رواية وكفي بها فتنة الفصل الاول 1 بقلم ايه نصار

 

رواية وكفي بها فتنة

 الفصل الاول1

 بقلم ايه نصار

كانت الساعة تقترب من الخامسة مساءً، حين بدأت شمس الإسكندرية تستعد للغروب، تاركةً خيوطها الذهبية تنعكس على مياه البحر في مشهد اعتاده أهل المدينة، لكنه لم يفقد جماله يومًا.

في أحد شوارع جليم، كانت تيا تسير بخطوات هادئة، تحمل حقيبتها على كتفها بعد انتهائها من كورس الرسم. كالعادة، كان عليها أن تقطع ذلك الشارع الطويل حتى تصل إلى البحر، حيث تستطيع استقلال وسيلة مواصلات تعيدها إلى منزلها.

كانت شاردة الذهن، تتأمل السماء حينًا، وواجهات المحال حينًا آخر...

إلى أن قطع شرودها صوت رجل يتحدث بانفعال.

رفعت رأسها تلقائيًا.

على بُعد أمتار قليلة، كان يقف شاب في بدلة رسمية، يبدو في أواخر العشرينات، أمام رجل أجنبي الملامح.

لم تفهم ما يحدث في البداية...

لكن فضولها دفعها لتبطئ خطواتها.

كلما اقتربت قليلًا، بدأت الكلمات تتضح أكثر.

الرجل المجهول (بالإنجليزية): "You ruined everything, and now you'll pay for it." (لقد أفسدت كل شيء، والآن ستدفع الثمن.)

وقف الشاب المصري أمامه بثبات، ينظر إليه دون أن يتراجع خطوة واحدة.

حازم: "اتكلم عربي."

ابتسم الرجل بسخرية، وكأنه استمتع بعدم استجابة حازم للإنجليزية.

ثم قال من جديد...

الرجل المجهول (بالإنجليزية): "You should've walked away from this case." (كان يجب أن تبتعد عن هذه القضية.)

عقد حازم حاجبيه قليلًا.

كان يفهم بعض الكلمات...

لكن ليس بما يكفي ليفهم كل ما يقوله الرجل.

لاحظت تيا ذلك.

فنظرت بينهما للحظات...

ثم خرج صوتها قبل أن تمنع نفسها.


تيا : "What do you want from him?" 

(ماذا تريد منه؟)

التفت الاثنان إليها في اللحظة نفسها.

اتسعت عيناها قليلًا.

وكأنها هي نفسها لم تصدق أنها تحدثت.

نظر إليها الرجل الأجنبي باستغراب.


الرجل المجهول (بالإنجليزية): "Who are you?" 

(من أنتِ؟)


ابتلعت تيا ريقها.

كان قلبها يدق بعنف...

لكنها تماسكت.

تيا (بالإنجليزية): "This is Egypt. You have no right to threaten anyone here. If you have a problem, the law is above everyone." 

(هذه مصر. ليس من حقك أن تهدد أحدًا هنا. إذا كانت لديك مشكلة، فالقانون فوق الجميع.)

ابتسم الرجل ابتسامة باردة.

ثم بدأ يتحرك ببطء نحوها.

خطوة...

ثم أخرى...

شعرت تيا لأول مرة بالخوف الحقيقي.

بدأت تتراجع دون أن تشعر.

لكن قبل أن يصل إليها...

تحرك حازم.

وقف أمامها مباشرة.

بجسده بالكامل...

حتى أصبحت لا ترى الرجل الأجنبي إلا من خلف كتفه.

رفع حازم يده يمنع الرجل من التقدم أكثر.

حازم: "خليك مكانك."

نظر إليه الرجل باستهزاء.

الرجل المجهول (بالإنجليزية): "Move... this has nothing to do with you anymore." 

(ابتعد... الأمر لم يعد يتعلق بك وحدك.)


"لم تكن تدرك أن لحظةَ جرأةٍ عابرةٍ

ستفتحُ بابًا لا يُغلقُ بسهولةٍ بعدها"


ابتسم حازم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه.

حازم: "دلوقتي بقى يتعلق بيا أكتر."

في تلك اللحظة...

لم تشعر تيا بنفسها.

كل ما شعرت به...

أن وجوده أمامها منحها أمانًا غريبًا.

رفعت يدها ببطء...

وأمسكت بطرف جاكيته من الخلف.

بأصابع مرتجفة.

وكأنها تستمد منه شجاعة لم تكن تملكها قبل لحظات.

شعر حازم بحركتها.

لكنه لم يلتفت.

لم يبعد يدها.

بل ظل ثابتًا...

وكأن حماية الفتاة التي لا يعرف اسمها أصبحت، في تلك اللحظة، مسؤوليته.

ظل الرجل الأجنبي ينظر إلى حازم للحظات، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يرجع للخلف خطوة.

الرجل المجهول (بالإنجليزية):

"This isn't over."

(الأمر لم ينتهِ بعد.)

استدار وغادر المكان، واختفى بين المارة.

ساد الصمت...

لم يعد يُسمع سوى صوت السيارات البعيد، وأمواج البحر التي ترتطم بالشاطئ.

أخذ حازم نفسًا هادئًا، ثم استدار ببطء.

وقعت عيناه عليها لأول مرة.

كانت تقف خلفه مباشرة.

ملامحها شاحبة قليلًا، وأنفاسها متسارعة، وما زالت أصابعها تقبض على طرف جاكيته دون أن تنتبه.

نظر إلى يدها للحظة...

ثم عاد ينظر إليها.

حازم:

"إنتِ كويسة؟"

رفعت تيا رأسها بسرعة.

ولأول مرة انتبهت أنها ما زالت ممسكة بملابسه.

سحبت يدها فورًا، وكأنها لمست شيئًا ساخنًا.

تيا:

"أنا... أنا آسفة..."

أخفضت رأسها في خجل.

تيا:

"والله ما أعرف أنا عملت كده إزاي..."

ابتسم حازم ابتسامة خفيفة لم تظهر إلا لثانية.

حازم:

"إهدي."

هزت رأسها وهي تحاول ترتيب أنفاسها.

تيا:

"أنا... عمري ما كلمت ولد غريب قبل كده... ولا اتدخلت في حاجة زي دي."

نظر إليها حازم باستغراب خفيف.

ثم قال بهدوء:

حازم:

"أومال اتدخلتِ ليه؟"

سكتت لحظة...

ثم رفعت عينيها إليه.

تيا:

"لأنك كنت ساكت."

قطب حاجبيه.

تيا:

"أنا فهمت كلامه... وحسيت إنك مش فاهم كل اللي بيقوله."

أخذت نفسًا عميقًا.

تيا:

"وخفت... يفكر إن سكوتك خوف... فينفذ اللي كان بيهددك بيه."

سكتت لحظة، ثم قالت بتوتر:

تيا:

"مكنتش عارفة أفكر... حسيت إن لازم أرد."

ظل حازم ينظر إليها دون أن يقاطعها.

لأول مرة منذ سنوات...

يرى شخصًا غريبًا يخاطر بنفسه من أجل إنسان لا يعرفه.

قال بهدوء:

حازم:

"هو مشي."

ثم أضاف مطمئنًا:

حازم:

"ومش هيقدر يعمل حاجة."

تنهدت تيا...

لكن القلق لم يفارق ملامحها.

تيا:

"بس... هو كان بيتكلم عن القتل."

انخفض صوتها أكثر.

تيا:

"هو الناس بقت تهدد بعض بالموت كده عادي؟"

لم يجد حازم إجابة مباشرة.

كان ينظر إليها...

إلى ارتجافة صوتها...

وصدق خوفها.

وقبل أن يتكلم...

شعرت تيا بدوار بسيط من شدة التوتر.

فمدت يدها دون وعي...

وقبضت على كف حازم بقوة.

توقفت الكلمات.

لم تنتبه هي لما فعلته.

أما هو...

فاكتفى بالنظر إلى يدها الصغيرة وهي تضغط على كفه، دون أن يسحبها.

وقال بصوت أكثر هدوءًا:

حازم:

"بصيلي."

رفعت عينيها إليه.

حازم:

"هو مشي."

لحظة صمت.

حازم:

"وأنا كويس."

مرت ثوانٍ من الصمت...

ثم وقع بصر تيا على كف حازم.

تجمدت.

كان في خط أحمر رفيع، بدأت تنزل منه نقطة دم.

اتسعت عيناها فجأة.

تيا:

"يا نهار أبيض...!"

رفعت كفه بين إيديها من غير ما تستأذن، وبدأت تبص عليه بقلق.

تيا:

"إنت إيدك بتنزف!"

نظر حازم إلى كفه، كأنه بيشوف الجرح لأول مرة.

ابتسم ابتسامة بسيطة.

حازم:

"جرح بسيط."

هزت رأسها بسرعة.

تيا:

"لا... مش بسيط."

فتحت شنطتها بسرعة، وأخرجت مناديل ورقية.

بللت أحدها بقليل من المياه من الزجاجة اللي كانت معاها، وبدأت تمسح الدم بحرص شديد.

كان تركيزها كله على الجرح...

لدرجة إنها نسيت إنه واقف قدامها.

أما حازم...

فكان مركزًا عليها هي.

على ملامحها المتوترة...

وعلى الطريقة اللي كانت بتتعامل بيها مع الجرح وكأنه جرحها هي.

نظر إليها حازم لثوانٍ طويلة، وكأن ملامحها أربكته دون سابق إنذار.

تجول بعينيه على وجهها في صمت، ثم همس في داخله بدهشة واضحة:

"ما هذه البراءة... ما هذه العيون... ما هذه الشفاه؟"

توقّف قليلًا، وكأن عقله يحاول استيعاب ما يراه، ثم أضاف في نفسه وهو يراقب ملامحها البريئة:

"خدود تشبه حبتين من الفراولة .....وشفتاها... كأن ملامحها لا تنتمي لهذا الارتباك الذي بداخلي الآن."

شدّ انتباهه أكثر هذا التناقض الغريب بين بساطتها وتأثيرها عليه في تلك اللحظة، فابتعد بنظره سريعًا وكأنه استعاد وعيه فجأة، ثم قال بصوتٍ خرج دون قصد واضح:

"ما شاء الله تبارك الله."

سكت لحظة بعد كلمته، كأنه انتبه متأخرًا لما قاله.

لم يكن معتادًا أن يعلّق على شيء بهذا الشكل… ولا أن يلتفت بتفاصيله أصلًا.

لكن صورتها ظلت عالقة في ذهنه بشكل غريب.

ملامحها… نظرتها… وطريقة ارتباكها الذي لم يكن مصطنعًا.

أبعد نظره عن الطريق بسرعة، وضغط على أصابعه المصابة دون وعي، وكأنه يحاول استعادة تركيزه.

"أنا ليه ركزت معاها بالشكل ده؟"

سؤال مرّ في عقله… ثم تجاهله فورًا وكأنه لم يكن.

لكن الغريب…

أنه لم يختفِ.

رواية وكفى بها فتنه 

تيا:

"لازم نروح صيدلية."

حازم:

"مستاهلش."

رفعت رأسها بسرعة.

ولأول مرة كان في نبرة اعتراض واضحة.

تيا:

"لو سمحت..."

سكتت لحظة، ثم أكملت بخجل:

تيا:

"اطمن عليه بس."

نظر إليها ثوانٍ...

ثم قال باستسلام بسيط:

حازم:

"ماشي."

ابتسمت تلقائيًا...

ابتسامة صغيرة جدًا.

ولم ينتبه أيٌ منهما لها.

بعد دقائق...

وقفا أمام صيدلية قريبة.

دخل حازم أولًا، بينما وقفت تيا بجواره.

الدكتور:

"مساء الخير."

حازم:

"مساء النور يا دكتور."

رفع كفه أمامه.

حازم:

"ممكن تبص على الجرح ده؟"

أخذ الطبيب يطهر الجرح.

بينما كانت تيا تتابع كل حركة بعينين مليئتين بالقلق.

لاحظ الطبيب ذلك، فابتسم.

الدكتور:

"واضح إن المدام قلقت عليك جدًا."

في نفس اللحظة...

اتسعت عينا تيا.

واحمر وجهها بالكامل.

تيا بسرعة:

"لا... لا... حضرتك فهمت غلط."

أما حازم...

فاكتفى بابتسامة صغيرة وهو ينظر بعيدًا، دون أن يصحح كلام الطبيب.

زاد ارتباك تيا أكثر.

أنهى الطبيب تضميد الجرح.

الدكتور:

"اطمن... مجرد خدش بسيط."

تنفست تيا الصعداء.

تيا:

"الحمد لله."

بدأ حازم يخرج محفظته.

لكن قبل أن يتحرك...

سألت تيا بسرعة:

تيا:

"هو... مفيش مرهم يخلي الجرح يخف أسرع؟"

ابتسم الطبيب.

الدكتور:

"فيه، هديهوله."

نظر إليها حازم بطرف عينه...

ثم هز رأسه في صمت.

لأول مرة...

يشعر أن هناك شخصًا يهتم بتفصيلة صغيرة تخصه...

بهذا الصدق.

خرج الاثنان من الصيدلية.

بدأت الشمس تختفي تدريجيًا، والهواء القادم من البحر أصبح ألطف من قبل.

ساد الصمت بينهما للحظات.

كانت تيا تمشي بجواره وهي تنظر حولها باستمرار.

مرة يمين...

ومرة شمال...

وكأنها تبحث عن شيء.

لاحظ حازم ذلك.

حازم: "بتدوري على حاجة؟"

رفعت رأسها إليه بسرعة.

تيا: "آه..."

رفعت المنديل اللي كان في إيدها.

تيا: "بدور على سلة ."

نظر إلى المنديل...

ثم إليها.

وابتسم لأول مرة ابتسامة واضحة.

حازم: "هو إنتِ لسه شايلة المنديل من وقت ما خرجنا؟"

بصت للمنديل باستغراب، كأنها نسيت إنه في إيدها أصلًا.

تيا: "آه..."

ثم قالت ببساطة شديدة:

تيا: "مينفعش أرميه في الشارع."

خرجت من حازم ضحكة قصيرة، خافتة.

مش لأنه بيضحك عليها...

لكن لأن الجملة طلعت بعفوية غريبة.

أشار برأسه ناحية سلة قمامة على الرصيف المقابل.

حازم: "هناك."

ابتسمت بخجل.

تيا: "شكرًا."

جرت خطوتين صغيرتين، ورمت المنديل.

ثم رجعت تاني.

كانت ماشية وهي باصة قدامها.

أما حازم...

فكان بيبص عليها.

في سره قال:

"غريبة..."

مش غريبة بمعنى سيئ...

لكن غريبة بمعنى مختلف.

أغلب الناس كانوا هيكونوا رموه في أي مكان.

هي لأ.

في اللحظة دي...

اهتز تليفون تيا.

أخرجته بسرعة.

بصت للشاشة.

اتسعت عيناها.

تيا: "يا ساتر...!"

بص لها حازم باستغراب.

حازم: "في إيه؟"

تيا: "اتأخرت جدًا... ماما أكيد قلقانة."

بدأت تسرع في خطواتها.

ثم وقفت فجأة.

تيا: "أنا لازم أمشي."

هز حازم رأسه.

حازم: "طيب... أوصلك."

رفعت رأسها بسرعة.

تيا: "توصّلني؟"

أشار ناحية سيارته المركونة على جانب الطريق.

حازم: "بالعربية."

سكتت لحظة.

ثم هزت رأسها بالرفض.

تيا: "لا..."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

حازم: "ليه؟"

أخفضت نظرها للأرض.

وقالت بخجل:

تيا: "ما ينفعش."

انتظر أن تكمل.

تيا: "أنا متعودةش أركب مع حد معرفوش."

هز رأسه بتفهم.

ثم قال:

حازم: "بس مش هينفع أسيبك تمشي لوحدك بعد اللي حصل."

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

تيا: "أنا بعرف أروح لوحدي."

ثم أشارت ناحية البحر.

تيا: "بس أوصل البحر... وأركب مشروع."

رفع حاجبه باستغراب.

حازم: "مشروع؟"

ضحكت بخفة.

تيا: "آه... أسرع من الميكروباص."

هز رأسه وهو يبتسم.

ثم قال:

حازم: "طيب..."

وسكت لحظة.

حازم: "أوصلِك لحد البحر... على رجلي."

نظرت إليه.

كانت مترددة.

لكنه أضاف بهدوء:

حازم: "من غير عربية."

بعد ثوانٍ...

هزت رأسها موافقة.

وبدأ الاثنان يسيران معًا...

باتجاه البحر.

بدأ الاثنان يسيران في اتجاه البحر.

كانت المسافة ليست طويلة...

لكنها كانت كافية ليملأها الصمت.

تيا كانت تمشي بخطوات هادئة، تضم حقيبتها إلى كتفها، وتنظر أمامها أكثر مما تنظر إليه.

أما حازم...

فكان يسير بجوارها، محافظًا على مسافة محترمة بينهما.

لم يكن أيٌ منهما يعرف ماذا يقول.

قطع الصمت أخيرًا صوت حازم.

حازم: "اسمك إيه؟"

ابتسمت بخجل.

تيا: "تيا."

ردد الاسم بينه وبين نفسه.

حازم: "تيا..."

ثم نظر إليها.

حازم: "اسم مميز."

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

تيا: "شكرًا."

وبعد لحظات...

قالت هي بتردد:

تيا: "وأنت؟"

نظر إليها.

حازم: "حازم."

هزت رأسها بخفة.

تيا: "تشرفت."

حازم: "وأنا."

عاد الصمت من جديد.

لكن هذه المرة...

لم يكن صمتًا محرجًا.

كان الرصيف مزدحمًا قليلًا.

وأثناء سيرهما...

مر ثلاثة شباب في الاتجاه المقابل.

وقعت أعينهم على تيا.

واستمرت النظرات لثوانٍ أطول مما ينبغي.

لاحظ حازم ذلك.

لم يقل شيئًا.

لكن خطواته تغيرت.

انتقل بهدوء إلى الجهة الخارجية من الرصيف، وأصبحت تيا بينه وبين سور البحر.

ثم تقدم نصف خطوة أمامها.

ليس بشكل ملحوظ...

لكن بما يكفي ليقطع خط نظر أحد الشباب.

رفع عينيه إليه.

نظرة واحدة فقط.

كانت كافية.

خفض الشاب عينيه وأكمل طريقه.

أما تيا...

فلم تنتبه لشيء.

كانت منشغلة وهي تراقب البحر من بعيد.

نظر إليها حازم بطرف عينه.

ثم عاد ينظر أمامه.

"أنا بعمل إيه؟"

سؤال مر في ذهنه سريعًا.

لكنه لم يجد له إجابة.

فضغط على أصابعه المصابة برفق...

وأكمل السير وكأن شيئًا لم يحدث.

أكملا السير في صمت.

كانت تيا تنظر إلى البحر الذي بدأ يبتلع آخر خيوط الشمس، بينما كان حازم ينظر أمامه، محاولًا إقناع نفسه أن ما فعله منذ قليل كان تصرفًا عاديًا... لا أكثر.

قطع الصمت صوته الهادئ.

حازم: "هو... إنتِ كنتِ بتعملي إيه هنا أصلًا؟"

التفتت إليه.

تيا: "كنت خارجة من كورس."

حازم: "كورس إيه؟"

ابتسمت بخجل.

تيا: "رسم."

رفع حاجبه باهتمام.

حازم: "بترسمي؟"

هزت رأسها بخفة.

تيا: "بحاول... لسه بتعلم."

سكت لحظة، ثم سألها:

حازم: "ودرستِ إيه؟"

تيا: "آداب... قسم تاريخ، شعبة آثار."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

حازم: "آثار... ورسم... وإنجليزي كويس."

ضحكت بخجل وهي تنظر إلى الأرض.

تيا: "لما بتجمعهم كده... بحس إنهم كتير."

نظر إليها بطرف عينه.

ثم قال بهدوء:

حازم: "واضح إنك بتحبي تتعلمي."

ابتسمت ابتسامة صغيرة دون أن ترد.

عاد الصمت بينهما من جديد...

لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا.

بعد عدة خطوات...

توقفت تيا فجأة.

التفتت إليه.

بدت وكأنها تريد أن تقول شيئًا.

فتحت فمها...

ثم أغلقته.

خفضت رأسها.

ثم عادت تنظر إليه مرة أخرى.

ابتسم حازم دون أن يشعر.

حازم: "عايزة تسألي حاجة."

اتسعت عيناها.

تيا: "أنا... هو..."

قاطعها بهدوء.

حازم: "عايزة تعرفي الراجل ده مين."

سكتت لثوانٍ.

ثم هزت رأسها بالإيجاب، وقد بدا الفضول واضحًا في عينيها.

ابتسم ابتسامة جانبية.

حازم: "عينيكي قالتولي."

نظرت إليه بدهشة.

تيا: "إنت عرفت منين؟"

نظر أمامه وهو يكمل السير.

حازم: "عداوة قديمة بسبب شغلي."

سكت لحظة.

حازم: "وأكتر من كده... مقدرش أقوله."

هزت رأسها بتفهم.

ثم أكملت السير.

لكنها بعد خطوتين...

عادت تنظر إليه بنفس النظرة.

لاحظها فورًا.

ابتسم بخفة، وكأنه سبقها.

حازم: "ومتخافيش."

توقفت.

تيا: "ها؟"

حازم: "عرفت إن ده السؤال اللي بعده."

نظر إليها.

حازم: "لا... مش هيقدر يعمل حاجة."

ظلت تنظر إليه في صمت.

أما هو...

فأبعد نظره سريعًا.

ولأول مرة...

استغرب من نفسه.

"هو أنا... إزاي فهمت هي كانت عايزة تقول إيه؟"

ضغط على أصابعه المصابة برفق...

استغرب من نفسه... هو إمتى بقى بيعرف يقرأ حد بالسهولة دي؟"

لوّحت نسمة باردة من جهة البحر، فرفعت تيا طرف حجابها تثبته بيدها.

توقفت أمام موقف المشروع.

التفتت إلى حازم.

تيا: "أنا هركب من هنا."

هز رأسه بهدوء.

حازم: "تمام."

وقفت لحظة...

ثم ابتسمت بخجل.

تيا: "شكرًا."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

حازم: "على إيه؟"

تيا: "على إنك طمنتني... وعلى إنك سمعت كلامي وروحت الصيدلية."

نظر إليها لثوانٍ.

ثم قال بهدوء:

حازم: "وأنا اللي المفروض أشكرك."

بدت عليها الدهشة.

تيا: "أنا؟"

حازم: "لأنك وقفتي تدافعي عن واحد متعرفيهوش."

ابتسمت بخجل وهي تنظر للأرض.

تيا: "مكنتش هعرف أمشي وأسيب حد بيتظلم."

ابتسم دون أن يعلق.

في تلك اللحظة...

وصل المشروع.

صعدت تيا أول درجة.

ثم توقفت فجأة.

استدارت نحوه مرة أخرى.

بدا عليها التردد.

ابتسم حازم.

حازم: "لسه فيه سؤال؟"

ضحكت بخفة، ثم هزت رأسها.

تيا: "لا..."

سكتت لحظة.

تيا: "بس... خلي بالك من نفسك."

لم يكن يتوقع تلك الجملة.

نظر إليها بصمت.

ثم قال:

حازم: "حاضر."

ابتسمت.

وصعدت إلى المشروع.

جلست بجوار النافذة.

وقبل أن يتحرك...

رفعت يدها مودعة.

بادلها الإشارة بهدوء.

تحرك المشروع ببطء.

وظل حازم واقفًا مكانه...

حتى اختفى عن عينيه.

تنهد دون أن يشعر.

ثم أخرج هاتفه من جيبه.

وقبل أن يضعه في السيارة...

رن الهاتف.

نظر إلى الشاشة.

رقم غير معروف.

رد بهدوء.

حازم: "ألو."

جاءه نفس الصوت البارد الذي سمعه قبل قليل.

الرجل المجهول: "كنت فاكر إنك بتحميها؟"

انعقد حاجبا حازم.

أكمل الرجل ببرود:

الرجل المجهول: "دلوقتي... بقت جزء من اللعبة."

انقطع الاتصال.

ظل حازم ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ.

ثم رفع رأسه بسرعة...

واتجه بنظره نحو الطريق الذي اختفى فيه المشروع.

ولأول مرة...

شعر بانقباض حقيقي في صدره.

همس لنفسه بصوت بالكاد يُسمع:

حازم: "يا رب تكون وصلت بيتها."

                      الفصل الثاني من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>