رواية خيوط لاتري الفصل الحادي عشر11بقلم فاطمة مالكي
: شطرنج المكاتب المغلقة ورقصة العقارب**
في تمام الساعة السابعة صباحاً، قبل أن تدب الحياة المعتادة في شرايين العاصمة وتزدحم شوارعها، كان الطابق الخامس والعشرون من برج مجموعة "الحكيم" الاستثمارية يغرق في سكون مهيب. أشعة الشمس الصباحية الباردة تتسلل عبر الواجهات الزجاجية العملاقة، لتعكس ظلالاً طويلة على الأرضيات الرخامية الفاخرة.
داخل مكتبه الشاسع، كان ياسين يقف أمام النافذة، يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً، وقد تخلى عن سترته وربطة عنقه في هذا الوقت المبكر. بيده فنجان قهوته السوداء المعتادة، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً. لم ينم ليلة أمس سوى ساعتين متقطعتين. كلما أغمض عينيه، طارده مشهد الممر المعتم، وتلك اللحظة التي رأى فيها جسد حنين يرتخي بين يدي الخاطف.
كان الغضب يعاود الغليان في عروقه، يليه شعور دافئ ومرعب في آنٍ واحد حين يتذكر كيف تشبثت بقميصه وكأنها تستمد منه الحياة. تنهد بعمق، ووضع الفنجان على مكتبه. كان يعلم أن قراره بنقل مكتب حنين إلى داخل مكتبه الشخصي سيثير زوبعة من الهمسات والنميمة بين الموظفين، وسيثير استياء أعضاء مجلس الإدارة، بل وسيزعج حنين نفسها بكبريائها وعنادها. لكنه لم يكن يهتم. القاعدة الأولى في عالمه الآن أصبحت: سلامتها فوق كل اعتبار، حتى لو كان الثمن تدمير صورته الجليدية التي بناها لسنوات.
في تلك الأثناء، كانت حنين تعبر البوابة الإلكترونية للشركة. كانت ترتدي بدلة نسائية عملية باللون الكحلي الداكن، وحجاباً بلون كريمي هادئ يعكس صفاء بشرتها. رغم محاولتها رسم الجدية والصرامة على ملامحها، إلا أن نبضات قلبها كانت تتسارع بطريقة جنونية. كل موظف يمر بجوارها كان يلقي عليها نظرة مختلسة؛ فالأخبار في الشركات الكبرى تنتشر كالنار في الهشيم، والجميع يعلم أن "الموظفة الجديدة" تم استدعاؤها للعمل المباشر مع "الوحش" في طابقه المعزول.
وصلت حنين إلى الطابق العلوي، حيث السجاد السميك الذي يبتلع صوت الخطوات. وقفت أمام الباب الخشبي المزدوج والضخم لمكتب ياسين. أخذت نفساً عميقاً، رتبت هندامها، ثم طرقت الباب طرقتين خفيفتين.
— ادخلي يا حنين.
جاء صوته العميق، الأجش قليلاً، ليخترق الباب ويستقر في صدرها. دفعت الباب ببطء ودخلت. كانت تتوقع أن تجد مكتبها في الغرفة الجانبية المخصصة لمدير مكتبه، أو ربما في زاوية منعزلة من قاعة الاجتماعات الملحقة. لكنها تسمرت في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
لم يكن مكتبها الجديد في أي مكان بعيد؛ لقد كان يقبع داخل مكتب ياسين الشخصي. على بعد أمتار قليلة من مكتبه الرئيسي، تم وضع مكتب خشبي أنيق، أصغر حجماً ولكنه مجهز بالكامل بأحدث شاشات العرض، ملفات قسم العقود، وحتى نبتة زينة صغيرة وضعت بعناية على حافته.
رفع ياسين عينيه الصقريتين من الأوراق التي أمامه. كان يرتدي نظارات القراءة ذات الإطار الرفيع التي تضفي على ملامحه الحادة طابعاً أكثر ذكاءً وخطورة. نهض من مقعده ببطء، وتحدث بنبرة هادئة ورسمية، وكأنه لا يرى ملامح الصدمة على وجهها:
— صباح الخير يا آنسة حنين. بتمنى يكون الترتيب الجديد للمكتب مريح بالنسبة لك. من النهارده، ده هيبقى مكانك الدائم. أي ورقة، أي ملف هيعدو عليكي هنا، وعيني دايماً هتكون على كل تفصيلة في الشغل.
تقدمت حنين خطوتين، وعلامات الرفض والتمرد تشتعل في عينيها السوداوين. وقفت أمام مكتبه، وسندت يديها على حافته قائلة بنبرة حادة:
— صباح الخير أستاذ ياسين.. بس أنا شايفه إن الموضوع ده زاد عن حده أوي. إزاي أقعد هنا في نفس المكتب معاك ونشوف بعض طول النهار؟ أنا موظفة في قسم العقود الدولية، ومكاني الطبيعي يكون تحت مع باقي زمايلي.. كده الناس في الشركة هتبدأ تتكلم وتعد تقول كلام مش لطيف علينا! ده شيء يمس كرامتي كبنت!
أبعد ياسين نظارته ببطء شديد، ووضعها على الطاولة. سند يديه القويتين على المكتب واقترب بظهره للأمام، لتصبح المسافة بين وجهيهما قريبة، ونظراته الحادة محاصِرة لها تماماً. قال بصوت منخفض، عميق، ويحمل بحة آمرة لا تقبل أي نقاش:
— كلام الناس ده تخليه بره باب الشركة يا حنين. هنا، أنا اللي بقرر إيه اللي يتقال وإيه اللي مسموح بيه. إنتِ ناسية إيه اللي حصل ليلة إمبارح؟ العصابة دي حاولت تخطفك من وسط الحفلة لمجرد إنك الورقة الوحيدة اللي بتساعدني أكشفهم. وجودك في المكتب ده مش رفاهية، ولا محاولة للفت الانتباه.. ده أمر أمني لحمايتك إنتِ بالدرجة الأولى، ولحماية أسرار التحقيق بالدرجة الثانية. طول ما إنتِ تحت عيني هنا، مفيش مخلوق هيتجرأ يقرب منك. كلامي واضح؟
تلاقت عيناها بعينيه في تحدٍ صامت استمر لثوانٍ بدت كالساعات. كانت تشعر برغبة عارمة في العناد، في الصراخ والتمسك بحريتها ومساحتها الشخصية، لكن الدفء الغريب والخوف الحقيقي الذي لمحته يختبئ في أعماق عيونه الجليدية، جعل كلماتها الغاضبة تتبخر في حنجرتها.
خفضت رأسها قليلاً، ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بكبرياء يحاول التماسك:
— واضح يا أستاذ ياسين.. أنا وافقت بس عشان مصلحة التحقيق وعشان نرجع حق الشركة.. مش عشان أي حاجة تانية.
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة، تكاد لا تُرى، وعاد بظهره للخلف ليعطيها مساحتها:
— تمام جداً. اتفضلي على مكتبك، لأن قدامنا يوم طويل، والمعركة الحقيقية هتبدأ النهارده.
جلست حنين على كرسيها الوثير، وبدأت في تشغيل جهاز الحاسوب. كانت تتظاهر بالتركيز الشديد في ترتيب الأقلام والملفات، لكن كل حواسها كانت مشدودة نحو هذا الرجل الذي يملأ الغرفة بهيبته ورائحة عطره الخشبي الفاخر التي تسللت إلى أنفاسها.
ومن خلف شاشته، كان ياسين يراقب حركاتها بدقة. كان قلبه ينبض بإيقاع هادئ ومريح لأول مرة منذ أسابيع. لقد اعترف لنفسه تماماً بأنه غارق في سحر هذه الفتاة، لكنه كان يعلم أن الوقت ليس مناسباً للمشاعر. يجب أن يحميها أولاً، ثم يترك لقلبه حرية التحدث لاحقاً.
إنتصف النهار، وكانت وتيرة العمل داخل المكتب خانقة. الأرقام، الملفات، وحسابات شركة "الأفق" تملأ الشاشات. فجأة، انقطع هذا الصمت المتوتر بطرقات خفيفة ومرحة على باب المكتب.
انفتح الباب ليظهر مازن، مديراً وجهه للخلف وهو يبتسم ابتسامة بلهاء، مفسحاً المجال لـ حنان بالدخول. كانت حنان ترتدي فستاناً ربيعياً أنيقاً، وتحمل بين يديها صينية فضية صغيرة عليها "دلة" نحاسية تفوح منها رائحة القهوة المضبوطة، بالإضافة إلى طبق صغير يحتوي على حلويات شرقيه. بمجرد دخولها، أشرق وجه حنين، ونهضت من مكتبها بسرعة لتحتضن أختها:
— حنان! إيه اللي جابك هنا؟
ابتسمت حنان بعفويتها التي تضيء أي مكان تتواجد فيه، وقالت بصوت مسموع ملأ المكتب بهجة:
— السلام عليكم جميعاً.. جيت أطمن عليكِ وأشكر الأستاذ بطريقتنا. عملت لكم قهوة مظبوطة وسادة من غير سكر عشان تفوقوا من الأرقام دي اللي وجعت لكم دماغكم، وجبت لكم شوية حلويات تدوقوها من بتاعة ماما الله يرحمها.
ليهتف مازن بسرعة مبالغ فيها، واقترب ليأخذ الصينية من يدها بابتسامة واسعة وعيون تلمع بإعجاب لم يعد قادراً على إخفائه:
— يا نهار أبيض على الجمال! ده المكتب نور والله العظيم يا آنسة حنان.. تسلم إيدك بجد. أنا أصلاً كنت حاسس إن ضغطي واطي، وتركيزي ضايع، ومحتاج حاجة تعدل الدماغ من كتر قعده المكتب وانا مبحلق فالشاشات، والقهوة دي جت في وقتها بالظبط!
التفتت حنان إليه، ورفعت حاجبها الأيسر وغمزت بعينها قائلة بمرحها المعتاد:
— بس على مهلك عليها يا أستاذ مازن.. دي تقيلة أوي ومظبوطة، مش زي القهوة الخفيفة بتاعتكم.. لو شربتها كلها، أظن مش هتعرف تنام لثلاث أيام!
ضحك مازن بصوت عالٍ، وجلس بجوارها على الأريكة الجانبية الجلدية، وقال بنبرة تحمل غزلاً مبطناً:
— مش مهم أنام خالص.. المهم أكون فايق ومصحصح وأنا بسمع الصوت الجميل ده. قصدي.. أتابع معاكِ أحوال حنين ونطمن عليها كل شوية.
احمرت وجنتا حنان فجأة، وانعقد لسانها للحظة. خفضت عينيها بخجل طفولي يتناقض مع جرأتها المعتادة، وأخذت تعبث بأطراف حقيبتها.
كانت حنين تراقب أختها ومازن بطرف عينها، تتذكر كلام حنان ليلة أمس عن إحساسها بالأمان مع مازن. التفتت نحو ياسين لتجده هو الآخر يراقب المشهد بابتسامة خبيثة وهادئة، وقد أسند ذقنه على يديه المتشابكتين، ونظر إلى مازن نظرة ذات مغزى مفادها العتاب الممزوج بالتحذير: "اثبت في مكانك ولا تتهور".
تقدم ياسين بخطوات واثقة نحو الطاولة، وأخذ فنجاناً صغيراً من القهوة. استنشق رائحتها العميقة، ثم نظر إلى حنان بامتنان ورزانة تليق به:
— تسلم إيدك يا آنسة حنان.. تعبناكي معانا، والمشوار من البيت للشركة أكيد كان متعب. حنين هنا في الحفظ والصون، دي مش بس موظفة، دي بقت جزء أساسي من كيان الشركة.. متخافيش عليها أبداً.
نظرت حنان إلى ياسين باحترام كبير، وقالت بنبرة صادقة:
— عارفة يا أستاذ ياسين.. ربنا يحفظك ويخليك لينا دايماً. إحنا من غير وقفتكم معانا كنا ضِعنا.
كان هذا اللقاء القصير بمثابة استراحة محارب، ووقود جديد للعلاقة الناشئة بين مازن وحنان. فرغم الظروف المشدودة والمعارك الخفية، كانت حركات مازن، اهتمامه الزائد، وتلبيته لكل طلبات حنان تؤكد أن هناك قصة حب قوية تطبخ على نار هادئة، ستنفجر معالمها قريباً لتضيف تعقيداً جديداً لحياتهما.
بعد انصراف حنان، وعودة مازن إلى واقعه العملي، تغيرت أجواء المكتب تماماً. أغلق ياسين الباب المزدوج بالمفتاح، وأسدل الستائر الإلكترونية العازلة للصوت والرؤية. اجتمع الثلاثة (ياسين، مازن، وحنين) حول طاولة الاجتماعات الزجاجية الصغيرة، لتنفيذ الخطة الجديدة لتضييق الخناق على أعضاء مجلس الإدارة المشكوك فيهم: (رأفت ذلك الوجه المتجعد الذي يخفي خبثاً دفيناً، شريف المحاسب القانوني، وثروت العضو الغامض).
جلس ياسين على رأس الطاولة، ووزع ثلاثة ملفات حمراء متطابقة، يحمل كل منها طابع "سري للغاية".
قال ياسين بصوت جاد وحاسم:
— الحوت الكبير نجح إمبارح إنه يمسح الـ IP السري اللي كان هيدلنا على مكانه. ده معناه إنه مش مجرد لص عادي، ده شخص ذكي جداً، محترف تقنياً، والأهم من كده.. إنه موجود معانا خطوة بخطوة وحاسس بكل تحركاتنا. عشان كده، إحنا مش هنلعب معاه برقم سري تاني، ولا هنحاول نتتبعه من بره. إحنا هنعمل له "فخ مالي سلوكي" من جوه الشركة.
قطبت حنين حاجبيها بفضول، وقالت وهي تقلب الملف الأحمر:
— إزاي أستاذ ياسين؟ يعني إيه فخ مالي سلوكي؟ هنعمل إيه بالظبط؟
أشار ياسين بقلمه نحو الأوراق:
— دي ميزانية وهمية، ومعدلة بشكل دقيق جداً لشركة (الأفق) اللي اخترقناها. أنا اشتغلت عليها طول الليل. عملت فيها تعديل بيبان إن في ثغرة قانونية وحسابية نادرة، هتسمح بسحب مبلغ 50 مليون جنيه بكره الصبح الساعة عشرة، وتتحول فوراً وبشكل قانوني لحساب وسيط في بنك في سويسرا من غير ما الرقابة تلاحظ. أنا هبعت الملف ده دلوقتي للتلاتة (رأفت، شريف، ثروت) على أساس إنه تقرير "سري للغاية وخاص جداً" ومطلوب مراجعتهم عليه فوراً قبل اجتماع مجلس الإدارة الجاي بحجة تصفية الشركة.
تابع مازن بحماس، وعيناه تلمعان بذكاء المبرمجين:
— والفخ هنا يا حنين مش في الفلوس.. الفخ في إن الملف ده مشفر تقنياً بكود ذكي جداً ومخفي (Digital Watermark). لو رأفت فتح الملف، الكود هيبعت إشارة معينة لجهازي بنغمة معينة. لو شريف فتح الملف، أو حاول ينسخه أو يسرّبه، الكود هيسجل بصمة جهازه والوقت بالثانية. ولو ثروت فتحه، نفس الشيء.
إحنا مراقبين الحساب السويسري الوهمي ده ومراقبين أجهزة التلاتة.. الشخص اللي فيهم هيحاول يستغل الثغرة دي، أو يحاول يبلغ الحوت الكبير عشان يلحقوا يسحبوا الـ 50 مليون قبل ما نقفل الثغرة الصبح.. هيكون هو الخاين المباشر لينا، والوسيط اللي بينقل الأخبار. ومنه هنوصل لراس الأفعى الكبيرة.
أومأت حنين برأسها بذكاء، ولم تستطع إخفاء إعجابها الشديد بعبقرية ياسين الاستراتيجية:
— دي خطة ممتازة جداً! لأن الطماع اللي متعود على السرقة، مش هيتحمل يشوف 50 مليون جنيه قدامه متاحة لليلة واحدة بس، وهتحرك بسرعة وبدون تفكير عشان يسرقها. أنا هبعت الإيميلات دلوقتي فوراً من حسابي المشفر كمسؤولة مراجعة مالية مش كمترجمة العقود الدولية.
ضغطت حنين على زر الإرسال. انطلقت الملفات الثلاثة إلى عناوين البريد الإلكتروني للمتهمين في تمام الساعة الرابعة عصراً. ومن تلك اللحظة، بدأت ساعات الانتظار الثقيلة والقاتلة.
استمر الانتظار داخل المكتب حتى الساعات الأولى من الليل. كانت الساعة قد تخطت الحادية عشرة مساءً. الأجواء في الشركة مظلمة تماماً باستثناء إضاءة مكتب ياسين الخافتة وضوء شاشات الحواسيب.
كانت حنين تجلس متعبة على كرسيها، تفرك عينيها بإرهاق شديد بعد يوم طويل من التدقيق في الأرقام، بينما كان مازن يضع سماعات ضخمة على أذنيه، ويداه لا تتوقفان عن كتابة الأكواد على لوحة المفاتيح، وعيناه مسمرتان على مؤشرات الاختراق والشبكة الداخلية.
أما ياسين فكان يقف عند النافذة، يراقب أضواء القاهرة، لكن حواسه كانت كلها داخل الغرفة، يراقب أنفاس حنين المتعبة ويشعر برغبة في إنهاء كل هذا الألم من أجلها.
فجأة، قطع الصمت صوت إنذار حاد ومتقطع من جهاز مازن:
(بيب.. بيب.. بيب.. بيب!)
انتفض ياسين من مكانه واقترب بسرعة نحو مازن، ولحقت به حنين وقد طار النوم من عينيها:
— في إيه يا مازن؟ حد بلع الطعم؟ مين اللي فتح الملف؟
قال مازن بدهشة ممزوجة بالتوتر، وهو يرى السطور البرمجية الخضراء والحمراء تتراكض بسرعة مرعبة على شاشته السوداء:
— ياسين! الملف بتاع شريف المحاسب اتفتح من ربع ساعة بالظبط.. وفي حد دلوقتي بيحاول يدخل على السيستم المالي الرئيسي للشركة باستخدام الباسورد السري وصلاحيات شريف، عشان ينفذ عملية التحويل للـ 50 مليون لحساب سويسرا قبل الميعاد!
صاحت حنين بانتصار وفرحة، وضربت بكفها على الطاولة:
— يعني شريف هو الخاين؟!
— "استني يا حنين.. اهدي."
قال ياسين بصوت هادئ ومخيف، وعيناه تضيقان بحذر شديد وهو يراقب الشاشة وتقلبات الأرقام.
— "شريف مجرد محاسب قانوني تقليدي، غبي وجبان، ومستحيل يكون عنده القدرة التقنية المرعبة دي للتعامل مع السيرفرات السويسرية في وقت قياسي.. مازن، تتبع مسار الدخول بالظبط، شوف الـ (IP) جاي منين!"
في تلك اللحظة الحرجة، حدث شيء لم يكن في الحسبان بالمرة.
توقفت المؤشرات فجأة عن الحركة. انمحت شاشة مازن تماماً، لتظهر بدلاً منها شاشة زرقاء عملاقة تعلن حدوث (Fatal System Crash) أو انهيار كامل للنظام!
تلا ذلك مباشرة انطلاق صفارات إنذار مكتومة من غرفة السيرفرات الرئيسية للشركة في الطابق السفلي. لقد تعرضت شبكة مجموعة "الحكيم" بأكملها لهجوم فيروسي خارجي شرس ومدمر (Cyber Attack - DDOS) مجهول المصدر، يقوم بعملية حجب خدمة واسعة النطاق، ومسح شامل وعشوائي لملفات الإدانة القديمة الخاصة بشركة "الأفق" من الجذور!
صرخ مازن وهو يضرب لوحة المفاتيح بعنف وإحباط:
— يا ابن اللعيبة! ده مش بيسرق الفلوس! الحوت الكبير عمل هجوم تشتيتي ضخم على سيرفرات الشركة كلها دلوقتي عشان يعمل شلل كامل للسيستم الرقابي! هو ما دخلش يسحب الـ 50 مليون، هو عرف إن ده فخ بمجرد ما قرأ الثغرة، واستخدم الهجوم ده كغطاء.. ودخل باستخدام باسورد شريف عشان يمسح ملفات الإدانة القديمة اللي كنا بنجمعها لشركة الأفق مستغل الفوضى اللي خلقها!
شهقت حنين برعب، وبدون وعي منها، أمسكت بذراع ياسين بقوة، وكأنها تحتمي به من هذا العدو الخفي:
— يعني قدر يهرب مننا تاني؟ ويمسح كل شيء؟ خسرنا كل الأدلة يا أستاذ ياسين؟!
نظر ياسين إلى يدها الصغيرة التي تتشبث بذراعه القوية. أمسك يدها بيده الأخرى، وضغط عليها بقوة ليهدئ من روعها ويبث فيها الأمان. ثم رفع عينيه نحو الشاشة المحطمة، وظهرت على شفتيه ابتسامة ذئبية باردة، مخيفة للغاية، ولم تظهر عليه أي علامة من علامات الهزيمة أو الانكسار.
قال بصوت واثق، يقطر ذكاءً وخبثاً:
— لاء يا حنين.. هو ما هربش. هو نجح يحمي رجالته ويمسح الملفات الظاهرية عشان يشتتنا ويفتكر إنه كسب الجولة.. لكنه، وبغباء الغرور، وقع في الفخ السلوكي الأساسي اللي أنا كنت عاوزه يقع فيه.
التفت ياسين إلى مازن، وترك يد حنين ببطء، وقال بحسم ووضوح:
— مازن.. الهجوم ده، ومسح الملفات في الوقت القياسي ده، اتنفذ بطريقة محددة جداً اسمها السحب الهيدروليكي السويسري (Swiss Routing). دي طريقة مالية وتقنية معقدة جداً، مشفرة، ومابتطلعش ولا بيعرف يستخدمها غير الخبراء اللي اشتغلوا في غسيل الأموال داخل بنوك جنيف القديمة.
اتسعت عينا مازن بصدمة، وتوقفت أنفاسه وهو يستوعب التلميح:
— تقصد إيه يا ياسين؟
أكمل ياسين بنظرة نارية:
— أقصد إن الشخص الوحيد في مجلس إدارة المجموعة كله، اللي كان شغال مستشار مالي لبنوك سويسرا لمدة عشر سنين قبل ما يجي مصر ويدخل شريك معانا.. هو رأفت بيه!
وضعت حنين يدها على فمها من هول الصدمة:
— رأفت؟! هو اللي أدار الهجوم بنفسه؟ بس هو استخدم حساب شريف!
أومأ ياسين برأسه ببطء شديد، وعيناه تلمعان بنشوة الانتصار:
— بالظبط يا حنين. رأفت استخدم باسبورد شريف كغطاء وكبش فداء؛ عشان لو الفخ اتقفش، شريف هو اللي يلبس الليلة ويتحاكم، ورأفت يفضل نظيف قدامنا. الحوت الكبير نجح ينقذ الموقف الليلة ويمسح الملفات.. بس ساب ليا بصمته السلوكية وطريقة شغله اللي مفيش حد بيعملها غيره.
رأفت هو الراس المدبرة للشبكة جوه الشركة. هو اللي بيحرك كريم، ونادين، والمحاسبين. بس لسه في حد أعلى منه بره.. الحوت الأكبر اللي بيموله. وإحنا كده ضيقنا الخناق من تلاتة.. وبقى عندنا هدف واحد واضح، صريح، ومكشوف: رأفت.
بعد انتهاء العاصفة التقنية، وانهيار الهجوم، غادر مازن المكتب متوجهاً بسرعة إلى غرفة السيرفرات في الطابق الأرضي لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإصلاح الأضرار الظاهرية، وإعادة تشغيل النظام الأمني بناءً على أوامر ياسين الصارمة.
خلا المكتب الفخم مجدداً بياسين وحنين. كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.
كان الصمت سيد المكان، لا يقطعه سوى طنين خافت لأجهزة التكييف المركزية، وصوت أنفاسهما المتقطعة. كانت حنين تقف عند الواجهة الزجاجية، تطوي ذراعيها حول صدرها، تتأمل أنوار القاهرة الساحرة المنعكسة على صفحة نهر النيل الداكنة. تشعر بإرهاق جسدي ونفسي شديدين، وخوف غامض يتسلل إلى قلبها من ذكاء وشراسة هؤلاء الأعداء الذين يحيطون بهم من كل جانب.
اقترب ياسين منها بخطوات هادئة، صامتة، ومدروسة، حتى وقف خلفها مباشرة. كان طويلاً جداً مقارنة بها، وأحست بحرارة جسده القوي تشع من خلفها، وبقربه الذي يربك كل حواسها.
التفتت ببطء، لتلتقي عيناها الصافيتان المليئتان بالتساؤلات، بعينيه السوداوين الحادتين، اللتين تحولتا في هذه اللحظات وفي عتمة الليل إلى دفء مفرط، وحنان لم تعهده فيه أبداً.
قال ياسين بصوت منخفض جداً، دافئ، يحمل نبرة اعتذار حقيقية:
— إنتِ تعبتي جداً النهارده.. وشوفتي حاجات صعبة، ومؤامرات، وضغط عصبي مكنش المفروض أبداً تكوني طرف فيها. أنا بجد آسف إني حطيتك في الساحة دي، وإني دخلتك في حربي الخاصة.
نظرت إليه ، ولأول مرة منذ لقائهما الأول، غابت نظرة العناد والتمرد القاسية من وجهها، وحلّت محلها نظرة أنثوية ناعمة، رقيقة، وصادقة للغاية. رفعت عينيها لتتأمل ملامحه المرهقة وقالت بصوت خفيض بلكنتها التي تذيب قلبه:
— متقولش كده يا أستاذ ياسين.. أنا اللي اخترت بإرادتي أساعدك ونرجع حق الشركة، ومحدش أجبرني. وإنت.. إنت وقفت معايا وقفة رجالة إمبارح، وحميتني بعمرك وما خفتش. أنا مش هنسى الشيء ده طول حياتي. لو كان الثمن إني أتعب شوية عشانك عادي مفيش مشكلة.
اقترب ياسين خطوة إضافية، حتى لم يعد يفصله عنها سوى أنفاس معدودة. رفع يده ببطء شديد، وتردد لثانية، قبل أن يمسح برفق خصلة شعر تمردت من تحت حجابها ولامست وجنتها المتوردة.
ارتجف جسد حنين بقوة لهذه اللمسة الحانية، وتوقفت أنفاسها. شعرت وكأن العالم الخارجي بكل مؤامراته قد اختفى، وأن الوقت قد توقف في هذه المساحة الصغيرة بينهما.
نظر ياسين في أعماق عينيها، وكان الكلام يكاد يخرج من بين شفتيه ليعترف لها بحبه الجارف، وبأنه مستعد لحرق العالم بأسره لحمايتها، وأن هذه المعركة لم تعد من أجل المال، بل من أجل أن يضمن لها حياة آمنة بجواره.
لكنه كبح جماح نفسه في اللحظة الأخيرة.
كان يعلم أن الاعتراف الآن قد يشتتها، أو يجعلها تشعر بالضعف في وقت تحتاج فيه لأقصى درجات القوة. تذكر كيف كانت تضحك في الفندق، كيف كانت تتحداه بعنادها، كيف كانت تخاف وتتظاهر بالشجاعة. تذكر كل لحظة جمعتهما، وشعر بأن قلبه سينفجر من الحب، لكن عقله كان أقوى.
أنزل يده ببطء، لكنه لم يبتعد، وقال بنبرة دافئة، صادقة، وواعدة:
— أنا مش عاوزك تخافي من رأفت، ولا من كريم، ولا من أي حد في الدنيا دي يا حنين.. طول ما إنتِ في مكتبي، وطول ما إنتِ تحت عيني.. إنتِ مسؤوليتي، وحياتي كلها. بكره الصبح، هنبدأ الفخ الجديد والأخير لـ رأفت.. وهخليه يوقع بنفسه، ويمضي على حبل المشنقة بتاعه بإيده.
أومأت برأسها ببطء، وشعرت برغبة عارمة في البقاء في هذا القرب الحاني للأبد. ورغم أنها لم تنطق بكلمة واحدة تعبر عما يجيش في صدرها، إلا أن نظرات عينيها المستسلمة، اللامعة، والآمنة تماماً في حضرته، كانت تقول كل شيء.. لتنتهي هذه الليلة الطويلة على وعد بحرب جديدة وأخيرة غداً، وتقارب عاطفي أكثر عمقاً، صمتاً، وخطورة.
