رواية عذبة النخيل الفصل الثاني عشر12 بقلم حنان أحمد ماهر

رواية عذبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر 
رواية عذبة النخيل الفصل الثاني عشر12 بقلم حنان أحمد ماهر 

ارتبكت همس، وشعرت أن الكلمات اختفت من فوق لسانها.
حدقت في الحاجة أمينة طويلًا، ثم همست بصوت مرتجف:
ـ أنا... أتجوز فارس بيه؟!
أومأت الحاجة أمينة بهدوء، وربتت على يدها قائلة:
ـ أيوه يا بنتي... اسمعيني للآخر الأول بعد كده قولى رايك.
جلست همس على طرف الفراش، وما زالت الصدمة مرسومة على وجهها.
تنهدت الحاجة أمينة، ثم قالت بصوت هادئ:
ـ فارس دخل المكتب، وقال قدامى وقدام جده إنه عايز يتجوزك... ولما سألناه إذا كان ده شفقة ولا مجرد إحساس مؤقت على شان يحميكى من الناس اللي بدور عليكى، قال إنه بيحبك... وبيحبك من قلبه.
اتسعت عينا همس أكثر، وشعرت بأن قلبها بدأ يخفق بعنف.
خفضت رأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة سرعان ما اختفت، ثم قالت بخفوت:
ـ بس... أنا مينفعش.
عقدت الحاجة أمينة حاجبيها.
ـ وليه مينفعش ياضنايا؟
تنهدت همس، وقالت وعيناها تمتلئان بالدموع:
ـ عشان عمى مش هيسبنى فى حالى... وممكن فى أى لحظة يعرف مكانى. وأنا مش عايزة أكون سبب فى أذى ليه... ولا للعيلة كلها.
ابتسمت الحاجة أمينة بحنان، وقالت:
ـ دى أول حاجة فكرتى فيها؟... سلامة فارس؟
احمر وجه همس، وأطرقت برأسها فى خجل، ولم تجب.
فابتسمت الحاجة أمينة أكثر، وقالت:
ـ يبقى قلبك سبق لسانك يا بنتى وقال اللى جواته.
ساد صمت قصير...
ثم أمسكت الحاجة أمينة بكفى همس بين يديها وقالت:
ـ بصى يا همس... أنا مش هضغط عليكى، ولا هاجبرك على قرار. الجواز عمره ما ينفع يبقى بالإجبار.
تنهدت، ثم أكملت:
ـ لكن اللى أقدر أقولهولك... إن فارس عمره ما طلب منى حاجة بالطريقة دى. أول مرة أشوفه بيتكلم عن بنت وملهوف عليها.
رفعت همس رأسها ببطء، وقد لمعت عيناها بالدموع.
قالت بصوت مكسور:
ـ هو يستاهل واحدة أحسن منى بكتير... واحدة حياتها هادية... مش واحدة كل حياتها مشاكل.
هزت الحاجة أمينة رأسها نافية، ثم قالت بحزم ممزوج بالحنان:
ـ لا يا بنتى... الإنسان مش بيتقاس بالماضى اللى اتفرض عليه. إنتِ ملكيش ذنب فى أى حاجة حصلتلك.وده قدر ربنا.
ثم ابتسمت وأضافت:
ـ وأنا طول عمرى أعرف حفيدى... لو مكانش بيحبك، كان مستحيل يفكر فى الجواز أصلًا.
ظلت همس صامتة للحظات، ثم همست بخجل شديد:
ـ وأنا... مش هكدب عليكى.
تعلقت عينا الحاجة أمينة بها فى اهتمام.
ابتلعت همس ريقها، وقالت بصوت يكاد لا يُسمع:
ـ فارس... أول واحد خلانى أحس بالأمان بعد سنين خوف... وأول مرة أحس إن فيه حد بيخاف عليا بجد.
وسقطت دمعة من عينها، ثم أكملت:
ـ بس... أنا خايفة.
سألتها الحاجة أمينة برفق:
ـ من إيه يا بنتى؟
أجابت همس وهى تشبك أصابعها فى توتر:
ـ خايفة أخسره... وخايفة بسببي حد يأذيه...عز لو عرف مكانى، مش هيسيبنا فى حالنا.
احتضنتها الحاجة أمينة مرة أخرى، وقالت بثقة:
ـ طول ما عبد المجيد الدمنهورى وحفيده موجودين... محدش هيقدر يقربلك بإذن الله.
ثم ابتعدت عنها قليلًا، ومسحت دموعها، وقالت بابتسامة:
ـ متستعجليش فى الرد... فكرى براحتك، وصلى استخارة، والقرار فى الآخر هيكون قرارك إنتِ.
أومأت همس برأسها فى امتنان.
ـ حاضر...ربنا يقدم اللى فيه الخير.
ربتت الحاجة أمينة على كتفها، ثم اتجهت نحو الباب، وقبل أن تخرج التفتت إليها وقالت بابتسامة ماكرة:
ـ على فكرة... من ساعة ما جيتى السرايا، وأنا شايفة نظراتكم لبعض.
شهقت همس بخجل، وأسرعت تهز رأسها نافية:
ـ لا... حضرتك فاهمة غلط.
ضحكت الحاجة أمينة بخفة، وقالت:
ـ أنا شبتى دى مش من فراغ يابتى ؟...ياله اسيبك ترتاحى تصبحى على خير 
اتسعت عينا همس فى خجل، واحمر وجهها بشدة، بينما ضحكت الحاجة أمينة بخفة وخرجت من الغرفة، تاركة همس وحدها... تضع يدها فوق قلبها الذى لم يعد يعرف كيف يهدأ، بعد أن سمعت لأول مرة اعترافًا بحبٍ لم تكن تتخيل أنه يسكن قلب فارس بهذه القوة.

في الجهة الأخرى...
كان حمزة قد أنهى شراء كل ما يلزم لتجهيز شقة الزوجية.
وقف في أحد محال الأثاث يتفقد آخر قطعة، ثم ابتسم وهو يتخيل فرحة آيات عندما ترى البيت الذي سيجمعهما سويآ.
قال لصاحب المحل بابتسامة: ـ تمام... حمّلوا كل حاجة على عربية النقل، وأنا هسبقكم على البيت.
بدأ العمال في تحميل الأثاث بعناية على سيارة النقل؛ غرفة النوم، والصالون، والأجهزة، وكل ما اختاره وهو يحلم بيوم زفافه.
وأثناء سيره خلف سيارة النقل، أخرج هاتفه واتصل أكثر من مرة، وضغط على اسم آيات.
رن الهاتف...
لكن لم يأتِ أي رد.
عقد حاجبيه في قلق وهمس: ـ غريبة... ليه مبتردش؟
أعاد الاتصال مرة ثانية...
وفي كل مرة كان الهاتف يرن دون إجابة.
تنهد وهو يحاول طرد القلق من قلبه، وقال لنفسه: ـ أكيد مشغولة مع أمها... أول ما تفضى اكيد هتكلمنى .
وبعد وقت...
وصلت سيارة النقل أمام منزلهم.
ما إن رأت امه. الأثاث حتى خرجت مسرعة إلى الشارع، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، وأخذت تزغرد بصوتٍ عالٍ وهي تقول بفرحة:
ـ الله أكبر... اللهم بارك... ربنا يتمم بخير يا ولدى!
تجمع بعض الجيران يباركون لهم، بينما أخذ العمال ينزلون الأثاث قطعةً تلو الأخرى.
وكان حمزة يشرف بنفسه على كل شيء، يوصيهم بحرص:
ـ بالراحة يا رجالة... أوعوا تخبطوا حاجة... دى هتبقى حاجة العمر.
وبعد أن أُنزلت جميع القطع، بدأ العمال في حملها إلى الشقة الجديدة، بينما كان حمزة يرتب مكان كل قطعة بنفسه.
وقفت امه تتأمل الشقة وعيناها تلمعان بالدموع، ثم قالت وهي تدعو له:
ـ ربنا يفرح قلبك يا ضنايا... ويجمعك بعروستك على خير، ويكتبلكم السعادة يارب.
ابتسم حمزة، وقبّل رأس أمه قائلًا:
ـ دعواتك يا أمى ورضاكى... هى أهم حاجة عندى....ربنا يخليكي لينا ياست الحبايب
ثم نظر إلى الشقة مرة أخيرة، وقال:
ـ أنا هخرج دلوقتى أقابل عم سيد النقاش، عشان نتفق على تشطيب الشقة ونبدأ الشغل من بكرة إن شاء الله.
أومأت الحاجة زينب برضا، وقالت:
ـ روح يا ولدى... وربنا ييسرلك الحال ياحبيبي.
خرج حمزة من البيت بخطوات سريعة، لكنه قبل أن يركب سيارته، أخرج هاتفه مرة أخرى، واتصل بآيات للمرة الذى لا يعلم عددها...
ظل الهاتف يرن...لكنها أيضًا لم تُجب.
هنا تسلل القلق إلى قلبه من جديد، وشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي، دون أن يدري أن آيات في تلك اللحظة كانت تبكي في غرفتها، وجسدها لا يزال يحمل آثار قسوة والدها.
كانت آثار الصفعات لا تزال واضحة على خدها، وذراعها يؤلمها من شدة قسوة والدها، لكن الألم الحقيقي كان في قلبها.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها، وهمست بين دموعها:
ـ يا رب... أنا ذنبى إيه؟... أنا كل اللى عملته إنى حبيت واحد محترم طلبنى فى الحلال.
رن الهاتف مرة أخرى...
التفتت إليه بسرعة، فإذا باسم حمزة يضيء شاشة الهاتف.
ارتجفت أناملها، ومدت يدها نحوه، لكنها سحبتها قبل أن تلمسه.أغمضت عينيها وهي تبكي.
ـ لو رديت... هيعرف من صوتى إنى تعبانة... ولو حكيتله، أكيد هييجى هنا... وساعتها بابا ممكن يعمل فيه حاجة.
رن الهاتف حتى انقطع.
نظرت إلى الشاشة بعد أن انطفأت، ثم احتضنت الهاتف إلى صدرها، وانفجرت بالبكاء.
كانت والدتها تقف أمام باب الغرفة، تسمع بكاء ابنتها، بينما الدموع تملأ عينيها.قربت منها بحزن.
ـ سامحينى يا بنتى... والله نفسى أحميكى... بس أبوكى مبيعرفش الرحمه وبيسمعش غير اللى فى دماغه.
ثم مسحت دموعها وابتعدت فى صمت وهى تتمتم ربنا يريح بالك يابتى.

أما عند حمزة...فقد وصل إلى ورشة عم سيد النقاش.
كان الرجل يقف يتابع العمال، وما إن رآه حتى ابتسم وقال:
ـ أهلًا بالعريس... جهزت الدنيا ولا لسه؟
ابتسم حمزة ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
ـ الحمد لله... ناقص التشطيب بس، وعايز أبدأ من بكرة.
جلس الاثنان يتحدثان فى تفاصيل العمل، لكن عقل حمزة كان فى مكان آخر.
كل دقيقة تقريبًا كان ينظر إلى هاتفه.حتى لاحظ عم سيد شروده، فسأله:
ـ مالك يا ولدى؟ فيك حاجه الجماعة كويسين.
تنهد حمزة قالا:
ـ كلنا بخير يا راجل ياطيب.على العموم أنا هسيبك دلوك وهستناك بكره من بدرى تجيب الرجاله وتبدأ شغل.
هز عن سيد بطاعة. إن شاء الله ياولدى. وربنا يتمملك على خير 
وفي الجهة الأخرى...
كان والد آيات يجلس فى الصالة، يشرب الشاي فى هدوء وكأن شيئًا لم يكن.
ثم نادى بصوتٍ عالٍ:
ـ انتى يابت آيات... انزلى تعالى هنا.
مسحت آيات دموعها بسرعة، وعدلت حجابها حتى تخفى آثار البكاء، ثم خرجت بخطوات مترددة.
نظر إليها والدها بصرامة وقال:
ـ من النهارده... مفيش خروج من البيت لوحدك... ومفيش تليفون.
مد يده إليها.
ـ هاتى المحمول ده.
تجمدت آيات فى مكانها، واحتضنت الهاتف دون شعور.
فارتفع صوته:
ـ بقولك هاتى المحمول اخلصى!
ارتجفت، ثم مدت يدها ببطء، وسلمته الهاتف.
أخذه منها، وأغلقه، ثم وضعه فى جيبه وقال بلهجة لا تقبل النقاش:
ـ وانسى إن فيه واحد اسمه حمزة... الموضوع ده انتهى.
خفضت آيات رأسها، وانهمرت دموعها فى صمت.
أما فى قلبها...
فكانت تتمسك بأملٍ واحد...
أن حمزه مستحيل يتخلى عنها مهما طال الطريق.

عند حمزه بعد أن خرج من الورشة عن سيد وهو يسير ببطء، وعيناه معلقتان بشاشة هاتفه والقلق بدأ ينهش فى قلبه.
تنهد بضيق وهو يتمتم: ـ معقول كده... كمان قفلتى التليفون يا آيات... يا رب تكون بخير.
وفجأة...انطلق صوت كلاكس سيارة من خلفه أكثر من مرة.
التفت حمزة، فرأى سيارة فارس السوداء تتوقف إلى جواره، وانخفض زجاج النافذة، ليطل فارس وهو يقول بابتسامة خفيفة:
ـ إيه يا عريس...ماشى سرحان كده ليه .....ايه ياخوى هتفضل تبصلى كده كتير ولا تركب؟
ابتسم حمزة ابتسامة باهتة، ثم فتح الباب وركب إلى جواره.
تحرك فارس بالسيارة، ولاحظ بعد دقائق أن صديقه يجلس صامتًا على غير عادته، ينظر من النافذة بشرود.
رمقه بنظرة جانبية وقال:
ـ مالك يا حمزة؟... شكلك متغير. فى حاجة حصلت معاك ولا ايه؟
تنهد حمزة، ثم مرر يده فى شعره بضيق وقال:
ـ مش عارف... قلبى مش مطمن.
عقد فارس حاجبيه.
ـ ليه؟ حصل إيه؟
تنهد حمزة بضيق ثم قال:
ـ من الصبح وأنا بتصل بآيات... ومفيش مرة ردت عليا. قلت يمكن مشغولة... لكن لحد دلوقتى مفيش حتى رسالة.بس اللى قلقنى اكتر أنها قفلت تليفونها.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم أكمل بنبرة قلقة:
ـ أول مرة تعملها... وآخر مرة شوفتها كانت فرحانة، وفجأة اختفت كده. مش عارف ليه حاسس إن فيه حاجة حصلت معاها.
ظل فارس صامتًا يفكر للحظات، ثم قال بهدوء:
ـ وإنت كلمت حد من أهلها؟
هز حمزة رأسه نافيًا.
ـ لا... قلت بلاش على شان ميحصلش مشكلة مع أبوها... بس والله قلبى واجعنى يافارس وحاسس أن فيه حاجه.
قلبى وكلنى عليها اوى ياخوى.
نظر إليه فارس نظرة ثابتة، وقال:
ـ بص يا حمزة... ساعات إحساس قلوبنا بيكون صح، وساعات بيكون مجرد خوف على الفاضي. لكن فى الحالتين، مينفعش تفضل واقف مكانك.
التفت إليه حمزة بسرعة.
ـ يعنى أعمل إيه؟
قال فارس بحزم:
ـ نستنى لحد بليل، ولو برضه مفيش أى رد... الصبح نروح بيتهم بحجة إننا بنحدد ميعاد كتب الكتاب أو نتفق على حاجة تخص الجواز. ساعتها هنعرف إذا كان فيه حاجة ولا لا، من غير ما نعمل مشكلة.
أومأ حمزة وهو يزفر ببطء.
ـ عندك حق... بس والله يا فارس، أنا حاسس إنها محتاجة ليا.
ربت فارس على كتفه وقال بثقة:
ـ ولو هى فعلًا محتاجاك... مش هتكون لوحدها. أنا معاك للآخر.
ابتسم حمزة ابتسامة امتنان، بينما واصل فارس قيادة السيارة.
بعد مده ودع فارس حمزة، وانطلقت سيارته تشق الطريق نحو السرايا، لكن كلمات صديقه ظلت تتردد في رأسه. كان يشعر أن الأيام المقبلة تخبئ لهم الكثير.
وبعد دقائق...
وصل فارس بسيارته  أمام بوابة السرايا.
ترجل منها، وأغلق الباب خلفه، ثم همَّ بالدخول...
لكن خطواته توقفت فجأة.
عندما رفع عينيه نحو الحديقة الممتدة بجوار الإسطبل...
فرآها.
كانت همس تسير بخطوات هادئة في طريقها إلى الإسطبل، ترتدي فستانًا طويلًا بلون الورد الهادئ، ينسدل برقة حولها، بينما تركت خصلات شعرها تنسدل من أسفل حجابها في نعومة. كانت أشعة الشمس الذهبية تنعكس على وجهها، فتزيده إشراقًا، حتى بدت وكأنها لوحة مرسومة.
توقفت أمام الأدهم، فمد الحصان رأسه إليها، فابتسمت وربتت على عنقه بحنان.
في تلك اللحظة...
كان عدد من الغفر يقفون في ساحة الإسطبل، وما إن رأوها حتى توقفت أحاديثهم للحظات، وانشغلت أنظارهم بها بإعجاب واضح.
اشتعل شيء داخل فارس.
ضاقت عيناه، وانقبض فكه بقوة.
شعر بغيرة لم يعرفها من قبل، حتى إنه لم ينتبه أنه قبض على مفاتيح سيارته بقوة.
تمتم بينه وبين نفسه:
ـ كلهم واقفين يبصولك وانتى ولا انتى هنا ماشى ياهمس...
إن ما ربيتك ما بقاش أنا فارس!
ثم اتجه نحوها بخطوات سريعة، وملامحه يكسوها الغضب.
ما إن اقترب حتى قال بصوت حازم:
ـ إنتِ بتعملى إيه هنا؟
التفتت همس إليه فجأة، وارتبكت من نبرة صوته.
ـ أنا... كنت جاية أشوف الأدهم بس.
لم يلتفت حتى إلى جوابها، بل وجه نظره إلى الغفر الذين ما زالوا يقفون في أماكنهم.
صاح بهم بغضب:
ـ وإنتوا واقفين عندكم بتعملوا ايه كله يروح يشوف شغله
اخلصوا .
انتفض الرجال في أماكنهم بخوف، وانخفضت رؤوسهم.
ـ حاضر يا فارس بيه.... أوامرك 
وفي ثوانٍ، تفرق الجميع كلٌّ إلى عمله، دون أن يجرؤ أحد على رفع عينيه مرة أخرى.
أما همس، فظلت تنظر إليه بدهشة، ثم قالت بخفوت:
ـ هو... هو أنا عملت حاجة زعلتك؟
نظر إليها فارس، وما زالت الغيرة تشتعل في عينيه، لكنه حين التقت عيناه بعينيها الواسعتين المليئتين بالحيرة، هدأ قليلًا.
تنهد ببطء، ثم قال وهو يحاول السيطرة على انفعاله:
ـ الفستان ده... متلبسهوش تانى بره الاوضه أو قدام حد سمعه.
اتسعت عينا همس في دهشة، واحمر وجهها بخجل.وقالت 
ببعض التحدى.
ـ ليه بقى إن شاء الله؟
اقترب منها خطوة، ثم قال بصوت منخفض امتزجت فيه الغيرة بالصدق:
ـ لأن كل اللى في السرايا كانوا باصين لك... وده معجبنيش خالص.
خفضت همس رأسها فور أن سمعت كلماته، وشعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها.
أما فارس، فظل ينظر إليها لثوانٍ، اقترب منها بعض الخطوات ثم قال بهدوء وقد اختفت نبرة الغيرة من صوته وتملكته    
إحساس بالراحة لمجرد رؤيتها.ممزوج برغبة قوية فى أن تكون له وحده:
ـ ستى... كلمتك؟
ازدادت دقات قلب همس، وأومأت برأسها بخفة.
ـ أيوه.
ابتلع فارس ريقه بصعوبة، وكأنه لأول مرة يشعر بالتوتر.
ثم سألها بحذر:
ـ وقالتلك... على موضوع الجواز؟
همست همس:
ـ قالتلى.
ساد بينهما صمت قصير، لا يُسمع فيه سوى صوت الأدهم وهو يحرك حافره على الأرض.
أخذ فارس نفسًا عميقًا، ثم قال وهو ينظر إليها بثبات:
ـ وأنا... يهمنى أعرف رأيك .
ظلت همس صامتة، تعبث بطرف فستانها فى توتر.
ابتسم فارس ابتسامة خفيفة وقال:
ـ للدرجة دى السؤال صعب؟
رفعت عينيها إليه للحظة، ثم خفضتهما سريعًا وهمست:
ـ مش صعب... بس خايفة.
اقترب منها خطوة، وقال برفق:
ـ خايفة منى؟
هزت رأسها بسرعة.
ـ لا... والله أبدًا.
ـ أمال خايفة من إيه؟
تنهدت همس وقالت بصوت مكسور:
ـ خايفة إن وجودى فى حياتك يسببلك أذى... عز مش هيسكت لو عرف مكانى.
ابتسم فارس ابتسامة واثقة، وقال:
ـ أنا مسألتكيش عن عز... أنا سألتك عن همس.
رفعت رأسها إليه، فوجدته يبتسم لها بهدوء.
ارتبكت همس، واشتعل وجهها بحمرة الخجل.
ظلت صامتة للحظات، ثم همست بصوت يكاد لا يُسمع:
ـ أيوه...
تجمد فارس مكانه للحظة، وكأنه لم يصدق ما سمعه.
اتسعت ابتسامته دون أن يشعر، بينما خفضت همس رأسها أكثر، وقد أدركت أنها اعترفت بما كان يخفيه قلبها.
قال فارس بصوت امتلأ بالفرحة:
ـ يعنى... موافقه؟
أغمضت همس عينيها من شدة الخجل، ثم أومأت برأسها بخفة.
ابتسم فارس ابتسامة وبعد وقرب من حصانه وهو يضمه بلهفة وقال بنبرة عالية: يابووووووووووى وافقت يادهم
رجع قرب منها ونظرات العشق تملأ عيونه.
ـ خلاص نكتب الكتاب يوم الخميس... والباقى سيبيه عليا. أوعدك إنى هحارب الدنيا كلها... بس مستحيل أسمح لحد ياخدك منى .
نظرت إليه همس بعينين دامعتين، بينما كان قلبها لأول مرة يشعر أن له وطنًا... اسمه فارس.و....

                    الفصل الثالث عشر من هنا
تعليقات



<>