رواية عذبة النخيل الفصل الثالث عشر13 بقلم حنان أحمد ماهر

رواية عذبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر 
رواية عذبة النخيل الفصل الثالث عشر13 بقلم حنان أحمد ماهر 

تمر الأيام أحيانًا هادئة... لكنها تخفي خلف هدوئها عاصفة لا ينجو منها أحد.
ويومان فقط... كانا كفيلين بأن تنقلب الموازين رأسًا على عقب.
في مكانٍ ما، كانت خيوط المؤامرة تزداد تشابكًا، وأسرار الماضي تخرج من ظلامها واحدًا تلو الآخر.
أما عز... فكان يظن أنه يسيطر على كل شيء، غير مدرك أن القدر كان يُعد له الضربة التي لم يتوقعها يومًا.

قبل أن يدخل عز إلى الفيلا، كان وجهه يحمل آثار يومين قضاهما بعيدًا، يحاول أن يهرب من ضغوطه مع ميس السكرتيرة، لكنه ما إن عبر الباب حتى شعر بشيء غريب... سكون غير معتاد.
خلع سترته وهو يهتف بصوت مرتفع: ـ يا ناهد!
أسرعت الخادمة نحوه وهي تخفض رأسها باحترام. ـ أؤمر يا عز بيه.
نظر إليها سريعًا وسأل بلهجة عادية: ـ فين مدام فاطمة؟
ارتبكت الخادمة، ثم قالت بتردد: ـ والله يا بيه... مدام فاطمة بقالها يومين مش موجودة... وإحنا افتكرنا إنها مع حضرتك... ومحدش يعرف راحت فين.
تجمدت ملامح عز للحظة... ثم اتسعت عيناه في صدمة.
ـ إيه؟! بقالها يومين مش موجوده؟! وماحدش فيكم بلغنى؟!
ارتعشت الخادمة وهي ترد: ـ والله يا بيه... محدش شافها وهي خارجة... وحتى تليفونها مقفول.
انفجر عز غضبًا، وألقى المزهرية التي بجواره على الأرض، فتحطمت إلى عشرات القطع.
ـ يعني إيه ما حدش شفها؟!
خرج مسرعاً للبهو كالمجنون، ثم صرخ بأعلى صوته: ـ يا حرس! كله يجي هنا... حالًا!
في ثوانٍ، تجمع أفراد الحراسة أمامه.
نظر إليهم بعينين حمراوين من شدة الغضب، ثم صاح: ـ مين كان واقف على البوابة آخر يومين؟! وإزاي فاطمة هانم تختفي ومحدش يبلغني؟!
تقدم كبير الحرس بخوف وقال: ـ يا عز بيه...  فاطمة هانم خرجت بالليل لوحدها... ولما سألناها قالت إنها راجعة بعد شوية... ومن ساعتها مرجعتش.
قبض عز على ياقة الرجل بعنف وهو يهدر: ـ يعني تسيبها تخرج من غير ما تعرف رايحة فين؟!
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وقال: ـ إحنا... حاولنا نتصل بحضرتك بعدها... لكن تليفونك كان مقفول.
دفعه عز بقوة حتى كاد يسقط، ثم قال بصوت مخيف: ـ لو فاطمة ما رجعتش... والله ما هرحم حد فيكم!
ثم أخرج هاتفه بسرعة، واتصل بأحد رجاله المخلصين وقال بلهجة آمرة: ـ سالم فاطمة مش موجوده في الفيلا بقلها يومين اقلبوا الدنيا كلها... عايز فاطمة قدامي...... عندك ساعة واحدة بس لو معرفتش هى فين ... يبقى قول على نفسك يا رحمن يا رحيم.

في صباح اليوم التالي...
فتح حمزة باب غرفته ببطء، وما زالت ملامح القلق تسيطر على وجهه، وعيناه غارقتان في شرود لم يفارقه منذ الليلة الماضية.
وما إن خرج إلى الصالة، حتى لمح والدته، الحاجة كريمة، تخرج من المطبخ وهي تحمل صينية الإفطار، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة حانية.
ابتسمت وهي تقول: ـ تعالى يا حمزة يا ولدي... الفطار جاهز، اقعد كل لقمة قبل ما تنزل.
توقف حمزة للحظة، ثم هز رأسه بهدوء وقال: ـ لا يا أمي... ماليش نفس.
اختفت الابتسامة من وجه الحاجة كريمة، واقتربت منه تنظر إلى ملامحه المتعبة، ثم قالت بقلق: ـ مالك يا ضنايا؟ شكلك مش على بعضك... فيه حاجة مضايقاك؟
أجبر نفسه على ابتسامة خفيفة وهو يشيح بنظره عنها وقال: ـ مفيش يا أمي... شوية إرهاق بس.
كانت تعلم أنه يخفي شيئًا، لكنها لم تضغط عليه، فاكتفت بالدعاء في سرها أن يطمئن قلبه.
تنهد حمزة، ثم قال وهو يتجه نحو الباب: ـ على فكرة يا أمي... بعد صلاة العصر جهزي نفسك.
نظرت إليه باستغراب. ـ ليه يا ولدي خير عايزني اجهز نفسي ليه؟
ابتسم ابتسامة هادئة وقال: ـ هنروح سوا بيت الحاج عبد الرحيم... أبلغه إن العفش كله جه، والشقة قربت تخلص تشطيبها. ولو ربنا أراد... يبقى الفرح خلال الشهر الجاي.
ارتسمت الفرحة على وجه الحاجة كريمة، ورفعت يديها إلى السماء وهي تقول: ـ ربنا يتمملك على خير يا ابني... ويجمع بينكم في الحلال، ويتمم فرحتكم.
اكتفى حمزة بابتسامة باهتة، لكن قلبه ظل معلقًا بآيات، يتمتم في داخله:
"يارب... ياامى ... يارب."

وعند الحاجة خديجة وصلت إلى سرايا الدمنهوري، وهي تحمل في يدها حقيبتها الصغيرة كعادتها كل صباح، بعدما جاءت لتباشر عملها داخل السرايا.
وما إن دخلت، حتى لمحت الحاجة أمينة تقف في بهو السرايا تتابع تجهيزات الإفطار.
ابتسمت الحاجة خديجة وهي تقول باحترام: ـ صباح الخير يا ست أمينة.
التفتت إليها الحاجة أمينة، فبادلتها الابتسامة قائلة: ـ صباح النور ... كيفك يا خديجة عاملة إيه؟
ـ الحمد لله يا ست الكل... ربنا يديم عليكِ الصحة.
هزت الحاجة أمينة رأسها برضا، ثم قالت: ـ الحمد لله... اسمعي يا خديجة، همس فوق في أوضتها. لو عايزة تطمني عليها اطلعي شوفيها، بس متتأخريش، عشان تنزلى تساعدني في تجهيز الفطار، الكل هيتجمع بعد شوية.
ابتسمت الحاجة خديجة بارتياح، وقالت: ـ كنت مكسوفه أطلب منك اطلعها. ربنا يطمنك ياحاجه ويطمنك قلبك يارب على حبيبك .
ابتسمت الحاجة أمينة بحنان، ثم قالت: ـ يارب ياخديجة
ياله همى اطلعى ومتعوجيش خلونا نفطرو الرجاله همى ياله.
أومأت الحاجة خديجة، ثم صعدت الدرج بخطوات مسرعة، وقلبها مشتاق للاطمئنان على همس، بينما عادت الحاجة أمينة تتابع تجهيز مائدة الإفطار استعدادًا لاجتماع العائلة.

ابتسمت الحاجة خديجة وهي تطرق باب الغرفة برفق، وما إن سمعت صوت همس الهادئ يأذن لها بالدخول، حتى دفعت الباب ودخلت.
وما إن وقعت عينا همس عليها، حتى اتسعت ابتسامتها وهي تهرع إليها قائلة بفرحة: ـ الحاجة خديجة!
فتحت الحاجة خديجة ذراعيها، لتلقي همس نفسها بين أحضانها، وضمتها بقوة وكأنها تطمئن قلبها قبل أن تطمئن عينيها.
ربتت على شعرها بحنان وهي تقول: ـ وحشتيني يا بتي... عاملة إيه؟ طمنيني عليكي.
ردت همس بابتسمى : ـ الحمد لله يا حاجة... أنا بخير.
أبعدتها الحاجة خديجة قليلًا، وأخذت تتأمل وجهها، ثم ابتسمت وهي تقول: ـ وشك منور يا همس... أول مرة أشوف فيه الراحة دي من يوم ما وعتلك.
احمر وجه همس بخجل، فلاحظت الحاجة خديجة ذلك، فضيقت عينيها وهي تبتسم بمكر: ـ فيه إيه يا بتى؟ شكلك مخبية عليا حاجة حصل ايه طمنينى.
جلست همس بجوارها، ثم أمسكت بيدها وقالت بخجل: ـ هقولك... بس متضحكيش عليا.
ضحكت الحاجة خديجة وقالت: ـ هو أنا أضحك عليكي برضه؟ احكي.
تنهدت همس، ثم بدأت تحكي لها كل ما حدث منذ الليلة الماضية... كيف تحدثت معها الحاجة أمينة، وكيف أخبرتها أن فارس طلب يدها للزواج، وأنه وقف أمام جده وجدته بكل ثقة، وأعلن أنه يريدها زوجة لأنه يحبها، وليست شهامه منه ليحميها.
أنهت همس حديثها وهي تخفض رأسها خجلًا، ثم همست: ـ ولسه مستنين أرد عليهم.
ساد الصمت للحظات، ثم ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه الحاجة خديجة، : ـ يادى الهنا ..  يادى السعد.
 وربتت على يدها وكملت بحب وإخلاص : ـ يا بنتي... وافقي. والله ما هتلاقي راجل زي فارس بيه في الدنيا.
 ده راجل ابن أصول، قلبه أبيض، فارس بيه هيكون سندك بعد ربنا، وهيصونك ويحافظ عليكي، ومش هيسمح لحد يقرب منك. الراجل ده نعمة من عند ربنا يا همس... والنعمة لما تيجي، لازم نحافظ عليها.
ابتسمت همس بخجل، وهمست بصوت يكاد لا يُسمع: ـ وأنا... قلبي ارتاح له يا حاجة... أول مرة أحس بالأمان وأنا مع حد.
ابتسمت الحاجة خديجة في رضا، وربتت على خدها برفق وقالت: ـ يبقى متتردديش يا بتي... وافقي، وسيبي الباقي على ربنا. إن شاء الله هيعوضك عن كل يوم شوفتي فيه وجع وقهر.
هزت همس رأسها بخجل، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة صادقة، وكأن قلبها بدأ يصدق أخيرًا أن بعد كل هذا الألم... قد يكون هناك بابٌ للسعادة قد فُتح من أجلها.

وعند بيت الحاج عبد الرحيم:-
يسود الصمت المشحون المكان، بينما ذهب حمزة  وبجواره والدته، يحمل في يده علبة الحلوى التي أحضرها معه، وعلى وجهه ابتسامة هادئة تخفي خلفها لهفة كبيرة.
طرق الباب طرقات خفيفة.
وبعد لحظات، فُتح الباب، ليظهر الحاج عبد الرحيم.
ما إن وقعت عيناه على حمزة، حتى اختفت ملامح الترحيب، وعقد حاجبيه في ضيق واضح، ثم قال بجمود: ـ اتفضلوا.
نظر حمزة إليه باستغراب، فقد شعر منذ اللحظة الأولى أن هناك شيئًا غير طبيعي.
دخل هو ووالدته، وجلسا في غرفة الضيوف، بينما كان الحاج عبد الرحيم صامتًا على غير عادته، وملامحه متجهمة.
زاد ذلك من قلق حمزة، لكنه حاول أن يتماسك.
اقتربت عائشة وهي تحمل صينية عليها أكواب الشاي وبعض الحلوى، ووضعتها أمام الضيوف قائلة: — يا مراحب...يامراحب نورتونا والله ياحاجة كريمة
اتفضلوا... البيت بيتكم.
ابتسمت الحاجة كريمة وردّت بود وهي تضع يدها على صدرها: — يا حبيبتي ده نوركم... ربنا يديم المحبة بينا.
 بينما جلس حمزة وهو يحاول إخفاء توتره، لكن عيناه ظلتا تتحركان في أنحاء البيت تبحثان عن آيات.
ثم تنحنح  وقال بابتسامة هادئة: ـ يا حاج عبد الرحيم... أنا الحمد لله جبت العفش كله، والشقة خلاص قربت اخلص تشطيبها، وجيت انهارده علشان أبلغك إننا، بإذن الله، عايزين الفرح يكون أول الشهر الجاري.
لم تكد كلماته تنتهي...
حتى نهض الحاج عبد الرحيم واقفًا بعنف، وارتفع صوته في أرجاء المنزل:
ـ جواز إيه؟! أنا ماعنديش بنات للجواز!
شهقت الحاجة كريمة، ثم نهضت من مكانها على الفور وهي تقول بارتباك: — استهدى بالله يا حاج... إيه اللي بتقوله ده؟
اما حمزة فتسعت عيناه في صدمة، ونهض هو الآخر قائلاً بعدم استيعاب: ـ يعني إيه يا حاج؟! إحنا قرينا الفاتحة واتفقنا على كل حاجة... إيه اللي حصل؟
ضرب الحاج عبد الرحيم الأرض بعصاه وهو يهتف بغضب شديد: ـ اللي حصل... إنك خنت الثقة!
قطب حمزة حاجبيه وقال بحيرة: ـ خنتها؟! أنا عملت إيه؟
أشار إليه الحاج عبد الرحيم بإصبعه، وقال بصوت غاضب: ـ بتقابل بنتي من ورايا!
وقبل ما تنكر مد يده إلى الطاولة، وأخرج هاتفه، وفتحه أمام حمزة.
ـ خد شوف بنفسك؟
أخذ حمزة الهاتف، وما إن وقعت عيناه على الصورة، حتى اتسعت عيناه في دهشة.
كانت صورة واضحة له وهو يقف مع آيات ويتحدثان.
قبض على الهاتف بقوة، وقال بدهشة ممزوجة بالغضب:
ـ مين اللي صورنا؟!
رد الحاج عبد الرحيم بحدة:
ـ معرفش... الصورة جتلي من رقم مجهول. واللي بعتها كتبلي: "شوف بنتك بتقابل خطيبها فى الطريق."
ساد الصمت للحظات...
ثم أخذ حمزة نفسًا عميقًا، محاولًا أن يسيطر على غضبه، وقال بصوت هادئ رغم التوتر الذي يملأه مبرراً:
ـ يا حاج عبد الرحيم... والله العظيم أنا ما رحتش أقابل آيات في الخفا ولا كنت ناوي أكسر كلمتك. اللي حصل كان صدفة... قابلتها في الطريق، واتكلمنا كام دقيقة بس.
لكن الحاج عبد الرحيم لم تهتز ملامحه، بل ازدادت قسوة، وقال بنبرة حاسمة:
ـ خلصنا واللى عندى قولته؟!
حولت الحاجة كريمه تهدى ما بينهم وقفها الحاج عبد الرحيم بحزم. خلصنا يا حاجة كل شيء قسمه ونصيب 

 ارتفعت أنفاس حمزة، واشتعل الغضب في عينيه.
أعاد الهاتف إلى الحاج عبد الرحيم، وقال بصوت غاضب:
اسمعني يا حاج عبد الرحيم... أنا جيت بيتك انهارده وأنا رافع راسي، لأن بيني وبينك كلمة رجالة.
اقترب خطوة، وأكمل بنبرة حاسمة:
ـ أنا قريت فاتحه بنتك ... وأنت بنفسك وعدتني إن آيات بقت على اسمي، وإن الفرح هيكون أول الشهر الجاري. وأنا بنيت كل حاجة على كلمتك... جبت العفش، وخلصت الشقة، واستعديت لكل حاجة.
ساد الصمت، لكن حمزة لم يتراجع.
وقال وهو ينظر إليه بثبات:
ـ أما بقى تيجى وتقولى ما فيش جواز علشان واحد عايز يخرب ما بنا وكانك ما صدقت علشان تسحب كلمتك  وفاكر إن كلمة رجالة تتكسر بسهولة، تبقى غلطان.
اشتعل الغضب في عيني الحاج عبد الرحيم، لكنه لم ينطق.
أما حمزة، فأشار بيده مؤكدًا:
ـ وآخر كلمة عندي... آيات مراتي، ومهما حصل، ومهما حاول أي حد يفرق بينا، أنا مش هتنازل عنها، وهعرف مين اللي بيلعب اللعبة دي، وساعتها محدش هيقدر يحميه.
ثم التفت إلى والدته وقال بهدوء يخفي خلفه ثورة:
ـ يلا يا حاجة... إحنا ماشيين.
خرج حمزة من المنزل بخطوات سريعة، بينما كانت الحاجة كريمة تسير خلفه في قلق، وأغلق الباب خلفه بقوة.

غافل أن آيات كانت تقف خلف الباب، تستمع إلى كل ما دار.
انهمرت الدموع على خديها وهي تسمعه .
ابتسمت وسط دموعها، وشعرت أن قلبها امتلأ بالأمان رغم كل ما حدث.
همست بصوت خافت:
ـ كنت واثقة إنك عمرك ما هتسيبني يا حمزة.
ثم مسحت دموعها وذهبت إلى غرفتها سريعًا قبل أن يراها والدها، بينما بقيت كلماته تتردد في قلبها، وتمنحها أملًا أنه
مستحيل يتخلا عنها 
أما الحاج عبد الرحيم، فظل واقفًا في مكانه، وعلامات الغضب والتوعد تظهر على وجه.
تمتم فى سره . نبقى نشوف يابن الشيخ طه هتاخد بتى منى ازى .

كان يجلس داخل شقة صغيرة على أطراف البلد، اعتاد أن يقضي فيها بعض سهراته بعيدًا عن أعين الناس.
كانت الموسيقى تعلو في المكان، بينما كانت الراقصة زيزى تنهي وصلتها، ثم اقتربت منه وهي تضع الشيشة أمامه، وقالت بابتسامة:
ـ مالك يا سي عباس؟ سرحان يعنى ومش معايا النهارده.
نفث عباس دخان الشيشة بعصبية، ثم قال وهو يضرب بكفه على ذراع المقعد:
ـ متغاظ... ومتغاظ أوي يازيزى من الواد اللي اسمه حمزة.
عقدت حاجبيها باستغراب وقالت:
ـ وليه بس؟ ده الراجل سمعته كويسة، ومحترم وفي حاله.
انتفض عباس في مكانه بغضب، وقال بصوت حاد:
ـ محترم إيه! ده عمل راسه براسي، وكله بسبب ابن عمي فارس... هو اللي إداله ضهر وخلاه يفكر إنه يقدر يقف قصادي.
حاولت تهدئته وهي تقول:
ـ طب اهدى... العصبية مش هتنفعك.
لكن عباس قال من بين أسنانه:
ـ أقسم بالله لأكسر دماغ فارس... هو السبب في كل اللي حصل، وهو اللي جرء الواد  حمزة عليّا.
هزت زيزى رأسها وهي تنظر إليه باهتمام، ثم قالت:
ـ يعني ناوي تعمل إيه؟
أخذ عباس نفسًا عميقًا من الشيشة، وأخرجه ببطء، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة وقال:
ـ  لازم يدفع التمن.
ضيقت عينيها وسألته بحذر:
ـ تقصد فارس... ولا حمزة؟
رد عباس ببرود:
ـ الاتنين... بس كل واحد وليه طريقه.
قالت وهي تراقب ملامحه:
ـ بس فارس مش سهل... وكل البلد بتحترمه وتخاف منه.
ابتسم عباس بسخرية وهو يهز رأسه:
ـ مفيش حد كبير على عباس... استني بس، وهتشوفي البلد كلها هتتقلب عليه، وساعتها لا فارس هيعرف يحمي حد... ولا حمزة هيعرف يرفع عينه في وشي.
وفي سرايا الدمنهوري...
خرج فارس من غرفته وهو يعدل أكمام قميصه، وفي اللحظة نفسها، فتحت همس باب غرفتها وخرجت وخلفها الحاجة خديجة.
التقت عيناهما لثوانٍ، فارتبكت همس وخفضت رأسها بخجل، بينما ارتسمت على وجه فارس ابتسامة هادئة لم يستطع إخفاءها.
وفي تلك اللحظة، اقتربت الحاجة خديجة منهما وهي تبتسم بسعادة.
ـ صباح الخير يا فارس بيه.
ابتسم فارس باحترام وقال: ـ صباح الخير يا حاجة خديجة.
لاحظت الحاجة خديجة نظراته التي لم تفارق همس، ثم نظرت إليها وهي تخفي ابتسامتها، وقالت بمكر لطيف:
ـ أنا هسبقكم على تحت عن أذنك يا فارس ياولدى.
ثم استأذنت ونزلت الدرج، تاركةً إياهما وحدهما.
ساد بينهما صمت قصير، قطعه فارس وهو يقترب منها خطوة وقال بابتسامة:
ـ صباح الخير يا همسي.
رفعت عينيها إليه بخجل وهمست:
ـ صباح النور.
ابتسم أكثر، ثم قال بهدوء:
ـ جهزي نفسك بعد الفطار... هننزل سوا.
نظرت إليه باستغراب وسألته:
ـ هننزل هنروح فين؟
رد وهو ينظر إليها بعينين مليئتين بالاهتمام:
ـ هنشتريلك شوية حاجات... الشبكة، واللبس، وكل اللي هتحتاجيه. مش هينفع عروستي يبقى ناقصها أي حاجة.
احمر وجه همس بشدة، وخفضت رأسها وهي تبتسم في خجل، بينما ظل فارس ينظر إليها، وقد امتلأت عيناه بسعادة لم يشعر بها منذ سنوات.
ابتسمت همس بخجل، ثم قالت بصوت خافت وهي تعبث بطرف حجابها:
ـ بس... أنا مش عايزة أتعبك، ومش محتاجة حاجه.
هز فارس رأسه مبتسمًا، وقال بنبرة حاسمة يغلفها الحنان:
ـ التعب إني أشوفك محتاجة حاجة ومجيبهاش. وبعدين... من انهارده أي حاجة تخصك، تخصني.
رفعت عينيها إليه للحظة، ثم سرعان ما أشاحتهما، وقد ازداد خجلها من كلماته.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت الحاجة أمينة من أسفل:
ـ يا ولاد... الفطار جاهز!
ابتسم فارس وهو يشير بيده نحو الدرج قائلاً:
ـ يلا... قبل ما جدتي تطلع تزعق لنا.
ضحكت همس بخفة، ثم سبقته إلى الدرج بخطوات سريعة، بينما ظل ينظر إليها للحظات، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عاشق لا يرى سواها.

اجتمع الجميع حول مائدة الإفطار، وكان الحاج عبد المجيد يجلس في صدرها، وإلى جواره الحاجة أمينة، بينما جلست همس في هدوء.
ولم تمضِ سوى لحظات حتى تعمد فارس أن يسحب الكرسي المجاور له، ثم نظر إلى همس قائلاً:
ـ اقعدي هنا.
ترددت همس، لكنها جلست في المكان الذي أشار إليه، وسط ابتسامة خفية من الحاجة أمينة، ونظرة رضا من الحاج عبد المجيد.
وبينما كانت همس تمد يدها لتصب لنفسها كوبًا من الشاي، سبقها فارس وأخذ البراد من يدها قائلاً:
ـ سيبيه... أنا هعملهولك.
سكبت لها الحاجة أمينة نظرة مليئة بالدفء، ثم قالت وهي تبتسم:
ـ ربنا يديم المحبة بينكم.
ازدادت حمرة وجنتي همس، بينما ابتسم فارس دون أن يخفي سعادته.
وبعد انتهاء الإفطار، نهض فارس وهو يلتقط مفاتيح سيارته من فوق الطاولة، ثم التفت إلى جده قائلاً:
ـ يا جدي... أنا نازل مع همس السوق، هنجيب الشبكة وباقي الحاجات.
ابتسم الحاج عبد المجيد وأومأ برأسه موافقًا:
ـ ربنا يتمم لكم على خير يا ولدي.
أما الحاجة أمينة، فاقتربت من همس وربتت على كتفها بحنان:
ـ روحي يا بنتي... واختاري كل اللي يعجبك، ومتقلقيش من أي حاجة،ربنا يتمم على خير، مبروك يا حبيبتي.
أومأت همس بخجل، ثم نظرت إلى فارس الذي مد يده نحو الباب قائلاً بابتسامته الواثقة:
ـ يلا يا عروستي... قدامنا يوم طويل. و..

تعليقات



<>