في اليوم التالي…
كان ضوء الشمس يتسلل إلى مكتب حازم بهدوء، ينعكس على سطح المكتب المليء بالأوراق والملفات المفتوحة.
كالعادة، كان المكان مرتبًا… وكل شيء في مكانه الصحيح.
إلا هو.
كان جالسًا أمام مكتبه، يمسك القلم بين أصابعه، وعينيه تتحركان على النصوص أمامه دون تركيز حقيقي.
حاول أن يقرأ الجملة مرة أخرى…
ثم مرة ثالثة.
لكن الكلمات كانت تمر دون أن تترك أثرًا.
أغلق الملف ببطء، وأسند ظهره إلى الكرسي.
الصمت في المكتب كان مريحًا كعادته… لكنه هذه المرة لم يكن كافيًا.
مرّ مشهد الأمس في ذهنه فجأة.
الشارع… البحر… الصوت المرتبك… وملامح فتاة لم يكن من المفترض أن تبقى في ذاكرته أكثر من دقائق.
فتح عينيه قليلًا، وكأنه يحاول طرد الفكرة.
"مجرد موقف وعدى."
قالها في داخله بوضوح.
لكن الصمت لم يرد عليه.
رفع يده وفك أزرار قميصه عند المعصم بهدوء، ثم ضغط على أصابعه المصابة دون وعي.
توقف قليلًا.
ثم عاد لوضعه الطبيعي بسرعة.
أخذ نفسًا عميقًا، وفتح الملف من جديد.
حاول التركيز.
لكن فجأة…
مر اسمها في ذهنه دون مقدمات.
توقف القلم في يده.
لم يتحرك.
ثوانٍ صامتة مرّت…
ثم أعاد الكتابة ببطء و
لكن التركيز لم يعد كما كان.
رفع نظره ببطء…
وكأنه يحاول فهم شيء لا يراه.
"ليه مش قادرة أطلع من دماغي؟"
صمت.
ثم أعاد توجيه نظره إلى الأوراق أمامه، محاولًا إقناع نفسه أن الأمر عادي… مجرد موقف وانتهى.
لكن لأول مرة…
لم ينجح في إقناع نفسه
أغلق عينيه لثوانٍ.
ثم فتحهما مجددًا.
لكن هذه المرة لم يكن المشهد وحده هو الذي عاد.
بل جملة أخرى.
صوت الرجل المجهول عاد في ذاكرته ببرود:
"بقت جزء من اللعبة."
توقف القلم في يده.
هذه المرة لم يتجاهل الجملة.
نظر أمامه بصمت أطول من المعتاد.
فكرة واحدة بدأت تتشكل داخله ببطء…
لو الرجل ده نفّذ تهديده فعلًا… تيا ممكن تكون في خطر.
رفع يده وضغط على أصابعه المصابة دون وعي.
ثم توقف فجأة.
لم يكن الخوف هو ما أزعجه…
بل شيء آخر.
إحساس غريب بأنه مسؤول بشكل ما عمّا حدث لها.
وهنا… عاد مشهد قديم إلى ذهنه دون إذن.
مستشفى… صمت ثقيل… ويد لم يستطع إنقاذها في وقت سابق.
شدّ على فكه للحظة، وكأنه يحاول إبعاد الصورة.
"مش هسمح يتكرر ده تاني."
فتح عينيه على اتساعهما قليلًا.
ثم مد يده نحو هاتفه.
تردد لثوانٍ.
كان يعرف اسمها الآن… ويعرف أنها تدرس وتذهب للكورس.
فكر للحظة.
"لازم أعرف عنها أكتر."
لكن قبل أن يتحرك…
توقف.
وظل جالسًا مكانه، بين خطوة لم تُتخذ بعد… وفكرة بدأت تكبر بداخله دون سيطرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيت تيا 🌊🏠
في صباحٍ هادئ، تسللت أشعة الشمس بخجلٍ إلى غرفة تيا، لتستقر على وجهها النائم.
كانت ما تزال غارقة في نومها، حتى انفتح باب غرفتها بهدوء، وظهر وجه أختها "هنا" وهي تحمل أريج بين ذراعيها.
ابتسمت هنا بخبث، ثم همست:
هنا: قومي يا تيا... كفاية نوم.
لم تتحرك تيا، فاكتفت بسحب الغطاء فوق رأسها.
ضحكت هنا، ثم أنزلت أريج على السرير.
بمجرد أن وقفت الصغيرة، بدأت تزحف فوق خالتها وهي تضحك.
أريج: خالتووو... قومي!
فتحت تيا عينًا واحدة بصعوبة، ثم نظرت إليها بابتسامة ناعسة.
تيا: لا... خمس دقايق بس.
هزت أريج رأسها بقوة.
أريج: لااا... هنروح الملاهي.
ابتسمت تيا وهي تمد ذراعيها لتحمل الصغيرة.
تيا: آه... هو أنا هصحى علشان الشغل ولا علشان حضرتك؟
ضحكت أريج وصفقت بيديها.
أريج: علشاني أنا.
ضمّتها تيا إلى صدرها، ثم بدأت تدغدغها برفق.
انطلقت ضحكات أريج تملأ الغرفة.
أريج: خلاص... خلاص يا خالتو!
دخلت هنا الغرفة وهي تضحك على المشهد.
هنا: أيوة كده... بدل ما كنتي عاملة فيها نايمة.
نظرت إليها تيا بتمثيل للضيق.
تيا: والله أنتي السبب... جايبة البلطجية الصغيرة تصحيني.
عقدت أريج ذراعيها الصغيرتين أمام صدرها وقالت باعتراض طفولي:
أريج: أنا مش بلطجية.
ضحكت تيا وقبّلت خدها.
تيا: لا... أنتي أحلى بلطجية في الدنيا.
ابتسمت الصغيرة بفخر، بينما قالت هنا وهي تشير إلى الساعة:
هنا: يلا بقى... قومي اجهزي، اتفقنا هنخرج النهارده.
هزت تيا رأسها باستسلام.
تيا: حاضر... صحيت خلاص.
أنزلت أريج من على السرير، واتجهت إلى خزانتها لتأخذ ملابسها، ثم دخلت الحمام.
انهمرت المياه الدافئة فوقها، وكأنها تغسل عنها بقايا إرهاق الأمس.
أغلقت عينيها للحظات، ثم أنهت استحمامها وخرجت ترتدي ملابسها بهدوء.
وقفت أمام سجادة الصلاة، وأدت فرضها بخشوع، قبل أن ترفع يديها بالدعاء في صمت.
شعرت بعدها براحةٍ خفيفة ملأت قلبها.
خرجت إلى غرفة الطعام، لتجد والدتها "سوما" قد انتهت من إعداد الإفطار.
سوما: صباح الخير يا حبيبتي.
ابتسمت تيا وقبّلت رأس والدتها.
تيا: صباح النور يا ماما.
جلست بجوار أريج التي كانت منشغلة بمحاولة دهن قطعة خبز بالمربى، بينما تراقبها هنا وهي تضحك.
تيا: استني يا ستي... هتقعيها.
أخذت منها السكين الصغيرة، وساعدتها وهي تبتسم.
اجتمعوا حول المائدة في أجواء دافئة، امتلأت بالأحاديث البسيطة والضحكات، حتى شعرت تيا أن توتر الأمس بدأ يبتعد عنها شيئًا فشيئًا.
بعد أن انتهوا من الإفطار، استأذنت تيا وصعدت إلى غرفتها.
فتحت خزانتها، وأخذت تفكر فيما سترتديه.
أما في الخارج...
فكانت أريج تقفز بحماس وهي تردد كل دقيقة:
"يلا يا خالتو... اتأخرنا على الملاهي!"
في الجهة الأخرى من المدينة...
كان أسر يجلس داخل مكتبه، يراجع إحدى القضايا في هدوء تام.
لم يكن من النوع الذي يرفع صوته أو ينفعل أثناء العمل، بل كان يقرأ كل سطر بتركيز شديد، وكأنه يخشى أن تفلت منه معلومة واحدة.
طرق أحد الموظفين الباب.
الموظف: أستاذ أسر... العميل وصل.
رفع أسر عينيه عن الأوراق وأغلق الملف.
أسر: دخّله.
دخل رجل في منتصف الخمسينيات، تبدو عليه علامات القلق.
صافحه أسر وهو يبتسم ابتسامة هادئة.
أسر: اتفضل... اقعد واهدى الأول، وبعدها احكيلي من البداية.
جلس الرجل، وبدأ يروي تفاصيل قضيته، بينما كان أسر يستمع إليه دون أن يقاطعه.
لم يكن يكتب كثيرًا...
كان ينظر إلى المتحدث مباشرة، وكأنه يحاول قراءة ما بين الكلمات أكثر من الكلمات نفسها.
وبعد دقائق من الحديث...
قال أسر بثقة:
أسر: متقلقش... إن شاء الله حقك هيرجع، لكن لازم نمشي بالطريق الصح... ومفيش خطوة هنعملها إلا وهي قانونية.
ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة ارتياح.
الرجل: ربنا يكرمك يا أستاذ.
ابتسم أسر ابتسامة بسيطة.
أسر: الفضل لله.
غادر الرجل المكتب، وعاد الهدوء من جديد.
أسند أسر ظهره إلى الكرسي، وأغمض عينيه لثوانٍ.
وفجأة...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رقم غير مُسجل.
ظل ينظر إليه لحظات، ثم أجاب بهدوء.
أسر: ألو.
ساد الصمت لثوانٍ، بينما كان يستمع للطرف الآخر دون أن ينطق بكلمة.
تغيرت ملامحه قليلًا.
لكن ليس خوفًا...
بل وكأنه كان يتوقع هذه المكالمة.
أنهى الاتصال، ووضع الهاتف على المكتب.
ثم همس لنفسه بصوت منخفض:
"واضح إن اللعبة بدأت تتحرك..."
فتح أحد الأدراج، وأخرج منه صورة قديمة.
نظر إليها طويلًا...
ثم أعادها إلى مكانها، وأغلق الدرج بهدوء.
قبل أن يهمس مرة أخرى:
"ربنا يستر..."
في قسم الشرطة...
كان الهدوء نادرًا كعادته، لكن ياسين كان يتعامل مع الفوضى وكأنها جزء طبيعي من يومه.
وقف أمام أحد الضباط الشباب، يراجع معه محضرًا، ثم أعاده إليه.
ياسين: اقرأه تاني... في تفاصيل ناقصة، ولو التفاصيل ناقصة القضية كلها هتضعف.
الضابط: حاضر يا فندم.
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة، ثم ربت على كتفه.
ياسين: متستعجلش... الشغل ده بيعتمد على الصبر قبل أي حاجة.
غادر الضابط، بينما دخل أمين الشرطة يحمل كوبًا من القهوة.
أمين الشرطة: اتفضل يا باشا.
ياسين: تسلم يا عم سعيد.
ما إن أمسك الكوب حتى رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة...
ثم ابتسم ابتسامة يعرفها المقربون منه فقط.
"حازم."
رد سريعًا.
ياسين: صباح الخير يا أستاذ.
جاءه صوت حازم من الطرف الآخر:
حازم: صباح النور... عامل إيه؟
ياسين: الحمد لله... إنت أخبارك إيه؟
ساد صمت قصير.
ابتسم ياسين وهو يهز رأسه.
كان يعرف حازم جيدًا...
وحين يصمت هكذا، فهناك شيء يشغل باله.
ياسين: مالك؟
حازم: مفيش... شوية ضغط شغل.
ابتسم ياسين ابتسامة لم يصدق معها الإجابة.
لكنه لم يضغط عليه.
ياسين: لما تخلص ابقى عدي عليا... بقالي كتير مشوفتكش.
حازم: حاضر.
وقبل أن يغلق الخط، قال ياسين بهدوء:
ياسين: وحاول تكلم أسر.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاء رد حازم ببرود.
حازم: لما يبقى في كلام يتقال... هكلمه.
انتهت المكالمة.
تنهد ياسين وهو ينظر إلى الهاتف.
ثم تمتم لنفسه:
"إمتى هترجعوا زي زمان؟"
رفع كوب القهوة وأخذ رشفة صغيرة، ثم عاد إلى عمله.
لكن شيئًا في داخله كان يخبره...
أن الأيام القادمة لن تكون سهلة على أيٍ منهم.
مع اقتراب غروب الشمس...
توقفت سيارة هنا أمام مدينة الملاهي.
ما إن نزلت أريج حتى أمسكت يد خالتها بحماس.
أريج: يلا يا خالتو... يلا بسرعة!
ضحكت تيا وهي تنحني قليلًا نحوها.
تيا: إيه ده! هو أنا حتى لحقت أقفل باب العربية؟
ركضت الصغيرة وهي تشدها من يدها.
أما هنا، فاكتفت بالنظر إليهما وهي تبتسم.
هنا: والله البنت دي بتحبك أكتر مني.
التفتت تيا إليها وهي تضحك.
تيا: حقها... أنا بدلعها أكتر.
عقدت أريج ذراعيها الصغيرتين وقالت بفخر:
أريج: أيوة.
انفجرت هنا وتيا في الضحك.
---
دخلوا مدينة الملاهي، وكانت الأضواء تملأ المكان، وأصوات الأطفال تمتزج بالموسيقى في أجواء مليئة بالحياة.
وقفت أريج تشير إلى إحدى الألعاب وهي تقفز في مكانها.
أريج: دي... دي... عايزة أركب دي.
نظرت تيا إلى اللعبة، ثم إلى أختها.
تيا: خلاص... أنا اللي هركب معاها.
ابتسمت هنا وهي تهز رأسها.
هنا: ربنا يعينك.
---
بعد دقائق...
كانت تيا تضحك بصوت عالٍ وهي تحاول الإمساك بأريج التي كانت تجري بين الألعاب.
تيا: استني يا بنت... هتقعّي!
استدارت أريج وهي تضحك.
أريج: مش هتعرفي تمسكيني!
ركضت تيا خلفها، حتى أمسكتها أخيرًا، ورفعتها بين ذراعيها.
تيا: أمسكتك!
تعالت ضحكات الصغيرة وهي تحاول الإفلات.
أما هنا، فأخرجت هاتفها بسرعة.
هنا: استنوا... الصورة دي لازم تتصور.
التفتت تيا إليها وهي تحمل أريج.
تيا: لا... بلاش صور.
هنا: خلاص... اتأخرت.
التقطت الصورة بالفعل.
نظرت إليها ثم ابتسمت.
هنا: والله الصورة دي هتفضل عندي العمر كله.
ابتسمت تيا بخجل وهي تُنزِل أريج على الأرض.
---
بعد أن انتهوا من الألعاب...
مروا أمام عربة لبيع المثلجات.
وقفت أريج فجأة.
أريج: آيس كريم!
ضحكت تيا وهي تنظر إلى هنا.
تيا: خلاص... استسلمنا.
اقتربت من البائع.
تيا: واحد فراولة للأميرة.
ثم التفتت إلى هنا.
تيا: وإنتِ؟
هنا: شوكولاتة.
ثم نظرَت هنا إلى تيا.
هنا: وإنتِ؟
ابتسمت تيا ابتسامة صغيرة.
تيا: فانيليا.
ناولها البائع المثلجات.
وما إن أمسكت أريج بآيس كريمها...
حتى لطخت طرف أنفها بالكريمة دون أن تشعر.
انفجرت تيا في الضحك.
تيا: استني... أنفك بقى آيس كريم هو كمان.
نظرت أريج إليها باستغراب.
أريج: فين؟
أخرجت تيا منديلًا، ومسحت أنفها برفق، ثم قبّلت جبينها.
تيا: خلاص... بقيتي حلوة تاني.
ابتسمت الصغيرة، ثم مدت الآيس كريم ناحية خالتها.
أريج: خدي أول واحدة.
اتسعت ابتسامة تيا.
انحنت قليلًا، وأخذت قضمة صغيرة.
تيا: تسلم إيد الأميرات.
كانت هنا تراقبهما في صمت، ثم ابتسمت من قلبها.
همست لنفسها:
"ربنا يديم الضحكة دي..."
دون أن تدري...
أن الأيام القادمة ستحاول سرقتها.
في الناحية الأخرى من المدينة...
كان الليل قد فرض سكونه على المكان.
أما داخل مكتب حازم...
فلم يكن هناك سوى ضوء المصباح الصغير فوق مكتبه، وبعض الملفات المتناثرة أمامه.
نظر إلى ساعته.
الثامنة والنصف مساءً.
زفر بهدوء وهو يمرر يده على وجهه.
لم يشعر بمرور الوقت.
منذ تلك المكالمة...
لم يستطع أن يقرأ صفحة واحدة بتركيز.
نهض من مقعده واتجه نحو النافذة.
وقف ينظر إلى أضواء المدينة من خلف الزجاج.
لكن عقله...
لم يكن هناك.
عاد صوت الرجل المجهول يتردد في أذنه وكأنه يسمعه الآن.
"بقت جزء من اللعبة..."
أغمض عينيه بقوة.
"لا..."
قالها بصوت خافت.
"ملهاش ذنب."
ظل صامتًا للحظات.
ثم عاد إلى مكتبه، وجلس ببطء.
فتح أحد الأدراج، وأخرج ملفًا قديمًا.
ظل ينظر إليه طويلًا...
دون أن يفتحه.
كانت أصابعه تضغط على حافته بقوة، بينما ملامحه ازدادت قسوة.
بعد لحظات...
أعاد الملف إلى مكانه، وأغلق الدرج بعنفٍ خفيف.
وكأنه قرر ألا يسمح للماضي أن ينتصر عليه مرة أخرى.
أمسك هاتفه.
فتح قائمة الأسماء.
توقف إصبعه عند اسم واحد.
ياسين.
ظل ينظر إليه لثوانٍ.
ثم ضغط على زر الاتصال.
رن الهاتف...
مرة.
اثنتين.
حتى جاءه صوت ياسين الهادئ:
ياسين: خير يا حازم... لسه في المكتب؟
سكت حازم قليلًا.
ثم قال بنبرة مختلفة عن المعتاد:
حازم: محتاج أشوفك.
فهم ياسين من نبرته أن الأمر ليس عاديًا.
ياسين: حصل إيه؟
نظر حازم إلى الفراغ أمامه.
ثم قال بهدوء امتزج بالقلق:
حازم: أفتكر... في حد ممكن يكون حياته في خطر.
ساد الصمت في الطرف الآخر.
قبل أن يجيب ياسين بجدية:
ياسين: أنا جايلك.
ظل حازم ممسكًا بالهاتف بعد انتهاء المكالمة مع ياسين.
ألقاه فوق المكتب، ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد وأغمض عينيه.
لثوانٍ...
لم يعد يرى مكتبه.
ولم يعد يسمع صوت السيارات خارج النافذة.
...
أصوات صراخ.
زجاج يتكسر.
خطوات سريعة.
ثم...
صوت امرأة يملؤه الخوف:
"حازم...!"
فتح عينيه في ذلك المشهد القديم.
كانت يداه ملوثتين بالدماء...
يحاول أن يوقف النزيف بكل ما يملك.
"حد يطلب الإسعاف... بسرعة!"
كان صوته يخرج مكسورًا.
يردد الجملة نفسها مرة بعد أخرى.
لكن لا أحد كان يجيبه.
كل ما كان يراه...
هو عينان تبهت فيهما الحياة شيئًا فشيئًا.
وصوت أخير...
لا يزال يطارده حتى اليوم.
"خلي بالك من نفسك..."
...
طرقات متتالية على باب المكتب.
عاد حازم إلى واقعه فجأة.
فتح عينيه بعنف، وأخذ نفسًا عميقًا، كأن الهواء عاد إلى رئتيه بعد غياب.
تكرر الطرق مرة أخرى.
نهض سريعًا، ومسح وجهه بكفه، ثم اتجه نحو الباب.
فتح الباب...
ليجد ياسين يقف أمامه، ينظر إليه بقلق.
عقد ياسين حاجبيه فور أن رأى ملامحه.
ياسين: مالك يا حازم...؟
نظر إليه حازم لثوانٍ دون أن يجيب.
ثم تنحى جانبًا بهدوء.
حازم: ادخل...
إحنا لازم نتكلم.
في الجهة الأخرى من المدينة...
كانت أضواء الملاهي تنعكس على وجه تيا وهي تمشي بجوار هنا، بينما كانت أريج تركض أمامهما بكل طاقتها، تضحك مرة، وتتوقف مرة أخرى لتشير إلى لعبة جديدة تريد تجربتها.
أريج: خالتو... المرة دي هنركب دي!
ضحكت تيا وهي تمسك يدها.
تيا: يا بنتي، إحنا ركبنا نص الملاهي.
عقدت أريج حاجبيها الصغيرين.
أريج: لسه النص التاني.
ضحكت هنا وهي تهز رأسها.
هنا: واضح إننا مش هنرجع البيت النهارده.
ابتسمت تيا أخيرًا من قلبها، ثم انحنت تحمل أريج بين ذراعيها.
تيا: خلاص... آخر لعبة، وبعدها ناكل حاجة.
صفقت أريج بحماس.
أريج: وافقت!
بعد دقائق...
جلس الثلاثة في أحد أماكن الجلوس المفتوحة داخل الملاهي.
وضعت هنا أكواب العصير على الطاولة، بينما كانت تيا تساعد أريج في فتح علبة البطاطس.
أريج: خالتو... افتحيها.
تيا: حاضر يا ستي.
فتحتها، ثم أخذت واحدة لنفسها.
اعترضت أريج بسرعة.
أريج: دي بتاعتي!
ضحكت تيا وهي ترفع يديها باستسلام.
تيا: خلاص... حقك عليا.
مدت إليها واحدة أخرى وهي تبتسم.
تيا: اتفضلي يا صاحبة الملك.
ابتسمت الصغيرة في رضا، ثم أخذت تأكل وهي تلوح بقدميها في الهواء.
راقبتها تيا بحنان، فابتسمت دون أن تشعر.
همست هنا وهي تنظر إليهما:
هنا: ربنا يخليكي ليها... إنتِ بالنسبة لها أكتر من خالة.
خفضت تيا بصرها بخجل.
تيا: دي حبيبتي.
في تلك اللحظة...
مرّ رجل من بعيد، وألقى نظرة سريعة نحو الطاولة التي يجلسن عليها.
ثم أكمل طريقه.
لم تنتبه تيا.
ولم تنتبه هنا.
لكن نحن نعلم ....
أن تلك النظرة لم تكن عابرة.
في مكانٍ معزول لا يحمل أي ملامح واضحة...
كان الضوء خافتًا، والجو ساكنًا بشكل غير مريح.
جلس الرجل المجهول في صمت، أمامه ملف مفتوح، لكنه لا يقرأه فعليًا.
كان يفكر.
بعد لحظات، دخل أحد رجاله بخطوات هادئة، ثم توقف باحترام.
الرجل: سيدي...
رفع الرجل المجهول عينيه ببطء.
الرجل المجهول: ماذا حدث؟
تردد الرجل لثوانٍ، ثم قال:
الرجل: الفتاة التي ظهرت معه... خرجت اليوم.
تغيرت نظرة الرجل المجهول قليلًا، لكنه لم يتحرك.
الرجل المجهول: مع من؟
الرجل: مع أختها وطفلة صغيرة... كانت في مكان ترفيهي.
صمت لحظة.
ثم قال بهدوء:
الرجل المجهول: هل كانت تتحرك بشكل طبيعي؟
الرجل: نعم... لم يبدو عليها أي إدراك لأي خطر.
أخذ نفسًا بطيئًا.
ثم أراح ظهره على الكرسي.
لم يكن في صوته أي انفعال.
لكن هدوءه كان أثقل من أي غضب.
الرجل المجهول: إذًا لم تدرك شيئًا بعد.
صمت ثوانٍ.
ثم سأل سؤالًا مختلفًا.
الرجل المجهول: هل عرفتم من تكون بالنسبة له؟
تبادل الرجل نظرة سريعة قبل أن يجيب:
الرجل: لم نصل لشيء بعد... لكن يبدو أنها لا تربطها به علاقة واضحة.
توقف الرجل المجهول للحظة طويلة.
ثم نهض من مكانه ببطء.
اتجه نحو النافذة.
المدينة أمامه كانت هادئة من الخارج... لكن بالنسبة له، كانت تتحرك في اتجاه لا يعجبه.
قال بصوت منخفض دون أن يلتفت:
الرجل المجهول: استمروا في مراقبتها.
ثم أضاف بعد لحظة صمت:
الرجل المجهول: أريد كل تفصيلة عنها.
صمت مرة أخرى.
ثم جاءت الجملة الأخيرة، باردة، محسوبة:
الرجل المجهول: يبدو أن القدر... اختار ضحيةً
جديدة.
ظل حازم ممسكًا بالهاتف بعد انتهاء المكالمة مع ياسين.
ألقاه فوق المكتب، ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد وأغمض عينيه.
لثوانٍ...
لم يعد يرى مكتبه.
ولم يعد يسمع صوت السيارات خارج النافذة.
...
أصوات صراخ.
زجاج يتكسر.
خطوات سريعة.
ثم...
صوت امرأة يملؤه الخوف:
"حازم...!"
فتح عينيه في ذلك المشهد القديم.
كانت يداه ملوثتين بالدماء...
يحاول أن يوقف النزيف بكل ما يملك.
"حد يطلب الإسعاف... بسرعة!"
كان صوته يخرج مكسورًا.
يردد الجملة نفسها مرة بعد مرة.
لكن لا أحد كان يجيبه.
كل ما كان يراه...
هو عينان تبهت فيهما الحياة شيئًا فشيئًا.
وصوت أخير...
لا يزال يطارده حتى اليوم.
"خلي بالك من نفسك..."
...
اهتز الهاتف على المكتب.
صوت الرنين قطع المشهد فجأة.
انتفض حازم كأنه خرج من مكان بعيد.
نظر إلى الشاشة.
ياسين.
رد بسرعة.
جاءه صوت ياسين هذه المرة مختلفًا، مزدحمًا بضوضاء الطريق.
ياسين: أنا في الطريق ليك... بس هتأخر شوية.
سكت لحظة.
ياسين: في حادثة قدامي، والدنيا واقفة تقريبًا، مش عارف أوصل بسرعة.
لم يتكلم حازم في البداية.
كانت أنفاسه ما زالت غير منتظمة.
لكن عينيه رجعت تركز.
حازم: حادثة إيه؟
ياسين: لسه مش واضح، زحمة شديدة ومفيش حركة تقريبًا.
ساد صمت قصير.
ثم قال حازم بسرعة، بنبرة حاسمة:
حازم: خلاص.
ياسين: إيه؟
حازم: متتعطلش... أنا خارج دلوقتي.
ياسين: حازم استنى—
لكن حازم كان قد أنهى المكالمة بالفعل.
أغلق الهاتف.
ثم أمسك مفاتيحه بسرعة، واتجه نحو الباب دون تردد.
لم يكن القرار عقلانيًا بالكامل...
لكنه لم يعد يحتمل البقاء في مكانه.
في الخارج...
كان الليل هادئًا.
لكن داخله هو...
