رواية خادمتي الصامته الفصل الحادي عشر11بقلم اسماعيل موسي


رواية خادمتي الصامته الفصل الحادي عشر11بقلم اسماعيل موسي

١١

كانت الديون قد أثقلت عويس حتى صار يعود من الغيطان وفي رأسه حساب لا ينتهي، يأخذ أجرته في يده فلا تكاد تصل إلى البيت حتى تتفرق بين صاحب دين وطلب من زوجته ومصاريف لا يجد لها آخرًا
كان يجلس أحيانًا بعد العشاء وحده، يخرج ما في جيبه على الأرض، يعده مرة ثم يعيده، وبعد قليل يعيده فيخرج منه ما كان قد خبأه، كأنه يأمل أن يجد في جيبه نقودًا لم يرها في المرة الأولى
وكان أكثر ما يشغله الحمل، فكلما رأى زوجته وضع يده على بطنها وسألها إن كانت بخير، وكأن الولد صار موجودًا بالفعل، وكأن الرجل الذي لم يكن يملك شيئًا قد امتلك فجأة سببًا يجعله يستدين أكثر،لكن الأيام مرت، ولم يظهر شيء
لاحظت الجدة ذلك قبل عويس، وفهمت أن الحقيقة إن خرجت إليه على صورتها فلن تمر بسلام
دخلت على زوجة عويس ذات مساء وقالت لها، إنتي متأكدة إن مفيش حمل؟
نظرت إليها المرأة ثم أشاحت بوجهها وقالت، مفيش
قالت الجدة، يبقى لما يسأل قولي وقع،ارتبكت المرأة وسألتها، هيصدق؟
قالت الجدة، هيصدق اللي يريحه
ثم سكتت لحظة وأضافت، قولي إنك نزفتي
قالت المرأة، وإيه اللي أسقطه؟
ردت الجدة بعد تفكير قصير، قولي غسلت هدومه وتعبتي
وفي اليوم التالي، عندما عاد عويس، وجد زوجته متكئة على الحائط
قال لها، مالك؟
وضعت يدها على بطنها وقالت، مش كويسة
اقترب منها وسألها، إيه اللي حصل؟
قالت وهي تبكي، الحمل وقع
ظل ينظر إليها، كأن الكلمة لم تجد طريقها إلى عقله
قال، وقع؟
هزت رأسها
سألها، ليه؟
قالت، كنت بغسل هدومك
لم يكمل السؤال، فقد اشتد وجهه وقال، أنا قلت لك إيه؟
لم تجبه
صرخ، قلت لك متتعبيش نفسك
قالت وهي تبكي، كنت فاكرة إني أقدر
ضرب كفه في الحائط وقال، إنتي كنتي عايزة الولد يروح؟
قالت بسرعة، والله ما كان قصدي
ظل واقفًا أمامها، ثم التفتت الجدة إلى زوجة ابنها بنظرة قصيرة
فهمتها المرأة وقالت وهي تمسح دموعها، أنا كنت بطلب من تقى تساعدني
التفت عويس إليها وقال، تقى؟
قالت، مش راضية
سألها، بتعمل إيه؟
قالت، ولا حاجة
سكتت قليلًا ثم أضافت، من يوم ما أمها ماتت وهي شايلة مني
كان ذلك كافيًا
مد عويس يده إلى العصا
قالت له الجدة، يا ابني سيبك منها دلوقتي
لكنه لم يرد
نزل إلى القبو
كانت تقى جالسة مع أخواتها، تقسم لهن ما بقي من الطعام، وحين سمعت خطواته رفعت رأسها
رأته يحمل العصا
وقفت
قال، إنتي مش راضية تسمعي كلام مرات أبوكي؟
لم تجب،كرر، بكلمك،حركت تقى يديها محاولة أن تشرح
قال، متشاورليش،ثم ضربها،صرخت إحدى البنات، يا أبويا
التفت إليها وقال، إنتي اسكتي،ثم عاد إلى تقى
حاولت تقى أن تحمي رأسها بذراعيها،قال وهو يضربها، أنا قلت لك تخدميها
كانت تحاول أن تتراجع، لكن الحائط كان خلفها
قالت أختها الكبرى وهي تبكي، هي كانت بتخدمها
رد عويس، إنتي كمان عايزة تعلمني شغلي؟
وضرب تقى مرة أخرى
لم تعد تقى تحاول الكلام
كانت تنظر إلى الأرض وتحاول فقط أن تحمي وجهها
قالت الصغيرة وهي تنتحب، خلاص يا أبويا
لم يسمعها، أو ربما سمعها ولم يعد يعنيه
كانت الضربات تتوالى، وكلما حاولت تقى أن تنهض عادت وسقطت،ثم سقطت هذه المرة ولم تنهض
توقف عويس،نظر إليها،قالت الكبرى، تقى
لم تتحرك، انحنى قليلًا، ثم قال بعصبية، قومي
لم تجبه
هز العصا في يده كأنه يريد أن يوقظها بها، لكنه لم يضربها
قال، قومي يا بت
بقيت ساكنة
ترك العصا إلى جانبه وصعد السلم
ظلت أخواتها لحظات لا يجرؤن على الاقتراب، ثم اندفعت الكبرى إليها وجلست بجوارها
رفعت رأسها ووضعته في حجرها
قالت وهي تبكي، تقى، ردي عليا
لم ترد
مدت الصغيرة يدها ولمست شعرها وقالت بصوت مرتجف، هي ماتت؟
صرخت الكبرى، لا
ثم احتضنت رأس تقى إلى صدرها وقالت، لا، هي مش هتموت
لكن صوتها كان يقول شيئًا آخر
ففي ذلك القبو، كانت البنات قد تعلمن أن الموت لا يحتاج إلى جنازة ولا إلى كفن، وأحيانًا يكفي أن يترك الإنسان جسدًا ساكنًا على حصيرة حتى يصبح الخوف أكبر من أن تحتمله طفلة

في صباح اليوم التالي، كان عويس واقفا أمام دار العمدة، وقد بدا عليه من التعب ما يكفي ليجعله أكبر من عمره بأعوام، لم ينم ليلته كما ينبغي، وكلما أغمض عينيه عادت إليه صورة تقى ملقاة في القبو، ثم تذكر الديون التي تراكمت فوق رأسه، ولم يعد يعرف أيهما أثقل على صدره
كان العمدة جالسا في صدر الإيوان، وأمامه صحن صغير فيه بقايا قهوته، وحوله رجلان من الغفر، بينما وقف عويس على مسافة منه لا يجرؤ على الاقتراب أكثر
رفع العمدة عينيه إليه وقال، إنت اتأخرت ليه؟
خفض عويس رأسه وقال، حقك عليا يا عمده، كنت مستني أقبض
ابتسم العمدة ابتسامة باردة وقال، تقبض إيه يا عويس؟ إنت عليك دين بقاله مدة، وكل مرة تيجي تقول بكرة وبعده
قال عويس، والله يا عمده هسده، بس اديني مهلة صغيرة
ضرب العمدة بأصابعه على ذراع المقعد وقال، مهلة إيه؟ أنا صبرت عليك بما فيه الكفاية
اقترب أحد الغفر خطوة، فابتلع عويس ريقه
قال العمدة، اسمعني كويس، لو الغروب جه والفلوس ما وصلتش لي، هبعت الغفر ياخدوك
رفع عويس عينيه في خوف وقال، يا عمده أنا راجل غلبان، أروح فين؟
رد العمدة بلا اكتراث، تروح المكان اللي يليق بواحد عليه دين ومش عايز يسدده
ثم أشار إلى أحد الغفر وقال، يحسبوه في الأوضة المظلمة
تغير وجه عويس
كانت الغرفة التي يقصدها العمدة معروفة في الدوار، حجرة ضيقة خلف المخزن، لا تدخلها الشمس إلا قليلًا، وكان مجرد ذكرها كافيًا ليجعل الرجل يتخيل أيامًا طويلة بين أربعة جدران رطبة لا يسمع فيها إلا صوت الغفر وهم يفتحون الباب حين يريدون
قال عويس بسرعة، لا يا عمده، والنبي بلاش الحبس
نظر إليه العمدة طويلا ثم قال، محدش قالك إن الدين لعبة
صمت عويس، ولم يجد في رأسه كلمة واحدة يستطيع أن يدفع بها عن نفسه
كان العمدة يعرف أنه لا يملك أرضًا ولا مالًا، ويعرف أن أجرته اليومية لا تكاد تكفيه، لكنه كان يعرف أيضًا أن الفقر لا يسقط الدين
قال عويس بصوت خافت، اديني كام يوم
رد العمدة، إنت مش محتاج كام يوم، إنت محتاج سنين
ثم مال إلى الأمام وقال، لكن أنا لقيت لك الحل
رفع عويس عينيه
قال العمدة، بنتك تقى
ارتبك عويس
سأل، مالها؟
قال العمدة، من النهارده بنتك تقى هتشتغل عندي
ظل عويس صامتًا
تابع العمدة، تشتغل لحد ما تسدد دينك، وأجرها يتحسب عليك من اللي عليك
فتح عويس فمه، ثم أغلقه، ولم يعرف ماذا يقول
قال العمدة بصرامة، إيه؟ عندك اعتراض؟
هز عويس رأسه بسرعة وقال، لا يا عمده، مفيش اعتراض
ابتسم العمدة وقال، عارف إن مفيش اعتراض
ثم أشار بيده إلى الباب
يلا غور
تحرك عويس، لكنه توقف قبل أن يخرج
التفت العمدة إليه وقال، إيه تاني؟
قال عويس، تقى تعبانة شوية
قطب العمدة حاجبيه وقال، تعبانة ولا مش عايزة تشتغل؟
لم يجب عويس
قال العمدة، البنت تقدر تخدم، وده اللي يهمني، يلا روح وابعت البت
خرج عويس من الدوار ورأسه منخفض
كان الطريق أمامه طويلًا، لكنه لم يكن يفكر في تقى وحدها، كان يفكر في الباب الذي أغلقه العمدة خلفه، وفي الغرفة المظلمة التي تنتظره إن لم يجد ما يسدد به الدين
وحين وصل إلى البيت وقف لحظة أمام الباب
لم يدخل
كان يعرف أن تقى ما زالت في القبو، وأنها لم تسترد عافيتها من ضربته بعد
لكنه لم يسمح لنفسه بأن يتراجع
كان الدين أقوى من الشفقة، والخوف من العمدة أقوى من خوفه على ابنته
نزل درجات القبو ببطء، ثم نادى عليها
تقى
لم تجبه
نظر إليها، ثم قال بصوت حاول أن يجعله عاديًا
قومي يا بت
البت هتروحي تشتغلي عند العمدة
وظلت تقى ساكنة لحظة، قبل أن ترفع عينيها إليه ببطء، وكأنها لم تفهم بعد أن الرجل الذي كسر جسدها بالأمس جاء اليوم ليبيع ما تبقى من أيامها إلى رجل آخر
تعليقات



<>