رواية خادمتي الصامته الفصل الثالث عشر13بقلم اسماعيل موسي


رواية خادمتي الصامته الفصل الثالث عشر13بقلم اسماعيل موسي

كان العمل في بيت العمدة يزداد يومًا بعد يوم، حتى بدا لتقى أن النهار لا يكفي لإنهاء ما يوكل إليها من أعمال، فما إن تنتهي من تنظيف إحدى الحجرات حتى تجد زوجة العمدة تناديها من ناحية أخرى، وإن فرغت من غسل الأواني أرسلتها إلى الفناء لتنظيفه، ثم لا تكاد تلتقط أنفاسها حتى تأمرها بحمل الماء أو إعداد الطعام أو غسل الملابس
وكانت زوجة العمدة تراقبها بعين لا تخفي ما في داخلها من غيرة، فقد كانت ترى في تقى فتاة صغيرة جميلة رغم ما أنهكها من الفقر والعمل، وكانت تخشى أن تلفت نظر زوجها إليها، لذلك لم تكن تسمح لها بأن تجلس لحظة دون عمل، وكأنها تريد أن تطفئ في جسدها كل أثر للجمال قبل أن تراه عين أخرى
وفي بعض الأيام كانت تتعمد أن توقظها قبل شروق الشمس، ثم تتركها تعمل حتى يهبط الليل، فإذا جلست تقى للحظات تستريح على عتبة المطبخ جاءها صوت المرأة من الداخل
قومي يا بت، هو الشغل خلص؟
كانت تقى تنهض دون كلمة، تحمل ما في يديها وتعود إلى العمل، وقد صار الصمت بالنسبة إليها أهون من الجدال، فهي تعرف أن أي اعتراض سيجعل يومها أطول وعقابها أقسى
أما العمدة فقد بدأ يعاملها بطريقة مختلفة منذ الأيام الأولى، ولم تكن نظراته إليها تخفى على فتاة عاشت عمرها بين الرجال والنساء وعرفت متى تكون النظرة عابرة ومتى تحمل وراءها معنى آخر
كان يستدعيها أحيانًا بحجة أن يطلب منها شيئًا، ثم يطيل النظر إليها أكثر مما ينبغي، فإذا اقتربت منه تراجع خطوة وترك بينهما مسافة، لكنه كان يختبر حدودها بكلمات لا تليق برجل في مكانه
وفي إحدى المرات قال لها وهو يبتسم ابتسامة ضيقة، إنتي شاطرة يا تقى، ولو سمعتي الكلام وخليتيكي قريبة مني هتعيشي مرتاحة
رفعت تقى عينيها إليه لحظة، ثم خفضتهما دون أن تجيبه
فقال، أنا بتكلم معاكي
أشارت بيديها أنها فهمت، ثم استدارت لتعود إلى عملها
لم يعجبه تجاهلها، لكنه لم يظهر غضبه في تلك اللحظة، وإنما تركها تنصرف وهو يراقبها حتى غابت عن عينيه
وفي مرة أخرى حاول أن يقترب منها أكثر، فابتعدت تقى عنه بسرعة، ثم هزت رأسها رافضة، وكانت نظرتها هذه المرة واضحة إلى حد لم يترك له مجالًا للتظاهر بأنه لم يفهم
تغير وجه العمدة وقال، إنتي بتتمنعي عليا؟
ظلت تقى صامتة
قال بنبرة أكثر خشونة، أنا العمدة هنا، فاهمة يعني إيه؟
لم تجبه، واكتفت بأن تراجعت خطوة أخرى
ومنذ ذلك اليوم تغيرت معاملته لها، فكلما رفضت تلميحًا من تلميحاته أو أفهمته بصمتها أنها لن تقبل ما يريده، وجد لها عملًا جديدًا، وكأن يديها لم تعودا تكفيان لكل ما في البيت
فإذا انتهت من تنظيف الفناء أمرها بتنظيف الإسطبل، وإذا فرغت من الإسطبل أرسلها إلى المخزن، وإذا انتهت من حمل الماء كلفها بغسل الثياب، حتى صار جسدها المنهك هو المكان الوحيد الذي يدفع فيه العمدة ثمن رفضها
وكانت زوجته تلاحظ ذلك كله، لكنها لم تسأل عن السبب، بل كانت تجد في كثرة العمل على تقى شيئًا يرضيها، وكأنها تشارك زوجها، دون أن تعرف، في العقاب نفسه
أما تقى فكانت تؤدي ما يطلب منها، وتخفي تعبها خلف صمتها القديم، لكنها في داخلها كانت تعرف أن الأمر لم يعد متعلقًا بدين أبيها وحده، فقد أصبحت أسيرة بيت لا تستطيع مغادرته، بين امرأة ترهقها بالعمل ورجل لم تعد نظراته إليها تشبه نظرات صاحب عمل إلى خادمته
وكان أكثر ما يؤلمها أنها كلما حاولت أن تبتعد عن طريقه، وجدت العمل يزداد فوق كتفيها، وكأن العمدة وجد في صمتها فرصة ليجعل عقوبتها بلا صوت
ومع ذلك لم تخضع له
كانت تعرف أن الرفض قد يكلفها يومًا آخر من العذاب، وربما أكثر، لكنها كانت ترى أن بعض الأشياء إذا تنازل الإنسان عنها مرة، فلن يستطيع أن يستعيدها بعد ذلك مهما دفع من عمره
ولهذا ظلت تقى صامتة، تعمل حتى تتشقق يداها، وتعود إلى فراشها في الإسطبل منهكة

كان النهار قد أوشك على الانطفاء حين أرسل العمدة أحد الغفر إلى تقى وأمرها أن تأتي إليه في الغرفة الداخلية، ولم تفهم في البداية سبب استدعائها، لكنها شعرت بشيء من القلق وهي تعبر الفناء وحدها، فقد اعتادت أن تجد له في الآونة الأخيرة أعذارًا كثيرة كلما أراد أن يستوقفها
دخلت تقى الغرفة، فوجدت العمدة جالسًا وحده، وأشار إليها أن تقترب، لكنها بقيت عند الباب، تنظر إليه في حذر
قال لها بنبرة هادئة على غير عادته، تعالي يا تقى، أنا عايز أكلمك في كلمتين
لم تتحرك
ابتسم ابتسامة قصيرة وقال، إنتي فاكرة إنك هتفضلي طول عمرك خدامة في البيوت؟
ظلت صامتة، فتابع وهو يراقب وجهها، أنا أقدر أغير حياتك كلها
اقترب بجسده إلى الأمام، وقال، لو طاوعتيني وسمعتي كلامي، هتعيشي عيشة عمرك ما حلمتي بيها، هنتشلك من الفقر ده، ومش هتفضلي تلبسي الجلابيب القديمة دي، أجيب لك هدوم جديدة على قدك، وأخليكي أحسن من بنات كتير عايشين في بيوت أهاليهم
رفع يده كأنه يرسم أمامها صورة لحياة أخرى، ثم أضاف، ولو عايزة قطعة دهب في إيدك، تبقى في إيدك، أنا مش عاجز عنها
ظلت تقى تنظر إليه في صمت، ثم هزت رأسها ببطء، وكانت إجابة الرفض واضحة في عينيها قبل أن تتحرك يداها
تغير وجه العمدة
قال، يعني إيه؟
أعادت تقى هز رأسها، ثم تراجعت خطوة نحو الباب
نهض العمدة فجأة، وارتفع صوته حتى ارتد داخل الغرفة، إنتي مش عارفة أنا أبقى مين؟
توقفت تقى مكانها
قال وهو يتقدم نحوها، أنا العمدة يا بت، فاهمة يعني إيه العمدة؟
وأشار بيده إلى الخارج وقال، أنا هنا العمدة، وأنا اللي الناس بترجع لي، واللي في المركز يعرفوني، والغفر بياخدوا كلامي، وأقدر أخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي فيه ترفضي لي طلب
ازدادت تقى تراجعًا، لكنه تابع بصوت أكثر قسوة، أقدر أرميكي في المغفر، وتفضلي هناك محدش يسأل عنك، وتعيشي طول عمرك مش شايفة الشمس
كان يعرف أن الخوف أقوى من كثير من الأبواب، فأراد أن يغلق عليها بابها الأخير
قال، متفكريش إنك تقدري تقولي لا وخلاص، العمدة مش بيتقال له لا
ظلت تقى صامتة، لكن عينيها لم تنخفضا هذه المرة
استفزه ذلك أكثر، فصاح فيها، أنا بعرض عليكي حياة ما تعرفيش تحلمي بيها، وإنتي جاية تتمنعي؟
ثم خفض صوته قليلًا وقال، اسمعي الكلام أحسن لك، أنا أقدر أخلي حياتك وحياة أبوكي الفقري جحيم، وأقدر أخلي ديونه تكبر لحد ما يبقى مفيش باب يقدر يهرب منه
وأشار نحو الباب، ثم قال، وأبوكي أصلًا مديون لي، يعني إنتي هنا بسبب دينه، متنسيش ده
تجمدت تقى في مكانها عندما سمعت اسم أبيها، فقد كانت تعرف أن عويس هو الذي ألقى بها في هذا البيت، وأنها جاءت إليه لتسد دينًا لم تقترضه، لكن سماع العمدة يهدد أباها بها جعل الأمر أكثر قسوة
اقترب منها حتى صار صوته منخفضًا، وقال، فكري كويس، أنا مش مستعجل، لكن متفتكريش إن الرفض هيتكرر كل مرة من غير تمن
ثم عاد إلى مقعده وأشار إليها بيده أن تنصرف
خرجت تقى من الغرفة بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الذي كان يسري في جسدها، وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت لحظة في الفناء تحاول أن تستعيد أنفاسها
لم تكن تخاف من الفقر وحده، فقد عاشت فيه عمرها كله، ولم تكن تخاف من العمل، فقد تعودت أن يحمل جسدها ما لا يحتمل، وإنما كان أكثر ما يخيفها أن يتحول الرجل الذي يملك السلطة إلى قيد لا تستطيع كسره
ومع ذلك، حين عادت إلى الإسطبل في تلك الليلة، لم تندم على رفضها، لأن الفقر في نظرها كان أهون من أن تدفع الثمن من شرفها.

لكن الايام كانت تخبيء لتقى ما لم تكن تتخيله فبعد ان مل العمده من لينها واصطدم برفضها وعنادها قرر ان يؤدبها
ان يمنحها درس يجعلها تجلس تحت قدميه تتمنى رضاه وعفوه.
تعليقات



<>