:
-لسه.
ضيّقت عينيها قليلًا:
-بس شكلك قريب.
لم يجب.
وقفت، وقالت:
-أنا همشي.
-هتروحي فين؟
-مكان آمن، ردت ببساطة.
نظر لها:
-مفيش حاجة اسمها آمن دلوقتي.
-في بالنسبة لي، قالت بثقة باردة.
توقفت لحظة، ثم التفتت له:
-إنت بقى؟
-إيه؟
-هتفضل تسأل... ولا هتعرّفني إنت مين؟
نظرت له مباشرة، هذه المرة كان السؤال صريحًا.
سكت ثانية، ثم قال:
-ريان.
ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا، بالكاد تُرى:
-ده اسم... مش تعريف.
-طالب في كلية الشرطة... صح؟
تجمد لجزء من الثانية:
-منين عرفتي؟
-طريقة كلامك... تعاملهم معاك... ونظرتك، أضافت بهدوء.
نظر لها، ثم قال:
-إيه في نظرتي؟
-مش بتاعة طالب عادي،
صمت، ثم قال:
-وأنتِ؟
-إيه؟
-إنتِ بتدرسي إيه؟
نظرت له لثوانٍ، ثم قالت:
-حقوق.
هز رأسه ببطء:
-مناسب.
-ليّه؟
-علشان بتحبي تراقبي... وتفهمي قبل ما تتكلمي.
سكتت، ثم قالت:
-وأنت بتحب تتحكم قبل ما تشرح.
نظر لها، وقال بهدوء:
-شغلي يفرض ده.
سكتت. هذه المرة لم تعارض.
مرّت لحظة صمت، لكنها لم تكن مريحة ولا مزعجة، شيء بين الاثنين...قطع ريان الصمت قائلا بقلق خفي 
-هتقدري تتعاملي لو رجعوا؟
نظرت له مباشرة:
-آه.
-لوحدك؟
-آه.
صمت، ثم قال:
-مش فكرة كويسة.
-ولا فكرة إني أسيب حد يتحكم فيا، ردت بسرعة.
نظرا لبعضهما، نفس النظرة، نفس البرود، نفس الإصرار.
ثم قالت فجأة:
-إنت دايمًا كده؟
-كده إزاي؟
-مش بتسيب الموضوع.
ابتسم بخفة:
-وإنتِ؟
-نفس المشكلة، قالت، وسكتا.
ثانية... ثم تحركت نحو الباب. قبل أن تخرج، توقفت والتفتت له:
-شكرًا.
قالتها ببساطة، بدون مبالغة.
نظر لها، ثم قال:
-خلي بالك من نفسك.
هزت رأسها وخرجت. بقي واقفًا مكانه، ينظر للباب الذي أُغلق. صمت، ثم همس:
-لارين...
وفي الخارج، كانت تمشي بثبات، لكن عقلها لم يكن هادئًا.
-ريان...
لا أحد منهما فهم ما حدث، لكن كلاهما توقف عند الآخر، بدون سبب واضح. وهذا... أخطر بداية.
*************************
كان ريان لا يزال واقفًا في مكانه، قدماه مثبتتان على البلاط البارد وكأن شيئًا غير منظور يمنعه من المغادرة. حدق في الباب الخشبي العتيق الذي ابتلع جسد لارين النحيل قبل لحظات، يسمع صدى وقع خطواتها وهي تبتعد في الممر المؤدي إلى الخارج. مرت ثوانٍ، ربما ثلاث أو أربع، شعر فيها بوقعها ثقيلًا على صدره كأنها دقائق.

ثم فجأة، مزق صمت الرواق رنين هاتفه الحاد.

أخرج الجهاز من جيب معطفه بحركة آلية مدربة، وما إن وقعت عيناه على الاسم المضيء على الشاشة حتى تصلبت ملامح وجهه. اختفى ذاك الشرود الطفيف ليحل محله انضباط صارم ويقظة حذرة.....فتح الخط دون تردد.

"فينك يا ريان؟" انطلق صوت جاسر الحديدي من السماعة، مجلجلًا ومباشرًا كحد السيف، لا يحتمل التأويل أو المماطلة.

انتصب جسد ريان بصلابة لا إرادية، وكأن المتحدث يقف أمامه بنفسه. أجاب بنبرة محايدة يغلفها الاحترام: "في القسم يا فندم."

"سيبك من القسم... وتعالى فورًا."

كانت نبرة الأمر جازمة لا تقبل الجدال، تحمل في طياتها إلحاحًا غير معهود.

سأل ريان، وقد دب الفضول الحذر في صوته: "في حاجة جديدة يا فندم؟"

ساد صمت قصير على الخط، بدا لريان كأنه فجوة عميقة تسبق عاصفة. ثم جاء الرد، وقد تجرد من كل عاطفة: "الموضوع كبر... ومش هينفع يتأجل."

شد ريان قبضته على الهاتف حتى ابيضت مفاصل أصابعه. أومأ برأسه رغم أن محدثه لا يراه. "أوامر يا فندم... أنا في الطريق."

"مستنيك."

انقطع الخط بصوت جاف.

أنزل ريان الهاتف عن أذنه ببطء، يعيده إلى جيبه وكأنه يودع قطعة من صفاء ذهنه الذي تبدد للتو. عيناه، اللتان كانتا قبل قليل شاردتين نحو باب لارين، عادتا لتشتعلان بتركيز حاد وقاسٍ. همس في سكون الرواق بكلمة واحدة بدت كإيذان ببدء معركة جديدة: "بدأنا."

تحرك فورًا بخطوات سريعة نحو المخرج الخلفي للمبنى. وما إن فتح الباب الخارجي حتى استقبله هواء الليل البارد بلطمة خفيفة على وجهه، محملًا برائحة الإسفلت الرطب وأوراق الشجر المتساقطة. لم يبطئ من سرعته، بل اندفع في الممر الضيق المؤدي إلى موقف السيارات. وقع خطواته كان ثابتًا ومنتظمًا كدقات طبول حرب بعيدة. عيناه تمسحان المكان في بحث آلي عن سيارته السوداء المركونة على مقربة تحت عمود إنارة وامض.

وصل إليها، مد يده نحو مقبض الباب.

لكن جسده الصلب قاوم فجأة اصطدامًا خفيفًا غير متوقع.

توقف ريان عن الحركة تمامًا، مستشعرًا الارتطام قبل أن يراه. التفت بسرعة غريزية، فوجد امرأة قد عثرت به وهي شاردة الذهن. حقيبة يدها الجلدية سقطت على الإسفلت الخشن، وتناثرت منها عدة أوراق بيضاء حملها النسيم الخفيف لترقص على الأرض.

"أنا آسف." خرجت الكلمتان منه بنبرة هادئة ومهذبة، مشوبة بأسف حقيقي، قبل أن يخفض جسده بسرعة وبدأ في جمع الأوراق المتناثرة بيديه الماهرتين.

"مفيش حاجة..." ردت المرأة بصوت خافت كحفيف الريح.

شيء ما في نبرة هذا الصوت جعله يتجمد للحظة وجيزة. رفع ريان عينيه ببطء نحو وجهها، لتستقر نظراته الحادة على ملامحها.

كانت ميار.

وقف أمامه، تاركًا الأوراق في يده الممدودة، تنظر إليه. لم تتحرك، لم تنحن للمساعدة، لم تقل شيئًا آخر. كانت تحدق فيه فقط، في صمت غريب، كمن يحاول أن يستخرج ذكرى ضبابية من قاع بئر عميقة وموحلة. كان في نظراتها بحث صامت، وتيه غريب، وكأنها تستشعر شيئًا يتجاوز منطق الموقف العابر.

ناولها ريان الأوراق المجموعة بحرص. "اتفضلي."

مدت يدها المرتجفة قليلًا وأخذتها منه، لكن عينيها لم تغادرا وجهه ولو لوهلة. علقت بنظراته الثابتة.

فحص وجهها لثوانٍ، باحثًا عن تفسير لارتباكها، ثم سأل بأدب رسمي يجيده: "حضرتك كويسة؟"

هزت رأسها ببطء آلي: "آه... كويسة." لكن صوتها بدا خاويًا، غير مقتنع بما تقوله شفتاها. سكتت للحظة، تعض شفتها السفلى، ثم نطقت وكأنها تفكر بصوت عالٍ وليس مخاطبة إياه: "أنا... شفتك قبل كده؟"

رفع ريان حاجبه الأسود قليلًا في تساؤل صامت، وأجاب بنبرة لم تتغير عن هدوئها المباشر: "يمكن شبه حد بس "

لكن الكلمات، رغم خروجها بسلاسة، اصطدمت بشيء ما في أعماقه. شيء لم يحدد كنهه. شعر بوخزة خفيفة من الحيرة تجاه سؤالها الذي بدا له خارج السياق.

حدقت ميار به مرة أخرى، بنظرة أشد تدقيقًا هذه المرة. جالت عيناها على ملامح وجهه الحادة، على خط فكه الصلب، على الطريقة التي يقف بها منتصبًا وكأنه جندي في ثكنة. شيء ما فيه كان ينبض بالألفة، بذكرى قديمة مهترئة الأطراف ترفض أن تتشكل.

أخيرًا، هزت رأسها بحركة قوية كمن يطرد فكرة سخيفة، وتمتمت بشيء من الهزيمة: "يمكن اتلخبطت."

ارتعشت شفتا ريان بابتسامة خفيفة، رسمية، خالية من الدفء الحقيقي: "عادي."

ثم أضاف، مشيرًا بذقنه نحو المدخل المزدحم: "خلي حضرتك حذرة... المكان زحمة شوية."

رفعت ميار نظرها إليه مرة أخرى، وقالت ببطء، وبدا كأن الكلمات انفلتت من بين شفتيها دون إذن من عقلها: "إنت شبه حد."

توقف ريان عن الحركة. سألها بصوت خفيض يحمل فضولًا حذرًا: "مين؟"

سكتت لثانية بدت أطول مما ينبغي. عيناها تحدقان في نقطة خلفه، في الماضي ربما. ثم هزت كتفيها بخفة: "حد... من زمان."

لم تكمل جملتها. تركتها معلقة في الهواء البارد بينهما، كسراب.

أومأ ريان برأسه باحترام مقتضب: "تشرفت."

ثم استدار بحزم نحو سيارته، وفتح بابها في حركة واحدة سلسة. وقبل أن يخفض رأسه ليدخل، أدار وجهه قليلًا وألقى نظرة خاطفة أخيرة نحو ميار. كانت لا تزال واقفة في مكانها كتمثال من الشمع، تحت ضوء المصباح الوامض. شعر للحظة عابرة أن هناك خيطًا شفافًا مشدودًا بينهما، خيطًا من الاعتراف الغامض المؤجل.

دخل السيارة وأغلق الباب خلفه بقوة. أدار المحرك وسمع هديره المكتوم. ثم ضغط على دواسة البنزين، وانطلقت السيارة لتشق سكون الليل، تاركة ميار وحيدة في ظل المبنى.

وقفت ميار في مكانها بلا حراك، تتبع بنظراتها التائهة المصابيح الخلفية للسيارة حتى ابتلعها الظلام في آخر الشارع. شعرت بيدها تنقبض على حزام حقيبتها الجلدية بقوة. كان عقلها مثقلًا بضباب كثيف، يدور حول محور واحد.

"ملامحه..." همست بها، وكأنها تختبر وقع الكلمة في الفراغ.

ثم أطبقت جفنيها بقوة، محاولةً حبس الصورة في رأسها، صورة هذين العينين الثاقبتين تحت حاجبين كثيفين.

"كأنه..."

فتحت عينيها فجأة على اتساعهما، وقد تسلل إليها يقين مزعج رفضته قبل أن يتجذر. نفت برأسها بشدة، وشعرها يتطاير حول وجهها. "مستحيل." قالتها بصوت خافت بالكاد تسمعه هي نفسها.

لكن رغم هذا الإنكار القاطع الذي نطق به عقلها، كان قلبها ينبض تحت ضلوعها بإيقاع مضطرب، غير مرتاح، كعصفور محبوس في قفص يرى السماء ولا يطالها.

وفي الجانب الآخر من المدينة، حيث تلتهم عجلات سيارته الأسفلت بشراهة، كان ريان يقود وعيناه مثبتتان على الطريق الممتد أمامه. لكن جزءًا من وعيه كان قد تخلف في ذاك الموقف المظلم، معلقًا على أصداء جملتها.

"إنت شبه حد..."

تكرر الصدى في دهاليز ذاكرته. شد على عجلة القيادة بقوة وهو يشعر بثقل المهمة التي تنتظره. هز رأسه بحركة عنيفة، طاردًا خيال عينيها المتسعتين بالتيه.

"مش وقته." تمتم لنفسه بصوت خشن، مغلفًا أفكاره بغلاف من الصلب.

ضغط على دواسة الوقود أكثر، فزأر المحرك وابتلعته سرعة الطريق. لكن في الظل، حيث لا تصل الأضواء، كان القدر قد التقط خيطًا من هنا، وخيطًا من هناك، وبدأ للتو في حياكة نسيجه المحكم.
*****************************

في لندن فيلا ياسر ....جلست ليان خلف المكتب الضخم المصنوع من خشب الجوز، جسدها النحيل غارق في كرسي جلدي عتيق كان يخص والدها. أمامها، شاشة حاسوب كبيرة تضيء وجهها بضوء بارد مزرق، تغطي ملامحها بقناع من الظلال والأسرار. على الشاشة، تناثرت صور... ملفات... أسماء... قطع متناثرة من لغز ظلت تجمعه طوال واحد وعشرين عامًا.

أصابعها الطويلة، التي ورثت رشاقتها عن أمها، كانت تتحرك فوق لوحة المفاتيح بإيقاع بطيء متعمد. تضغط... تفتح ملفًا... تغلقه... تنتقل إلى آخر... وكأنها تعزف لحنًا قديمًا لا تريد أن تنساه أبدًا.

ثم توقفت فجأة.

الصورة التي ملأت الشاشة كانت لـ دارين.

جمدت أناملها فوق المفاتيح. لم تتحرك. لم ترمش. فقط... تنظر.

نظرت إلى تلك الصورة طويلاً، بهدوء الرصاصة قبل أن تنطلق من فوهة البندقية. لا غضب ظاهر على ملامحها المصقولة كالرخام. لا انفعال يرقص في عينيها العميقتين بلون الشاي الثقيل. فقط... تركيز. تركيز صياد قضى عمره كله يتربص بفريسة واحدة، والآن يراها أخيرًا في مرمى بصره.

"هي دي؟"

جاء الصوت من خلفها، عميقًا، مجعدًا بتجاعيد السنين، لكنه لم يفقد شيئًا من صلابته القديمة.

دخل فوزي بهدوء الرجال الذين عاصروا الحروب وخسروا معظمها. كان يحمل فنجان قهوة تفوح رائحته المرة في أرجاء الغرفة. خطواته على السجاد الفارسي العتيق كانت بطيئة، متزنة، كرجل تعلم أن التسرع يقتل أكثر مما ينقذ.

لم تلتفت ليان نحوه. بقيت عيناها مثبتتين على الشاشة، على تلك المرأة التي سرقت من حياتها أكثر مما يستطيع أي لص أن يسرقه.

"آه." قالتها ببساطة، كحجر يلقى في بئر عميقة ولا ينتظر صوته.

اقترب فوزي منها ببطء، جسده الطويل ما زال محتفظًا بآثار وسامته القديمة رغم تقدمه في العمر. وضع فنجان القهوة أمامها بحركة أبوية حميمة، ثم وقف خلف كتفها، ينظر إلى الشاشة من فوق نظارته السميكة. رأى الصورة. رأى ملامح المرأة التي دمرت ابنه.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت المطر المستمر وهو يلطم الزجاج.

ثم قال فوزي، بصوت يحمل ثقل كل السنين التي مضت: "بعد كل السنين دي... لسه بتدوري يا بنتي؟"

أغمضت ليان عينيها لثانية واحدة فقط، وكأنها تغلق بابًا على ألم قديم يطرق داخلها. فتحتهما ببطء، وحدقت في صورة دارين مجددًا.

"أنا عمري ما بطلت يا بابا."

خرجت الكلمات من بين شفتيها بهدوء مميت. لم يكن هناك غضب في صوتها. ولا حماس. ولا انتقام مشتعل. فقط... حقيقة باردة، صلبة، لا تقبل الجدال. حقيقة امرأة قضت أكثر من نصف عمرها تنتظر لحظة واحدة.

تحرك فوزي ببطء، متجاوزًا المكتب، وجلس على المقعد الجلدي المقابل لها. المقعد الذي كان يجلس عليه طوال ثلاثين عامًا عندما كان هذا المكتب مكتبه. نظر إليها بنظرة طويلة، فاحصة، تحمل كل حب الأب وكل خوفه. عيناه، اللتان رأتا الكثير، كانتا تقرآن ملامح ابنته كما يقرأ كتابًا مفتوحًا.

"ياسر عارف؟" سألها السؤال بهدوء.

تجمد الهواء في الغرفة.

سكتت ليان. ليس سكوت التردد، بل سكوت من تختار كلماتها بعناية مميتة.

ثم قالت: "لا."

استند فوزي إلى الخلف في مقعده، يمسح على ذقنه بيده المتعبة...

سأل بهدوء أكثر: "ليه يا ليان؟"

رفعت عينيها من الشاشة أخيرًا، ونظرت إليه مباشرة. للمرة الأولى منذ دخل.

"علشان لو عرف يا بابا... هيمنعني."

قالتها بدون تردد، وبدون اعتذار.

هز فوزي رأسه ببطء، يمضغ الكلمات قبل أن ينطق بها. "ياسر مش عايز مشاكل... وهو عنده حق."

"وهو عنده حق." رددت ليان كلماته، وهي تعيد بصرها إلى الشاشة، إلى صورة تلك المرأة التي تبتسم فيها ابتسامة واثقة لا تعرف أن السماء تمطر خارج نافذتها.

ثم أضافت، وصوتها ينخفض ليصبح همسًا محملاً بمرارة السنين: "بس الحق برضه... ما رجعش يا بابا."

صمت.

المطر في الخارج ازداد قوة، يضرب الزجاج كأنه يحاول اقتحام الغرفة. انعكست قطراته على وجه ليان كدموع لا تذرفها.

أشارت بيدها نحو الصورة، نحو الوجه الذي حفظته عن ظهر قلب طوال كل هذه السنين. "الست دي..." صوتها انخفض أكثر، لكنه أصبح أقسى، كسكين يخترق جلدًا رقيقًا. "دمرت حياة راجل بريء. أخوك يا بابا. ابنك."

نظرت إليه بعينيها العميقتين، وفيهما شيء خطير يلمع تحت السطح الهادئ.

"خدت منه عيلته... اسمه... كرامته." توقفت، شهقت شهقة خفيفة وكأن الكلمات تخنقها. ثم أضافت بصوت يكاد ينكسر: "وخليته يعيش أكتر من عشرين سنة وهو شايل ذنب مش ذنبه. كل يوم... كل ليلة... وهو فاكر إنه اللي غلطان. اللي ضيع كل حاجة. اللي يستحق العذاب."

فوزي نظر لها بهدوء حزين، عيناه تلمعان بدمع مكبوت لم يسقط بعد. "وياسر اختار يسكت يا بنتي. اختار يعيش."

"اختار يعيش." رددت كلماته، لكنها أضافت فورًا، وصوتها يرتفع قليلاً للمرة الأولى: "مش نفس الحاجة يا بابا. العيش مش هو الحياة. أخوك عايش... بس ميت من جوه من ساعتها."

صمت مرة أخرى.

المطر في الخارج تحول إلى وابل غزير، يجلد النوافذ بقسوة.

قال فوزي بهدوء، كمن يختبر المياه قبل أن يغوص فيها: "إنتِ ناوية تعملي إيه يا ليان؟"

لم تتردد للحظة. عادت تنظر للشاشة، ويدها تتحرك على لوحة المفاتيح، تكبّر صورة دارين حتى ملأت الشاشة بأكملها. وجهها أصبح واضحًا بكل تفاصيله. ابتسامتها الواثقة. عيناها المتكبرتان. كل شيء.

"هعرف كل حاجة عنها يا بابا." صوتها عاد إلى هدوئه القاتل. "شغلها... علاقاتها... تحركاتها... كل نفس بتتنفسه... كل خطوة بتمشيها... كل حاجة."

ثم أضافت بهدوء مخيف، وهي تنظر إلى عيني دارين في الصورة: "نفس الطريقة اللي هي لعبت بيها زمان. هدخل حياتها من حيث لا تدري... وهخليها تحس بنفس اللي حسه أخوك. بالضبط. حرف حرف."

رفع فوزي حاجبه الأبيض الكثيف، وقد بان عليه القلق. "انتقام يا بنتي؟"

نظرت له ليان... ثم ابتسمت.

ابتسامة خفيفة جدًا. باردة جدًا. ابتسامة ابنته التي ورثت عنه الصبر والدهاء معًا.

"لا يا بابا." سكتت لحظة، وكأنها تتذوق الكلمة التالية قبل أن تنطق بها. ثم قالت: "تصفية حساب."

حل صمت ثقيل في الغرفة، أثقل من كل الغيوم فوق لندن. المطر كان يهطل بغزارة الآن، كأن السماء نفسها تبكي على ما سيحدث.

ثم سألها فوزي، بصوت الأب الذي يخاف على ابنته رغم معرفته بقوتها: "ومتأكدة إنك قدها يا ليان؟ دي لعبة كبيرة... ومش هتكون سهلة."

لم تتغير ملامحها. عيناها ما زالتا مثبتتين على الشاشة، على وجه دارين.

"أنا مش زيها يا بابا." قالتها بثقة مطلقة، ثقة من قضت سنين تعد لهذه اللحظة. "أنا بصبر... وبخطط. أنا اتعلمت منك الصبر. وأخدت من ماما الذكاء. وبقى عندي من الوقت أكتر ما كان عندها."

نظر إليها فوزي طويلاً... يرى فيها ظل زوجته الراحلة، ويرى فيها قوته هو أيضًا. أخذ نفسًا عميقًا، استدار به صدره العتيق، ثم قال بهدوء: "اسمها دارين... صح؟"

"آه."

"تمام." قالها فوزي بنبرة تحمل قرارًا اتخذ للتو.

وقف من مقعده ببطء، متكئًا على طرف المكتب. جسده المسن بدأ يخذله في السنوات الأخيرة، لكن عينيه ما زالتا تحتفظان بذكاء حاد.

"هجيب لك كل حاجة عنها يا ليان. كل حاجة. القديم... والجديد."

نظرت إليه، وفي عينيها بريق من الامتنان الممزوج بشيء آخر... إصرار لا يلين.

"عايزة ملفات كاملة يا بابا. قديمة... من أيام ما كانت هنا. وجديدة... من دلوقتي. كل تفصيلة. كل علاقة. كل نقطة ضعف."

"هتكون عندك." قالها فوزي بثبات الأب الذي قرر أن يقف إلى جانب ابنته، مهما كان الثمن.

وقبل أن يتحرك نحو الباب، توقف. استدار ببطء، ونظر إليها مرة أخيرة. عيناه العجوزان تحملان حكمة السنين وثقلها.

"بس خليكِ فاكرة حاجة يا ليان." صوته أصبح هامسًا، جادًا.

سكتت، تنتظر.

"اللعب ده... ملوش رجوع. لما ندخل... مش هنقدر نخرج. زي أبوكي... أنا عارف يعني إيه حرب طويلة."

ابتسمت ليان... لكن هذه المرة، الابتسامة كانت مختلفة تمامًا. كانت أخطر. ابتسامة امرأة قضت حياتها كلها تنتظر هذه اللحظة، والآن أصبحت على بعد خطوات منها.

"أنا أصلاً ما رجعتش من 21 سنة يا بابا." قالتها بصوت خافت. "أنا لسه واقفة على باب المحكمة من ساعتها... مستنية العدالة."

نظر إليها فوزي بصمت، ثم أومأ برأسه ببطء، واحترام. خرج من الغرفة بهدوء، تاركًا ابنته وحدها في مواجهة شبح الماضي.

بقيت ليان جالسة... تنظر للشاشة.

رفعت يدها اليمنى ببطء، ومدت أصابعها نحو الشاشة. لمست صورة دارين بأطراف أناملها، كما يلمس المرء شيئًا مقدسًا... أو شيئًا ملعونًا.

ثم همست... بهدوء قاتل يحمل في طياته عاصفة هادئة:

"دورك جه وهتدفعي تمن عمايك غالي اوي يا...دارين هانم"

وفي عينيها، لم يكن هناك غضب. لم تكن هناك كراهية عمياء. كان هناك شيء آخر تمامًا... حرب باردة. حرب مؤجلة منذ زمن بعيد. حرب امرأة صبرت طويلاً، وتعلمت أن أقوى أنواع الانتقام هو ذلك الذي يأتي بعد أن يظن الجميع أنك نسيت
**********************
كانت ليان لا تزال جالسة خلف المكتب، عيناها مثبتتان على الشاشة المتوهجة في الظلام. أصابعها استقرت فوق لوحة المفاتيح، ساكنة تمامًا، وكأنها تجمدت وهي تلامس صورة دارين. وجهها كان قناعًا من البرود، وعيناها تحملان شيئًا أشبه بجليد القطب الشمالي... صافية، قاسية، لا تعرف الذوبان.

وفجأة-

صوت الباب الثقيل يُفتح.

في تلك اللحظة بالذات، وكأن مفتاحًا خفيًا انقلب في أعماقها، تغير كل شيء في الغرفة. تغير الهواء نفسه.

دخل ياسر.

كانت خطواته ثقيلة، متعبة، كأنه يحمل على كتفيه وزن العالم كله منذ الصباح. وجهه الوسيم بدا شاحبًا تحت ضوء المصباح الخافت، وقد علت وجنتيه ظلال الإرهاق. ربطة عنقه الحريرية كانت مفكوكة قليلًا، تتدلى باسترخاء حول رقبته، وأعلى أزرار قميصه الأبيض مفتوح، يكشف عن بداية صدره الذي يعلوه عرق خفيف. بدا كرجل خرج لتوه من معركة طويلة، لا تنتهي، مع يوم لا يرحم.

"ليان..."

نطق اسمها بصوت منخفض، متعب، كأن الكلمة الواحدة استنزفت ما تبقى لديه من طاقة.

في تلك اللحظة، حدث التحول.

اختفى البرود من عيني ليان كما يختفي الجليد تحت شمس الربيع المفاجئة. انطفأت الحرب التي كانت مشتعلة في أعماقها، وتلاشت كأنها لم تكن. وحل مكانها شيء آخر تمامًا... دفء، ولهفة، وحب امرأة تنتظر رجلها منذ الصباح.

التفتت بسرعة حتى كاد شعرها الطويل يطير حول وجهها.

"ياسر!"

ابتسمت فورًا. لم تكن ابتسامة مصطنعة، ولا ابتسامة المرأة التي تخفي شيئًا. كانت ابتسامة حقيقية، دافئة، متوهجة، تشع من وجهها كله. قامت من الكرسي بسرعة، دافعة إياه للخلف دون أن تلاحظ، وخطت نحوه بخطوات سريعة، عيناها تلتهمان وجهه المتعب.

ثم-

احتضنته.

رمت ذراعيها حول رقبته، وضمت جسدها إلى صدره بقوة، كأنها تخشى أن يختفي إذا تركته. دفنت وجهها في ثنايا رقبته، تشم رائحته الممزوجة برائحة المدينة والمطر والقهوة الباردة.

تجمد ياسر لثانية واحدة... جسده المرهق لم يستوعب دفء العناق فجأة. ثم زفر ببطء، زفرة طويلة، عميقة، خرجت من أعماق صدره كأنها تحمل معها كل تعب اليوم. استرخى كتفاه، وارتخت عضلات وجهه المتصلبة، وذاب شيء صلب في داخله لم يكن يعلم بوجوده.

لف ذراعيه حول جسدها النحيل، يضمها إليه بقوة متساوية.

"وحشتيني."

همس بالكلمتين في أذنها، صوته خفيض، دافئ، مشحون بصدق لا يحتاج إلى زخرفة.

ابتسمت ليان وهي لا تزال قريبة منه، تشعر بدقات قلبه تحت خدها، تسمع انتظام أنفاسه الذي بدأ يهدأ. "وأنت أكتر." همست بها، وصوتها يقطر حنانًا.

ابتعد ياسر قليلًا، متراجعًا خطوة صغيرة ليتمكن من النظر إلى وجهها. رفع يده ومسح خصلة شعر متمردة عن جبينها بأطراف أصابعه. "كنتِ بتعملي إيه؟" سألها، عيناه المتعبتان تجولان في ملامحها.

ألقت ليان نظرة سريعة، عابرة، خاطفة، نحو الشاشة التي تقف خلفها. نظرة لم تستغرق جزءًا من الثانية. ثم عادت عيناها إليه فورًا، تبتسم: "ولا حاجة... شغل بسيط."

لم يدقق ياسر. كان مرهقًا أكثر من أن يلاحظ، أكثر من أن يسأل، أكثر من أن يشك. كان كل ما يريده في هذه اللحظة هو أن يسقط في حضن الأمان الذي تمثله.

خلع سترته الثقيلة بحركة متعبة، ألقاها على طرف الأريكة القريبة، ثم ألقى بجسده المنهك على الأريكة الجلدية، متكئًا إلى الخلف، مغمضًا عينيه للحظة. تنهد بعمق.

"آدم فين؟" سأل دون أن يفتح عينيه.

توقفت ليان لثانية. ثانية واحدة فقط، شعرت فيها بشيء يشد في صدرها. ثم اقتربت منه بهدوء، وجلست على طرف الأريكة بقربه، وقالت بصوت محايد: "عند أوليفر... هيبات عنده النهاردة."

تغيرت ملامح ياسر فورًا.

فتح عينيه ببطء، واستقام في جلسته قليلًا. ضيق عينيه، ونظر إليها مباشرة. "يعني إيه يبات عنده؟" خرجت الكلمات بنبرة غير مرتاحة، حادة قليلًا، كأنه يتذوق شيئًا مرًا في فمه.

اقتربت ليان منه قليلًا، تحاول تهدئة الموج قبل أن يرتفع: "صاحبه يا ياسر... عادي."

هز رأسه بعدم رضا واضح، فكه السفلي يتحرك بصلابة. "مش عايزه يتعود على كده."

نظرت له بعينيها الهادئتين، تفحص وجهه: "على إيه؟"

"على حياتهم." قالها بوضوح، نبرته لا تحتمل التأويل. حدق في نقطة بعيدة في الغرفة، كأنه يرى شيئًا لا تراه هي.

سكتت ليان لحظة، تشعر بثقل الكلمات قبل أن تنطق بها. ثم تحركت وجلست بجانبه تمامًا، قريبة بما يكفي لتشعر بدفء جسده. "ياسر... إحنا في لندن." صوتها كان ناعمًا، متزنًا، كمن يحاول ترويض حصان جموح بالكلمات فقط.

نظر لها مباشرة، عيناه السوداوان تحملان عنادًا قديمًا: "عارف."

"يبقى طبيعي يكون له أصحاب هنا." ردت بهدوء، تحاول إدخال المنطق إلى قلب يرفضه.

ضحك ياسر ضحكة خفيفة، ساخرة، جافة، خالية من أي بهجة. "أصحاب؟" كرر الكلمة وكأنها نكتة سمجة. ثم أضاف بنبرة لاذعة تحمل مرارة السنين: "ما في عرب... في مسلمين... في ناس زينا."

نظر لها، وعيناه تتحداها: "ليه يسيب ده كله... ويروح لواحد بريطاني؟"

تنفست ليان بهدوء، صدرها يرتفع وينخفض ببطء. كانت تعرف هذا الطريق، سلكته معه مرات لا تحصى. "علشان هو عايش هنا." قالتها ببساطة قاتلة. "هنا يا ياسر. مش هناك."

هز رأسه بعناد رجل رفض التكيف منذ أن وطئت قدماه هذه البلاد. "ريان عاش هنا برضه."

سكتت ليان. سكتة ثقيلة سقطت بينهما كحجر في ماء راكد.

"وكان كل أصحابه عرب ومسلمين." أكمل ياسر بنبرة ثابتة، وكأنه يثبت نقطة لا تقبل الجدل. "ما اندمجش بالشكل ده. كان عارف هو مين... وعارف حدوده."

نظرت له ليان بهدوء، تختار كلماتها بعناية. ثم قالت بصوت خفيض: "ريان مش آدم."

صمت ياسر.

"ريان كان هادي... عاقل... محدد طريقه من بدري." توقفت، تبتسم قليلاً وكأنها تستعيد صورة أخيه في ذاكرتها. ثم أضافت بنظرة خفيفة، فيها حنان الأم التي تعرف ابنها جيدًا: "إنما آدم..."

ابتسمت قليلاً، وتلك الابتسامة خففت من حدة اللحظة: "مراهق."

زفر ياسر ببطء، زفرة خرجت من أعماقه كأنها تعب سنين وليس يومًا واحدًا. "وده اللي مقلقني." قالها بصراحة، صوته خشن، مبحوح قليلاً.

سكتت ليان لحظة، تشعر بيده المتوترة تحت أصابعها. ثم مددت يدها ببطء، ووضعتها فوق يده، تغطيها بدفء كفها الصغير. شعرت بخشونة بشرته، بتلك الندبة الصغيرة على إصبعه التي تعرف قصتها جيدًا.

"هو محتاج يعيش... ويغلط... ويتعلم." صوتها كان هادئًا، متدفقًا كجدول ماء صغير. نظرت له مباشرة: "زي أي حد."

نظر لها ياسر... طويلاً.

نظرة طويلة، عميقة، غاصت في عينيها كأنه يبحث عن شيء ما... ربما عن طمأنينة، ربما عن إجابة لأسئلة لم يسألها بعد.

ثم زفر أخيرًا، مستسلمًا: "ربنا يستر."

قالها بهدوء، كنهاية غير معلنة لنقاش قديم متجدد.

ساد صمت بسيط بينهما، لم يكن ثقيلاً ولا محرجًا. كان صمت زوجين تعودا أن يفهما بعضهما دون كلمات.

ثم فجأة-

ابتسم ياسر.

تغير وجهه بالكامل، تبددت عنه غيوم التعب والقلق، وحلت محلها إشراقة هادئة. نظر لها بنظرة مختلفة تمامًا... أهدأ... أعمق... نظرة تحمل تاريخًا طويلاً من الحب الصامت.

"بس بصراحة..." بدأ جملته وعلقها في الهواء.

رفعت ليان حاجبها، عيناها تلمعان بفضول: "إيه؟"

اقترب منها قليلًا، حتى كاد كتفه يلامس كتفها. شعرت بدفئه يتسلل إليها.

"في حاجة واحدة بس... رجعتني للحياة."

نظرت له باستغراب خفيف، رأسها يميل قليلاً: "إيه؟"

ابتسم ياسر... ابتسامة بطيئة، دافئة، تبدأ من عينيه قبل أن تصل إلى شفتيه.

ثم قال بهدوء، وصوته يحمل كل صدق العالم:

"إنتِ."

سكتت ليان... تجمدت للحظة، كأن الكلمة أصابتها في مقتل.

ثم ابتسمت، وخجل خفيف لم تعتد عليه ظهر فجأة في عينيها، وأحمرت وجنتاها قليلاً رغم كل السنين التي جمعتهما. "بلاش الكلام ده... إنت تعبان."

هز رأسه ببطء، نافيًا: "لا... ده أحسن وقت أقوله."

اقترب منها أكثر، حتى صار وجهه قريبًا من وجهها. رفع يده ووضعها برفق على خدها، إبهامه يمسح على بشرتها الناعمة.

"كل ما أرجع البيت وألاقيكِ مستنياني..." توقف، صوته انخفض ليصبح همسًا عميقًا. "...بنسا كل حاجة."

نظرت له ليان...

هذه المرة، نظرت له حقًا.

بدون دفاعاتها المعتادة.

بدون ذلك البرود الذي تتقنه.

بدون الحروب المؤجلة والخطط الخفية.

فقط... امرأة تنظر إلى الرجل الذي تحب.

حب صافٍ، بسيط، عميق، يغرق في عينيها ويطفو على ملامحها.

همست، وصوتها يكاد لا يُسمع: "وأنا..."

ثم ابتسمت بخفة، تلك الابتسامة التي يحبها، التي جعلته يقع في حبها منذ أول مرة رآها: "ما بصدق ترجع."

ضحك ياسر بخفة، ضحكة حقيقية هذه المرة، خرجت من صدره وملأت الغرفة. ثم مد ذراعه وجذبها نحوه بقوة، يضمها إلى صدره.

"طب تعالي بقى... كفاية كلام." صوته كان دافئًا، يحمل وعودًا غير منطوقة.

ضحكت ليان وهي تبتعد قليلاً، تدفع صدره براحة يدها، عيناها تبرقان بدلال: "لا استنى... لسه عندي كلام-"

"بعدين... دلوقتي عندنا حاجة أهم."

قالها ياسر وهو يبتسم ابتسامة وقحة... شقية نادرًا ما يراها أحد سواها.

***************************

في القاهرة، كان المقهى مزدحمًا... أصوات ضحك، أكواب تُوضع على الطاولات، وموسيقى خفيفة تتسلل من الخلفية، تضيف جوًا من الحياة. في زاوية هادئة، كانت الشلة كلها مجتمعة حول طاولة صغيرة، ضحكاتهم تملأ المكان.
-أنا بقولك يا غيث... قال أوس، يلوح بيده بحماس، -إنت ظلمتني!
رفع غيث حاجبه بدهشة:
-أنا؟!
-آه إنت! رد أوس بسرعة، -ابنك خطف الأضواء من بنتي!
ضحكت شغف وهي تحمل الصغيرة تاج:
-طبعًا... بنتك لسه بتتعلم... إنما ياسين بقى-
قاطعتها غزل وهي تضحك:
-أيوه طبعًا... ابني نجم.
حمل غيث ياسين بين ذراعيه بفخر:
-سمعت؟ نجم.
ضحك سليم وهو ينظر إلى ميار:
-خلاص... إحنا كده محتاجين نخلف بسرعة.
شهقت ميار بخفة:
-سليم!
ضحك:
-إيه؟ بجهز نفسي نفسيًا بس.
ضربته بخفة على ذراعه:
-إنت مش طبيعي.
-أنا الطبيعي الوحيد هنا، قالها أوس بثقة.
نظرت له شغف:
-آه طبعًا... اللي بيغار من طفل عنده 5 شهور طبيعي جدًا.
ضحك الجميع.
كانت غزل تضحك معهم، تحاول الاندماج، تحاول أن تنسى، تراقب ياسين، غيث، أصدقائها...
-خليها لحظة عادية... همست في داخلها.
لكن فجأة... اهتز هاتفها.
رفعت عينيها إلى الشاشة، وابتسامتها لم تفارق وجهها، لكنها تجمدت عند رؤية الصورة. نفس الطاولة، نفس اللحظة... وهم، الآن. اختفت الابتسامة، واتسعت عيناها بصدمة، أنفاسها توقفت للحظة.
رسالة أسفل الصورة:
-"شايفك."
رفعت رأسها بسرعة، نظرت حولها، الوجوه والطاولات من حولها...
-مين؟!
بدأ قلبها يخفق بعنف، حينها جاء صوت غيث:
-غزل؟
نظرت له، حاولت أن تسيطر على نفسها، لكن وجهها خانها.
-إنتِ كويسة؟ سألها بقلق واضح.
هزت رأسها بسرعة:
-آه... أنا... أنا كويسة.
لكن صوتها كان مختلفًا.
ضيّق عينيه:
-في إيه؟
-مفيش... قالت بسرعة، ثم توقفت فجأة:
-أنا... هروح الحمام.
تحركت بسرعة، خطواتها متوترة، ونظراتها تتفحص المكان، كأنها تشعر بشيء يراقبها.
ساد صمت خفيف الطاولة، ثم قال سليم:
-في إيه؟
نظر غيث في اتجاهها:
-مش عارف...
لكن شغف لم تنطق، كانت تراقب غزل بنظرة مركزة وحادة، ثم قالت بهدوء:
-هرجع.
وقفت، نظر لها أوس:
-رايحة فين؟
-دقيقتين، قالت باختصار.
ميار نظرت لها، فهمت بدون كلام.
تحركت شغف خلف غزل، خطواتها سريعة لكنها هادئة، تدخل الممر...
كانت غزل أمام المرآة، يدها على الحوض، أنفاسها غير منتظمة.
-إنتِ كويسة؟ جاء صوت شغف من الخلف.
أغمضت غزل عينيها للحظة، ثم فتحتها، نظرت لانعكاسها ثم لشغف:
-وصلت رسالة، قالت بصوت منخفض.
اقتربت شغف:
-تاني؟
مدّت غزل الهاتف بيد مرتجفة. نظرت شغف للشاشة وتجمدت:
-دي...
رفعت غزل عينيها ببطء:
-دي صورة دلوقتي.
هزت غزل رأسها:
-هو هنا... همست بها.
نظرت شغف حولها بسرعة، عقلها بدأ يعمل:
-حد قريب... شايفنا...
-مين؟ سألت ميار التي وصلت للتو خلفهما.
نظرت لها شغف:
-حد بيراقبنا.
اتسعت عينا ميار:
-إيه؟!
-الرسالة، قالتها غزل.
صمت... ثوانٍ ثقيلة... ثم همست غزل:
-أنا حاسة إنه... هنا.
نظرت شغف لها، ثم قالت بنبرة هادئة وحادة:
-بصيلي.
نظرت لها غزل:
-إحنا مش لوحدنا.
قالتها بثقة، ثم أضافت:
-وأي حد بيلعب اللعبة دي...
عيناها لمعتا بشيء خطير:
-غلطان.
وفي الخارج، الضحك لا يزال مستمرًا، كأن لا شيء يحدث. لكن داخل هذا المكان، أحدهم كان يراقب... عن قرب
************************

غرفة الاجتماعات في مقر جهاز الاستخبارات كانت صامتة. إضاءة بيضاء حادة تتسرب من السقف، شاشة كبيرة تتربع في المنتصف، ووجوه الحاضرين لا تعرف المزاح. الملفات مفتوحة أمامهم، العيون مركزة، والصمت مهيب، يملأ المكان بكل ثقله.
دخل جاسر الحديدي، خطواته ثابتة، حضوره وحده يكفي لتغيير الجو. وقف أمام الشاشة، نظر للحاضرين، ثم قال بدون أي مقدمات:
-نبدأ.
أُطفئت الأنوار جزئيًا، وظهرت الصور والخرائط والتحركات على الشاشة.
-شبكة منظمة... نشاطها زاد في الفترة الأخيرة، قالها جاسر بصوت هادئ لكنه حاد، -تمويل... تهريب... تصفية.
تحركت الصور على الشاشة، ثم أضاف:
-وفي عنصر واحد مش ظاهر... القائد.
نظر للحاضرين بعينين حادتين:
-كل اللي عندنا... بيشاور إن في حد بيدير من فوق.
رفع أحد الأفراد صوته:
-توقعات يا فندم؟
-مش توقعات، رد جاسر مباشرة، -إحساس... مدعوم بأدلة ناقصة.
صمت. ثم قال:
-كل واحد فيكم له خط.
أشار لأحدهم:
-أنت... تتبع التحويلات المالية.
-تمام يا فندم.
-وأنت... راقب الاتصالات الدولية.
تحركت الأوامر بسرعة، بدون نقاش، كل واحد يسجل، يحلل، يستعد.
توقفت عينا جاسر فجأة على ريان:
-ريان.
رفع رأسه فورًا:
-فندم.
سكت جاسر لحظة، ثم قال:
-في مهمة تانية ليك.
نظر له ريان بتركيز:
-أوامرك يا فندم.
اقترب جاسر خطوة، صوته أصبح أخفض قليلًا:
-حماية.
تجمدت ملامح ريان لجزء من الثانية:
-...حماية؟
-اسمها غزل الشرقاوي.
صمت. نظر ريان له بوضوح استغراب:
-شخص مدني؟
-آه.
-مستوى التهديد؟
توقف جاسر لحظة، ثم قال:
-غير معروف.
ضيّق ريان عينيه قليلًا:
-ليه أنا؟
نظر له جاسر مباشرة:
-علشان أنت الوحيد اللي يقدر يشتغل على خطين في نفس الوقت.
صمت. ثم أضاف:
-البنت دي... بتوصلها رسائل تهديد.
تحرك شيء في عيني ريان:
-نوعها؟
-مراقبة... تصوير مباشر... تتبع.
تجمدت ملامحه قليلًا:
-يعني اللي ورا الموضوع... قريب منها.
هز جاسر رأسه:
-أقرب مما تتخيل.
صمت ثقيل.
-المهمة الأساسية مستمرة، أكمل جاسر، -إسقاط الشبكة.
ثم أضاف بنبرة أعمق:
-بس في احتمال... إن الخطين مرتبطين.
هنا... أصبح الموضوع مختلفًا.
سأل ريان بهدوء:
-اسم الشخص اللي بيهددها؟
-مجهول.
-في اشتباه؟
نظر جاسر للشاشة، ثم قال:
-لسه.
فهم ريان.
-هتبدأ فورًا، قالها جاسر.
وقف ريان:
-أوامر يا فندم. ثم سأل: -تفاصيل الهدف؟
-طالبة... متزوجة... عندها طفل.
توقف ريان لجزء من الثانية، ثم قال:
-تمام.
نظر له جاسر للحظة أطول من اللازم، ثم قال بهدوء:
-خلي بالك منها.
أومأ ريان برأسه:
-مفهوم.
-وانتبه لنفسك.
التفت ريان، تحرك نحو الباب، وفي اللحظة التي خرج فيها... عاد الصمت.
نظر أحد الضباط لجاسر:
-شايف إن الموضوع مرتبط؟
سكت جاسر، ثم قال بهدوء شديد:
-الإحساس بيقول كده.
نظر للشاشة، للملفات، للخيوط التي بدأت تقترب... ثم همس:
-واللي جاي... مش بسيط.
في الخارج، كان ريان يسير في الممر، خطواته ثابتة، عقله يعمل بسرعة:
-غزل الشرقاوي...
اسم جديد، مهمة جديدة... لكن إحساس واحد فقط بدأ يظهر:
-الموضوع أكبر
************************

باب الشقة انفتح ببطء، ولارين دخلت. خطواتها كانت أبطأ من المعتاد، وملابسها ما زالت تحمل أثر الفوضى، لكن وجهها... عاد كما هو؛ بارد، مسيطر.
أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها عليه لثانية، أغمضت عينيها وهمست:
-مريضة... شايفة نفسها إله.
سخرت بخفة، ابتسامة صغيرة بلا روح، ثم دفعت نفسها عن الباب وتحركت إلى الداخل.
رائحة الطعام الخفيف وصوت الأطباق وصلها من المطبخ.
-لارين؟ جاء الصوت.
رفعت رأسها قليلًا وقالت بنبرة عادية جدًا:
-آه.
خرجت نادية من المطبخ، امرأة أنيقة، ملامحها قوية، حضورها هادئ لكنه رسمي. نظرت لابنتها وتوقفت.
-إنتِ رجعتي إمتى؟
-لسه، قالت لارين ببساطة.
اقتربت نادية قليلًا، نظرة فاحصة:
-كنتِ فين؟
رفعت لارين حقيبتها بخفة:
-المؤتمر خلص... خرجت شوية.
صمتت نادية لثانية، ثم قالت:
-موبايلك كان مقفول.
توقفت لارين لجزء من الثانية، ثم ردت فورًا:
-فصل شحن.
نظرت لها نادية نظرة طويلة، ثم أومأت برأسها:
-تمام.
تحركت نحو المطبخ وقالت:
-تعالي كلي... أكيد ما أكلتيش كويس.
نظرت لها لارين بهدوء:
-مش جعانة.
توقفت نادية، التفتت لها:
-لارين.
نظرت لها لارين.
-حتى لو مش جعانة... اقعدي.
قالتها بنبرة ليست حادة، لكنها آمرة بطريقتها. تقدمت لارين ببطء وجلست، وضعت نادية الطعام أمامها ثم جلست قبالتها.
صمت. ثم سألت نادية:
-المؤتمر كان كويس؟
-عادي.
-استفدتي؟
-زي أي حاجة.
هزت نادية رأسها ببطء، تحاول فتح حديث، ثم قالت:
-باباك سأل عليكي.
رفعت لارين حاجبها قليلًا:
-ليه؟
-علشان ما رديتيش.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ساخرة:
-غريبة... افتكر فجأة؟
توقفت نادية، نظرت لها بجدية:
-لارين.
-إيه؟
-باباك بيسأل عليكي كل يوم.
سكتت لارين، لكن وجهها لم يتغير.
-مش بطريقته، أضافت نادية بهدوء.
نظرت لها لارين، ثم قالت ببساطة:
-وأنا مش بطريقتي برضه.
صمت ثقيل. بدأت تحرك الطعام أمامها ببطء، بدون شهية. في رأسها، لم تكن هنا.
-هربتي... همست، -بس اللعبة لسه...
شدّت يدها على الشوكة قليلًا، لاحظت نادية.
-في حاجة؟
رفعت عينيها فورًا، البرود عاد في لحظة:
-لا.
نظرت لها نادية لثوان، ثم قالت:
-متأكدة؟
-آه.
صمت. ثم وقفت لارين فجأة:
-هطلع أنام.
-بدري، قالت نادية.
-يوم طويل، ردت لارين باختصار.
تحركت نحو غرفتها.
-لارين، توقفت.
التفتت، نظرت لها نادية، هذه المرة بدون رسمية، بشيء أصدق:
-لو في حاجة... قولي.
نظرت لها لارين لثانية، ثم قالت:
-مفيش.
ودخلت غرفتها، أغلقت الباب. وقفت في منتصف الغرفة، الصمت يحيط بها، ثم ضحكت بخفة، سخرية باردة:
-مش عادية... بس مش أذكى مني.
اقتربت من النافذة، نظرت للخارج، عينيها أصبحت حادة:
-هنشوف.
في الخارج، كانت نادية لا تزال واقفة مكانها، تنظر للباب المغلق وهمست:
-بتخبي إيه يا لارين...؟
لكنها لم تتحرك. كما اعتادت... كل واحدة منهما تعيش وحدها، حتى وهي في نفس البيت
************************

أغلقت لارين الباب خلفها... بهدوء. وقفت في منتصف الغرفة، تنظر إلى الفراغ. الصمت هنا لم يكن عادياً... أثقل، مشحون بشيء لم تستطع تسميته.
خلعت حقيبتها ورمتها على السرير، ثم جلست ببطء، وضعت يدها على جبينها وأغمضت عينيها.
-المكان...
-المرأة...
-الهروب...
كل شيء مرّ بسرعة في عقلها، ثم توقفت.
-ريان.
فتحت عينيها فجأة، رفعت رأسها قليلًا، وكأن الاسم وحده شدّها من أفكارها.
-البارد... همست بسخرية خفيفة.
تذكرت طريقته في الكلام، هدوءه، نظراته التي تسبق كلماته...
-مش طالب عادي، قالتها لنفسها.
وقفت وبدأت 
تمشي في الغرفة ببطء، كأن خطواتها تحاول ترتيب الأفكار المتشابكة.
-وبيسأل كتير... ابتسمت ابتسامة خفيفة، -وبيفترض أكتر.
توقفت أمام المرآة، نظرت لنفسها بعينين تبحثان عن إجابة.
-ريان. قالتها هذه المرة بصوت مسموع.
ضيّقت عينيها قليلًا، وهمست:
-إنت بالظبط... بتعمل إيه؟
سكتت لحظة، ثم تنهدت بخفة:
-وإيه اللي خلاني... أرتاح لك؟
تجمدت. رفعت حاجبها لنفسها في المرآة:
-أرتاح؟
ضحكت بخفة، ساخرة:
-لا... إحنا مش بنرتاح لحد.
لكن رغم كلامها، لم تختفِ تلك النظرة، تلك الشرارة التي ربطت صوت ريان بحضور حاد في رأسها. تذكرت صوته، قالها بهدوء:
-خلي بالك من نفسك.
سكتت. ثانية... ثم جلست على السرير، نظرت إلى الهاتف بجانبها، كأنها تتوقع شيئًا.
-غريبة... همست بها لنفسها.
أغلقت عينيها للحظة، لكن هذه المرة لم يكن في عقلها دارين، ولا الخطف، بل عينان هادئتان، وصوت بارد يثير شيئًا خافتًا في داخلها.
فتحت عينيها بسرعة:
-مش وقته، قالت بحزم.
لكنها لم تستطع منع ابتسامة خفيفة جدًا، ظهرت واختفت، تركت أثرها على شفتها.
وبهدوء... بدأ شيء صغير، غير مسموع، غير مرئي، يتكوّن داخلها... بدون إذن منها.
************************

في فيلا الشرقاوي، كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء عبر الستائر، ملقيةً ضوءها الذهبي على غرفة الزينة.
ميار وقفت أمام المرآة، تصفف شعرها بعناية، ترش لمسات خفيفة من العطر، حركاتها هادئة وواثقة، كأنها تعرف قيمة نفسها جيدًا. نظرت لنفسها، ابتسمت بخفة، لحظة صغيرة من الرضا الذاتي.
وفجأة، صوت الباب يفتح.
لم تلتفت... لكنها شعرت بالحضور.
دخلت دارين، خطواتها بطيئة، لكنها مشحونة، عينيها مشتعلة بحقد قديم، متجدد.
وقفت خلفها، تتأمل انعكاس ميار في المرآة.
-غريبة... همست بسخرية باردة.
توقفت يد ميار للحظة، ثم أكملت بهدوء:
-إيه الغريب؟
ابتسمت دارين بسخرية:
-واحدة بقت جدة...
تقدمت خطوة، صوتها مشحون بالتهكم:
-ولسه واقفة قدام المرآة كأنها عندها 18 سنة.
رفعت ميار عينيها نحو المرآة، نظرتها تخترق الانعكاس:
-وأنا مالي بالسن؟ قالت بهدوء... لكنه حاد.
ضحكت دارين بخفة، ساخرة:
-لأ... واضح جدًا إنك مالكيش.
ثم نظرت لها من أعلى لأسفل:
-لسه بتحاولي تثبتي إنك... لسه مرغوبة.
استدارت ميار ببطء، عينيها تلتقي عيني دارين مباشرة:
-أنا مش بحاول. قالت بثبات.
اقتربت خطوة، نظرتها أصبحت أعمق:
-أنا عارفة.
تجمدت ابتسامة دارين للحظة، لكنها تماسكت.
-عارفة إيه بالظبط؟
ابتسمت ميار ابتسامة خفيفة، مستفزة:
-إن جوزي...
توقفت لحظة، ثم أكملت بصوت قاتل هادئ:
-بيحبني... وبيشوفني أنا وبس.
هنا تغير كل شيء. اشتعلت عينا دارين، كأن الكلمات أصابت مكانًا حساسًا جدًا.
ضحكت بسخرية، لكن صوتها مشدود:
-آه طبعًا... سليم... قالت الاسم ببطء... اللي اختارك إنتِ.
اقتربت خطوة، نظرتها حادة كالسكين:
-مش علشان إنتِ أحسن.
سكتت ميار، تنظر لها فقط، عينان لا تفوتهما أي حركة.
-لكن علشان هو... ما شافش غيرك. أكملت دارين بسمّ واضح.
ابتسمت ميار بهدوء، تحديًا:
-غلطانة.
اقتربت أكثر، حتى أصبحت قريبة جدًا منها، همست:
-هو شاف... واختار.
تجمدت دارين، صمت ثقيل يملأ الغرفة.
استدارت ميار بهدوء، أخذت حقيبتها، وقبل أن تخرج توقفت عند الباب:
-وبالمناسبة... قالت دون أن تلتفت، مش كل اللي بيت
حب... بيكون محبوب.
خرجت. صوت الباب يُغلق، سكون.
وقفت دارين مكانها، لا تتحرك، يدها مشدودة ببطء، أظافرها كادت تغرس في كفها.
-ميار... همست بها، ثم رفعت رأسها ببطء، عيناها مظلمتان...
-أنا اللي هاخد كل حاجة منك.
صوتها منخفض، مليء بالكره،
-واحدة واحدة...
في المرآة لم يكن هناك سوى امرأة، تحترق من الداخل، لكن لا تنطفئ، بل تنتظر اللحظة المناسبة لتحرق الجميع.
***************************

كانت دارين لا تزال واقفة أمام المرآة، أنفاسها غير منتظمة، عيناها مشتعلة بغضب داخلي.
همست بصوت منخفض، ببطء:
-أنا اللي هاخد كل حاجة منك...
صوت خافت جاء من الخلف، يقطع تماسكها:
-مش كل حاجة.
تجمدت. التفتت ببطء، لتجد هايدي عند الباب، تتكئ على الإطار بتوازن، تصفق ببطء بابتسامة ساخرة.
-برافو، قالت بسخرية لاذعة، المشهد كان مؤثر جدًا.
ضيّقت دارين عينيها:
-إنتِ من إمتى واقفة؟
رفعت هايدي كتفها بلا مبالاة:
-كفاية علشان أسمع...
نظرت لها من أعلى لأسفل، صوتها يختلط بالتهكم:
-وأضحك.
اشتدت ملامح دارين، صوتها حاد:
-ضحكك تقيل.
ابتسمت هايدي، بهدوء جارح:
-لا... خفيفة... زي قيمة كلامك.
اقتربت خطوة، شعورها بالسيطرة واضح. سكتت دارين للحظة، ثم قالت بحدة:
-قولي اللي عندك وامشي.
ضحكت هايدي بخفة:
-عاجبني إنك متوترة.
-مش متوترة، ردت دارين.
-لا... مكشوفة، أكملت هايدي، وميلت برأسها قليلًا.
تجمدت دارين، برودها يتصاعد:
-إنتِ فاكرة إنك الوحيدة اللي بتفهم؟
-لا، قالت هايدي فورًا، أنا فاهمة... إنك الوحيدة اللي مفكرة نفسها ذكية.
سكتت الغرفة لثوانٍ، ثم أضافت هايدي بنبرة هادئة قاتلة:
-تعرفي إيه الفرق بينك وبين ميار؟
لم ترد دارين، لكن عينيها قالت كل شيء.
ابتسمت هايدي، ابتسامة خفيفة لكنها قاتلة:
-كل راجل في العيلة... بيحب مراته...
توقفت، ثم أضافت ببطء:
-عدا واحد.
اقتربت خطوة، نظرتها صارت مباشرة جدًا:
-إنتِ.
تصلبت دارين، الدم يغلي في وجهها.
همست هايدي:
-حتى جوزك... مش طايقك.
انقبضت يد دارين بعنف:
-اخرسي!
لكن هايدي لم تتراجع. اقتربت أكثر، حتى أصبحت أمام دارين مباشرة، صوتها قاتل:
-والمشكلة مش فيه... المشكلة فيكِ.
اقتربت أكثر، تحدق فيها مباشرة:
-واحدة عايشة على وهم... إنها اتحبت.
صرخت دارين بغضب:
-اخرسي!
ابتسمت هايدي بهدوء:
-زي زمان... لما كنتِ بتجري ورا سليم...
اتسعت عينا دارين، تتعالى مشاعر الغضب داخلها. هايدي أكملت، خطوة خطوة نحو الحقيقة:
-ولما ما بصلكيش... دورتي على غيره... ولما حتى ده ما نفعش... بدأتِ تكسّري الناس... زي ياسر.
انفجر شيء داخل دارين:
-إنتِ متعرفيش حاجة! صرخت بغضب.
لكن هايدي بقيت هادئة، صوتها مرعب:
-أنا عارفة كل حاجة... عارفة إنك لفقتي له التهمة... عارفة إنه بريء... وعارفة إنك السبب في إن عيلته ترميه.
صرخت دارين:
-اسكتي!
لكن هايدي لم تتوقف:
-وأكتر من كده... أنا سمعتك. كل حاجة.
أصبحت أنفاس دارين أسرع، عينيها اتسعتا.
-إنتِ- لكنها لم تكمل. قبضت على ذراع هايدي بعنف:
-لو فتحتي بوقك... أدفنك مكانك. همست بصوت منخفض، خطير.
نظرت لها هايدي بلا خوف، بصوت ثابت:
-جربي.
وفجأة .... صوت قوي كالرعد قطع المكان:
-سر إيه اللي بتتكلموا عنه؟!
تجمدت الاثنتان، دارين ارتعشت، هايدي اتسعت عيناها.
الخطوات كانت تقترب، الصوت حاد وغاضب.
تبادلتا نظرة سريعة، مشحونة، خطيرة... والباب بدأ يُفتح ببطء.
تعليقات



<>