رواية خيوط لاتري الفصل العاشر10بقلم فاطمة مالكي
أنفاس في الظلام
لم تكن خطوات ياسين الحكيم في تلك اللحظات مجرد ركض سريع، بل كانت أشبه باندفاع سهم انطلق من قوسه، مدفوعاً بغريزة بدائية لم يعهدها في نفسه من قبل. اخترق ممر الفندق الخلفي المؤدي إلى الحمامات والمطابخ الفرعية، وهو الممر الذي كانت تقل فيه الإضاءة تدريجياً كلما تعمق فيه، لتتحول الجدران المزخرفة والسجاد الفاخر السميك إلى جدران إسمنتية صماء وأرضية رخامية باردة مخصصة لعربات الخدمة الثقيلة.
كان نبض قلبه يضرب في أذنيه كطبل حرب عنيف. في تلك الثواني المعدودة، اختفت من عقله تماماً أرقام البورصة، وحصص الشركات، وصورته المرموقة أمام مجتمع المال والأعمال، وحتى خطته الكبرى للإيقاع بالمختلسين. كل ما كان يملأ كيانه ويستحوذ على جوارحه هو فكرة واحدة مرعبة كالكابوس: أن مكروهاً قد يمس حنين. كان الخوف عليها ينهش صدره، خوف حقيقي جارف جعله يدرك كم أصبحت هذه الفتاة الجزائرية متغلغلة في خلايا حياته.
أخرج هاتف الخلوي المشفر بسرعة وهو يتحرك بخطوات واسعة، فتح تطبيق التتبع الخاص بالسلسلة الذهبية الذكية التي أجبرها على ارتدائها صباحاً. كانت النقطة الحمراء المتوهجة على الشاشة قد انحرفت تماماً عن مسار الحمامات العام، وتتحرك بسرعة غير طبيعية نحو مخرج الطوارئ الخلفي للفندق، وهو المخرج المعزول تماماً الذي يؤدي إلى ساحة تحميل البضائع الخلفية، حيث تنعدم الحركة في مثل هذا الوقت وتغيب رقابة الكاميرات العامة.
عبر سماعة الأذن اللاسلكية الدقيقة، جاء صوت مازن لاهثاً ومحاطاً بصوت حركته السريعة في غرفة المراقبة:
— ياسين! أنا براقب الكاميرات من السيرفر الاحتياطي.. في اتنين من بره طاقم الفندق، أشكالهم مش مريحة وجسامهم ضخمة، دخلوا ورا حنين الممر الفرعي. والكهربا اتقطعت فجأة عن سيستم الكاميرات في الممر ده بالذات! ده فخ مدروس يا ياسين، أنا جاي وراك فوراً ومعايا الحرس.
رد ياسين بصوت منخفض، حاد، وخارج من بين أسنان كزّ عليها بعنف:
— الممر الخلفي الغربي يا مازن.. سيب القاعة لرجالتنا وخليهم مراقبين الترابيزة الرئيسية، وتعالَ ورايا على مخرج الطوارئ فوراً! مش هسمح لهم يلمسوها!
دفع ياسين باب الطوارئ الحديدي الثقيل العازل للصوت بقدمه ليفتح بعنف مرتداً على الجدار. امتد أمامه ممر طويل خافت الإضاءة لا يضيئه سوى كشاف طوارئ خافت بلون أصفر شاحب. وفي نهاية الممر، لمح ظلين لرجلين ضخمي البنية؛ أحدهما يرتدي ملابس نادل بالفندق دون بطاقة تعريف، والآخر يرتدي سترة داكنة. كانا يقومان بسحب جسد شبه مستسلم تماماً. كانت حنين تقاوم بضعف شديد، وتحاول دفع أحدهما بيدها المرتجفة، وبدا واضحاً أن أحدهما قد وضع على فمها منديلاً مشبعاً بمادة مخدرة سريعة المفعول جعلت أطرافها ترتخي وتفقد السيطرة على حركتها.
لم يتردد ياسين . اندفع نحوهما بخطوات خفيفة، صامتة وسريعة، نتاج تدريبه البدني الصارم لسنوات طويلة. التفت النادل المزيف فجأة بعد أن شعر بحركة خلفه، ليرى كتلة من الغضب المتجسد تتجه نحوه بسرعة الإعصار. وقبل أن يرفع يده للدفاع عن نفسه أو يدرك ما يحدث، كانت لكمة ياسين القاتلة والمركزة قد استقرت في منتصف فكه بقوة مريعة، ليسمع صوت تحطم عظام خفيف، ويسقط الرجل أرضاً غائباً عن الوعي بالكامل في لحظتها.
الرجل الثاني، الذي كان يمسك بحنين، تركها بصدمة ورعب وهو يرى زميله ينهار في ثانية. حاول بسرعة سحب سلاح أبيض (مطواة) من جيبه الخلفي، لكن ياسين التوى كالأفعى، وتفادى الحركة ببراعة، وأمسك بمعصم الرجل وضغطه بحركة التواء عكسية قاسية جعلت العظام تكاد تخرج من مكانها، ليسقط السلاح رنيناً على الأرض الرخامية. لم يتركه ياسين يلتقط أنفاسه، بل وجه له ضربة قوية بركبته في منتصف صدره، أطاحت بأنفاسه تماماً وأسقطته بجوار زميله يتلوى ويئن من الألم دون القدرة على النهوض.
انفلت جسد حنين المرتخي تماماً، وقبل أن تسقط على الأرض الرخامية الباردة، كانت ذراعا ياسين القويتان قد أحاطتا بها بخفة وحنان مفرط، ليرفعها ويضمها إلى صدره العريض بقوة وعنفوان كمن يعانق حياته التي كادت تضيع.
كانت حنين تتنفس بصعوبة وبطء، عيناها السوداوان الساحرتان ذابلتان وثقيلتان بفعل المخدر، لكنها حين فتحتهما قليلاً وصارعت النعاس، ورأت ملامحه الرجولية الحادة والقلقة القريبة جداً منها، وشعرت بأنفاسه اللاهثة الساخنة تضرب وجهها، تمتمت بصوت وهن، ضائع ومتقطع :
— أ.. أستاذ ياسين؟ واش صرا؟.. أنا.. دخت.. (ماذا حدث؟.. أنا دخت..)
ثبّت ياسين رأسها برفق على كتفه، وضغط بذراعيه عليها أكثر، يحيطها بأمانه الخاص وكأنه يحاول إخفاءها بين ضلوعه لحمايتها من العالم بأسره. أجابها بصوت متحشرج، منخفض، مشوب بنبرة خوف حقيقية ونادرة لم تظهر على لسانه يوماً:
— اششش.. ما تتكلميش خالص يا حنين. ريحي نفسك.. إنتِ معايا دلوقتي.. إنتِ في أمان تام، ومحدش في الدنيا دي يقدر يمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس.
لأول مرة منذ معرفتها به، تخلت حنين عن حذرها. كانت بحاجة لهذا الأمان، فأمسكت بقميصه الأسود الفاخر بقبضتها الصغيرة المرتجفة، ودفنت وجهها في عنقه، مستسلمة تماماً لشعور الطمأنينة الذي غمر روحها بمجرد وجودها بين يديه.
في تلك اللحظة بالذات، وسط عتمة الممر الخلفي وأنفاسهما المتلاحقة، اعترف ياسين لنفسه بالحقيقة الإلهية الصادقة التي ظل يهرب منها لأسابيع ويدعي عكسها: هذه الفتاة الجزائرية لم تعد مجرد موظفة عابرة، ولا مجرد مفتاح لحل قضية اختلاس.. لقد أصبحت الشيء الوحيد الذي يخشى خسارته في هذا العالم، أصبحت قلبه الذي ينبض.
وصل مازن ومعه اثنان من رجال الأمن التابعين للشركة لاهثين، وعلامات القلق واضحة على وجوههم. وقف مازن مصدوماً وهو يتطلع إلى الرجلين الضخام الملقيين على الأرض، ثم نقل نظره إلى ياسين الذي كان لا يزال يحتضن حنين بحماية شرسة وكأنه مستعد لمقاتلة جيش بأكمله إن اقترب أحد.
تنحنح مازن بسرعة ليرد ياسين إلى أرض الواقع، وقال بصوت منخفض:
— ياسين.. الوضع بره تحت السيطرة. رجالتنا مسكوا كمان عربية ميكروباص بلوحات مزورة كانت مستنية ورا المخرج ده بالذات. نبلغ الشرطة ونقبض على كريم ونادين دلوقتي وسط الحفلة وننهي المولد ده؟
رفع ياسين عينيه ببطء، وتحول وجهه في رمشة عين من الحنان المفرط والنظرات الدافئة مع حنين إلى الجمود القاتل والذكاء البارد. تذكر الخطة الكبيرة والمعركة الطويلة التي تنتظرهم، وقال بصوت حازم:
— لا يا مازن.. مش دلوقتي خالص. لو بلّغنا وقبضنا عليهم دلوقتي، الحوت الكبير اللي بيحركهم من فوق هيحس بالخطر فوراً، هيقطع كل خيوطه اللي بتوصلنا ليه، ويختفي للأبد، وبكده نكون خسرنا القضية الأساسية وضاعت فلوس الشركة القديمة وما عرفناش الخاين الكبير وسط مجلس الإدارة. إحنا لسه في بداية المعركة يا صاحبي، وعندي تلاتة من أعضاء مجلس الإدارة شاكك فيهم بالاسم.. لازم أضيق الخناق عليهم بالبطء لحد ما يقعوا بنفسهم واحد ورا التاني.
نظر مازن إلى الرجلين اللذين بدأ أحدهما يستعيد وعيه ببطء ويهمس بألم:
— طيب ودول هنعمل فيهم إيه؟ والناس اللي في القاعة؟
رد ياسين وعيناه تتفحصان المكان بحذر:
— خد الكلاب دول اختفوا بيهم فوراً من الباب الخلفي للمخازن، وحطوهم في الغرفة السفلية للفندق اللي حجزناها للعمليات، وحققوا معاهم واعرفوا مين الوسيط اللي وراهم بالظبط. والكهربا ترجع للممر ده حالاً عشان السيستم ما يديش إنذار عام. حنين أنا هطلعها الجناح الملكي اللي حاجزه فوق في الدور العشرين ترتاح وتكون بعيدة، ونرجع القاعة كأن مفيش أي حاجة حصلت. اللعبة دي لازم تكمل بهدوء قاتل
في الجناح الملكي العلوي للفندق، حيث الفخامة والهدوء التام بعيداً عن صخب الحفل، استقرت حنين على السرير الوثير بعد أن بدأت تستعيد وعيها بالكامل وتتنفس بشكل طبيعي، وإن كانت لا تزال تشعر ببعض الدوار. كانت أختها حنان تجلس بجوارها ودموع الصدمة والخوف تنهمر من عينيها الواسعتين، بينما كان مازن يقف قريباً من السرير، يوزع نظراته بين الباب والنافذة، ويحاول جاهداً تهدئة الأجواء بطريقته الخفيفة والدافئة بعد أن غادر ياسين الجناح مضطراً ليعود إلى القاعة حتى لا يثير الشبهات.
صبت حنان كوباً من الماء بيد ترتعش بشدة من فرط الخوف، فتقدم مازن بخطوات هادئة، وأخذ الكوب من يدها برفق لمنعه من السقوط، ثم جلس على طرف المقعد المقابل لها ونظر إليها بنبرة حانية ورزينة، جردته لأول مرة من قناع المزاح الدائم:
— اهدئي يا حنان.. أرجوكِ بلاش الدموع دي. أختك حنين بطلة وما شاء الله عليها بقت زي الفل دلوقتي، والمخدر مفعوله بيروح. طول ما إحنا هنا حواليكم مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يقرب منكم خطوة واحدة. دموعك دي غالية جداً ومفيش أي حاجة في الدنيا تستاهل تضايقك.
نظرت إليه حنان بعينيها اللامعتين اللتين غمرتهما الدموع، وتأثرت كثيراً بنبرته الصادقة التي لم تعهدها فيه من قبل، وقالت بنبرة مرتجفة:
— والله ركابيه راهم يرجفوا يا أستاذ مازن.. أنا جيت لمصر هاد الأيام برك باش نعيشوا في أمان مع أختي ونفرحوا، ما ظنيتش كامل باللي كاين ناس بهاد الشر والرخس! شكراً ليك بزاف.. لولا وجودك أنت والسي ياسين اللي ربي جابكم في الوقت المناسب، كان صرا فينا باطل كبير اليوم.
ابتسم مازن ابتسامة هادئة نبعت من أعماق قلبه، وشعر بوخزة غريبة، دافئة وحلوة في صدره، جعلته يشعر برغبة عارمة في حماية هذه الفتاة المندفعة، الذكية، والمرحة التي خطفت نظراته منذ وصولها المطار. قال بصوت منخفض وقريب:
— السي ياسين موجود عشان يحمي حنين.. وأنا هنا ومسؤوليتي الكاملة في الدنيا دي من النهارده إني أحميكِ إنتِ يا حنان. متخافيش من أي حاجة في الدنيا طول ما أنا واقف جنبك، ماشي؟ وعاوز الضحكة الجميلة دي ترجع تاني عشان تنور المكان.
توردت وجنتا حنان فجأة بالحمرة، وخفضت رأسها بخجل شديد غير معتاد في شخصيتها الجريئة والمشاكسة. شعرت بأن خلف مزاح مازن الدائم وعفويته رجلاً حقيقياً، شجاعاً، ويمكن الاعتماد عليه في أصعب الأوقات، لتبدأ في تلك اللحظات بالذات، ووسط أجواء الخوف والترقب، أولى خيوط الإعجاب المتبادل والصادق تتشابك بين قلبيهما في صمت بليغ.
في الأسفل، عاد ياسين الحكيم إلى قاعة الحفل الفخمة بعد أن عدّل هندامه تماماً، وأقفل أزرار بدلته السوداء الراقية، وكأن شيئاً لم يحدث خلف الكواليس. كانت الموسيقى الكلاسيكية لا تزال تعزف بنعومة، والمدعوون يتبادلون الأحاديث والضحكات، والضجيج مستمراً كالعادة.
توجهت عيناه الصقريتان فوراً نحو الطاولة الرئيسية لمجلس الإدارة. كان رأفت (الثعلب الماكر) يمسك بهاتفه المحمول تحت الطاولة بوعي مشوش ويد ترتعش خفية، يرسل رسائل متتالية دون تلقي أي رد، وعلامات الضيق بدأت تظهر على تجاعيد وجهه. بينما كانت نادين تنظر نحو ممر الحمامات بقلق متزايد، ووجهها بدأ يصفر ويفقد نضارته المصطنعة، لعدم تلقي أي إشارة بنجاح عملية سحب وخطف حنين لتلفيق تهمة الاختلاس لها.
أما كريم، فكان يجلس بجوار رانيا التي كانت تمثل الهدوء التام ببراعة بناءً على اتفاقها مع أخيها، يحاول الابتسام والتودد إليها وتبادل كلمات الغزل، لكن عينه كانت تزيغ نحو الساعة المعلقة في القاعة كل دقيقة.. الخطة الكبيرة المتفق عليها مع نادين وزعيمهم كانت تقتضي خطف رانيا في "الخروجة" القادمة بعد الخطوبة، لكنه كان يعلم أن هناك عملية فرعية تحدث الآن تخص الفتاة الجزائرية، وعدم ظهور أي نتيجة بدأ يثير توتره.
مشى ياسين بثقة، بخطوات مدروسة تنضح بالهيبة، وجلس على رأس الطاولة مجدداً بجوار رأفت، وشريف (المحاسب القانوني)، وثروت (العضو الثالث المشكوك في ولائه). وضع هاتفه الذكي على الطاولة أمامه ببطء، وقال بنبرة هادئة، مستقرة ولكنها تحمل في طياتها تهكماً مستفزاً:
— منورين الحفلة يا جماعة.. صحيح، كنا بنتكلم قبل شوية عن الحساب السري اللي في جزر الكايمان التابع لشركة (الأفق) الوهمية.. السيستم الأمني والتقني بتاع شركتنا لقط حركة غريبة جداً بره على السيرفر من شوية، وكأن في حد من بره، أو يمكن من جوه، بيحاول بمهارة يمسح الـ (IP Address) السري اللي دخل منه وسحب الفلوس.
شحب وجه شريف المحاسب تماماً وتوقف عن مضغ طعامه، بينما تشنج فك رأفت وعدل نظارته بارتباك واضح. أما ثروت، العضو الثالث، فقد تطلع إلى ياسين بنظرة غامضة، باردة وخالية من أي تعبير، وكأنه يدرس رد فعل ياسين نفسه.
في تلك اللحظة الحرجة، اهتز هاتف ياسين برسالة نصية قصيرة من مازن الذي يدير العمليات التقنية من الأعلى:
"ياسين.. الحوت الكبير طلع ذكي ومحترف جداً فوق ما نتخيل. نجح فعلاً من بره القاعة، وعبر سيرفرات وسيطة مشفرة، إنه يعمل اختراق سريع ويمسح السجلات الرقمية للـ IP بالكامل قبل ما نقدر نثبتها قانونياً بنسبة 100%. الخيط الرقمي ده اتمسح وضاع مننا دلوقتي، بس الخاين غلط وغلطة صغيرة.. ساب وراه كود تشفير هيدروليكي معين ومعقد، وأنا شغال بفك فيه دلوقتي."
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة في داخله، وعلم يقيناً أنه أمام خصم عنيد، ذكي ولا يستهان به أبداً. الحوت الكبير نجح في الهروب من الفخ الأول بذكاء رقمي، لكنه ترك خلفه أثراً صغيراً جداً، وبسببه سيبدأ ياسين ومازن في تضييق الخناق على الثلاثة المشكوك فيهم خلال الأيام القادمة.
انتهى الحفل الأسطوري بسلام ظاهري ودون أي ضجيج يذكر. بدأ الضيوف والمستثمرون بالمغادرة، وتقدم كريم ومعه والداه لتوديع ياسين والسيدة أمينة ورانيا. كان كريم يغلي وينصهر من الداخل لأن رجاله المكلفين بعملية حنين لم يردوا على اتصالاته واختفوا تماماً، لكنه قرر بانتهازية المضي قدماً في خطته الأصلية والأهم: خطف رانيا في طريق عودتهم ليلوي ذراع عائلة الحكيم بالكامل ويجبر ياسين على التنازل.
قال كريم بخبث، راسمًا ابتسامته المهذبة الكاذبة:
— ياسين بيه.. الحفلة كانت تجنن وتليق بيكو. وبما إننا بقينا رسمياً مخطوبين دلوقتي وقرينا الفاتحة ورانيا وافقت.. إيه رأيك أخدها معايا دلوقتي نطلع نتعشى في مطعم هادي جداً على النيل؟ نحتفل بالخطوبة لوحدنا ونكسر الجليد؟
نظرت رانيا إلى ياسين بطرف عينها، وهي تتذكر كل كلمة قالها لها في المكتب عن غدر هذا الشخص.
ابتسم ياسين ابتسامة باردة غامضة، وهز رأسه بالموافقة:
— طبعاً يا كريم.. ده حقك الطبيعي. رانيا مجهزة نفسها وتقدروا تتفضلوا براحتكم، وأنا واثق إن الخروجة دي هتكون مميزة جداً ليكم.
خرج كريم ورانيا معاً وركبا سيارته الحديثة. تحركت السيارة ببطء في شوارع القاهرة الهادئة والنيل يلمع تحت أضواء الليل. كان كريم يمسك عجلة القيادة بيدين عرقتا من التوتر، وأخرج هاتفاً سرياً صغيراً من جيبه الجانبي دون أن تلاحظ رانيا، وكان يستعد لإرسال رسالة نصية سريعة لرجاله المكلفين بكمين السيارة عند المنعطف المظلم لقطع الطريق وخطفها. لكن في تلك اللحظة بالذات، وقبل أن يكتب حرفاً واحداً، اهتز الهاتف في يده برسالة مشفرة عاجلة من الحوت الكبير نفسه، رسالة صدمته وقلبت موازينه:
"اِلْغِ عملية رانيا فوراً ورجّع البنت بيتها حالاً ومن غير أي حركة غبية. انسحب بهدوء واستنى مني إشارة تانية جديدة."
تسمر كريم في مقعده، وانقبض قلبه برعب، وتنهد بضيق شديد ممزوج براحة لأن زعيمه يراقب الوضع بدقة من بعيد وأنقذه من الوقوع في شر أعماله. نظر في المرآة الخلفية للسيارة بحذر، وبالفعل لمح عن بعد سيارتين سوداوين ضخمتين تتبعانه بهدوء وبمسافة ثابتة، فظن بغبائه الشديد وطمعه المعتاد أن هذا مجرد تأمين عائلي روتيني وصارم من عائلة الحكيم لحماية ابنتهم الوحيدة في ليلة خطوبتها، ولم يشك لثانية واحدة أن ياسين كشف المؤامرة بالكامل ويحيط به كالفهد!
التفت كريم إلى رانيا بوجه حاول جاهداً جعله يبدو طبيعياً ومبتسماً، وقال بنبرة مليئة بالأسف المصطنع والتمثيل:
— رانيا حبيبتي.. أنا بجد عاجز عن الاعتذار منكِ، بس فجأة كده حسيت بتعب شديد وزغللة جامدة في عيني وصداع نصفي من ضغط الحفلة والإضاءة طول اليوم. إيه رأيك نأجل العشا الجميل ده للصبح أو ليوم تاني، وأرجعك الفيلا دلوقتي حالاً عشان ترتاحي إنتِ كمان من السهر؟
نظرت إليه رانيا بنظرة احتقار واستخفاف خفية دارتها بسرعة، وقالت بنبرة باردة ومستقرة نجحت في تمثيلها بامتياز بناءً على تعليمات أخيها الصارمة:
— سلامتك يا كريم.. ألف سلامة عليك ومفيش أي مشكلة خالص، الشغل والصداع بيعملوا أكتر من كده. رجعني البيت فوراً عشان أرتاح، ونخرج في وقت تاني يكون أفضل.
في ساعة متأخرة جداً من الليل، عادت رانيا إلى الفيلا الكبيرة بسلام تام دون خدش واحد، وتوجهت فوراً إلى مكتب شقيقها الأكبر لتشرح له كل ما حدث في السيارة بالتفصيل وكيف تراجع كريم فجأة وبشكل مريب بحجة التعب المفاجئ بعد نظرة سريعة في هاتفه.
كان ياسين يقف خلف مكتبه، وعلامات الإرهاق تزيد وجهه صرامة وقوة، ومعه مازن الذي عاد للتو، وحنين التي أصرت بعنادها على الحضور والمشاركة في النقاش بعد أن تحسنت حالتها تماماً وزال مفعول المخدر، ورغم رفض ياسين القاطع في البداية خوفاً شديداً على سلامتها وصحتها، إلا أن نظراتها الحادة وإصرارها جعلتاه يرضخ للأمر الواقع بابتسامة إعجاب خفية.
قال مازن وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه المحمول ويحلل البيانات:
— الحوت الكبير لغى العملية لكريم في آخر لحظة لأنه لمح رجالتنا وسيارات الحراسة وهي بتأمن عربية كريم ورانيا بره، فخاف كريم وحب يحميه ويخليه جوه اللعبة. ده معناه حاجة واحدة وممتازة لينا: كريم لسه غبي تماماً ومش فاهم إننا كاشفينه وعارفين خطته، وفاكر إن الموضوع كله مجرد تأمين روتيني وصارم من عيلة الحكيم للحفلة ولأختك. وده بيلعب في صالحنا بنسبة 100% عشان نتحكم في خيوطه.
نظرت حنين نحو ياسين، وقالت بصوت هادئ ومنخفض يحمل نبرة قلق خفية وصادقة لم تستطع مداراتها هذه المرة:
— أستاذ ياسين.. هاد الحوت الكبير راهو يلعب معاكم لعبة شطرنج خطيرة بزاف ومدروسة. هو شخص ذكي وعرف كيفاش ينسحب في آخر ثانية ويمسح الأدلة الرقمية والـ IP من السيرفر قبل ما نقبضوا عليه. واش هي خطوتنا الجاية مع هاد العباد؟
اقترب ياسين من الطاولة ببطء، ونظر مباشرة في عيني حنين بعينين تشعان بالتحدي، الثقة، والإصرار القاتل الذي يهزم الجبال، وقال بنبرة واثقة، دافئة هبطت كالأمان والسكينة على قلبها المضطرب:
— خطوتنا الجاية يا حنين هي تضييق الخناق بالببطئ وعلى الهادي. الحوت الكبير افتكر إنه كسب الجولة دي لما مسح الـ IP ولما أنقذ كريم ولغى العملية.. لكنه غلط وغلطة عمره اللي هتدفنه. الخوف خلاه يتدخل بنفسه ويعدل السيرفر، وده ساب لنا "كود تشفير " معين مازن شغال عليه وهيجيب أصله. من بكره الصبح، التلاتة المشكوك فيهم في مجلس الإدارة (رأفت، وشريف، وثروت) هيكونوا تحت الميكروسكوب الخاص بتاعي في كل حركة، كل مكالمة، وكل نفس يتنفسوه جوه وبره الشركة. هنعملهم أكتر من فخ مالي وإداري مدروس في الأيام الجاية لحد ما يغلطوا ويقعوا بنفسهم في الفخ الكبير.
التفت ياسين بجسده بالكامل نحو حنين، واقتربت خطواته منها قليلاً، وانخفض صوته ليصبح أكثر عمقاً، دفئاً وحميمة أمام مازن ورانيا اللذين تبادلا نظرات خبيثة مبتسمة:
— وإنتِ يا حنين.. من بكره الساعة تمنية الصبح، مكتبك الصغير ملوش وجود. مكتبك الجديد هيبقى جوه مكتبي الخاص وقدام عيني خطوة بخطوة. مش هتبعدي عن نظري ثانية واحدة لحد ما المعركة دي تخلص. الشغل الجد الحقيقي لسه بيبدأ.. والعصابة دي إحنا اللي هنكتب نهايتها ونقفل قضاياها بشروطنا إحنا وبس.
تطلعت إليه حنين ، وحاولت فتح فمها للاعتراض على قراره الديكتاتوري الصارم بالتحكم في مكان عملها، لكنها في تلك اللحظة بالذات، وتحت تأثير نظراته الدافئة والخوف الحقيقي اللامع في عينيه لحمايتها، لم تجد في نفسها أي رغبة حقيقية في الجدال أو العناد، بل شعرت بنبضة قوية، دافئة وحلوة في أعماق قلبها تؤكد لها أنها بدأت تصبح جزءاً حيوياً لا يتجزأ من عالم وحياة هذا الرجل الصارم.. رغماً عن كل أسوارها.
