رواية خيوط لاتري الفصل الثاني عشر12بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل الثاني عشر12بقلم فاطمة مالكي

اعترافات تحت المجهر ورائحة البارود
لم تكن شمس القاهرة في ذلك الصباح قادرة على اختراق برودة الطابق الخامس والعشرين في برج "الحكيم". كان الضوء يتكسر على الواجهات الزجاجية العملاقة، ليلقي بظلال حادة ومائلة على الأرضيات الرخامية، وكأن المكان بأسره يترقب كارثة وشيكة. عاد النظام للعمل بفضل جهود مازن المضنية طوال الليل، لكن الهواء نفسه كان ثقيلاً، مشبعاً بشحنات من التوتر غير المرئي الذي يجعل الموظفين يتهامسون بخفوت، ويتحركون بحذر بالغ خشية إثارة غضب الإدارة العليا.
داخل مكتبه الشاسع، كان ياسين الحكيم يقف أمام النافذة، يطوي ذراعيه حول صدره، متأملاً زحام العاصمة في الأسفل. لم ينم سوى دقائق معدودة، وعيناه تحملان إرهاق معارك طويلة، لكن عقله كان يعمل كآلة حاسبة جبارة لا تتوقف. كان يدرك تماماً أن اللعبة تغيرت؛ الخصم لم يعد مجرد مختلس غبي، بل كيان منظم يمتلك أذرعاً تقنية خطيرة.
على الجانب الآخر من الغرفة، كانت حنين تجلس خلف مكتبها الجديد الذي فُرض عليها القرب منه. كانت تحاول التركيز في الشاشات أمامها، لكن شتات ذهنها كان أقوى منها. كلما رفعت عينيها، وجدت ظهره العريض الممتد أمامها، لتتذكر ليلة أمس، وكيف شعرت بالأمان المطلق بين ذراعيه. كانت تدرك أن مسار علاقتهما قد أخذ منعطفاً حاداً لا رجعة فيه؛ لم تعد مجرد موظفة، وهو لم يعد مجرد مدير صارم. هناك رابط خفي، معقد، ومرعب بدأ يلتف حول قلبيهما.
التفت ياسين ببطء، وكسر الصمت الثقيل بصوته الأجش العميق:
— "حنين... الهجوم اللي حصل إمبارح مسح كل الخيوط الرقمية من على السيرفرات. صحيح أنا لمحت هويته من الأسلوب، بس الخيوط دي اتمسحت كأدلة مادية. الحوت الكبير ده بيلعب في ملعبه، وأي ملف على الشبكة دلوقتي مش آمن بنسبة مية في المية. لو فضلنا نلعب معاه بالكمبيوتر ونحاول نطلّع أدلة ديجيتال، هنخسر."
رفعت حنين رأسها، وتلاقت عيناها بعينيه، وقالت بتركيز وقلق:
— "واش هو الحل أستاذ ياسين؟ إذا كان السيستام مش آمن، كيفاش راح نثبتوا تهمة الاختلاس على رأفت والناس اللي وراه؟"
اقترب ياسين من مكتبها بخطوات هادئة، وسند كلتا يديه على الحافة الخشبية، وانحنى قليلاً نحوها، لتغمرها رائحة عطره الخشبي الفاخر الممزوجة برائحة القهوة المرة التي تدمنها أنفاسه:
— "هنرجع لورا.. للزمن اللي مكنش فيه سيرفرات ولا اختراقات. هنرجع للورق. إحنا محتاجين ننزل الأرشيف الورقي القديم في القبو السفلي للشركة. عاوز سجلات الميزانيات الأصلية بخط الإيد من عشر سنين فاتوا.. الوقت اللي رأفت دخل فيه شريك معانا وبدأ يأسس شبكته. الورق ده هو الحاجة الوحيدة اللي الحوت م يقدرش يمسحها بكود برمجي."
لم تتردد حنين لحظة. نهضت ورتبت سترتها الكحلية، ورافقت خطواته الواثقة في صمت نحو المصعد الخاص. كان الهبوط إلى القبو بطيئاً، وصوت محرك المصعد الرتيب هو الشيء الوحيد الذي يكسر سكون المكان الشديد.
كان الأرشيف السفلي للشركة عبارة عن قبو ضخم، معزول تماماً عن ضوء النهار، تفوح منه رائحة الرطوبة، والورق المعتق، والغبار القديم. إضاءة النيون البيضاء الضافية كانت تطرف بضعف شاحب، لتكشف عن صفوف لا نهائية من الأرفف الحديدية العالية المكدسة بآلاف المجلدات والملفات المتربة. كان المكان يحمل رهبة خاصة؛ رهبة التاريخ السري لهذه الإمبراطورية المالية العريقة.
سار ياسين في المقدمة، يتنقل بين الممرات الضيقة بذاكرة بصرية دقيقة، حتى توقف أمام قسم مخصص لملفات العقد الماضي:
— "الجزء ده.. دوري في الرفوف اللي تحت على أي ملف يحمل ختم (الميزانية التأسيسية - قطاع التوريدات الخارجية)، وأنا هدور فوق."
بدأت حنين تبحث بتركيز شديد. كانت تقلب الملفات الثقيلة، وتمسح الغبار عن أغلفتها الجلدية المتهالكة بكف يدها. مر الوقت بطيئاً، والجهد البدني بدأ يرهق جسدها النحيل. في إحدى اللحظات، لمحت ملفاً أسوداً ضخماً محشوراً في الرف العلوي المرتفع، يحمل التاريخ المطلوب. وقفت على أطراف أصابعها، وحاولت سحبه بكل قوتها. كان الملف عالقاً بشدة بين مجلدات أخرى، وحين سحبته بعنف، اختل توازنها فجأة، وانهار جزء من الكتب والملفات الثقيلة المحيطة به، لتسقط جميعها نحوها.
شهقت حنين برعب وأغمضت عينيها مستسلمة للاصطدام، لكن قبل أن يسقط فوقها هذا الكم الهائل من الورق، شعرت بذراعين قويتين كالفولاذ تلتفان حول خصرها بقوة خاطفة، وتسحبانها إلى الخلف بحركة سريعة ، بينما ارتطمت الملفات بالأرضية الإسمنتية محدثة دوياً مكتوماً هز سكون القبو.
اصطدم ظهرها بصدره العريض والقاسي. توقفت أنفاسها تماماً. كانت يده اليمنى تحيط بخصرها بإحكام شديد ألغى كل المسافات، بينما استندت يده اليسرى على الرف الحديدي فوقها ليحمي رأسها من أي ملفات أخرى قد تسقط. بقيا على هذا الوضع لثوانٍ بدت كدهر كامل. كان الصمت مطبقاً، لا يقطعه سوى صوت أنفاسه اللاهثة والساخنة التي تضرب في مؤخرة رأسها وحجابها، وصوت ضربات قلبه العنيفة المتسارعة التي كانت تشعر بها بوضوح يخترق ظهرها.
التفتت حنين ببطء شديد داخل حصاره، ووجهها يكاد يحترق من الخجل والارتباك. وجدت وجهه قريباً جداً منها، أقرب من أي وقت مضى. كانت عيناه السوداوان، اللتان ترعبان أعتى رجال الأعمال في السوق، تنظران إليها الآن بمزيج من الخوف الحقيقي، والراحة، وعاطفة عميقة جارفة لم يعد قادراً على كتمانها خلف قناعه.
أنزل ياسين يده عن خصرها ببطء شديد، وكأنه يقاوم رغبة عارمة في إبقائها مستندة إليه، لكنه لم يبتعد خطوة واحدة. بقي يحاصرها بجسده في تلك المساحة الضيقة بين الرفوف. تلاشت ملامحه الجليدية الصارمة، وظهرت على وجهه علامات تعب إنساني عميق، تعب رجل يحمل جبالاً من المسؤولية على كتفيه لسنوات طويلة دون سند.
قال بصوت خافت، أجش، ويحمل بحة صادقة لم تخرج لأحد غيرها قط:
— "إنتِ كويسة؟"
أومأت حنين برأسها مرتين، وهي تحاول استيعاب كمية الأدرينالين التي تضخ في عروقها، وردت بصوت متقطع، ضائع من فرط ارتباكها:
— "أ.. إيه.. أنا مليحة. شكراً أستاذ ياسين.. تعبتك معايا بزاف."
أغمض ياسين عينيه للحظة، ثم فتحهما لينظر في أعماق عينيها الصافيتين، وقال بنبرة مليئة بالشجن والاعتراف الصادق:
— "أنا بقالي خمس سنين يا حنين.. من يوم ما والدي مات وسابلي إمبراطورية الحكيم دي غارقة في الديون والمشاكل.. وأنا شايل الحمل ده لوحدي. خمس سنين وأنا بلعب دور الوحش اللي مبيغلطش، اللي مبيثقش في حد، واللي مبيكشفش ضهره لمخلوق. كل الناس شايفاني الراجل الجليدي اللي الفلوس والسلطة هما كل حياته.. بس الحقيقة.."
صمت قليلاً، وابتلع ريقه بصعوبة، وكأنه يحطم آخر حصونه الدفاعية التي بناها طوال حياته أمامها:
— "الحقيقة إني تعبت. تعبت من إني أكون دايماً في حالة حرب، وتعبت من إني مبقدرش أطمن لحد. ولما دخلتِ إنتِ الشركة بعنادك، ، وقوتك دي.. لقيت نفسي لأول مرة من سنين خايف على حد أكتر ما أنا خايف على نفسي."
تأثرت حنين بشدة، وشعرت بغصة دافئة في حلقها. كانت هذه الكلمات أقوى من أي غزل عابر؛ كانت اعترافاً بالضعف والمشاركة من رجل لا يعرف في قاموسه سوى القوة المطلقة. أدركت في تلك اللحظة عمق المأساة التي يعيشها في عزلته، وكيف أن هذه القسوة لم تكن سوى درع لحماية نفسه وعائلته. لكن في المقابل، نهشها خوف من نوع آخر.. خوف من أن تكون هي نقطة ضعفه التي سيستغلها الأعداء لكسره.
رفعت عينيها إليه، وبلكنتها الجزائرية الدافئة التي تخرج من القلب مباشرة، قالت بنبرة حانية ومطمئنة:
— "أستاذ ياسين.. إنت راجل قوي بزاف، واللي درتو في حياتك باش تحمي عيلتك وشركتك مش أي حد يقدر يديرو. إنت مش وحش.. إنت إنسان تحمل فوق طاقته. بصح أنا.. أنا خايفة. خايفة نكون سبب في تعبك، خايفة هاد العباد يستغلوني باش يكسروك. أنا مستعدة نمشي ونبعد إذا كان هاد الشي راح يخليك في أمان."
بمجرد أن نطقت بكلمة "نمشي"، اشتعلت عينا ياسين بغضب سريع ورفض قاطع كاد يزلزل المكان. رفع يده بحركة لا إرادية مدفوعة بمشاعره، ولمس جانب وجهها برفق شديد طمأن روعها، وقال بصوت حازم، قاطع، ودافئ في آنٍ واحد:
— "إياكِ تفكري في كده. مجرد تفكير. المعركة دي مفيهاش رجوع، ووجودك جنبي هو الحاجة الوحيدة اللي مخلية لـلمعركة دي طعم، ومخلية ليا هدف حقيقي أحارب عشانه بعد ما نخلص من العصابة دي. مفيش مخلوق هيقدر يكسرني طول ما إنتِ في أمان."
تراجعت حنين خطوة صغيرة للخلف، وقلبها يخفق كطائر حبيس، واكتفت بهزة رأس صامتة تحمل في طياتها ميثاقاً جديداً بينهما. انحنى ياسين والتقط الملف الأسود العريض من على الأرض، ونفض عنه غبار السنين، لتبدأ المرحلة الثانية من خطته: الهجوم المضاد.

في تمام الساعة الواحدة ظهراً، كان كل شيء في مكتب ياسين مرتباً بعناية مسرحية خارقة. جلس خلف مكتبه الضخم، وارتدى قناع "الوحش الجليدي" ببراعة يحسد عليها. على سطح المكتب الخشبي اللامع، لم يكن هناك سوى قلم حبر فاخر، ومستند واحد مكون من ثلاث صفحات مستخرج بعناية من الأرشيف السري.
طُرق الباب، ودخل رأفت .كان يرتدي بدلته الرمادية الأنيقة، ويمشي بخطوات واثقة مصطنعة، وابتسامة هادئة مرسومة بدقة على شفتيه، محاولاً إخفاء التوتر الذي ينهش روحه بعد فشل هجومه الرقمي في الليلة الماضية وسقوطه في الفخ السلوكي لياسين.
جلس رأفت في المقعد المقابل للمكتب، ووضع قدماً فوق الأخرى، وقال بنبرة أبوية مزيفة تقطر سماً:
— "خير يا ياسين يا ابني؟ سكرتيرتك بلغتني إنك طالبني بشكل عاجل لمراجعة شوية إجراءات إدارية. إحنا في وقت حرج والشركة محتاجة هدوء."
أرجع ياسين ظهره للخلف، ووضع يديه متشابكتين تحت ذقنه، وظل صامتاً لعدة ثوانٍ. كان الصمت بحد ذاته سلاحاً نفسياً مرعباً يجيده ياسين بامتياز لخلخلة حصون خصومه. كان يتفرس في وجه رأفت ببرود، يراقب قطرة عرق صغيرة بدأت تتشكل عند منبت شعره، ويلاحظ الرمشات السريعة والمضطربة لعينيه خلف النظارة الطبية.
أخيراً، تحدث ياسين بصوت منخفض، مستقر، ومفعم ببرود قاتل:
— "أهلاً رأفت بيه. منور المكتب. الشركة فعلاً محتاجة هدوء، خصوصاً بعد الليلة المرعبة اللي عشناها إمبارح. السيستم المالي بتاعنا تعرض لاختراق داخلي، زي ما إنت أكيد سمعت. هجوم فيروسي شرس كان هدفه يمسح ملفات إدانة معينة تخص شركة (الأفق) الوهمية."
حاول رأفت رسم علامات الدهشة على وجهه، وقال بنبرة مستنكرة تمثيلية:
— "معقولة؟ ده اختراق خطير جداً يا ياسين! ولازم نبلغ مباحث الإنترنت فوراً. الخاين ده لازم يتعرف ويتعاقب بأشد الطرق. مين اللي ممكن يتجرأ ويعمل كده من جوه الشركة؟"
ابتسم ياسين ابتسامة ذئبية باردة، ومال بجسده للأمام، وعيناه تضيقان كمن يصوب سلاحه نحو فريسته التي حوصرت:
— "الجاني كان فاكر إنه ذكي جداً يا رأفت بيه. قدر يمسح الـ IP بتاعه ويهرب، واستخدم باسورد شريف المحاسب عشان يلبسه التهمة. بس الغبي، وفي عز سرعته وارتباكه، ميعرفش إن السيستم الأمني الجديد لقط (بصمة سلوكية وتكتيكية) دقيقة جداً للي كان بيكتب الكود."
توقفت يد رأفت عن الحركة على مسند المقعد، وتصلب جسده بالكامل، لكنه حاول الحفاظ على نبرة صوته ثابتة:
— "بصمة سلوكية؟ يعني إيه؟"
أمسك ياسين بالقلم الحبر، وبدأ يدوره بين أصابعه ببطء مستفز:
— "يعني طريقة شغل.. نمط معين في نقل البيانات وتوزيع الأكواد البرمجية. طريقة معقدة جداً اسمها (السحب الهيدروليكي السويسري - Swiss Routing). دي طريقة ميعرفش يعملها مجرد هاكر عادي أو محاسب تقليدي زي شريف. دي طريقة مبيتقنهاش غير خبير مالي محنك، اشتغل في إدارة الأزمات وغسيل الأموال في بنوك جنيف القديمة لمدة طويلة.. خبير عارف خبايا السيرفرات الأوروبية أكتر من اسمه."
سقطت الكلمات كالصواعق على رأس رأفت. جف حلقه تماماً، وشعر بأن الأكسجين ينسحب من الغرفة. كان الوصف ينطبق عليه حرفياً وبشكل قاطع، ولم يكن هناك أي شخص آخر في مجلس إدارة إمبراطورية الحكيم يمتلك هذه الخلفية السويسرية الدقيقة سواه. أدرك أن ياسين لا يخمن، بل يعرف الحقيقة كاملة بالدليل السلوكي، ويلعب بأعصابه كالفأر في المصيدة.
حاول رأفت بلع ريقه، وعدل نظارته بيد ترتعش خفية، وقال بصوت متحشرج:
— "و.. وإنت شاكك في حد معين بالمواصفات دي يا ياسين؟"
لم يجبه ياسين بالكلمات، بل سحب المستند المستخرج من دفاتر الأرشيف المكون من ثلاث صفحات، ودق به على سطح المكتب لتسويته ببرود، ثم قذفه ليتزحلق ويستقر تماماً أمام رأفت:
— "بصفتك الشريك الأقدم، واللي كان ماسك ملف التعاملات الأوروبية من عشر سنين.. دي مستندات إخلاء مسؤولية، وتنازل قانوني كامل عن الإشراف، أو التدخل، أو حتى الاطلاع على أي حسابات سويسرية تخص مجموعة الحكيم من اللحظة دي. كإجراء احترازي عشان نقفل الثغرة دي ونقطع الطريق على الحوت الكبير. محتاج توقيعك هنا فوراً يا رأفت بيه."
نظر رأفت للمستندات وكأنها وثيقة إعدامه المالي. التوقيع على هذا الورق يعني تجريده تماماً من كل أسلحته ونفوذه، وقطع اتصاله بالحسابات التي يسرق منها، والأسوأ، أنه يعني اعترافاً ضمنياً ورضوخاً لاتهام ياسين المبطن. أما الرفض، فسيعني إعلان الحرب والمواجهة المباشرة التي قد تفتح عليه أبواب جهنم القضائية مبكراً.
رفع رأفت عينيه، وتلاقت بنظرات ياسين الصقرية التي لا ترحم. كان ياسين يقول له بلغة العيون: "لقد كشفتك، وأنا الآن أقص أجنحتك ببطء".
تناول رأفت القلم بيد ترتجف من الغضب والحقد المكتوم. تشنج فكه بقسوة، ووقع على الصفحات الثلاث بسرعة وعنف، ثم نهض من مكانه كالملسوع:
— "أتمنى إن الإجراءات التعسفية دي تكون فعلاً لمصلحة الشركة يا ياسين بيه. عن إذنك."
خرج رأفت من المكتب وعاصفة من الغل تحركه، ليتركه ياسين ينظر للباب بانتصار مؤقت، مدركاً أن الثعلب المجروح سيقوم بحركة يائسة وخطيرة عما قريب، لأن الوحوش عندما تحاصر.. تهاجم بأعنف ما لديها.

على خط موازٍ، وفي غرفة التحكم التقني المظلمة، كان مازن يضع سماعات ضخمة تعزل عنه العالم الخارجي، وعيناه تتحركان بسرعة جنونية مع السطور البرمجية الخضراء التي تنساب على الشاشة السوداء. كان يتتبع "البصمة السلوكية" التي خلفها رأفت بشراسة لا ترحم.
فجأة، توقفت أصابعه عن الضرب على لوحة المفاتيح. اتسعت عيناه بصدمة حقيقية حينما تمكن من فك التشفير الأخير للعقدة الوسيطة (Routing Node). البيانات لم تشر إلى حساب بنكي خاص برأفت كما كان متوقعاً، بل كشفت عن مسار اتصال سري ومؤمن للغاية، يربط حسابات رأفت بحساب وهمي غامض في جزر البهاما، يحمل اسماً حركياً واحداً: (The Leviathan - الطاغوت).
أدرك مازن الكارثة فوراً؛ رأفت ليس هو الرأس المدبرة الكاملة للمؤامرة. رأفت مجرد ذراع، مجرد واجهة تنفيذية داخلية محترفة، لكن هناك شخصية أخرى مخفية، حوت أكبر وأخطر، هو من يمول هذه العمليات ويدير رأفت نفسه من الظلام.
قفز مازن من مقعده، وسحب نسخة من البيانات على محرك أقراص صغير (Flash Drive)، وخرج مسرعاً من غرفة السيرفرات متوجهاً لإبلاغ ياسين بهذا التطور الخطير. لكن، وأثناء مروره السريع بـ "الكافتيريا" المخصصة للإدارة العليا في الطابق العشرين، توقف فجأة وكأن قدميه تسمرتا في الأرض.
كانت حنان تقف هناك بمفردها. كانت تولي ظهرها للباب، تعانق ذراعيها، وتنظر عبر النافذة الزجاجية إلى الغيوم السوداء الكثيفة التي بدأت تتجمع في سماء القاهرة منذرة بعاصفة قوية كالمصائب المتلاحقة. كانت تبدو هشة، قلقة، وتعبث بحبات مسبحتها الصغيرة بسرعة تنم عن توتر شديد يأكل أعصابها.
لم يستطع مازن تجاوزها والمضي قدماً. دخل الكافتيريا بخطوات هادئة، واقترب منها لتشعر بوجوده:
— "حنان؟ بتعملي إيه هنا لوحدك؟"
التفتت حنان بسرعة، وبمجرد أن رأت وجهه، تنهدت براحة انبعثت من أعماقها، لكن القلق لم يغادر عينيها الواسعتين. تقدمت نحوه خطوة وقالت بلكنتها العفوية المرتجفة:
— "أستاذ مازن! الحمد لله كي شفتك. واش راهو صاري في هاد الشركة اليوم؟ أنا راني حاسة باللي كاين مصيبة راح تطيح على روسنا. الموظفين كامل راهم خايفين ويهدروا بشويه، وأختي حنين وياسين بيه حابسين روحهم في المكتب ووجوههم ما تبشرش بالخير. قولي الصح.. كاين خطر علينا؟"
في تلك اللحظة، قرر مازن التخلي تماماً عن قناع الشاب المستهتر، خفيف الظل، وصاحب النكات الدائمة الذي يواجه به العالم. نظر إليها بعينين دافتّين، جادتين، ومحملتين برجولة ومسؤولية حقيقية لم تعهدها فيه من قبل. اقترب منها حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة ومثيرة للطمأنينة، وقال بصوت منخفض، هادئ:
— "حنان.. أنا مش هكذب عليكي. الموضوع كبر، وإحنا بنواجه عصابة تقيلة ومحترفة. بس أنا عاوزك تطمني تماماً. أنا مش مجرد مبرمج أو مهندس آي تي شغال عند ياسين.. أنا صاحبه، ودرعه، وحارسه الشخصي في كل المعارك اللي خاضها وقبل كل ده انا اخوه . شغلي ووظيفتي في الدنيا دي إني أحميه وأحمي ضهره."
صمت لثانية، ونظر لعمق عينيها العسليتين اللامعتين اللتين خطفتا قلبه، وأكمل بنبرة رجولية جعلت قلبها يرتجف:
— "ومن النهارده.. ومن اللحظة اللي شفتك فيها في المطار.. شغلي، ومسؤوليتي، وحياتي كلها، بقوا متمحورين حوالين حمايتك إنتِ وأختك. مفيش مخلوق على وجه الأرض هيقدر يمس شعرة منكم طول ما أنا بتنفس في الدنيا دي. مفهوم؟"
نظرت إليه حنان بصدمة، وتسمرت في مكانها والكلمات تاهت من لسانها. لأول مرة تراه على حقيقته؛ رجلاً شجاعاً، صلباً، ومستعداً للوقوف في وجه الرصاص من أجل من يحب. شعرت بوخزة حقيقية، عميقة ومؤلمة في قلبها؛ لم يعد الخوف الذي يسكنها خوفاً على نفسها أو على حنين، بل تحول فجأة وبعنف إلى خوف جارف وساحق عليه هو بالذات خشية أن يصيبه مكروه.
رفعت يدها المرتجفة قليلاً، وكادت تلمس ذراعه لتستمد الثبات لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة حياءً، وقالت بصوت خفيض ممتلئ بالمشاعر الصادقة:
— "والله راني خايفة عليك يا مازن.. أرجوك، رد بالك على روحك مليح. ما تتهورش وتدير حاجة تضرك. إنت.. إنت ثان غالي علينا بزاف، وما نرضاوش يمسك سوء بسبابنا."
ابتسم مازن ابتسامة نبعت من أعماق قلبه، وشعر بنشوة حقيقية لأن كلماتها العفوية وخوفها الواضح عليه أكدا له أن مشاعره ولدت لتعيش، وأن هذه الفتاة الجزائرية المشاكسة قد سلمته مفاتيح قلبها في صمت الحصار:
— "طول ما إنتِ بتدعيلي دعوتين حلوين باللكنة اللي بتخطف قلبي دي.. أنا هبقى زي الفل. ارجعي الفيلا دلوقتي مع الحرس، وماتخرجيش منها خالص لحد ما أكلمك."
ودعها مازن بنظرة طويلة مليئة بالعهود، ثم استدار وانطلق كالسهم نحو مكتب ياسين ليزف له الأخبار ، غير مدرك أن العاصفة الحقيقية على وشك الانفجار المدوّي.
خرج رأفت من مكتب ياسين، وكان وجهه شاحباً كالموتى، وقطرات العرق البارد تتصبب من جبينه رغم برودة التكييف المركزي المكثفة. كان يتنفس بصعوبة، وخطواته سريعة، مضطربة، ومحملة برعب حقيقي من النهاية التي باتت تطرق بابه بشدة.
تجاوز المصاعد الرئيسية كي لا يراه أحد، وتحرك نحو مخرج الطوارئ المعزول في نهاية الممر الغربي، حيث تنعدم الكاميرات وتغيب حركة الموظفين تماماً. دفع الباب المعدني الثقيل، ووقف في بئر السلم الإسمنتي المظلم. أخرج من جيبه الداخلي هاتفاً صغيراً، قديماً جداً (غير ذكي)، ولا يتصل بالإنترنت، وهو الجهاز الوحيد الذي يستخدمه للتواصل المباشر مع "الحوت الأكبر" هرباً من المراقبة والتعقب التقني.
ضغط على زر الاتصال السريع بيد ترتعش بعنف، ووضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد والأنفاس تكاد تخنقه.
وفي نفس اللحظة بالذات، داخل مكتب ياسين...
كان مازن قد وصل لتوه وأطلع ياسين على اكتشاف حساب (الطاغوت). وفجأة، أضاء ضوء أحمر صغير في جهاز استقبال لاسلكي مخفي في مكتب ياسين.
أشار مازن لياسين بسرعة قصوى، وارتدى سماعاته، بينما قام بتشغيل مكبر الصوت الداخلي بلمسة محترفة. كان مازن، بعبقريته المعتادة، قد زرع أجهزة تنصت تماثلية (Analog) قديمة جداً تعتمد على موجات الراديو البسيطة في ممرات الطوارئ ومكتب رأفت قبل أسابيع، تحسباً لمثل هذه اللحظة التي يستخدم فيها رأفت الهواتف التقليدية هرباً من المراقبة الرقمية.
تداخلت الأصوات، وصدر تشويش مزعج للحظات، ثم استقر الخط، ليملأ صوت رأفت اللاهث والمرعوب أرجاء الغرفة المغلقة:
— "ألو.. الحقني! الكارثة وقعت.. ياسين الحكيم كشف كل حاجة! عرف بموضوع البصمة السلوكية، وعرف إن السحب تم بطريقة سويسرية! حطني في الزاوية وخلاني أمضي على ورق تنازل وإخلاء مسؤولية كامل عن الحسابات والمراقبة. الفخ بيتقفل عليا، والولد ده مش هيسكت لحد ما يوديني السجن! هنعمل إيه؟"
ساد صمت ثقيل، خانق، ومرعب عبر السماعات لعدة ثوانٍ بدت كالجمر. كان ياسين، ومازن، وحتى حنين التي وقفت متصلبة في مكانها، يحبسون أنفاسهم، ينتظرون سماع صوت الرأس المدبرة القابع في الظل.
ثم جاء الصوت.
كان صوتاً مخيفاً، مشوهاً تقنياً عبر جهاز تعديل الترددات، ليخرج كحيصية معدنية باردة لا تحمل أي ملامح أو مشاعر بشرية، لكن نبرته كانت تقطر بروداً، قسوة، ووحشية لا تعرف الرحمة:
— "أنت غبي يا رأفت.. مجرد أداة غبية انتهت صلاحيتها. غرورك، وطمعك، وثقتك الزائدة في قدراتك القديمة هي اللي وصلتك لهنا. ياسين الحكيم افتكر إنه كسب الجولة لما أخد توقيعك.. لكنه بجهله، فتح على نفسه أبواب الجحيم. اِسمعني كويس، ونفذ اللي هقوله بالحرف الواحد لأن دي فرصتك الأخيرة للنجاة: الليلة دي.. لازم تتخلص من كل الأدلة المادية والورقية اللي في الأرشيف السفلي نهائياً. احرق الأرشيف عن بكرة أبيه. المعركة دي مفيهاش تراجع ولا قضايا اختلاس تاني.. الموضوع بقى حياة أو موت. احرق الورق، واحرق معاه أي حد يقف في طريقك الليلة. اِخلص من البنت الجزائرية اللي بتساعده دي بأي تمن.. واِكسر دراع ياسين الحكيم للأبد. التنفيذ الليلة، ورجالتي هيكونوا تحت أمرك. مفهوم؟"
انقطع الخط فجأة، تاركاً خلفه طنيناً مرعباً كصوت الموت في الآذان.
تسمر مازن في مكانه، وشحب وجهه تماماً من هول ما سمع. بينما نظرت حنين إلى ياسين بعينين متسعتين من أثر الصدمة؛ لقد سمعت للتو أمر تصفيتها واغتيالها وإحراقها يصدر علناً بأذنيها.
أما ياسين، فقد تحول وجهه في أجزاء من الثانية إلى كتلة من الغضب القاتل، المظلم، والمرعب. برزت عروق رقبته بغضب وحشي، وضغط بكفيه على حافة الطاولة الزجاجية بقوة هائلة حتى كادت تتحطم وتتحول لشظايا تحت أصابعه الحديدية. لقد علم يقيناً أن اللعبة تحولت رسمياً من صراع مكاتب، وأموال، وذكاء تقني.. إلى حرب شوارع دموية ومعركة بقاء طاحنة.

لم يضيع ياسين ثانية واحدة في التفكير. تحول في كسر من الثانية إلى وضع القتال الغريزي لحماية أرضه وعرضه. التفت إلى مازن، وأصدر أوامره بصوت كالرعد، قاطع وحاسم كـ نصل السيف القاطع:
— "مازن! كلم رئيس الحرس فوراً. تشديد الحراسة على الفيلا لأقصى درجة ممكنة. حنان مش هتتحرك من هناك، ومفيش مخلوق يدخل من البوابة مهما كان منصبه. زود التسليح بره."
ثم التفت نحو حنين، واقترب منها بخطوات واسعة اختصرت الغرفة، وقال بنبرة قاطعة لا تقبل أي نقاش أو جدال:
— "وحنين.. مش هتخرجي من باب المكتب ده الليلة. نزولك للشارع أو محاولة رجوعك للفيلا دلوقتي انتحار صريح. العصابة دي هتنفذ الهجوم الليلة جوه المبنى هنا لإنهم عارفين إننا بنجمع الأدلة. إنتِ هتفضلي تحت عيني هنا."
مرت الساعات التالية كأنها أثقال من الرصاص الجاثم على الصدور. حل الليل سريعاً فوق سماء القاهرة، ومع حلول الساعة العاشرة مساءً، تلبدت السماء بغيوم سوداء كثيفة ومرعبة، واندلعت عاصفة رعدية ومطرية عنيفة للغاية، وكأن الطبيعة نفسها تتناغم مع الغضب المشتعل داخل البرج. كانت حبات المطر الغزير تضرب الزجاج العملاق للمكتب بقوة قاسية محدثة صوتاً مخيفاً، بينما كان البرق يضيء السماء في لمحات متقطعة تلقي بظلال مرعبة كالأشباح داخل الغرفة المظلمة.
بسبب العاصفة الشديدة، والرياح العاتية، بدأت إضاءة الشركة تترنح وتتذبذب بضعف. أجهزة التكييف المركزية أصدرت صوتاً ميكانيكياً غريباً ثم توقفت تماماً ليحل صمت ثقيل. والأنظمة التقنية على شاشة مازن بدأت تعطي إنذارات حمراء متتالية تفيد بانهيار وضعف شبكة الاتصالات الخارجية.
كانت حنين تقف بجوار مكتب ياسين، تضم ذراعيها إلى صدرها بقوة تحمي بها رجفتها الخفية، وتنظر للعاصفة في الخارج برعب مكتوم. بينما كان ياسين يقف عند النافذة الكبيرة، كـ تمثال صلب من الجرانيت، عيناه الصقريتان تراقبان الشارع الخلفي للمبنى بالأسفل من خلال قطرات المطر المنهمرة بغزارة.
فجأة، وبدون أي سابق إنذار، انقطعت الكهرباء بالكامل عن البرج بأسره.
غرقت الغرفة، والممرات، والمكاتب في ظلام دامس وقاتم، لا يضيئه سوى ومضات البرق الخارجي الخاطفة بين الحين والآخر. وبعد ثوانٍ قليلة، انطلق نظام إضاءة الطوارئ الخافت والضعيف، لتغمر الممرات بلون أحمر شاحب ومرعب، أشبه بأضواء غرف التحميض أو المستشفيات المهجورة المجهزة للرعب.
أضاءت شاشة هاتف ياسين فجأة؛ كان مازن يحاول الاتصال من غرفة السيرفرات السفلية، لكن الخط كان يتقطع، ويشوش بشدة بسبب العاصفة، وبسبب هجوم تشويش تقني متزامن لقطع الاتصالات الداخلية تماماً:
— "ياسين!.. سامعني؟ السيستـ..ـم وقع بالكامل! الكاميرات.. اتعمت! الحراسة اللي بره.. على البوابات.. مش بترد على اللاسلكي! في اخترا..ـاق مادي للمبنى.. رجالـ.."
انقطع الاتصال تماماً، وتحولت الشاشة إلى اللون الأسود الميت.
في تلك اللحظة الحاسمة، لمع ضوء برق قوي وصاعق في الخارج، ليضيء الشارع الخلفي للفندق المحيط بالبرج. ومن خلال الزجاج، وفي هذا الضوء الخاطف، لمح ياسين ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء ضخمة، بدون لوحات معدنية، تقتحم البوابة الخلفية الحديدية للبرج بسلاسة تامة، وبدون أدنى مقاومة من أمن البوابة الخارجية الذي تم شراؤه!
توقفت السيارات بعنف، وهبط منها مجموعة من الرجال ضخام البنية، يرتدون ملابس تكتيكية سوداء بالكامل وأقنعة تخفي وجوههم، ويحملون معدات ثقيلة وأسلحة أوتوماتيكية، وبدأوا يتحركون بسرعة واحترافية مرعبة نحو المداخل السفلية للمبنى.
التفت ياسين نحو حنين في هذا الظلام الأحمر. لم يكن هناك أي وقت للذعر أو التراجع. أدرك   أن الخيانة قد تغلغلت في عظام البرج، وأن أمن المبنى نفسه قد تم شحن ذممه وتواطأ مع رأفت ورجال الحوت. أدرك أنهم الآن معزولون، ومحاصرون تماماً في الطابق الخامس والعشرين، والعاصفة بالخارج تعزلهم عن أي مساعدة من العالم الخارجي.
تحرك ياسين بسرعة البرق واقترب من حنين. لمس ذراعيها في العتمة، وأمسك بكتفيها بقوة وثبات هز رعبها واقتلعه من الجذور. نظر في عينيها الواسعتين اللامعتين بالخوف في الظلام، وقال بصوت منخفض جداً، حاد كشفرة السكين، ومليء بتحدٍ قاتل وعنيف لا يعرف التراجع:
— "الفخ انقفل علينا يا حنين.. الخاين فتح لهم الأبواب بره. إحنا محاصرين. بس اِسمعيني كويس، وركزي في عيني.. طول ما أنا فيا نفس بتنفسه، وطول ما قلبي ده بيدق.. مفيش مخلوق هيقدر يلمس شعرة منك."
أومأت حنين برأسها وهي ترتعد برعب، لكنها استمدت من صلابة كفيه وثبات نظراته قوة خفية جعلتها تقف شامخة بجانبه.
أخرج ياسين سلاحه الناري الشخصي الأسود الثقيل من خزنته السرية أسفل المكتب، وسحبه ليجهزه بصوت معدني بارد وقاسٍ قطع سكون الغرفة، ثم سحب حنين بحركة رشيقة خلف ظهره العريض ليجعل من جسده حائط صد وحماية لها.
في الخارج، ووسط صمت الطابق المعتم المضاء باللون الأحمر الخافت المريب.. بدأت حنين تسمع بوضوح صوت صرير باب الطوارئ المعدني الثقيل في نهاية الممر وهو يُفتح ببطء شديد.. يليه صوت خطوات أحذية عسكرية ثقيلة، محسوبة، وبطيئة، تبدأ في صعود الدرج الأخير والتقدم بخطى الموت نحو مكتبهم المغلق.
*

بعد دقيقة واحدة بالضبط .. انفجر باب المكتب الرئيسي بعنف تحت ضربات قوية، واقتحم أربعة رجال بملابس تكتيكية سوداء الغرفة، أسلحتهم مصوبة في كل زاوية، وأقنعتهم تمنحهم مظهراً وحشياً.

— "المكان فاضي!" صرخ أحدهم وهو يمسح المكتب بعينيه الحادتين.
تفرق الرجال في المكتب، قلبوا الكراسي، تحسسوا الجدران، وفتحوا الأدراج بعنف، لكن المكتب كان يبدو وكأنه مهجور منذ ساعات. لم يجدوا أي أثر لياسين أو حنين.

— "مستحيل!" قال زعيم المجموعة بضيق، وضرب المكتب بقبضته. "كانوا هنا قبل ثوانٍ.. اختفوا في الهواء!"

في زاوية مظلمة ومعزولة تماماً خلف الجدار، كان ياسين وحنين يقفان في "الغرفة السرية". كانت غرفة صغيرة مبنية من الخرسانة المسلحة، تحتوي على شاشات مراقبة حرارية للمبنى بالكامل، وجهاز اتصال مشفر، وسلاح احتياطي.
كانت حنين تضع يدها على قلبها، تحاول كتم أنفاسها، بينما كان ياسين يراقبهم من خلال شاشات المراقبة الحرارية ببرود تام. رأى الرجال وهم يبحثون عنهم في  المكتب محبطين، وبدأ يوجه نظره لمازن الذي كان لا يزال يقاوم في السيرفرات السفلية.

التفت ياسين إلى حنين في العتمة، وأمسك وجهها بين كفيه، وقال بصوت خافت جداً مليء بالحزم:
— "دلوقتي.. عرفتي ليه ياسين الحكيم مبيخسرش؟ لأني دايماً بكون متوقع إن الضلمة هتدخل مكتبي.. ومجهز نفسي إني أسيبها فاضية للأشباح."

ابتسمت حنين رغم خوفها، وشعرت أن هذا الرجل الذي أمامها هو حصنها المنيع الذي لن يخذلها أبداً، وتذكرت بامتنان كيف أنقذها في آخر لحظة..
[الفلاش باك]*
لم يرتجف ياسين. سحب حنين بسرعة نحو خزانة الكتب الضخمة خلف مكتبه. لم تكن مجرد خزانة، بل كانت بوابة حصينة. وضع يده على لوحة رقمية مخفية تماماً خلف أحد المجلدات الجلدية العتيقة، ضغط ببصمة إبهامه، ثم اقترب من مستشعر صوتي صغير جداً:
— "الرمز: ظلُّ الحكيم - تفعيل المسار صفر."

بصوت معدني خافت، تحركت الخزانة للخلف وانزلقت جانبياً لتكشف عن ممر مظلم ومعزول. دفع حنين للداخل ودخل خلفها، ثم ضغط على زر الإغلاق ليختفي الأثر تماماً، تماماً كما لو أن الجدار لم يفتح قط.
[عودة ]

ساد الصمت، ولم يقطعه إلا صوت العاصفة المكتوم في الخارج،و قد  بدأ ياسين في الاستعداد لخطوته القادمة.. فالمعركة لم تنتهِ، بل كانت قد بدأت للتو... ورائحة البارود على وشك أن تملأ المكان.

                 الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>