رواية عيون الاسد الفصل العاشر10 بقلم اميرة خالد

رواية عيون الاسد الفصل العاشر10 بقلم اميرة خالد

بعد أن انتهى الغداء وسط جو من المرح والضحك، خرجت "إنجي" إلى الجنينة لتستنشق بعض الهواء، تبعها "جاسر" بهدوء. جلس بجانبها على المقعد الخشبي، فشعرت بقلبها ينبض بقوة، وبابتسامة خجولة سألته:

​«إيه يا باشمهندس؟ في مصيبة جديدة ولا ناوي تخبطني هنا كمان؟» ضحك جاسر من قلبه، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:

​«لا طبعاً، أنا بس حبيت أطمن عليكي.» نظرت إليه بامتنان وقالت:

​«أنا بقيت كويسة الحمد لله، هي بس رجلِي.. أول ما أفُك الجبس هكون كويسة جداً.»

​في الداخل، كانت "عفاف" تهم بالانصراف، لكن "عين" أصرت عليها:

​«لا مش هتروحوا، أنتم هتباتوا معانا عشان بكرة هنطلع المستشفى.» ردت عفاف بكسوف: - «يا بنتي ليه؟ بلاش تعب..» قاطعتها "عين" برجاء: - «عشان خاطري يا ماما، لازم نطمن عليكي.» تدخلت "عفاف" بإحراج: - «لا طبعاً يا حبيبتي، أنتم لسه عرسان جداد، احنا هنروح ونتقابل بكرة في المستشفى، وما لهاش لزوم أساساً، أبوكي سعيد هيوديني.» لم تتمالك "عين" نفسها، فأمسكت يد والدتها وقالت بصدق: 

​«أنا عارفة يا ماما إن بابا أخد الفلوس ومشي، ويعقوب طلب مني يوديكِ المستشفى عشان نطمن عليكِ ونشوف موضوع العملية.» شعرت عفاف بخجل شديد، فتدخل "يعقوب" بحسم ولطف:

​«خلاص بقى اسمعي الكلام يا طنط، معلش، هتباتي معانا النهارده لغاية ما نطمن عليكِ بكره في المستشفى ونخلص موضوع العملية ده.» حاولت عفاف الاعتراض مجدداً، لكن "عين" ضغطت على يدها بحب وقالت:

​«عشان خاطري بقى يا ماما.» تنهدت عفاف باستسلام: - «طيب.. أمري لله.»

​بعد وقت، وفي الجناح الخاص بهما، اقتربت "عين" من "يعقوب" وطبعت قبلة سريعة على خده:

​«شكراً قوي على اللي انت عملته معايا.» قربها يعقوب منه وقال بنبرة عميقة:

​«أولاً ما فيش شكر بين الراجل ومراته.. وثانياً لما تحبي تبوسيني، أوعي، أوعي تبوسيني تاني من خدي، فاهمة ولا لا؟» سألته ببرائة: - «ليه بقى؟» لم يجبها بالكلام، بل أجابها بفعله حين حملها واتجه بها نحو السرير، لتبدأ ليلتهما المليئة بالحب والمشاعر الدافئة. 

​أما في مكان آخر، كان "سعيد" غارقاً في لعب القمار، يبدو عليه السكر وهو يضحك بمجون، اقتربت منه "سهير" بدلع:

​«يا سعيد، كفاية بقى لعب!» شرب سعيد كأسه ثم رد باستهتار:

​«وايه المشكلة؟ خلينا نلعب مع أحلى بنات.» قالت سهير بنبرة حادة قليلاً: - «إحنا اتفقنا إننا هنجيب الشقة بكره.» رد سعيد بسخرية: - «هو إنتِ كل ده وما شبعتش يا سهير؟ كفاية الشقتين اللي عندك!» سهير: - «إيه يا سعيد، ما كل ده ولادك..» قاطعها بحدة: - «طيب روحي شوفي وراكي إيه، وكمان الزباين إذا محتاجين حاجة.» ردت بطاعة: - «حاضر.» 

​وفي صباح اليوم التالي، كان يعقوب، وعين، وإنجي، وعفاف، يتواجدون جميعاً في المستشفى لبدء إجراءات 
بدأ الدكتور الفحص الطبي الشامل لعفاف، وطلب مجموعة من الأشعة والتحاليل اللازمة لترتيب موعد العملية، وسط اهتمام بالغ ورعاية كاملة من الجميع. كان يعقوب يجلس بهدوء على الكرسي يتابع الإجراءات باهتمام، بينما أحاط بعفاف عدة أطباء لضمان حصولها على أفضل رعاية ممكنة بدعم من يعقوب وعين وإنجي.
​وفي الشركة، كان جاسر منغمسًا في مراجعة الأوراق، وفجأة دخلت هدير بكل دلع واقتربت من مكتبه قائلة:

​«إيه يا جاسر، إنت قلت لي حدد ميعاد مع بابا، ولغاية دلوقتي ما جيتش!» رفع جاسر رأسه بملامح عملية وقال وهو يعود ببصره إلى الملفات:

​«مش هينفع يا هدير عشان يعقوب مسافر اليومين دول، وكمان أنا مش هقدر أتحرك أو أغيب من غيره في الشغل.» فتحت فمها لترد وتلح عليه، فقطعها بحزم وهو يشير للأوراق:

​«عايز ملف شركة الأدوية الجديدة لو سمحتِ.» ردت بابتسامة مصطنعة وخيبة أمل:

​«حاضر يا بشمهندس.» وخرجت من المكتب.

​وما إن غادرت حتى أخرجت هاتفها لتجد مكالمة واردة من "عادل". ردت عليه بضيق:

​«ألو يا عادل.. مالك؟» قال عادل بنبرة ساخرة:

​«إيه يا مزة، مالك شايله هم؟» تنهدت هدير بغضب:

​«مش عارفة.. جاسر بعد ما كان هو اللي مستعجل إني أطلب منه أحدد ميعاد مع بابا، دلوقتي بقى بيتلكك، وبقى أنا اللي بطلب منه والموضوع بيتعطل.» ضحك عادل بسخرية وقال:

​«سيبك من جاسر دلوقتي، إنتِ أصلاً نايمة على ودانك! ما قلتليش ليه إن يعقوب اتجوز؟» تجمدت هدير في مكانها وفتحت عينيها بصدمة بالغة:

​«اتجوز؟! إزاي؟ إنت متأكد من الكلام ده؟» أجابها عادل بيقين:

​«طبعاً متأكد، والأسوأ من كده إن البنت اللي اتجوزها شغالة معاكم جوه الشركة!» هتفت هدير بصوت مهتز غير مصدقة:

​«مش معقول.. هو اتجوز السكرتيرة بتاعته؟!» قطع عادل كلامها بنبرة آمرة وقاسية:

​«أنا ما أعتفش تفاصيل، بس المهم عندي إنك اليومين دول تجيبي لي كل تفاصيل وأوراق الشركة دي، فاهمة ولا لا؟!»

بعد فحص دقيق وشامل، دخل الطبيب إلى الغرفة وبصحبته التقرير الطبي لعفاف، لينظر إليهم باهتمام ويقول:

​«الحالة الحمد لله مطمنة، بس لازم "عفاف هانم" تقعد كم يوم هنا في المستشفى لحد ما نضبط لها الضغط والسكر كويس جداً، وبعدها نقدر ندخل العمليات بأمان تام.» تنفس الجميع الصعداء، واقتربت عين من والدتها بخفة وهي تطمئنها، بينما أكد يعقوب بصوته الواثق لمدير المستشفى أن يتم توفير أعلى مستوى من الرعاية الطبية لها طوال فترة إقامتها.

​وفي الشركة، كانت "هدير" مشتتة الذهن وغير قادرة على التركيز بعد المكالمة الصادمة التي تلقيتها من عادل بشأن زواج يعقوب. قررت أن تذهب بنفسها لترى حقيقة الأمر وتتأكد بعينيها عما إذا كان يعقوب قد تزوج "ليالي" حقاً أم أنها مجرد شائعات.
​بخطوات متوترة، اتجهت هدير نحو مكتب ليالي. وما إن فتحت الباب وراحت تطالع المكان، حتى صدمت برؤية ليالي جالسة على مكتبها تباشر عملها وملامح الحزن والقلق واضحة على وجهها.
​ابتسمت هدير بخبث ودخلت متمايلة، راغبة في غيظها وكسر قلبها، فقالت بصوت تعمدت أن يكون لزجاً ومستفزاً:

​«يااااه يا ليالي.. قاعدة هنا بكل برود ومش مهتمة باللي بيحصل حواليكِ؟ ولا يمكن أصلًا فارق معاكِ إن يعقوب باشا اتجوز واحدة معانا في الشركة؟!»

​رفعت ليالي وجهها ببطء، وظهرت على محياها علامات الصدمة والانكسار، وحاولت جاهدة إخفاء ارتباكها وهي ترد بصوت مهتز:

​«قصدك إيه يا هدير؟ وبيقولوا إيه يعني؟»

​اقتربت هدير أكثر، وارتسمت على شفتيها ابتسامة نصر خبيثة، وهمست لتوجيه الضربة القاضية:

​«قصدي إن الباشا طنش الكل، واتجوز واحدة من بنات الشركة هنا! يعني من الآخر كده، اللي كنتِ بتحلمي بيه راح لغيرك يا حبيبتي!»

​تجمد الدم في عروق ليالي، ولم تستطع النطق بكلمة واحدة، بينما تركتها هدير وهي تشعر بنشوة الانتصار والسخرية،
في غرفة المستشفى، كانت الأجواء هادئة ومطمئنة، جلست "عين" بجوار والدتها وبابتسامة واسعة قالت:

«أنا مبسوطة قوي يا ماما إن العملية بتاعتك هتتعمل بكل سهولة، وإن شاء الله تخرجي لنا بالسلامة وتنوري البيت تاني.»

نظرت "عفاف" إلى "يعقوب" والدموع تملأ عينيها، وقالت بصوت متهدج يغلب عليه التأثر والقلق:

«أمانة عليك يا ابني لو حصل لي حاجة.. تخلي بالك من عين وتحطها جوه عينيك، وكمان إنجي.. تعتبرها زي أختك وتفضل جنبها وما تسيبهاش لوحدها.»

اقترب يعقوب منها بملامح يملؤها الصدق والاطمئنان، وقال بحسم:

«ما تقوليش الكلام ده خالص يا طنط.. أنتِ هتخرجي بالسلامة وتكوني زي الفل. و"عين" دي في قلبي قبل عيني، ومستحيل أأذيها أو أقصر معاها، وإنجي دي أختي الصغيرة واللي يعبرها يعبرني أنا شخصياً.»

ابتسمت عفاف براحة، وقالت بامتنان:

«شكراً يا ابني على كل اللي عملته معانا، بجد مش عارفة أقولك إيه.»

«ما تقوليش كده، احنا في الآخر أهلي،» أجابها يعقوب بلطف، ثم أضاف ناظراً لساعته: «بس أنا لازم امشي دلوقتي عشان ألحق أجهز شنطة السفر.. وعين هتبات معاكي الليلة دي لغايه ما أرجع من السفر.»

هزت عفاف رأسها بالرفض السريع وقالت بحزم:

«لا طبعا.. هي هتروح معاك عشان تسافروا، وكمان إنجي هتفضل معايا هنا، ولو احتجت أي حاجة فادي موجود وكمان هقدر أتصل عليه بسهولة.» اعترضت عين فوراً وهي تمسك بيد والدتها:

«لا يا ماما، ما اقدرش أسيبك وأنتِ في المستشفى لوحدك!» ابتسمت عفاف بحنان وأمومة، وأردفت وهي تربت على يدها:

«لا يا بنتي، أنتِ عروسة جديدة لازم تسافري مع جوزك.. يلا توكلي على الله وما تشيليش همي.»
ب

عد مرور وقت قصير، وصلا الاثنان إلى الفيلا بسيارتهما. وبينما كانا يستعدان للنزول، بدأ هاتِف يعقوب يصدح بالرنين المزعج، وظهر على الشاشة اسم "ليالي".
​كانت "عين" منسجمة تماماً، غير منتبهة للمتصل؛ إذ كانت تمسك بيد يعقوب بأحد يديها، بينما كانت ترفع هاتفها باليد الأخرى لتتحدث مع "فادي"، مطمئنة إياه على ترتيبات عملية والدتها، وموصية إياه بالسؤال عليها والاطمئنان، مستغلة فرصة سفرها القصير.
​في تلك الأثناء، كان يعقوب
ينظر إلى شاشة هاتفه بضيق شديد، ومد يده ليسكت الرنين وكنسل المكالمة مرة بعد أخرى متجاهلاً إياها تماماً، لكي لا يعكر صفو تلك اللحظات الهادئة مع زوجته.
​أما في الطرف الآخر، وفي شقتها، كانت "ليالي" تكاد جنونها يصل إلى ذروته بعد الصدمة التي تلقتها. راحت تكسر كل ما تطاله يداها من تحف وأطباق وهي تصرخ بغل وهستيريا:

​«أنا ما يتعملش معايا كده! مش بعد اللي قدمته وعملته ده كله، في الآخر يروح يتجوز واحدة غريبة وتتكتب على اسمه؟! مستحيل أسكت.. أنا لازم أعرف هي مين دي، وأندمها على اليوم اللي اتجوزت فيه يعقوب!»

تعليقات



<>