رواية خادمتي الصامته الفصل الثاني عشر12بقلم اسماعيل موسي


رواية خادمتي الصامته الفصل الثاني عشر12بقلم اسماعيل موسي
لم تكن تقى قد استعادت عافيتها من أثر الضرب الذي تلقته في الليلة السابقة، وكان جسدها كله يؤلمها كلما حاولت أن تتحرك، حتى إن الوقوف على قدميها كان يحتاج منها إلى جهد لا تملكه، لكنها لم تجد في وجه أبيها حين نزل إليها سوى القسوة التي اعتادتها منه، وكأن ما حدث بالأمس لم يكن سوى أمر عابر انتهى بانتهاء العصا من يده
وقف عويس أمامها وقال بصوت خشن، قومي
رفعت تقى عينيها إليه ولم تتحرك، فاقترب منها أكثر وقال، قلت قومي يا بت، العمدة مستنيكي
حاولت أن تسند يدها إلى الحائط لتنهض، لكن ساقيها خانتاها، فجلست مرة أخرى وهي تضغط على أسنانها حتى لا يظهر ألمها أمامه
نظر إليها عويس بضيق وقال، هتفضلي قاعدة لحد إمتى؟
رفعت تقى يدها وأشارت إلى جسدها، ثم إلى ساقها، محاولة أن تفهمه أنها لا تستطيع الذهاب بهذه الحال
لكن عويس لم يترك لها فرصة للكلام، وقال وهو يرفع صوته، مريضة؟ مشلولة؟ تمشي على رجل واحدة؟ مش شغلي
ثم أشار إلى باب القبو وقال، من النهارده شغلك عند العمدة، وهو اللي هياخد أجرتك لحد ما الدين يتسد
حدقت تقى فيه طويلًا، وكأنها كانت تبحث في وجهه عن ذرة من الأبوة فلا تجدها
حاولت أن تشير إليه ناحية القصر، ثم وضعت يدها على صدرها وأشارت إلى الخارج، وبعدها أخذت تحرك أصابعها في إصرار، كأنها تذكره بالعمل الذي كانت تؤديه عند نوح باشا
فهم عويس ما تريد وقال بسخرية، القصر؟
هزت تقى رأسها، ثم اقتربت منه ومدت يدها إليه وأشارت إلى نفسها، وبعدها إلى يده، وكأنها تقول له إنها ستعمل في القصر وتأتيه بالمال
لكن عويس انفجر غضبًا وقال، إنتي فاكرة إنك هتختاري شغلك على مزاجك؟
ظلت تقى تشير إلى القصر، ثم رفعت يديها في رجاء، فرفع عويس يده وصفعها على وجهها صفعة جعلت رأسها يرتد إلى الجانب
شهقت إحدى أخواتها من أعلى القبو، أما تقى فبقيت لحظة لا تتحرك، وقد شعرت بحرارة الضربة على خدها قبل أن يبدأ الألم في الانتشار
انحنى عويس نحوها وقال من بين أسنانه، أنا راجل البيت، وأنا اللي أقرر بنتي تشتغل فين
ثم أمسك بذراعها وأجبرها على الوقوف وقال، العمدة له دين عندي، وإنتي اللي هتسدديه
حاولت تقى أن تفلت ذراعها، لكن قبضته اشتدت وهو يدفعها نحو درجات القبو، وقال، ولو فضلتي تعملي فيها عيانة، هروح بنفسي أقول للعمدة ياخدك حتى لو زحفتي على الأرض
كانت أخواتها ينظرن إليها من فوق الحصيرة، ولم تكن أي واحدة منهن تملك الجرأة على الاقتراب
كانت الصغيرة تبكي في صمت، والكبيرة تحاول أن تخفي دموعها وهي تراقب أختها التي كانت بالأمس تحمل عنها الطعام، فإذا بها اليوم عاجزة عن حمل نفسها
خرجت تقى من القبو بخطوات متعثرة، وكان كل درج تصعده يؤلم جسدها المنهك، حتى إنها اضطرت إلى التوقف لحظة عند آخر درجة لتلتقط أنفاسها
وعندما بلغت صحن الدار، كانت الجدة واقفة هناك، فنظرت إليها ثم قالت لعويس، هتاخدها كده؟
رد عويس ببرود، العمدة مش هيستناها لما تخف
ثم التفت إلى تقى وقال، اتحركي
لم تودع تقى أخواتها في البداية، لكنها عندما وصلت إلى الباب التفتت إليهن، وكانت الصغيرة قد اندفعت نحوها وأمسكت بطرف جلبابها
قالت وهي تنتحب، متروحيش يا تقى
نظرت تقى إليها، وانحنت بصعوبة ومسحت دموعها، ثم تعلقت بها أخت أخرى وأخرى، وتحولت اللحظة إلى بكاء متداخل لم تعرف تقى كيف تنهيه
كانت تريد أن تقول لهن إنها ستعود، وأن الأمر لن يطول، وأنها لن تتركهن، لكنها بقيت صامتة، فقد كان ذلك الصمت الذي عرفه أهل البيت طوال أعوام أثقل في تلك اللحظة من أي كلام يمكن أن تقوله
جاء صوت الجدة من خلفهن كالسوط، وقالت، اسكتوا يا بنات، ثم ضربت بعصاها الأرض وأضافت، هو ناقص وجع دماغ؟ البت رايحة تشتغل وترجع
لكن الأطفال لم يسكتوا، وازدادت شهقاتهم، فصرخت الجدة، قلت اسكتوا
وأخذت تشير بعصاها إليهم حتى ابتعدوا عن الباب، بينما ظلت تقى واقفة لحظة تنظر إلى أخواتها، ثم جاء صوت عويس يأمرها بالتحرك
استدارت تقى ومضت خلفه، وهي لا تعرف أن تلك الخطوات ستأخذها إلى مكان لن يكون فيه صمتها مجرد عادة، وإنما الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تحتمي به
كان بيت العمدة أكبر من البيوت المحيطة به، تحيط به ساحة واسعة، وبجواره مخزن للحبوب وإسطبل للدواب، وكانت الحركة فيه لا تهدأ منذ الصباح، يدخل الرجال ويخرجون، وتأتي النساء لقضاء بعض الحاجات، بينما يقف الغفر عند المدخل يراقبون الداخل والخارج
توقف عويس عند الباب، وكان يحمل في صدره خوفًا من الرجل الذي يدين له أكثر مما يحمل اهتمامًا بابنته
تقدم أحد الخدم نحوه، فقال عويس، جايب البت للعمدة
نظر الرجل إلى تقى، ثم إلى عويس، وقال، هي دي؟
هز عويس رأسه، فدخل الرجل إلى الداخل ثم عاد بعد قليل وقال، خليها هنا
نظر عويس إلى ابنته، ولم يقل لها كلمة واحدة، واكتفى بأن قال، اسمعي الكلام وخليكي شاطرة
كانت تقى تنظر إليه وتنتظر منه شيئًا يشبه الوداع، قبلة على رأسها، أو كلمة تطمئنها، أو أي شيء يذكرها بأنه أبوها
لكنه استدار وغادر
وقفت تقى عند باب البيت الكبير تراقب ظهره وهو يبتعد، حتى اختفى خلف الجدار، وعندها فقط شعرت بأنها لم تعد ابنة رجل جاءت إلى بيت آخر للعمل، وإنما شيء دفع به الرجل مقابل دين لا يستطيع سداده
أخذتها إحدى النساء إلى الداخل وأشارت لها إلى المطبخ، ثم شرحت لها ما يجب أن تفعله
لم تكن هناك فرصة للراحة، فقد كان عليها أن تحمل الماء وتنظف الأواني وتكنس بعض الغرف وتساعد النساء في إعداد الطعام، وكلما انتهت من عمل وجدت عملًا آخر في انتظارها
كانت تتحرك ببطء بسبب الألم، لكنها لم تشتك، فقد تعودت أن تخفي وجعها خلف ذلك الصمت الذي لازمها منذ طفولتها
وفي منتصف النهار دخل العمدة إلى البيت، وكان رجلًا ممتلئ الجسد عريض الوجه، يمشي بخطوات هادئة لا تتناسب مع الخوف الذي يتركه خلفه، وما إن دخل حتى سكت من في المكان لحظة قصيرة
كانت تقى تحمل إناء قرب باب المطبخ حين شعرت بعينيه عليها، فرفعت رأسها ووجدته ينظر إليها
لم تكن نظرته نظرة رجل يرى خادمة جديدة لأول مرة، فقد بقيت عيناه عليها أكثر مما ينبغي، تتفحصان وجهها وثوبها وحركتها، ثم ابتعدت عيناه عنها عندما مرت إحدى النساء أمامه
خفضت تقى رأسها وعادت إلى عملها، لكنها ظلت تشعر بنظرته حتى بعد أن ابتعد
وبعد قليل سمعت صوته يسأل، دي بنت عويس؟
أجاب أحد الخدم، أيوه يا عمده
قال العمدة، صغيرة
ثم سكت، ولم ترفع تقى رأسها، لكنها شعرت بنظرته تعود إليها مرة أخرى
وضعت الإناء من يدها وأخذت تعمل بسرعة أكبر، فقد كانت قد تعلمت منذ طفولتها أن بعض النظرات تحمل كلامًا لا يقال، وأن الصمت أحيانًا لا يعني أن الإنسان لم يفهم، بل يعني أنه فهم أكثر مما ينبغي
وفي تلك اللحظة أدركت تقى أن خروجها من بيت أبيها لم يكن نهاية محنتها، وإنما كان بداية أخرى، وربما أشد قسوة من كل ما عرفته من قبل

واصلت تقى عملها في بيت العمدة منذ طلوع النهار حتى انطفاء آخر ضوء في الساحة، ولم يكن هناك في ذلك البيت عمل ينتهي، فما إن تفرغ من تنظيف المطبخ حتى ينادوها لحمل الماء، وما إن تنتهي من حمل الماء حتى تجد الأواني مكدسة في انتظارها، ثم تنتقل إلى الغرف لتكنس الأرض وتجمع ما تناثر فيها، وتعود قبل أن تستريح لتساعد نساء البيت في إعداد الطعام
كان جسدها لا يزال يحمل آثار الضرب، وكل حركة كانت توقظ في مواضعها وجعا مكتوما، لكنها لم تسمح لوجهها أن يفضحها، وكانت تتحرك في صمت، بعينين منخفضتين ويدين لا تتوقفان عن العمل، وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها قبل الآخرين أنها ستتحمل حتى تعود إلى أخواتها
ومع اقتراب المساء، كانت قد أنهت آخر ما طلب منها، فمسحت يديها في طرف جلبابها، ثم اتجهت إلى باب الدار، وكانت تريد العودة إلى بيت أبيها كما أخبرها عويس، فقد كان الاتفاق في ذهنها واضحا، تعمل عند العمدة نهارا ثم تعود إلى أخواتها قبل أن يحل الليل
لكنها لم تكد تصل إلى المدخل حتى اعترض طريقها أحد الغفر
قالت تقى بإشارتها المعتادة إنها تريد الذهاب إلى بيتها، ثم أشارت ناحية الطريق، وبعدها إلى صدرها، في محاولة لإفهامه أن أخواتها ينتظرنها
نظر إليها الغفير بوجه جامد وقال، رايحة فين؟
أشارت تقى إلى بيتها
ضحك الرجل باستخفاف وقال، مفيش رجوع النهارده
نظرت إليه تقى باستغراب، ثم أعادت الإشارة إلى الطريق وأوضحت له أن أباها جاء بها للعمل، وأنها ستعود بعد انتهاء عملها
قال الغفير، العمدة أمر إنك تباتي هنا
ثبتت تقى في مكانها، ثم هزت رأسها بقوة وأشارت إلى نفسها وإلى البيت، وبعدها أخذت تحرك يديها في اعتراض واضح
قال الغفير بضيق، هو أنا هفهمك بالإشارة كمان؟
استمرت تقى في الاعتراض، فأشار بيده ناحية الإسطبل وقال، روحي نامي هناك
نظرت تقى إلى الإسطبل، ثم عادت بعينيها إليه، وهزت رأسها رافضة، وأشارت مرة أخرى إلى الطريق
اقترب الغفير منها وقال بغلظة، الكلام اتغير يا بنت، العمدة قال تباتي هنا
رفعت تقى يدها وأشارت بعناد إلى الاتفاق الذي جاء بها، ثم وضعت يدها على صدرها وأشارت إلى الخارج، وكأنها تقول إن والدها لم يقل لها إنها ستبيت هنا
نفد صبر الغفير، وقال، الكلام اتغير، روحي الاسطبل ومتصدعنيش بهبلك وخرسك
ظلت تقى واقفة مكانها لحظات، تنظر إليه ولا تعرف إلى أين تذهب، ثم التفتت إلى باب الدار، وكأنها تنتظر أن يظهر أحد ويقول لها إن هذا خطأ، لكن لم يخرج أحد
كان البيت الكبير قد ابتلع آخر ضوء في ساحته، وأغلقت أبوابه، بينما بقيت هي وحدها عند المدخل، خادمة لا تملك أن تسأل عن حقها ولا أن تعترض على أمر صدر من رجل لا تستطيع حتى مواجهته
أخذت طريقها إلى الإسطبل بخطوات بطيئة
كان المكان أوسع مما توقعت، لكنه لم يكن يصلح للنوم، فقد كانت رائحة التبن والرطوبة والدواب تملأ الهواء، وأصوات الخيل تتردد بين الجدران كلما تحرك أحدها في مكانه
أشار إليها الغفير إلى ركن قريب من المعلف وقال، نامي هنا
جلست تقى فوق طبقة من التبن، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وظلت للحظات تنظر إلى الباب المفتوح للإسطبل
كان البيت الذي تركته خلفها على مسافة قصيرة فقط، ومع ذلك بدا لها كأنه في نهاية الدنيا
تذكرت أخواتها، وتخيلت الصغيرة وهي تبحث عنها قبل النوم، وتذكرت يدها وهي متعلقة بجلبابها عند الباب، فشعرت بغصة صعدت إلى حلقها
لم تبك
كانت قد بكت بما يكفي في حياتها
استلقت على التبن، وأسندت رأسها إلى ذراعها، وحاولت أن تغمض عينيها رغم الألم والجوع والبرد
وبعد وقت طويل غلبها التعب
نامت نوما متقطعا، تستيقظ منه على حركة حصان أو صرير باب أو صوت الريح وهي تمر بين شقوق الإسطبل
وفي منتصف الليل تقريبا، فتحت عينيها فجأة
لم تعرف في البداية ما الذي أيقظها
رفعت رأسها ببطء، وظلت تحدق في الظلام حتى اعتادت عيناها على الضوء الضعيف المتسلل من فتحة صغيرة في الجدار
ثم رأته
كان العمدة واقفا على مسافة قريبة منها، ساكنا في مكانه، وعيناه معلقتان بها
تجمدت تقى
لم تتحرك، ولم تفهم لماذا جاء في هذا الوقت، وظلت تنظر إليه بحذر وهي تشعر بأن شيئا في وجوده داخل الإسطبل لم يكن طبيعيا
كان يحدق بها في صمت، فخفضت تقى عينيها وسحبت طرف جلبابها نحو جسدها، ثم جلست في مكانها وهي تراقبه دون أن تعرف ماذا تريد منه
مر وقت قصير بدا لها أطول من الليل كله
ثم تعمد العمدة أن يسعل، وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية، اصحيتي؟
لم تجبه تقى
أعاد سؤاله وهو يتلفت حوله، أنا جيت أشوف البهايم
ظلت تقى صامتة
نظر إلى الخيل، ثم عاد بعينيه إليها، وقال، كنت بطمن عليها قبل ما أنام
لم تتحرك تقى، لكنها بقيت مستيقظة هذه المرة، تراقب خطواته حتى ابتعد عنها
وعندما خرج من الإسطبل، ظلت عيناها معلقتين بالباب طويلا
لم تكن تعرف ماذا كان يريد، لكنها عرفت أن الليل في ذلك المكان لم يعد آمنا كما ظنت عندما أغمضت عينيها للمرة الأولى

في صباح اليوم التالي خرج محروس من القصر وقصد نوح باشا، وقد كان يحمل في وجهه خبرًا أراد أن ينهي به أمر الخادمة القديمة دون أن يترك وراءه مجالًا للسؤال
كان نوح جالسًا في الرواق حين دخل محروس، فوقف أمامه وقال إن الخادمة الجديدة أثبتت أنها قادرة على القيام بالعمل، وإنه لا حاجة إلى انتظار عودة تقى، لأن الفتاة ستبقى في القصر وتعمل بصفة دائمة
رفع نوح عينيه عن الأوراق التي أمامه، وقال بهدوء، وتقى؟
ابتسم محروس ابتسامة عابرة، وقال، تقى اختارت لنفسها شغل تاني يا باشا
سكت نوح لحظة، ثم سأله، شغل فين؟
قال محروس، عند العمدة
ثم ضحك وأضاف، والبنت مبسوطة هناك، وكل ما حد يسألها تقول إنها لقت بيت أحسن تشتغل فيه، وإنها مرتاحة هناك
ظل نوح ينظر إليه دون أن يجيبه، ولم يكن يعرف لماذا انقبض صدره عند سماع الخبر، فقد كان من المفترض ألا يعنيه الأمر، فتقى لم تكن من أهله، ولم تكن بينه وبينها علاقة تتجاوز كونها خادمة عملت في قصره فترة من الزمن، وكان وجودها قد جاء إلى حياته مصادفة، كما سيخرج منها مصادفة أخرى
لكن وجهها مر أمام عينيه رغمًا عنه، وجه الفتاة الصامتة التي كانت تتحرك في القصر بخفة، وتؤدي ما يطلب منها دون شكوى، ثم تذكر يوم جاءت إليه وهي تبكي وتطلب منه إنقاذ أمها، وكيف جلست أمامه على ركبتيها لأنها لم تجد وسيلة أخرى تستنجد بها
لم يتغير وجهه، ولم يسمح للحزن الذي مر في داخله أن يصل إلى عينيه، واكتفى بأن قال، ربنا يوفقها
أجاب محروس سريعًا، آمين يا باشا
ثم انصرف، وبقي نوح وحده في الرواق، فعاد إلى أوراقه كما لو أن شيئًا لم يحدث، لكنه ظل لبعض الوقت يقلب الصفحة نفسها دون أن يقرأ منها كلمة واحدة
أما محروس، فلم يكن يحمل في صدره ذلك القدر من التفكير، فقد عاد إلى القصر وانشغل بالخادمة الجديدة، حتى وجدها في آخر النهار ترتب بعض الأشياء في المطبخ
أغلق الباب خلفه، ثم وقف أمامها وقال، اسمعيني كويس
التفتت إليه الفتاة، فوجدت في صوته شيئًا جعلها تترك ما في يدها وتصغي إليه
قال محروس، الشغل هنا مش زي بيتك، وإنتي من النهارده خدامة في قصر الباشا، يعني كل حاجة تتقال لك تتعمل من غير جدال
هزت الفتاة رأسها وقالت، حاضر
اقترب منها خطوة وقال، أنا اللي هقول لك المطلوب منك، ولو طلبت منك حاجة تتعمل زي ما قلتها بالضبط، مش كل شوية تقولي معرفش أو مقدرش
قالت الفتاة، حاضر يا محروس
نظر إليها لحظة، ثم قال، والباشا ما يحبش الإهمال، لو غلطتي في حاجة متخبيش الغلط، قولي لي، وأنا أشوف أتصرف إزاي
هزت رأسها مرة أخرى
قال محروس، وخصوصًا إنك جاية مكان واحدة كانت بتعرف كل حاجة في القصر، فمتخلينيش أندم إني جبتك
خفضت الفتاة عينيها وقالت، هعمل اللي أقدر عليه
رد محروس بصرامة، مش اللي تقدري عليه، اللي مطلوب منك
ثم تركها وعاد إلى عمله، وبقيت الفتاة واقفة لحظة في مكانها قبل أن تعود إلى ما كانت تفعله، بينما ظل اسم تقى غائبًا عن القصر، لا يعرف أحد فيه أين انتهت بها الطريق، ولا إلى أي بيت أخذتها الديون التي لم تكن لها يد فيها

تعليقات



<>