لم يكن الليل قد انتهى تمامًا…
لكن شوارع الإسكندرية بدأت تستعيد هدوءها شيئًا فشيئًا.
أدار حازم محرك سيارته من جديد، وعيناه ما زالتا معلقتين بمدخل البناية التي اختفت خلفه تيا وتقى منذ دقائق.
مرّت ثوانٍ طويلة…
دون أن يتحرك.
قطع ياسين الصمت أخيرًا.
ياسين: هتفضل واقف كده كتير؟
ظل حازم ينظر أمامه، ثم قال بهدوء:
حازم: شوفت العربية؟
أومأ ياسين.
ياسين: شوفتها…
بس معرفتش أشوف وشوشهم كويس.
قبض حازم على المقود قليلًا.
حازم: أنا شوفت.
نظر إليه ياسين باستغراب.
ياسين: تعرفهم؟
هز حازم رأسه بالنفي.
حازم: لا…
بس النظرة دي…
مش أول مرة أشوفها.
ساد الصمت للحظات.
ثم استدار أخيرًا بالسيارة مبتعدًا عن المكان.
لكن قبل أن يختفي من الشارع…
رفع بصره للمرة الأخيرة نحو شرفة الشقة.
كانت الأنوار قد أضيئت.
ابتسم ابتسامة خافتة لا تكاد تُرى…
كأنه اطمأن أنها وصلت بسلام.
ثم انطلق.
✦ ───────────────────────── ✦
في الجهة الأخرى…
خلف ستارة إحدى النوافذ…
كانت تيا تقف بهدوء، تنظر إلى السيارة وهي تبتعد.
لم تكن تعرف لماذا…
لكنها بقيت تتابعها حتى اختفت تمامًا من آخر الشارع.
اقتربت تقى منها وهي تحمل كوبين من الشاي.
ناولتها أحدهما، ثم ابتسمت بمكر.
تقى: هو إيه اللي مخليكي واقفة عند الشباك؟
انتفضت تيا قليلًا، ثم أبعدت نظرها بسرعة.
تيا: ولا حاجة…
كنت ببص على الشارع بس.
رفعت تقى حاجبها وهي ترتشف من كوبها.
تقى: الشارع…
ولا العربية؟
ازدادت حمرة وجنتي تيا قليلًا، فالتفتت إليها معترضة.
تيا: يا بنتي بطلي هبل.
ضحكت تقى.
تقى: والله أنا بسأل بس.
أخذت تيا نفسًا عميقًا، ثم جلست على الأريكة.
تيا: كل الحكاية إنه شخص غريب… واتكرر قدامي أكتر من مرة.
ابتسمت تقى وهي تجلس بجوارها.
تقى: والغريب ده… شكله مهتم يعرف عنك أكتر.
نظرت إليها تيا للحظة، ثم هزت رأسها نافية.
تيا: لا… أكيد في سبب تاني.
قالتها…
لكنها لم تكن مقتنعة تمامًا بما قالته.
أما تقى…
فاكتفت بابتسامة صغيرة.
فهي كانت ترى في عيني صديقتها شيئًا…
بدأ لتوه.
شيئًا لا تعترف به الكلمات…
لكن تفضحه النظرات.
✦ ───────────────────────── ✦
في طريق العودة…
كان الصمت يملأ السيارة.
لم يكن صمتًا مريحًا…
بل ذلك النوع الذي يسبق اكتشافًا كبيرًا.
قطع ياسين الصمت وهو ينظر من نافذة السيارة.
ياسين: إنت مقتنع إن العربية دي كانت واقفة علشانها؟
أخذ حازم نفسًا هادئًا، دون أن يرفع عينيه عن الطريق.
حازم: لا.
التفت إليه ياسين باستغراب.
ياسين: لا؟
هز حازم رأسه.
حازم: كانت مستنياني أنا.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال ياسين بجدية:
ياسين: وإيه اللي خلاك متأكد؟
ابتسم حازم ابتسامة خفيفة، لكنها خالية تمامًا من الراحة.
حازم: لأن أول ما بصيت عليهم...
هما اللي سابوا المكان.
لو كانوا بيراقبوا تيا...
كانوا استنوا لحد ما تدخل العمارة.
لكنهم مشيوا أول ما عرفوا إني خدت بالي منهم.
ظل ياسين يفكر في كلامه.
ثم قال بهدوء:
ياسين: يبقى إحنا قدام احتمالين.
نظر إليه حازم سريعًا.
ياسين: يا إما حد عايز يوصل لك رسالة...
يا إما حد بيحذرك.
قبض حازم على المقود قليلًا.
وقال بصوت ثابت:
حازم: لا...
دي مش رسالة.
دي بداية.
بداية لحاجة أكبر بكتير.
ساد الصمت من جديد...
لكن هذه المرة...
كان كل واحد منهما يعلم أن الغد لن يكون يومًا عاديًا.
✦ ───────────────────────── ✦
في طريق العودة…
كان الصمت يملأ السيارة.
لم يكن صمتًا مريحًا…
بل ذلك النوع الذي يسبق اكتشافًا كبيرًا.
قطع ياسين الصمت وهو ينظر من نافذة السيارة.
ياسين: إنت مقتنع إن العربية دي كانت واقفة علشانها؟
أخذ حازم نفسًا هادئًا، دون أن يرفع عينيه عن الطريق.
حازم: لا.
التفت إليه ياسين باستغراب.
ياسين: لا؟
هز حازم رأسه.
حازم: كانت مستنياني أنا.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال ياسين بجدية:
ياسين: وإيه اللي خلاك متأكد؟
ابتسم حازم ابتسامة خفيفة، لكنها خالية تمامًا من الراحة.
حازم: لأن أول ما بصيت عليهم...
هما اللي سابوا المكان.
لو كانوا بيراقبوا تيا...
كانوا استنوا لحد ما تدخل العمارة.
لكنهم مشيوا أول ما عرفوا إني خدت بالي منهم.
ظل ياسين يفكر في كلامه.
ثم قال بهدوء:
ياسين: يبقى إحنا قدام احتمالين.
نظر إليه حازم سريعًا.
ياسين: يا إما حد عايز يوصل لك رسالة...
يا إما حد بيحذرك.
قبض حازم على المقود قليلًا.
وقال بصوت ثابت:
حازم: لا...
دي مش رسالة.
دي بداية.
بداية لحاجة أكبر بكتير.
ساد الصمت من جديد...
لكن هذه المرة...
كان كل واحد منهما يعلم أن الغد لن يكون يومًا عاديًا.
✦ ───────────────────────── ✦
داخل غرفة تيا...
كانت الغرفة يغمرها ضوء الأباجورة الصغير، بينما ساد الهدوء بعد يوم طويل.
جلست تيا على طرف السرير، وأمامها كوب الشاي الذي برد منذ دقائق.
أما تقى...
فكانت تجلس متربعة على السرير، تنظر إليها بنظرة لا تخلو من الفضول.
ظل الصمت بينهما للحظات...
قبل أن تقطعه تقى وهي تعقد ذراعيها.
تقى: خلاص...
مفيش هروب.
رفعت تيا رأسها باستغراب.
تيا: من إيه؟
ابتسمت تقى ابتسامة واسعة.
تقى: من التحقيق.
تنهدت تيا وهي تضحك بخفة.
تيا: تحقيق إيه بس؟
اقتربت تقى منها قليلًا.
تقى: عايزة أعرف كل حاجة.
مين حازم ده؟
شوفتيه فين أول مرة؟
وليه كل ما يبصلك تحسي إنك بتتلخبطي؟
شهقت تيا بخجل.
تيا: أنا... بتلخبط؟!
ضحكت تقى.
تقى: آه... وكنت هتوقعي العصير من إيدك في الكافيه.
خفضت تيا عينيها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.
ثم قالت بهدوء:
تيا: أول مرة شوفته...
كانت صدفة.
كنت ماشية في طريقي...
ولقيته واقف بيتكلم مع راجل.
شكل الكلام بينهم كان متوتر جدًا.
أنا معرفش ليه...
بس حسيت إن الراجل كان هيعمل حاجة.
سكتت لحظة...
ثم أكملت:
اتدخلت من غير ما أفكر.
كنت فاكرة إني بحاول أهدي الموقف وخلاص.
ابتسمت تقى وهي تستمع باهتمام.
تقى: وبعدها؟
تنهدت تيا.
تيا: بعدها كل واحد مشي في طريقه...
وفكرت إن الموضوع انتهى.
لكن بعد كام يوم...
لقيته قدامي في الكورس.
وبعدين...
النهارده في الكافيه.
هزت تقى رأسها ببطء.
تقى: يعني قابلتيه تلات مرات...
وكلهم صدف؟
سكتت تيا.
ثم قالت بابتسامة صغيرة:
تيا: أهو اللي حصل.
نظرت إليها تقى طويلًا...
ثم ابتسمت بمكر.
تقى: وأنا بقى عندي سؤال أخير.
رفعت تيا حاجبها.
تيا: إيه هو؟
مالت تقى نحوها وهمست:
تقى: لو كان واحد تاني غيره...
كان هيفرق معاكي؟
تجمدت تيا لثوانٍ.
فتحت فمها لتجيب...
لكنها لم تجد إجابة.
فاكتفت بإبعاد نظرها نحو النافذة.
ابتسمت تقى لنفسها...
فالصمت أحيانًا...
كان أوضح من أي اعتراف.
✦ ───────────────────────── ✦
شخصيه جديده تماماً و
في مكانٍ آخر من المدينة…
غرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى ضوء شاشة حاسوب خافت.
جلس شاب بصمت تام.
أمامه عدة شاشات مفتوحة في وقت واحد…
خرائط، كاميرات مراقبة، وصور ثابتة.
لم يكن يظهر على أي شاشة اسم واضح.
لكن كل شيء أمامه كان يدور حول نفس النقطة.
“جليم.”
مدّ يده بهدوء، ومرّر صورًا متتابعة.
صورة لحازم وهو يخرج من الكافيه.
صورة أخرى لتيا وهي تضحك مع تقى.
ثم صورة ثالثة…
سيارة سوداء تقف في شارع جانبي.
توقف عندها قليلًا.
لم يتكلم.
لكن عينيه ضاقتا لثانية واحدة.
ثم ضغط زرًا صغيرًا على لوحة المفاتيح.
ظهرت نافذة صغيرة على الشاشة.
كتابة سريعة:
**"تم رصد تحرك غير مأمون."**
تردد لحظة…
ثم أضاف سطرًا آخر:
**"استمروا في المراقبة… دون اقتراب."**
أغلق النافذة.
أسند ظهره إلى الكرسي ببطء.
وأخذ نفسًا هادئًا جدًا…
كأنه يحسب كل خطوة قبل أن تحدث.
على طرف المكتب…
كان هناك ملف ورقي مغلق.
بدون اسم.
فقط علامة صغيرة مرسومة في الزاوية…
لا يفهمها أحد غيره.
مد يده وأغلق الضوء الخافت قليلاً.
وقبل أن يسود الظلام أكثر…
همس لنفسه بصوت منخفض:
"لسه بدري… يا حازم."
ثم سكت
