رواية خادمتي الصامته الفصل العاشر10بقلم اسماعيل موسي


رواية خادمتي الصامته الفصل العاشر10بقلم اسماعيل موسي

اشتد مرض سعاد في الأيام التالية، حتى صار الألم جزءًا من يومها لا يفارقها إلا ليعود أشد مما كان، وكانت تقى تلاحظ أن أمها تضعف كل صباح عن اليوم الذي سبقه، فقد أصبح وجهها أكثر نحولًا، وعيناها أعمق غؤورًا، ولم تعد تملك القوة لتجلس طويلًا أو تتحدث مع بناتها كما كانت تفعل
بقيت تقى في البيت، ولم تعد إلى قصر نوح باشا، فقد قررت أن تبقى إلى جوار أمها مهما حدث، وكانت تقضي نهارها بين القبو وصحن الدار، تخدم زوجة أبيها كما أمر عويس، ثم تعود مسرعة إلى أمها كلما سمعت أنينها
كانت زوجة أبيها تستريح معظم الوقت، تضع يدها على بطنها كلما شعرت بوخز أو دوار، وتطلب من تقى الماء والطعام وتنظيف المكان، ولم تكن تقى تجادلها، كانت تؤدي ما يطلب منها في صمت، ثم تعود إلى سعاد وكأنها تحمل فوق كتفيها يومين بدلًا من يوم واحد
أما سعاد فكانت تزداد ضعفًا، ولم يعد الطعام يدخل جوفها إلا بصعوبة، وكانت أحيانًا ترفع يدها نحو فمها ثم تعجز عن إكمال اللقمة، فتضعها جانبًا وتغمض عينيها
تجلس تقى بجوارها وتقول لها بصوت خافت كلي يا أمي، حتى لو لقمة صغيرة
فتفتح سعاد عينيها وتبتسم ابتسامة واهنة وتقول مش قادرة يا بنتي
فتضع تقى اللقمة في فمها بيدها، وتظل تنتظر حتى تبتلعها، ثم تناوِلها رشفة من الماء
وفي الأيام التي تلت ذلك بدأ اسم تقى يغيب عن القصر، فقد طال غيابها أكثر مما توقع نوح، وكان العمل في البيت لا ينتظر أحدًا، وكانت الحديقة تحتاج إلى من يسقيها، والمطبخ يحتاج إلى من يعتني به، والغرف تحتاج إلى من ينظفها
وقف نوح ذات صباح في الرواق ونظر إلى المكان من حوله، ثم سأل محروس أين البنت؟
قال محروس إنها عند أمها يا باشا، شكل الست حالتها صعبة
سكت نوح لحظة، ثم قال خليها جنب أمها
لكن العمل ظل قائمًا، فبعد أيام عاد نوح وسأل محروس عن الخادمة، فقال له محروس إنه وجد فتاة من إحدى البيوت القريبة تستطيع أن تقوم بالعمل مؤقتًا
قال نوح هات لي واحدة أمينة وتعرف شغلها
ابتسم محروس وقال حاضر يا باشا
وفي اليوم التالي جاءت خادمة جديدة إلى القصر، فتاة في مقتبل العمر، هادئة الحركة كثيرة النظر إلى الأشياء من حولها، وكانت تقف في المطبخ مرتبكة في أول الأمر وهي تتعلم أماكن الأواني والطعام، بينما كانت غرفة تقى لا تزال كما تركتها، جلبابها القديم مطوي فوق الصندوق، وبعض أغراضها الصغيرة في مكانها
لم يسأل نوح عن الغرفة، ولم يطلب من أحد أن يلمس شيئًا منها، وظل القصر يمضي في أيامه كأن غياب تقى لم يكن أكثر من باب أغلق مؤقتًا
أما في البيت الطيني، فلم تكن الأيام تمر بالطريقة نفسها
كانت سعاد تشعر بالمرض ينهشها ببطء، مثل نار تختبئ تحت الرماد ولا يراها أحد إلا بعدما تأكل ما حولها، وكانت الليالي أصعب من النهار، إذ يشتد الألم حين يسكن البيت وتنام البنات، فتظل تقى مستيقظة إلى جوار أمها تراقب أنفاسها
وفي إحدى الليالي جلست سعاد مسندة ظهرها إلى الجدار، وكانت تقى بجوارها تمسح العرق عن وجهها
قالت سعاد بصوت ضعيف أنا تعبت يا تقى
أجابت تقى وهي تحاول أن تخفي خوفها ارتاحي يا أمي، الدكتور قال إن الدوا هيخفف عنك
نظرت سعاد إليها طويلًا، وكأنها تريد أن تحفظ وجه ابنتها في عينيها
ثم قالت البنات خلي بالك منهم
وضعت تقى يدها على فم أمها وقالت متقوليش كده يا أمي
لكن سعاد لم ترد، فقد عاد الألم إليها فجأة، وانحنت على نفسها وهي تضغط على بطنها، وخرج من بين شفتيها أنين خافت
في الخارج كانت السماء قد تغيرت، وتجمعت الغيوم فوق العزبة حتى اختفى القمر، ثم بدأ المطر ينزل على أسطح البيوت الطينية في قطرات متفرقة، قبل أن يتحول إلى مطر غزير يضرب الأرض والسقوف كأن السماء تفرغ ما في صدرها دفعة واحدة
كانت الريح تدخل من شقوق البيت، وتحرك باب القبو كلما هبت، وكانت البنات متجمعات في جانب واحد، تراقبن أمهن ولا يعرفن ماذا يفعلن
أشعلت تقى مصباح الزيت وجلست قرب سعاد، وكان الضوء الضعيف يرتجف على وجه أمها مع كل حركة للهب
قالت سعاد تقى
نعم يا أمي
تعالي هنا
اقتربت تقى منها، فأمسكت سعاد يدها
كانت يدها هذه المرة باردة جدًا
نظرت تقى إلى أمها ولم تقل شيئًا، فقط شدت على يدها
قالت سعاد بصعوبة خلي بالك من أخواتك
هزت تقى رأسها وهي تبكي لا تخافي عليهم، أنا هكون معاهم
ابتسمت سعاد ابتسامة صغيرة، ثم قالت وإنتي يا بنتي
اقتربت تقى أكثر
قالت سعاد متخليش الدنيا تكسرك
لم تستطع تقى أن تجيب
كانت الكلمات تختنق في حلقها، وكانت تشعر أن شيئًا ما يقترب منها ولا تستطيع إيقافه
اشتد المطر في الخارج، وتتابعت ضربات الريح على الباب، بينما أخذت أنفاس سعاد تتباعد شيئًا فشيئًا
وضعت تقى رأس أمها على صدرها، وصارت تمسح شعرها بيد مرتجفة
قالت لها أمها بصوت يكاد لا يسمع خلي بالك من البنات
قالت تقى حاضر يا أمي
ثم أضافت سعاد بعد صمت طويل وإنتي كمان عيشي
رفعت تقى وجهها إليها، ولم تفهم لماذا قالت أمها تلك الكلمة، لكنها شعرت بالخوف منها
حاولت سعاد أن تفتح عينيها، فنظرت إلى بناتها واحدة واحدة، وكانت الوجوه الصغيرة متجمعة حولها، ثم عادت بعينيها إلى تقى
تحركت شفتاها دون صوت
اقتربت تقى من وجهها حتى سمعتها تقول ربنا يرحمكم من بعدي
شهقت تقى وقالت متقوليش كده يا أمي
لكن سعاد لم تجب
ظلت عيناها مفتوحتين لحظة، ثم استرخى وجهها فجأة، وسكن جسدها بين ذراعي ابنتها
توقفت تقى عن التنفس للحظة، وكأنها لم تفهم ما حدث
قالت أمي
لم تجبها سعاد
هزت تقى كتفها برفق وقالت أمي اصحي
وظلت تهزها وهي تنتظر أن تفتح عينيها
لكن وجه سعاد ظل ساكنًا، لا ألم فيه هذه المرة ولا خوف
أطلقت تقى صرخة مكتومة، ثم ضمت أمها إلى صدرها وانفجرت في البكاء
استيقظت البنات على صوتها، واندفعن نحوها، وتعلقت أصغرهن بثوب أمها وهي تبكي دون أن تفهم لماذا لا تتحرك
أما تقى فظلت محتضنة سعاد، والمطر يضرب سقف البيت، والريح تعوي في الخارج، ولم يكن في ذلك البيت الطيني من يملك أن يرد الموت بعدما دخل وأخذ أضعف من فيه
في تلك الليلة ماتت سعاد بهدوء لم تعرفه في حياتها، بعد سنوات طويلة من الجوع والخوف والمرض والضرب، وتركت وراءها خمس بنات لا يملكن سوى بعضهن، وأمًا لم تستطع حماية نفسها، وابنة كبرى وجدت نفسها فجأة أكبر من عمرها بكثير
ظلت تقى حتى آخر الليل جالسة إلى جوار أمها، ممسكة بيدها التي بردت تمامًا، وكأنها كانت تنتظر منها أن تضغط على أصابعها مرة أخرى وتقول لها إنها ما زالت هنا
لكن يد سعاد لم تتحرك
وكان المطر وحده هو الشيء الذي ظل مستيقظًا تلك الليلة، يواصل هطوله فوق البيت الطيني، بينما جلست تقى في الظلام تحمل حزنًا لم تعرف بعد كيف تحمله ولا إلى أين تذهب به

كانت جنازة سعاد صغيرة إلى درجة جعلت موتها يبدو كأنه حدث داخل بيت مغلق لا يخص أحدًا غير أهله، خرج الرجال بها في الصباح، وكان المطر قد توقف، لكن الأرض بقيت غارقة في الوحل، والسماء ملبدة بلون رمادي ثقيل كأن الليل نسي أن يرحل تمامًا
لم يتبع النعش سوى عدد قليل من رجال العائلة وبعض أهل البيت، ومشت تقى خلف أمها وهي تضم أخواتها إليها، وكانت البنات يمشين حفاة فوق الطين، يتعثرن بين الحين والآخر ثم ينهضن دون أن يسمع أحد منهن شكوى
كانت تقى تنظر إلى النعش أمامها ولا تبكي، فقد جفت دموعها في الليلة السابقة، وبدا وجهها ساكنًا بصورة مخيفة، كأن الحزن تجاوز عينيها واستقر في مكان أعمق لا تصل إليه الدموع
عندما عادوا إلى البيت، بدا صحن الدار أوسع مما كان عليه، وأكثر فراغًا، وكأن وجود سعاد كان يملأ مساحة لم تنتبه إليها بناتها إلا بعدما اختفت
دخلت تقى القبو، فوجدت الحصيرة التي كانت أمها ترقد عليها ما تزال في مكانها، وبقعة صغيرة من الزيت بجوارها، وكوب الماء الذي كانت تشرب منه سعاد موضوعًا كما تركته تقى في الليلة الماضية
اقتربت منه ورفعته، ثم أعادته إلى مكانه دون أن تعرف لماذا فعلت ذلك
جلست البنات في صمت، ولم تكن واحدة منهن تعرف ماذا تفعل بعد أن رحلت المرأة التي كانت تجمعهن حولها رغم فقرها وعجزها، حتى عندما كانت عاجزة عن إطعامهن كانت مجرد وجودها يمنحهن شيئًا يشبه الأمان
أما عويس فلم يتغير في اليوم التالي إلا قليلًا
جلس في صحن الدار يتناول طعامه، ثم سأل عن زوجته الجديدة قبل أن يسأل عن بناته، وحين علم أنها لم تستيقظ بعد، حمل إليها الطعام بنفسه
كانت تقى تراه من بعيد، ولاحظت كيف تغير صوته عندما تحدث معها، وكيف كان يسألها إن كانت تشعر بالدوار، وهل أكلت ما يكفي، وهل تحتاج إلى شيء من السوق
لم يكن ذلك الصوت هو الصوت الذي سمعته تقى في الغيطان عندما أخبرته أن أمها تحتضر، ولم تكن تلك العناية هي العناية التي عرفتها أمها طوال سنوات مرضها
كانت زوجته الجديدة تجلس في مكانها مرتاحة، وكلما قالت إن شيئًا يؤلمها أسرع عويس إليها، وكلما طلبت شيئًا بحث عنه، حتى صارت البنات ينظرن إلى ذلك المشهد في صمت، وكأنهن يشاهدن حياة أخرى تحدث في بيتهم ولا حق لهن فيها
كانت الجدة أكثر الجميع ارتياحًا
جلست عند باب البيت وهي تراقب البنات، ثم قالت بصوت مسموع أخيرًا خلصنا من همها
رفعت تقى عينيها إليها
تابعت الجدة المرأة كانت عايشة تاكل وتشرب وخلاص، لا شغل ولا فايدة، وربنا ريحنا منها
لم تجبها تقى
ظلت تنظر إليها حتى شعرت الجدة بالملل، فالتفتت إلى ناحية أخرى وكأن الأمر لا يستحق الكلام
في تلك الأيام لم يكن الحزن في البيت حزنًا واحدًا، كان لكل واحدة من البنات حزنها الخاص، الصغيرة تبحث عن أمها كلما جاعت، والثانية تلتفت نحو مكان نومها في الليل، أما الكبرى فكانت قد فهمت أن أمها لن تعود، لكنها لم تعرف كيف تشرح ذلك للصغار
أما تقى فكانت تحمل فوق حزنها خوفًا آخر، فقد أصبحت أمًا لأخواتها دون أن يطلب منها أحد ذلك، وصارت كل لقمة تدخل أفواههن مسؤولية على كتفيها
وفي أحد الأيام، بينما كانت وحدها في القبو، سمعت أختها الصغيرة تبكي، فالتفتت إليها وقالت اصبري يا حبيبتي
توقفت تقى فجأة
بقيت عيناها معلقتين بالطفلة
وضعت يدها على فمها، ثم أعادت الكلمة في سرها
حبيبتي
كان صوتها قد عاد
لم يكن ضعيفًا ولا متقطعًا، بل خرج طبيعيًا كما كان قبل سنوات، وكأن شيئًا ظل مغلقًا داخلها طوال ذلك الوقت ثم انفتح فجأة بعد موت أمها
جلست تقى مذهولة، وأخذت تلمس حنجرتها بيدها
حاولت أن تقول كلمة أخرى، ثم همست باسم أمها
أمي
ارتجف صوتها وهي تنطقها، وانهمرت دموعها من جديد
لقد كانت تستطيع الكلام
كانت تستطيع أن تصرخ، وأن تنادي، وأن تدافع عن نفسها، وأن تقول كل الأشياء التي ظلت حبيسة صدرها أعوامًا طويلة
لكنها لم تفعل
نظرت إلى أخواتها، ثم إلى باب القبو، وفكرت في أبيها والجدة والرجال الذين عرفوها دائمًا خرساء، ثم تذكرت قصر نوح، وتذكرت كيف اعتاد الجميع أن يتحدثوا أمامها وكأنها لا تسمع
وأدركت أن صمتها أصبح درعًا لا تريد أن تنزعه
منذ ذلك اليوم عادت تقى إلى صمتها بإرادتها
إذا سألها أحد شيئًا أشارت بيديها، وإذا احتاجت إلى طلب شيء استخدمت الإشارة، وإذا أرادت أن تجيب اكتفت بهز رأسها أو تحريك أصابعها
لم يعرف أحد أن صوتها عاد
حتى أخواتها لم تخبرهن في البداية، ثم أخبرتهن ذات ليلة بعدما أغلقت الجدة باب القبو، فأقسمت البنات ألا يقلن شيئًا
كانت تقى قد اكتشفت شيئًا لم تعرفه وهي طفلة
أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة إذا تكلم، لكنه يستطيع أحيانًا أن يحمي نفسه بالصمت
وكانت زوجت عويس  تزداد طلباتها يومًا بعد يوم، مرة تريد ثوبًا جديدًا، ومرة تطلب حليًا، ومرة تشتهي طعامًا لا تأكله بقية نساء العزبة، وإذا عاد عويس من عمله متعبًا وجدها تذكره بما ينقص البيت بدل أن تسأله كيف قضى يومه
كان في البداية يضحك ويقول حاضر، ثم بدأ يفتح جيبه بحذر، ويحسب ما معه قبل أن يعطيها
لكن النقود لم تعد تكفي
استدان من أحد الرجال في العزبة، ثم وعده بالسداد بعد قبض أجرته، وبعد أيام اضطر إلى الاستدانة من رجل آخر
ومع كل دين جديد كان يقول لنفسه إن الأمر مؤقت، وإنه سيسترد ماله ، أو يحصل على عمل إضافي، أو يجد طريقة يعوض بها ما خرج من يده
لكن الديون لا تعرف معنى المؤقت
كان كل مبلغ يأخذه يجر وراءه مبلغًا آخر، وكل وعد بالسداد
تعليقات



<>