رواية عندما يستيقظ الأمس الفصل العاشر10بقلم جمانة جي


رواية عندما يستيقظ الأمس الفصل العاشر10بقلم جمانة جي


- تجمّد " زياد "  في مكانه و ضوء هاتفه المرتعش قطع الظلام نصفين، بينما وقف الرجل عند الباب كأنه جزء من هذا المكان المهجور.

- لم يكن عجوزًا ولا شابًا بل في أواخر الأربعينيات ربما و كان يرتدي معطفًا داكنًا، وملامحه هادئة بصورة تثير الريبة أكثر من العداء أما عيناه فكانتا تحملان تلك الثقة الباردة التي تخص من يعرف أكثر مما يجب.

- قبض "زياد "  على الهاتف بقوة وقال بخشونة:
 انت مين؟

- أغلق الرجل الباب خلفه بهدوء وصوت المعدن ارتطم في المكان كإنذار ثم أجاب:
 السؤال الصح انت فاكر إنك مين؟

- اشتد توتر " زياد " وقال بنبرة حادة : 
 لو قربت خطوة هكلم البوليس.

- ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه وهو يُردد الكلمة :  البوليس!

- ثم نظر حوله وهو يقول بنبرة ثقة : 
 المكان ده ميعرفش البوليس يا ماجد 

[ ماجد ]

- عاد الضغط إلى صدره و قال بسرعة :
 اسمي زياد 

- اقترب الرجل خطوة لكن بلا تهديد ظاهر وهو يقول : 
 الاسم اللي عايش بيه  زياد  لكن الاسم اللي دخل هنا من سنين كان ماجد 

- ارتفع نبض قلبه  و لكن حاول التماسك وهو يقول : 
 انت مين؟

- أخرج الرجل من جيبه بطاقة معدنية صغيرة لم يمدها إليه لكنه اكتفى بالنظر لها لحظة ثم أعادها وقال : 
 اسمي  عزام واحنا قبل كده اشتغلنا سوا

- لم يفهم أو ربما لم يرد أن يفهم و قال له بحدة:
 أنا معرفكش.

- أومأ عزام  كأنه توقع ذلك  طبيعي ثم أشار إلى الصندوق الأسود فوق المكتب و أمره قائلا :  افتحه.

- ظل " زياد " ثابتًا ولم يفعل ثم سأله :  ليه؟

_عشان ده السبب اللي جابك هنا.

- ساد الصمت والغرفة بدت أضيق من قبل.

- اقترب " زياد "  ببطء كان يشعر أن قلبه يدق داخل صدره ، فـ مد يده ورفع غطاء الصندوق فتوقف النفس داخله عندما رأي ما في الداخل الذي كان عبارة عن ملفات و صور و أشرطة ذاكرة إلكترونية و بطاقة و جواز سفر قديم.

- مد يده المرتجفة إلي الجواز و فتحه ونظر الي البيانات الموجوده به و كان الاسم المُدون 
{ ماجد علي عَلام } و الصورة الموجودة صورته و لكن بشعر أطول قليلًا .
- شحب وجهه وقبل أن ينطق أخرج عزام  ملفًا ووضعه أمامه و أمره قائلا :  كمل

- فتح الملف وكانت أول صفحة كافية ليشعر بالأرض تميل تحته وكان عباره عن اتفاق إخلاء مسؤولية طبية وتحته توقيع و هذا توقيع يشبه توقيعه الحالي لا،  بل هو توقيعه نفسه .

- بدأ الهواء يختفي من حوله وهو يقرأ سطورًا متقطعة مثل :  [إجراء محو انتقائي للذاكرة]
[بناء هوية بديلة]
[تنازل كامل عن التاريخ السابق]

-ارتفعت عيناه ببطء نحو " عزام " و قال له بـ صوت خافت : ده ايه؟؟

- ظل "عزام " هادئًا بصورة مستفزة وهو يُخبره : 
الحقيقة اللي دفعت تمنها

- سقط الملف من يد " زياد " وعاد له صوت الماء  فجأة وكان بعيد ثم قريب و رآي طفل يضحك و امرأة تبكي وصرخة اخترقت رأسه فـ أغلق عينيه بقوة وهو يقول بنبرة عالية :  لااااء.. لاء .. لاء

_الذاكرة لما ترجع  بتقاوم الأول. أخبره " عزام " بهدوء فـ
ضغط " زياد "  على رأسه وهو يسأله بصوت مبحوح: 
 انتوا عملتوا فيا ايه ؟

- نظر " عزام " إليه طويلًا ثم قال: انت اللي طلبت

- عودة بالزمن فلاش باااااااك 

(قبل  سنوات)

- كان " ماجد " يجلس داخل غرفة بيضاء باردة و عيناه غائرتان من السهر وثيابه مبتلة بمطر تلك الليلة و في الجهة المقابلة جلس رجل لا يرى وجهه بوضوح ولكن يُسمع منه صوت  و هادئ  و دقيق فقط .

_ إنت فاهم إن اللي بتطلبه مفيش رجوع كامل منه؟!

- رفع " ماجد "  عينيه وكان يبدو كإنسان انتهى بالفعل 

_أنا مش عايز أفتكر. أردف إليه بنبرة يائسة 

=الهروب مش علاج 

- ضحك "ماجد " بمرارة وقال : أنا مش بدور على علاج.

- صمت لـ لحظة ثم قال: أنا بدور على سجن أقل وجع.

-وضع الرجل أمامه ملفًا ثم اخبره: 
هتتنازل عن هويتك و  وعن جزء من ذاكرتك وعن أي حق بالمطالبة بالماضي.

- نظر " ماجد "  إلى الورق ولم يسأل عن الثمن كأنه لم يعد يهتم 

_ آخر فرصة تتراجع. أخبره الرجل و ساد الصمت ثم قال ماجد  بصوت ميت:
موافق امسحوه . 

- عاد " زياد "  إلى الحاضر وكان يتنفس بصعوبة بينما تراجع خطوة وعيناه معلقتان بـ عزام وهو يُردد كلمة : 
لاء. ده مستحيل  قالها وهو يهز رأسه.

- اقترب عزام  من المكتب وهو يخبره : 
كنت هتنتحر .

- تصلبت ملامح زياد بينما أكمل عزام حديثه قائلا : 
وبعدها حد مننا وصلك.

_ كدب

=  كنت عايز تموت.

- ارتفع صوته لأول مرة: قولت كدب 

- لكن عزام  لم يتأثر و أخرج صورة ووضعها أمامه ولكن 
تردد زياد  قبل أن ينظر ولكنه فعل و ثم اختفى كل شيء عندما رأي في الصورة نفسه داخل غرفة بيضاء ووجه شاحب وعيناه فارغتان و هناك تاريخ مدون  يعود لما بعد اختفائه مباشرة .
- ارتجفت أنامله ثم لمح شيئًا آخر و هي ورقة صغيرة داخل الملف التقطها وكان خطه هو فـ قرأ ما يوجد 

[لو صحيت يوم ومش فاكر ما تدورش على تَيم ]

- توقف العالم عندما نطق الاسم [ تَيم ] و كأنه مفتاح صدئ فُتح أخيرًا وفجأة انهار الباب كله.

عندما بدأ يري ماء و برد و سيارة تغرق وصوت بعيد يهتف بكلمة [ بابا]

- شهق بعنف وسقط على ركبتيه و الصورة عادت كاملة هذه المرة ليست شظايا ولا أحلامًا بل حقيقة.

- رأى نفسه يركض و يصرخ عندما رأي سقوط السيارة و 
ورأى " مُنى "  تبكي عند البحيرة ثم رأى نفسه بعدها في البيت و" مُنى " أمامه ووجهها شاحب وعيناها محمرتان.

و هي تقول له بصوت حزين لائم  [أنا سلمتهولك]
و اجابته  وهو  يصرخ بها قائلا  : أنا ماقتلتوش
ثم أخذ صفعة ليست منها بل من الذاكرة نفسها و رأى ليلة اختفائه حقيبة صغيرة ورسالة انتحار وسيارة تُترك قرب البحر ثم غرفة بيضاء وأدوية ووجوه غريبة وصوت يقول
[من النهارده .. اسمك زياد ]

- شهق وعاد إلى الحاضر بعنف و كان جسده كله يرتجف والدموع تنزل دون أن يشعر 
- رفع رأسه ببطء ونظر إلى " عزام " و همس له : 
أنا افتكرت.

- ساد الصمت ثم قال عزام بهدوء:
 كنت عارف إن اليوم ده هييجي

- نهض " زياد "  مترنحًا ووجهه شاحب كالموتى وهو يُردد قائلا :  ليه؟

- لم يفهم عزام فأكمل حديثه :  ليه سبتوني أعيش كده؟!

- نظر إليه الرجل ببرود مرهق وقال : 
 لأنك دفعت علشان تنسى

- اقترب " زياد "  منه والغضب يمتزج بالذعر و قال له بنبرة غاضبة :  وأنا لو عايز حياتي ترجع؟!

- توقفت عينا " عزام "  عليه ثم قال الجملة التي شقت صدره

_ أي حياة؟؟

- ساد الصمت للحظه ثم أكمل : 
 حياة ماجد  انتهت عند البحيرة وحياة زياد  اتبنت فوق رمادها.

- خرج زياد  من المبنى بعدها كمن نجا من حريق وما زال يحترق والفجر بدأ يلون البحر بلون رمادي باهت فوقف قرب سيارته يتنفس بصعوبة فقد  عادت الذاكرة كلها 
وحياته مع تَيم و مُنى و هروبه بعدها و العملية التي قام بها 
والكذبة التي عاشها سنوات لكن مع الحقيقةجاء وجع أكبر
لأن هناك وجهًا آخر الآن يطارده ليس تَيم ولا مُنى بل نيللي 
وثقة امرأة أحبته وهو لا يعرف من يكون أصلًا.

- رفع رأسه نحو السماء الشاحبة وشعر للمرة الأولى
أن النجاة التي اشتراها قد انتهت صلاحيتها

                   الفصل الحادي عشر من هنا
تعليقات



<>