رواية وكفي بها فتنة الفصل الرابع4 بقلم ايه نصار

رواية وكفي بها فتنة
 الفصل الرابع4 
بقلم ايه نصار

في مكتب ياسين…


دخل حازم بسرعة، ملامحه مشدودة وعينيه ما زالت تحمل أثر اللحظة التي ترك فيها المكان.


أغلق الباب خلفه دون أن يتكلم أولًا.


رفع ياسين نظره إليه بهدوء.


ياسين: كنت أعرف إنك هتيجي كده.


اقترب حازم خطوة.


حازم: ليه مقولتليش من الأول إنك وصلت لعنوانها؟


ساد صمت قصير.


ثم قال ياسين بهدوء محسوب:


ياسين: لأن الموضوع ما كانش مستاهل تسرّع وقتها.


تغيرت ملامح حازم فورًا.


حازم: مش مستاهل؟ أنا كنت واقف هناك.


رفع ياسين يده بهدوء كأنه يطلب منه التوقف عن الانفعال.


ياسين: اسمع الأول.


سكت حازم، لكن توتره لم يهدأ.


أكمل ياسين:


ياسين: اللي وصلت له مش مجرد عنوان وخلاص.


اقترب خطوة من المكتب، وفتح ملف صغير كان أمامه.


وأخذ يقلب الملف بين يديه ببطء، وكأنه يبحث عن الطريقة المناسبة ليبدأ.


ثم أغلقه.


ورفع عينيه إليه.


ياسين: فاكر لما قولتلي إنك حسيت إن في حد بيراقبك؟


أومأ حازم برأسه.


حازم: أيوه.


أخرج ياسين صورة من الملف، ووضعها أمامه.


ياسين: الشخص اللي كلفته يراقب المكان، صور الراجل ده.


أمسك حازم الصورة سريعًا.


رجل يقف على الجانب الآخر من الشارع.


لا ينظر إلى الكاميرا…


بل إلى المكان الذي كان يقف فيه حازم.


عقد حاجبيه.


حازم: هو ده؟


هز ياسين رأسه.


ياسين: فضل موجود طول الفترة اللي كنت فيها هناك.


قلب حازم الصورة بين يديه.


ثم رفع عينيه.


حازم: عرفته؟


تنهد ياسين.


ياسين: لا.


ساد الصمت لثوانٍ.


ثم أكمل:


ياسين: لكن في حاجة غريبة.


نظر إليه حازم باهتمام.


ياسين: الراجل ده... ماكانش مركز مع تيا.


كان مركز معاك إنت.


تجمدت ملامح حازم.


حازم: متأكد؟


دفع ياسين صورة أخرى نحوه.


كانت ملتقطة من زاوية مختلفة.


حازم واقف يراقب مدخل الكورس...


وفي الخلفية يظهر الرجل نفسه، يراقبه من مسافة بعيدة.


ابتسم حازم ابتسامة باهتة لا تحمل أي ارتياح.


حازم: يعني كنت متراقب...


وأنا حتى ماخدتش بالي.


قال ياسين بهدوء:


ياسين: وده اللي مقلقني.


لأن اللي يعرف يراقب محامي زيك من غير ما يحس...


أكيد مش شخص عادي.


أعاد حازم الصور إلى الملف ببطء.


ثم قال بصوت خافت:


حازم: يبقى هما سبقونا بخطوة.


نظر إليه ياسين طويلًا قبل أن يقول:


ياسين: والسؤال الأهم...


هما عايزين منك إيه؟


ومين تيا ؟!!!


وليه دخلت في كل ده؟


ساد الصمت مرة أخرى...


لكن هذه المرة...


لم يكن أيٌّ منهما ينتظر إجابة.


بل كانا يعلمان...


أن الإجابة ستغيّر كل شيء.


القضية أصبحت أكبر من مجرد “مكان” أو “اسم”.


"حين يختلطُ الخطرُ بالغموض… تصبحُ الحقيقةُ

 أخطرَ ممّا نخشاه."


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ساد الصمت داخل المكتب.


ظل حازم ينظر إلى الصورتين لعدة ثوانٍ، ثم أعادهما إلى الملف بهدوء.


اتجه نحو النافذة، وأسند إحدى يديه إلى حافتها.


كانت السيارات تتحرك في الأسفل كعادتها...


أما عقله، فكان يعيد ترتيب كل ما حدث منذ تلك الليلة.


بدايةً من الرجل الذي هدده...


مرورًا بتيا...


ووصولًا إلى الرجل الذي كان يراقبه.


تنهد ببطء.


حازم: في حاجة غلط.


رفع ياسين رأسه.


ياسين: إيه اللي وصلتله؟


ظل حازم صامتًا لحظة، ثم استدار إليه.


حازم: لو الهدف هو أنا... يبقى كانوا يقدروا يقربوا مني في أي وقت.


أومأ ياسين موافقًا.


حازم: ولو الهدف هو تيا... كانوا هيبقوا بيراقبوها هي، مش أنا.


ساد الصمت.


ثم قال وهو يضيق عينيه:


حازم: يبقى في احتمال تالت.


عقد ياسين حاجبيه.


ياسين: إيه هو؟


اقترب حازم من المكتب، ووضع إصبعه على الصورة.


حازم: إنهم كانوا مستنيين أشوفها.


اتسعت عينا ياسين قليلًا.


لكن حازم أكمل بهدوء:


حازم: كأن وجودها في طريقي... كان مقصود.


ساد الصمت داخل الغرفة.


كانت الفكرة تبدو جنونية...


لكن كل ما حدث حتى الآن...


كان يقود إليها.


أخذ ياسين نفسًا عميقًا.


ياسين: لو كلامك صح...


يبقى إحنا داخلين على لعبة أكبر من اللي متخيلينه.


نظر إليه حازم بثبات.


ثم قال:


حازم: ومن النهارده...


مش هتحرك خطوة من غير ما أعرف مين اللي بيحرك اللعبة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وفي مكانٍ بعيد...


كان هاتفٌ يُغلق بهدوء.


وصوتٌ هادئ يقول:


الرجل المجهول:

"بدأ يفكر في الاتجاه الصحيح...


لكن بعد فوات الأوان."


ساد الصمت...


واختفى الخط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


كان ياسين ما يزال ينظر إلى حازم، قبل أن يكسر الصمت بهدوء.


ياسين: احكيلي من الأول...


مين تيا؟!!!


ظل حازم صامتًا للحظات.


ثم جلس أخيرًا على المقعد المقابل.


أسند مرفقيه على ركبتيه، وشبك أصابعه، قبل أن يزفر ببطء.


حازم: أنا معرفهاش...


رفع ياسين حاجبيه باستغراب.


أكمل حازم:


حازم: كل اللي حصل... إني كنت واقف مع .........


كنا بنتناقش...


أو بالأصح هو كان بيحاول يضغط عليا.


وفجأة...


دخلت بنت بينا.


من غير ما تعرف مين أنا...


ولا مين هو.


كانت فاكرة إن في واحد بيتعرض للظلم...


فوقفت تدافع عنه.


ابتسم حازم ابتسامة خفيفة، وكأنه ما زال غير مستوعب جرأتها.


حازم: مكانش عندها أي فكرة إنها دخلت بين اتنين... واحد منهم ممكن يقتلها من غير ما يرمش.


ظل ياسين يستمع في صمت.


حازم: وبعد ما كل حاجة خلصت...


عرفت إن اسمها تيا.


وإنها بتاخد كورس رسم في جليم.


وبس.


دي كل المعلومات اللي كانت عندي.


عقد ياسين حاجبيه.


ياسين: وبعدها؟


ساد الصمت للحظة.


ثم قال حازم بصوت أكثر هدوءًا:


حازم: بعدها بساعات...


جالي اتصال.


من نفس الراجل.


ارتسم التوتر على وجه ياسين.


أما حازم...


فكان ينظر إلى نقطة ثابتة أمامه، كأنه يسمع الكلمات من جديد.


ثم قالها بنفس النبرة التي لا تزال تطارده...


حازم:

"كنت فاكر إنك بتحميها؟"


سكت.


ثم أكمل ببطء:


"دلوقتي... بقت جزء من اللعبة."


ساد الصمت داخل المكتب.


هذه المرة...


لم يتكلم ياسين.


لأن الجملة وحدها...


كانت كافية لتفسر سبب كل ما فعله حازم منذ ذلك اليوم.


لم يكن يبحث عن فتاةٍ لا يعرفها...


بل كان يحاول أن يسبق خطرًا، لا يعرف متى سيظهر.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الجهة الأخرى من المدينة...


لم تكن تيا تعلم أن اسمها أصبح يتردد في أكثر من مكان.


خرجت من مركز الرسم وهي تحمل حقيبتها ودفتر الاسكتش بين ذراعيها.


ألقت نظرة أخيرة على المبنى، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تتأمل الرسم الذي انتهت منه اليوم.


كانت تشعر براحة غريبة.


ذلك النوع من الراحة الذي لا يمنحه إلا إنجاز شيء تحبه.


أخرجت هاتفها لتتفقد الوقت.


وقبل أن تضعه في حقيبتها، وصلتها رسالة.


تقى:

"أنا قدام المحل... مستنياكي." 🤍


ابتسمت تيا سريعًا.


ثم أسرعت بخطواتها نحو الشارع المقابل.


لم تنتظر طويلًا...


فما إن وصلت حتى وجدت تقى تلوح لها بيدها من بعيد.


تقى: أخيرًا يا ست الفنانة!


ضحكت تيا وهي تعانقها.


تيا: معلش... الكابتن طول النهارده.


ابتعدت تقى قليلًا ونظرت إليها مدققة.


تقى: انتي شكلك تعبانة.


هزت تيا كتفيها بابتسامة.


تيا: شوية إرهاق بس... هيروح.


تشابكت ذراعاهما، وبدأتا السير بين المحلات.


كانت تيا تتوقف كل دقيقة تقريبًا أمام واجهة متجر.


مرة لشراء بعض المستلزمات


ومرة أخرى لاختيار هدية صغيرة لابنة أختها.


أما تقى...


فكانت تضحك على حيرتها أكثر مما تساعدها في الاختيار.


وبعد جولة طويلة...


أشارت تقى إلى مقهى صغير يطل على الشارع.


تقى: إيه رأيك نقعد شوية؟ رجليا أعلنت استسلامها.


ضحكت تيا.


تيا: وأنا موافقة... بس بشرط.


رفعت تقى حاجبها.


تقى: شرط إيه؟


ابتسمت تيا بمكر.


تيا: القهوة عليكي... بما إن نص المشتريات كانت بسببك.


انفجرت تقى ضاحكة.


تقى: والله استغلال واضح!


دخلتا المقهى وهما تضحكان.


واختارتا طاولة بجوار النافذة.


وضعت كلتاهما الأكياس على المقعد المجاور.


ثم تنفستا براحة.


كان المكان هادئًا...


تنساب إليه نسمات البحر من بعيد، ممزوجة برائحة القهوة الطازجة.


جلستا تتبادلان الحديث في تفاصيل الحياة الصغيرة...


أحاديث لا تغيّر العالم.


لكنها تجعل الأيام أخف على القلب.


وفي مكانٍ آخر...


كانت أعينٌ لا تعرف الضحك...


تبدأ في مراقبة الطريق الذي سلكته تيا منذ خروجها من الكورس.


✦ ───────────────────────── ✦


لا يعني كدا


خرج حازم وياسين من المبنى في صمت.


كان كلٌّ منهما غارقًا في أفكاره.


فتح حازم سيارته، ثم نظر إلى ياسين.


حازم: تعالى... عايز أوريك المكان.


ركب ياسين إلى جواره.


وبعد دقائق...


كانت السيارة تشق طريقها نحو جليم.


طوال الطريق، لم يتبادل الاثنان سوى كلمات قليلة.


حتى قطع ياسين الصمت.


ياسين: هتعمل إيه؟


ظل حازم مركزًا على الطريق.


ثم قال بثبات:


حازم: هفضل أراقبها.


التفت إليه ياسين.


ياسين: ولو اكتشفت؟


أجاب دون تردد.


حازم: ساعتها هتصرف.


تنهد ياسين.


ياسين: أنت عارف إن اللي بتعمله ده خطر؟


ابتسم حازم ابتسامة خافتة.


حازم: والخطر الأكبر... إني أسيبها من غير ما أفهم هي داخلة في إيه.


لم يعلق ياسين.


فهو يعرف هذه النبرة جيدًا...


حين يتخذ حازم قرارًا...


لا يتراجع عنه.


✦ ───────────────────────── ✦


توقفت السيارة أمام الشارع المؤدي إلى مركز الرسم.


أشار حازم إليه.


حازم: هنا.


تأمل ياسين المكان.


شارع هادئ نسبيًا...


تنتشر على جانبيه المحلات الصغيرة والمقاهي.


قال وهو يشير إلى المقهى المقابل:


ياسين: ندخل نشرب قهوة وإنت تحكيلي باقي التفاصيل.


أومأ حازم موافقًا.


واتجها معًا نحو المقهى.


دفع ياسين الباب الزجاجي أولًا...


ثم تبعه حازم.


وما إن رفع الأخير رأسه...


حتى تجمدت خطواته.


كانت هناك...


تجلس بجوار النافذة.


تيا.


تضحك بعفوية مع صديقتها، غير منتبهة لمن دخل لتوه.


تبع ياسين اتجاه نظراته.


ثم ابتسم بخفة.


ياسين: هي دي؟


لم يُجب حازم.


ظل ينظر إليها للحظات.


وكأن القدر...


يعيد وضعها في طريقه للمرة الثانية.


وفي اللحظة نفسها...


رفعت تيا رأسها مصادفة.


التقت عيناها بعينيه.


اتسعت عيناها قليلًا...


إذ تعرفت على ذلك المحامي الذي قابلته منذ أيام.


وقبل أن تستوعب سبب وجوده هنا...


همست تقى، وهي تلتفت لترى ما تنظر إليه تيا:


تقى: مالك؟ بتبصي لمين؟


لكن تيا...


لم تُجب.


ولم تكن تدري...


أن تلك اللحظة ستكون بداية تعارفٍ جديد...


لن يقتصر عليها وحدها.

                      الفصل الخامس من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا 

تعليقات



<>