رواية اولاد الباشا الفصل الحادي عشر11بقلم شيماء منير
الانتماء الحقيقي هو ان يهدأ قلبك لمجرد وجود شخص واحد في هذا العالم
اتكلمت بنان بضيق والزعل باين في عينيها:
يعني كلمك أنتِ ومش معبرني أنا أصلاً! ولا بيرد على مكالماتي ولا رسايلي!
ردت سمية بنرفزة وهي بتشاور بإيدها:
يا بنتي أنا اللي رنيت عليه وقعدت أتحايل عليه عشان يجي يتغدا معانا! هو كان رافض لأنه بيرجع هلكان وتعبان، ده حتى النهاردة الجمعة بيروح الشركة برضه، بس وافق يجي لما يخلص شغل النهاردة.. أهو أنا بحاول أصلح العك اللي سيادتك بتعمليه!
بنان بضيق وعناد طفولي:
أنا معملتش حاجة.. الحقيقة هي اللي بتزعل!
سمية نفخت بقلة صبر:
يوووه بقى! مش هنخلص من الحوار ده؟ اعقلي شوية يا بنان.
بنان لفت وشها بعيد وقالت بقمص:
هو أنتي شيفاني هبلة يعني؟ وبعدين هو حر براحته.. أنا أصلاً غلطانة إني مضايقة عشانه وبفكر فيه.
سمية:
طب ريحيني بقى من الحوارات دي وتعالي ساعديني في المطبخ.
بنان:
مش مساعدة حد.. وهو يعني كان رد عليا ولا على رسايلي؟ أنا أصلاً داخلة أنام!
وسابتها ومشيت بخطوات سريعة ودخلت أوضتها. سمية مشيت وراها ودخلت الأوضة وهي بتقول بذهول:
هو إيه اللي تنامي ده؟ ده أقل من ساعة وهيكون هنا!
بنان رمت جسمها على السرير وغطت وشها:
وإيه يعني؟ قابليه أنتي بقى واتغدوا سوا.
سمية قربت منها وقالت بهدوء ورجاء:
يا بنتي الله يهديكي.. بلاش العند ده معاها.
بنان بصوت مكتوم من تحت الغطا:
متحاوليش يا ماما، مش قايمة وهنام.. لو سمحتي اطفي النور وحضرتك خارجة.
بصت لها سمية بقلة حيلة وهزت راسها، وخرجت وقفلت الباب وراها.
بعد أقل من ساعة.. جرس الباب رن.
فتحت سمية الباب، وكان فارس واقف بكامل وسامته وهدوءه.
سمية بابتسامة دافية:
أهلاً يا حبيبي، خطوة عزيزة.
فارس سلم عليها وحضنها بحب، وهي قابلت حضنه بحنان أمهات. دخل وبص حواليه بعينيه اللي بتدور على طيفها، وملقاش لها أثر.
قعد على كرسي الركنة في الصالة وسأل بترقب وعينيه لسه بتلف في المكان:
أومال هي فين؟
سمية وهي بترص الأطباق على السفرة:
نايمة.. يلا تعالى عشان تاكل، الأكل جاهز.
قام فارس وقعد على السفرة وسألها بنظرة شك:
هي متعرفش إني جاي؟
سمية قعدت قصاده وقالت وهي بتهرب بعينيها شوية:
أنا قولتلها.. بس باين النوم سارقها وتعبانة من الامتحانات.
فارس بصلها بعدم اقتناع، وارتسمت على شفايفه ابتسامة مريرة:
براحتها.. هي كمان زعلانه وبتقمص؟
سمية بصتله بحيرة وحزن على حالهم:
معلش يا فارس.. هي لسه عيلة ومش فاهمة حاجة، دي يدوبك لسه ١٩ سنة.
فارس أول ما سمع رقم ١٩، عينيه لمعت بجدية حاسمة، وحط الشوكة من إيده وقال بصوت واطي وقوي:
بمناسبة ١٩ سنة دي.. أنا هكلم أبويا وأمي في حوار الخطوبة ده خلاص.
سمية حطت الشوكة هي كمان وتوترت ملامحها فجأة:
يعني.. خلاص؟ ناوي بجد؟
فارس استغرب قلقها:
أيوة.. مالك قلقتي كدا ليه يا عمتو؟
سمية بنبرة قلقانة:
ما تستنى لما تخلص الترم الجاي ده كمان يا فارس، بلاش استعجال.
فارس بلهجة حاسمة وعينيه بتلمع بالتحدي:
لا كفاية كدا.. أنا صبرت لحد ما عدت الـ ١٨، وسكوتهم ده مش مريحني ومخوفني.. أنا عارف إنهم مستنيين لما تكمل العشرين ويجوا يعملوا اللي هما عايزينه ، وأنا لو حد بس فكر يقربلها.. همحيه من على وش الدنيا!
سمية حست بغصة في حلقها، وعرفت إن الحرب اللي بتهرب منها بقالها سنين هتبدأ بجد، فقالت بخوف حقيقي:
وبعدين يا فارس؟ هنعمل إيه؟
فارس طمنها بنظرة واثقة وقوية:
بصي.. هي كدا كدا جاية، يبقى نستعد ليها بقا وإحنا عارفين بنعمل إيه وواقفين على أرض صلبة.
سمية سألته بتردد:
وصلاح؟
فارس بقوة:
أنا هكلمه وأقنعه.
بصتله سمية بخوف وادعت في سرها إن الأيام الجاية تعدي على خير.
في الوقت ده، بنان كانت قاعدة في أوضتها، سامعة وشوشة وصوت كلامهم بس مش قادرة تفهم التفاصيل. غيظها زاد لما حست إنه مش مهتم بوجودها ولا سأل عليها بجد وعادي بياكل وبيضحك.
خرجت من الأوضة بغيظ وراسمة على وشها برود مصطنع، واتجهت للمطبخ الأمريكي المفتوح على الصالة، صبت كاس مياه ووقفت تشرب ببطء وهي بتبصلهم من وراء الرخامة وعينيها بتطلع شرار.
فارس لمحها، وابتسم بخفة من قلبه على طفولتها؛ كانت لبسه هودي شتوي طويل واصل لركبتها، وقاسمة شعرها نصين لفوق زي (ودن القطة) بشكل طفولي يجنن ويهد أي جبل.
سمية شافتها فقالت بلطف:
تعالي اتعشي يا حبيبتي.
قربت بنان من غير ما تنطق بولا كلمة، وسحبت كرسي وقعدت تاكل ببرود وعينيها متقابلتس في عين فارس ولا مرة.
قامت سمية وهي بتبتسم على حركاتهم:
هقوم أعملك القهوة بتاعتك يا حبيبي.
فارس:
ياريت والله يا سوسو، تسلم إيدك.
فارس قام من على السفرة من غير ما يوجهلها كلام، وقعد على الركنة وطلع علبة السجاير، سحب واحدة وحطها في بقه ولسه بيطلع الولاعة..
فجأة، لقى السجارة بتتسحب من شفايفه بسرعة!
بص لقى بنان واقفه قدامه، رمت السجارة على الأرض ودست عليها، وقالت بضيق وغضب طفولي وعينيها مدمعة:
على فكرة بقى.. بطل الطريقة دي!
فارس بص لها بدهشة ورفع حاجبه باستغراب، وهي كملت وهي بتخبط بإيدها الصغيرة على صدره القوي كأنها بتعاقبه:
أنت عارف إني مش بحب طريقة التجاهل دي خالص.. بطل تعمل كدا!
فارس أغمض عينيه للحظة وهو حاسس بضرباتها الضعيفة اللي بتدغدغ قلبه، وابتسم بقلة حيلة.
بنان بقمص وزعل:
أنت بتضحك على إيه؟ أنت بجد مش بترد على رسايلي ومكالماتي ليه ها؟ بتتجاهلني ليه.. ده تقل يعني ولا إيه بالظبط؟
فارس وقف وبقى طوله الفارع مغطي عليها تماماً وهي قزم قدامه، حط صباعه السبابة على شفايفها بنعومة وقال بصوت دافي يذوب:
بس.. اسكتي شوية واهدي.
أول ما لمس شفايفها، دموعها نزلت بصمت وكسرت كل كبريائها قدامه.
فارس :
بتعيطي ليه دلوقتي يا بنتي؟ هو أنا عملتلك حاجة تزعلك كدا؟
بنان بشهقة بكاء طفولية:
أنت مش بتحبني.. أنا اتأكدت خلاص!
فارس بذهول وابتسامة بدأت تترسم على وشه:
ومين بقى العبقري اللي أكدلك الحكاية دي؟
بنان وهي بتمسح دموعها بظهر إيدها زي الأطفال:
أنا سألت شات جي بي تي وحكيتله كل تصرفاتك وتجاهلك ليا.. وهو اللي أكدلي ده وقالي إنه مبقاش مهتم!
فجأة.. دوت ضحكة عالية جداً وصاخبة من المطبخ، كانت سمية واقفة ماسكة بطنها وبتضحك بدموع على هبل بنتها وطريقتها.
أما فارس، فبص لها بصدمة وذهول مش مصدق ودانه، وفضل باهت مكانه مش عارف يرد يقول إيه من كتر المفاجأة.
قربت سمية وهي شايلة صينية القهوة ومش قادرة تمسك نفسها من الضحك:
ههههه يخراب عقلك يا بنان! شات جي بي تي؟!
فارس تنهد بقلة حيلة وبص لسمية:
أنا قولت من الأول وجود الموبيل ده معاها خطر على كوكب الأرض!
وبعدين بص لبنان وقال بضيق مصطنع: أنتي عارفة يا ست بنان رنتي عليا إمبارح كام مرة وبعتت كام مسدج؟
سمية بفضول وضيق عينها بضحك:
كام يا فارس؟
فارس وهو بيبص لبنان بعتاب ليم:
رنت ١١٠ مرة.. وبعتت ٥٣ رسالة! في يوم واحد!
بنان بضيق وقمص وهي بتدافع عن نفسها والدموع لسه في عينيها:
يعني شايف وعارف وسايبني أحرق في دمي ومش معبرني
فارس بنفاد صبر وتوضيح:
يا بنتي افهمي وبطلي طفولة بقا! أنا بكون في الشغل والاجتماعات، مبقدرش أسيب التليفون في إيدي طول الوقت، لازم أركز في كل كبيرة وصغيرة هناك وده غصب عني.. وأنا مش قولتلك أول ما هفضى هكلمك؟
بنان بدموع نازلة وحرقة قلب:
لا.. وعلى إيه يا فارس باشا؟ متجبرش نفسك خالص، ولما تفضى متبقاش تفتكرني ولا تطلبني أصلاً! سامع؟ وقدام ماما أهو بقولهالك.. متكلمنيش تاني أبداً، وحتى لو شفتني في مكان بالصدفة، اعمل نفسك متعرفنيش!
وسابتهم وجريت على أوضتها ورزعت الباب بقوة زلزلت الصالة.
فارس بص للباب المرزوع وتنهد بضيق:
على فكرة أنا هعاقبها وهزعلها بجد.. عشان حكاية رزع الباب دي كل ما تضايق مش هفوتها ليها تاني.
سمية حطت القهوة وقالت بابتسامة وبتحاول تهديه:
تعالى بس اقعد اشرب قهوتك وسيبها دلوقتي تهدا.
فهد فارس وقعد بزهق وهو بيمسح على وشه:
هي مالها طالبه معاها نكد كدا ليه؟ مش كانت كويسة!
سمية بمرح وهزار:
كبر دماغك.. يومين وهتلاقيها هي اللي بترن وتصالحك.
فارس:
اممم.. وأنا هفضل عايش في العبط والجنون ده كتير؟
سمية غمزتله بضحكة:
أنت اللي اخترت يا بطل.. مش أنا قولتلك ابعد، وأنت اللي كنت ماسك فيها بإيدك وسنانك
فارس بص لاتجاه أوضتها بلمحة حب وعشق حقيقي، وقال بنبرة دافية وصادقة:
أنسي.. أنا بموت فيها ومقدرش أعيش من غير جنانها.. بس الفكرة إننا داخلين على أيام صعبة ومحتاجين فيها عقل وهدوء شوية.
سمية ملامحها اتحولت للقلق والخوف فجأة، وقالت بصوت واطي:
ربنا يستر من اللي جاي يا حبيبي.. ربنا يستر.
ــــــــــــــــــــــــــ
الدراسة رجعت والكلية بدأت من تاني بحركتها وزحمتها.
كانوا واقفين هما الاتنين قدام باب الجامعة في انتظار عربية أوبر اللي طلبوها عشان تروحهم. يمنى كانت حاطة الموبايل الجديد على ودنها وبتتكلم بصوت واطي:لا.. فارس طالب لنا أوبر ومنتظرينه على وصول أهو.
جاءها صوت مالك الهادي من الناحية التانية:
أوكي ماشي.. أول ما تروحي رني عليا طمنيني.
يمنى بابتسامة خفيفة ونبرة هادية:
تمام.. شكلك لسه صاحي من النوم؟
مالك بتنهيدة وصوت فيه بحة النوم فعلاً:
أيوة.. كنت راجع متأخر ونمت الصبح ومحستش بالوقت.
يمنى بضيق مستتر سألت:اممم ماشي.. متأخر فين بقى؟
مالك بذكاء لمح نبرتها:إيه؟
يمنى بتهرب:مفيش.
مالك بضحكة خفيفة عشان يطمنها:
كنا شباب بس على فكرة.. كنا قاعدين في شقة كريم
صاحبي بنلعب بلايستيشن.
يمنى بقلة اقتناع:بحاول أصدق.
مالك بنبرة رجولية واثقة:براحتك.. بس أنا مش بخاف من حد مثلاً عشان أكدب عليكي، لو كنت في مكان تاني كنت هقول عادي
يمنى كانت لسه هتتكلم وترد عليه، بس قطع كلامها خطوة سريعة وقرب منهم معيد معاهم في الكلية اسمه علاء.
علاء بابتسامة هادية:مساء الخير يا بنات.
ردت بنان بأدب وابتسامة رسمية:مساء النور يا دكتور.
أما يمنى ففضلت حاطة الموبايل على ودنها وماردتش، بس لزمت الصمت تماماً ونفسها اتحبس.
علاء وجه نظره ليمنى مباشرة وسألها باهتمام:عاملة إيه يا يمنى؟
يمنى بتوتر بان في نبرة صوتها وصدمتها:
كويسة يا دكتور.. الحمد لله.
علاء تردد ثانية وبعدين قال بلهجة شبه رسمية بس فيها رجاء:كنت بس عايزك في كلمتين على انفراد لو سمحتِ.. مش هعطلك.
يمنى بصت لبنان بتوتر شديد، وعينيها راحت للموبايل اللي لسه الخط فيه مفتوح وصاحبه سامع كل دبة نملة.
وفعلاً، جاءها صوت مالك في التليفون متحول تماماً لنبرة حادة وشرسة زي الرعد:وده عايزك في إيه إن شاء الله؟!
يمنى اتملت رعب، ووجها اصفّر، فقالت بتلعثم وتوتر وهي بتبص لعلاء:طيب.. أنا هقفل وأرن عليكي بعد شوية.
مالك بغضب أعمى وصوت جهوري طلع من سماعة التليفون كاد يسمع للي حواليها:
طيب ابقي اعمليها كدا واقفل السكة.. وشوفي أنا هعمل إيه ساعتها!
يمنى بصت لعلاء بتوتر رهيب وهي مش عارفة تعمل إيه ولا تتصرف إزاي، وخايفة جداً من مالك اللي سامع الحوار كلمة بكلمة وعلى آخرة وممكن يتهور في أي لحظة.
اتحركت مع علاء ووقفت على بعد مسافة من بنان، وماسكة الموبايل في إيدها والخط مفتوح زي ما هو، ووقف هو قصادها بوقار وهدوء ميعرفش بالبركان اللي على الناحية التانية من المكالمة.
علاء بأسف حقيقي ونبرة مهذبة:
أنا آسف لو سببتلك أي حرج مع صاحبتك.. لكن في الحقيقة أنا مكنتش لاقي فرصة مناسبة للكلام معاكي خالص، ودي أول مرة أشوفك واقفة فيها قدام الجامعة من غير زحمة.
يمنى هزت راسها بالقبول وهي بتفرك إيدها وبتترعش من التوتر:تمام.. اتفضل يا دكتور.
علاء دخل في الموضوع علطول وبأدب:
في الحقيقة.. أنا كنت حابب أطلب رقم والدك، أنا عارف طبعاً إنه دكتور محترم ، وكنت حابب أطلب إيدك منه لو معندكيش مانع أو سبب للرفض.
يمنى حست فجأة إن الأرض بتدور بيها من الصدمة، عينيها راحت لعلاء تارة، ولبنان الواقفة بتراقبهم بتساؤل تارة ثانية، وللموبايل اللي في إيدها تارة تالتة وهي حاسة إن روحها بتنسحب منها.
علاء لاحظ صمتها وارتباكها الشديد فقال بقلق:
أتمنى مأكونش قولت حاجة ضايقتك أو سببتلك إزعاج؟
يمنى بلعت ريقها بصعوبة وحاولت تظهر طبيعية عشان تنهي الموقف:
طيب.. ماشي، هسأل بابا الأول وأقول لحضرتك.
علاء بابتسامة ممتنة:تمام.. وأنا هستنى رد منك إن شاء الله.
يمنى كانت سامعة في اللحظة دي ذبذبات وصوت أنفاس عالية ومخنوقة طالعة من التليفون، ناتجة عن انفعال مالك المكتوم وغضبه اللي كان كفيل يحرق المكان، فقالت بسرعة:تمام.. عن إذن حضرتك.
علاء:اتفضلي.
في نفس اللحظة دي كانت عربية الأوبر وصلت، بنان فتحت الباب وركبت بسرعة ويمنى ركبت وراها علطول وقفلت الباب كأنها بتهرب من الشارع كله.
أول ما الباب اتقفل، يمنى حطت الموبايل على ودنها بسرعة وقالت بنبرة خايفة:ألو..
جاءها صوته الغاضب الثائر اللي بيغلي زي البركان:
ده أنا هطلع ... لو شفته تاني بيقربلك!
يمنى بضيق وتوتر وهي بتبص للسواق عشان مياخدش باله:
خلاص بقى! بلاش ألفاظ من دي لو سمحت واسمعني!
مالك بقمة الغضب والسخرية أطلق كم لفظ مش تمام من عصبيته وغيرته اللي عمته:أسمع إيه وزفت إيه! مفكر نفسه مين ده عشان يقف الوقفة دي معاكي ويطلب رقم أبوكي
يمنى بضيق وخوف من جنانه:لو مأبطلتش كلامك وطريقتك دي أنا هقفل السكة علطول!
مالك بنبرة وعيد مرعبة:
أنا هعرف أربيه كويس أوي.. عشان بعد كدا يفكر ألف مرة قبل ما يبص لحاجة تخصني أنا بالذات!
يمنى بضيق حقيقي ورجاء:بطل جنان بقى يا مالك.. أنا مش عايزة مشاكل في الكلية ومستقبلي يضيع بسبب حوار ملوش لازمة!
مالك بنبرة حاسمة وقاطعة:
أنا هوريكي الجنان شكله إيه بجد بقى.. سلام!
وقفل الخط في وشها بقوة.
يمنى رمت الموبايل في الشنطة بضيق وتنهدت بنفاد صبر:أووف بجد.. يارب عدي الأيام دي على خير!
بنان بصت لها وقالت بفضول وقلق:مكنتيش عارفة تكتمي صوت المكالمة يا بنتي بدل البهدلة دي كلها؟
يمنى بقلة حيلة وضيق:
يعني هو مالك ده عبيط؟ ده لو مكنش سمع الحوار كله كلمة بكلمة بودنه، كان عملي حوار ومصيبة أكبر من كدا بكتير وكان شك فيا أصلاً!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــالدنيا ليل وفيلا الباشا هادية خالص، لكن جوا الصالون كان فيه بركان شغال بين صلاح ونجوى.
صلاح: لا يا نجوى، مفيش كلام تاني في الموضوع ده، خلي ابنك يشيل الفكرة دي من دماغه خالص قبل ما نندم كلنا.
نجوى: يا صلاح اهدى بس وفكر بالعقل، احنا بنتناقش مفيش داعي للعصبية دي كلها.
صلاح: اهدى إزاي وأنتِ شايفة ابنك عايز يودينا في داهية برجليه؟ يعني عاجبك إنه بيجري ورا المشاكل برجله؟
نجوى: الولد بيحبها يا صلاح، الحب مش زرار بندوس عليه، ده عايش على أمل يجمعهم سوا من سنين طويلة وأنت عارف ده كويس.
صلاح: حب إيه وكلام فاضي إيه اللي يخليه يروح يرمي نفسه وسط دياب؟ العزامية دول ناس ملهومش أمان، شرهم مغرق الكل وأنا مش مستعد أدخل في حرب معاهم عشان شوية مشاعر مراهقة.
نجوى: بس هما غايبين عن الساحة بقالهم فترة ومحدش ليهم حس، خصوصاً بعد ما سمية وقفت للولد وحبسته لما حاول يقرب من بنتها، يعني زمانهم خافوا وبقوا يتجنبوا المشاكل.
صلاح: أنتِ طيبة أوي يا نجوى وبتصدقي أي كلام بيتقال، هما ساكتين عشان بيحضروا لضربة أقوى، ده هدوء ما قبل العاصفة والناس دي غدرهم ملوش حدود، خلي ابنك يفوق ويشوف مصلحته، البنات ماليين البلد ومن عائلات تشرف وليها وزنها، على الأقل يلاقي اللي تسنده وتكبر اسمه وشغله مش اللي تهدنا.
نجوى: كل الحسابات والمصالح دي متهزش شعرة واحدة من فارس يا صلاح، أنت عارفه كويس لما بيعوز حاجة بيعافى عليها، وهو مش عايز من الدنيا دي غير بنان.
صلاح: وأنا قولت اللي عندي بلغيه بقراري النهائي ده عشان يقصر الطريق، تصبحي على خير.
نجوى فضلت واقفة مكانها بتبص عليه وهو ماشي، والسكوت تملّك المكان وعيونها كلها حيرة وخوف من اللي جاي.
ــــــــــــــــــ
فارس صحي تاني يوم الصبح، نزل على السلم بسرعة وهو بيعدل لبسه، كان كل همه يلحق صلاح قبل ما ينزل، لكن للأسف كان صلاح مشي وراح على الشركه
فارس قرب من نجوى اللي كانت قاعدة بتفكر قرب عليها فارس:صباح الخير يا ماما.
نجوى رفعت عينيها وبصتله بحنان صباح النور يا حبيبي.
فارس اتلفت حواليه وسألها بقلق هو بابا مشي؟ كنت عايز ألحقه وأتكلم معاه في الموضوع بتاعنا.
نجوى اتنهدت وقالتله أنا اتكلمت معاه بالليل يا فارس.
فارس انتبه وتركيزه كله بقى معاها وقالكِ إيه؟ وافق صح ؟
نجوى هزت راسها بأسف مش موافق يا فارس، رافض تماماً ومقفل كل الأبواب.
فارس ضغط على إيده بغضب يعني إيه رافض؟ عشان كده قلتلك من أسبوع سيبيني اتكلم أنا معاه وأقنعه بطريقتي.
نجوى قربت منه وحطت إيدها على كتفه يا حبيبي ده مش مجرد رافض وبس، ده قالي بالنص انك تشيل
الموضوع ده من دماغك خالص ومتفكرش فيه تاني.
فارس بملامح كلها تحدي مستحيل، انا بحبها وعايزها أنا هروحله الشركة دلوقتي وهقعد معاه وأتكلم
نجوى مسكت إيده برجاء وخوف عشان خاطري بلاش الشركة يا فارس، بلاش تتكلموا في الشركه
فارس شد إيده براحة وقال بإصرار خلاص مبقاش ينفع أستنى أكتر من كدةانا عايزاها يا امي
فارس سابها وخرج بخطوات سريعة ومليانة غضب، ومشي عشان يروح الشركة.
نجوى فضلت واقفة مكانها بتدعي وبتقول بقلق يا رب سترها من اللي جاي، شكلها عاصفة ومش هتنتهي على خير.
-----------------
عند سمية في البيت، الدنيا كانت هادية وستارة الأوضة مضلمة المكان، وهي كانت لسه مستسلمة للنوم
فجأة هاتفها رن وقطع السكون ده، فتحت عيونها ببطء وبتثاقل، مدت إيدها ومسكت الموبايل، ولما شافت الاسم لقت صلاح أخوها.. قلبها انقبض وفتحت الخط وهي بتحاول تبان طبيعية.
سمية بنبرة يغلفها القلق والخوف: صباح الخير يا صلاح.
صلاح رد بصوت حاد يقطر غضب وجفاء: وهو فين الخير يا بنت أمي وأبويا؟ الخير ده لسه بنشوفه؟
سمية اتعدلت في سريرها وضمت الغطا لصدرها بتوجس: ليه بس كده يا خويا؟ ربنا ما يجيب شر أبداً، في إيه؟
صلاح وصوته بيعلى وعروقه بتنزف قسوة: الشر إنتِ اللي جبتيه وحطيتيه في بيتنا، يوم ما سبتي فارس يقرب لبنتك وفتحتيله الباب.
سمية دمعة حائرة لمعت في عيونها لكنها اتكلمت بقوة وصوت مهزوز: هو اللي عايز يقرب يا صلاح.. أنا بعدته سنين طويلة وحميت بنتي، لكن هو اللي رجع وقرب تاني.. وأنا مستحيل اقفل بابي في وش ابن أخويا، قلتلك مليون مرة فارس حتة مني ومقدرش أكسر بخاطره.
صلاح صرخ بغضب هز سماعة التلفون: لا تقفليه! تقفليه بالضبة والمفتاح أحسن ما تفتحي باب النار عليه وعلينا كلنا! اسمعي بقى الكلام اللي مفيش بعده كلام.. انسي موضوع إنه يتجوز بنتك دي خالص، وابعدي المشاكل عن ابني.. صحيح هو مش من صلبي ومخلفتهوش، بس تربية إيدي، وعمره ده أنا اللي بنيته خطوة بخطوة ومش هسيبك تهديه.. ابعدي بنتك عن فارس يا سمية، وروحي جوزيها لأي حد تاني.. وأوعي تكوني مفكراني مغفل ومش فاهم حركاتك وكل شوية عزماه عندك وبتقربيهم من بعض!
الكلام نزل على سمية زي الكرباج، جرح كرامتها وأمومتها، ملامحها اتصلبت ودموعها جفت وحل مكانها غضب دافي وكسرة نفس حاول داريها بصوت قوي.
سمية بنبرة مليانة وجع وعزة نفس تجرح: أنا بنتي مش رخيصة عشان أدلل عليها يا صلاح، ولا هي شحاتة واقفة على بابك.. وعموماً أنا هخلصك من الصداع والموضوع ده كله عشان ترتاح وترتاحوا مننا خالص.. سلام!
قفلت الخط بسرعة قبل ما تسمع منه كلمة تانية، وكانت بتتنفس بصعوبة وصدرها بيعلو ويهبط من القهر.. مسحت دموعها بكبرياء، ومسكت الموبايل بقرار سريع وعينين مليانة تحدي وألم، وضغطت على اسم فارس ورنت عليه
ــــــــــــــــــ
في فيلا الباشا، وتحديداً في أوضة مالك اللي كانت غرقانة في ضلمة وهدوء مريحين.
دخلت نجوى وخطواتها سريعة ومليانة قلق، راحت على الشباك وفتحت الستائر بقوة فدخل ضوء الشمس فجأة وملى الأوضة.
نجوى بلهفة وخوف: مالك.. قوم بسرعة يا حبيبي، مفيش وقت للنوم.
مالك غطى عينه بكتفه وصوته طالع نايم وضايع في السرير: يا ماما سبيني أنام ساعة كمان.. والله لسه نايم بعد الفجر
نجوى قربت من سريره وشالت الغطا من عليه بقلق: لا قوم يا مالك فوق معايا، أنا قلبي واكلني وخايفة.. خايفة أبوك وأخوك يتخانقوا
مالك بدأ يركز ببطء وقعد على السرير وهو بيحاول يفتح عينه: ليه؟ في إيه اللي حصل تاني؟
نجوى وصوتها بدأ يتهز من كتر التوتر: عشان خاطري قوم روح وراهم الشركة.. أبوك رافض حوار جواز فارس من بنان تماماً ورافض حتى يسمعه، وفارس نزل ورايحله الشركة وعاقد النية يتكلم معاه ويحط نقط على الحروف، أنا خايفة يشدوا قصاد بعض في الكلام وعصبية أبوك تضيع الدنيا.
نجوى كملت كلامها ودموعها نزلت غصب عنها وبصتله برجاء: عشان خاطري يا مالك، تقوم وتلحقهم
مالك اتنهد ومسح على شعره بتعب عشان يفوق، وصعبت عليه دموع والدته وخوفها اللي دايماً بياكل في أعصابها.
مالك قرب منها وحضنها بحنان وباس راسها: خلاص يا أمي متبكيش.. متعيطيش طيب عشان خاطري، أنا هقوم حالاً ألبس وأجهز وهطير على الشركة وأشوف في إيه، اهدي أنتِ ومتخافيش.
--------------
فارس ركن عربيته ونزل بهدوء وثبات، رمى مفاتيح العربية لأحد أفراد الأمن اللي انحنى له باحترام، وفارس دخل الشركة بخطوات منتظمة لكن قلبه كان بيدق بعنف. فجأة تليفونه رن، طلع الموبايل وبص في الشاشة، كانت سمية.
فارس: صباح الخير يا عمتو.
سمية بصوت مهزوز ومخنوق: صباح النور يا حبيبي، كويس إنك صاحي وفايق.
فارس باستغراب: في إيه يا عمتو؟ صوتك مش عاجبني.
سمية بتردد والدموع باينة في صوتها: فارس، أنا خلاص معنديش بنات للجواز.
فارس وقف مكانه وعقد حواجبه بعدم فهم: إيه الكلام ده؟ يعني إيه معندكيش بنات؟
سمية بضعف: زي ما سمعت يا فارس، بنتي مش ليك، انسى الموضوع ده.
فارس صوته علي لدرجة إن الموظفين اتسمروا في أماكنهم وبصوا عليه بدهشة: اومال لمين؟ مين اللي يقدر ياخدها مني؟
سمية بدموع: يا سيدي مش لحد، هتقعد جنبي وبس.
فارس غضبه انفجر، عيونه لمعت بشرارة غضب وجنون: لو آخر يوم في عمري ما هسيبها، هي ليا، ليا أنا وبس، ومفيش قوة على وجه الأرض تمنعني!
سمية بصوت مكسور: بس عمك مش موافق يا فارس.
فارس بنبرة حادة وتحدي: براحته، يوافق أو ميووافقش ده قراره هو، لكن أنا هاخدها سواء كلكم وافقتوا أو رفضتوا، ولو الدنيا كلها وقفت قصادي، هتكون ليا برضه.
فارس قفل السكة بعنف، ورمى تليفونه في جيبه، واتجه ناحية مكتب صلاح وعيونه بتقدح نار. وصل قدام باب المكتب، السكرتيرة حاولت توقفه لكنها خافت من نظرة عيونه، فتح الباب بقوة ووقف قدام صلاح اللي رفع عينه ببرود.
صلاح بصله بتساؤل عن اقتحامه ده: إيه الدخلة دي يا فارس؟
فارس قرب من المكتب ووقف، عيونه كانت متعلقة في عيون صلاح بتحدي ووجع: اسمع بقا، أنا تحت طوعك، تحت إيدك ورجلك، وبنفذ كل اللي تقوله بمجرد إشارة، وبفهمك من نظرة عينك، بس بنان خط أحمر، مش هتقدر تبعدها عني، عمري ما وقفت قصادك في حاجة، بس هنا للاسف معنديش خيار تاني.
صلاح وقف وسند إيده على المكتب ووشه بقى في وش فارس، عيونه كانت جمرات نار: أنت ليه عايز تدخل النار والمشاكل برجليك يا فارس؟
فارس بصوت واطي ومبحوح من المشاعر: عشانها هعمل أي حاجة، مش يهمني أي مشاكل، النار اللي خايف منها دي أنا مستعد أتحرق فيها عشانها.
صلاح قرب منه أكتر وبصوت هادي ومخيف: تبقى اتجننت، وعايز تبوظ كل حاجة تعبت فيها أنا وأنت، أنا محذرك من الحوار ده، أنا مش مستعد أدخل مع ولاد عزام في مشاكل ملهاش آخر وتدمر اسمنا.
فارس ببرود وتحدي: أنا بقا همحيهم من على وش الدنيا لو فكروا بس يقربوا ناحيتها.
صلاح بغضب وزعق: تبقى مش عارف أنت ناوي تلعب مع مين، ومنتش عارف عدوك، هتدمرنا إحنا معاك!
فارس بعناد: ملكش دعوة بعمتي وبنتها عشان أكون محايد معاك.
صلاح فقد أعصابه، شد فارس من مقدمة قميصه وقربه منه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت: فوق من اللي أنت فيه، وسكينة الحب اللي سارقاك دي، فوق قبل ما تخسر وتخسرنا كل حاجة!
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل مالك، وشاف المشهد، قرب بسرعة وحط إيده على كتف أبوه عشان يبعده عن فارس.
مالك بصوت هادي ومحاول يمتص الغضب: اهدى يا بابا، خلينا نتكلم بهدوء.
فارس فضل باصص لصلاح بضيق، أنفاسه لسه متسارعة، وعيونه بتلمع بكسرة ورفض.
مالك بص لفارس وأخد بإيده: يلا يا فارس، يلا دلوقتي، خلينا نخرج من هنا.
فارس مشي مع مالك، لكن عيونه فضلت معلقة في عيون صلاح، نظرة تحدي وصراع مش هينتهي بسهولة.
